صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : صفة الصفوة
المؤلف : ابن الجوزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أبو بكر بن إسماعيل الفرغاني
محمد بن داود قال: ما رأيت في الفقراء أحسن من أبي بكر بن إسماعيل الفرغاني، وكان ممن يظهر الغنى في الفقر، يلبس قميصين أبيضين ورداء وسراويل ونعلاً لطيفة وعمامة، وفي يده مفتاح كبير حسن، وليس له بيت، ينطرح في المساجد، ويطوي الخمس والست دائماً.
من المصطفين من نخشب
أيوب تراب النخشبي
واسمه عسكر بن الحصين، ويقال عسكر بن محمد بن حصين أبو عبد الله الجلاء قال: لقيت ستمائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعة أولهم أبو تراب.أبو علي الحسن بن خيران الفقيه قال: مر أبو تراب النخشبي بمزين فقال له: تحلق رأسي لله عز وجل؟ فقال له: اجلس، فجلس. ففيما يحلق رأسه مر به أمير من أهل بلده فسأل حاشيته فقال لهم: أليس هذا أبا تراب؟ قالوا: نعم. فقال: أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي خريطة فيها ألف دينار. فقال: إذا قام فأعطه واعتذر إليه وقل له: لم يكن معنا غير هذه، فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير. فقال له: ادفعها إلى المزين. فقال المزين: أي شيء أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: لا والله ولو أنها ألفا دينار ما أخذتها. فقال له أبو تراب: مر إليه فقل له إن المزين ما أخذها فخذها أنت فاصرفها في مهماتك.أبو عبد الله الجلاء قال: قدم أبو تراب يقول: بيني وبين الله عز وجل عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه.منصور بن عبد الله قال: سمعت أبا تراب النخشبي يقول: ألفت القلوب الإعراض عن الله عز وجل صحبتها الوقيعة في الأولياء.أبو العباس الشرقي قال: كنا مع أبي تراب النخشبي في طريق مكة فمرض فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابه: أنا عطشان. قال: فضرب برجله فإذا عين من ماء زلال: فقال الفتى: أحب أن أشربه في قدح، فضرب بيده الأرض فناوله قدحاً من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت، فشرب وسقانا وما زال القدح معنا إلى مكة.قال: فقال لي يوماً: ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم الله عز وجل بها عباده؟ فقلت: ما رأيت أحداً إلا وهو يعطى الإيمان بها. فقال: إنما سألتك من طريق الأحوال. قلت: ما أعرف لهم قولاً فيه. فقال: بلى قد زعم أصحابك إنها خدع من الحق وليس الأمر كذلك إنما الخدع في حال السكون إليها، فأما من لم يعرج على الملك في اعتناق الحقائق فتلك مرتبة الربانيين.أسند أبو تراب عن محمد بن نمير ويعمر بن حماد وغيرهما. وتوفي بالبادية نهشته السباع في سنة خمس وأربعين ومائتين.
من المصطفين من أهل منجوران
وهي قري ببلخ
علي بن محمد المنجوراني
أحمد بن سهل قال: مات أبو علي المنجوراني فخرجنا نعزي ابنه علي بن محمد فلما رجعنا من دفن أبيه نزع ثيابه ودخل الماء في نهر، وقال: اشهدوا أني لا أملك اليوم شيئاً مما ورثت عن أبي، لأنه يتخالج في صدري، فإن واسيتموني بقميص حتى أخرج من الماء فعلتم قال وكان لنا صديقاً مؤانساً فألقوا إليه قميصاً فخرج من الماء. وكان أبوه ترك مالاً لا يحصى.
ذكر المصطفين من عباد خراسان والمشرق
الذين لم تعرف بلادهم ولا أسماؤهم.
عابد
صالح بن عبد الكريم قال: أتى رجل من إخوان فضيل من أهل خراسان فجلس إلى فضيل في المسجد الحرام فحدثه قال: فقام الخراساني يطوف، فسرقت منه دنانير، ستين أو سبعين، قال: فخرج الخراساني يبكي، فقال له فضيل: مالك؟ قال: سرقت الدنانير، قال: عليها تبكي؟ قال: لا، قال الخراساني: مثلتني وإياه بين يدي الله عز وجل فأشرفت على إدحاض حجته فبكيت رحمة له.
عابد آخر

(1/451)


صالح بن أحمد قال: جئت يوماً إلى المنزل فقيل لي: قد وجه أبوك أمس في طلبك. فقلت: وجهت في طلبي؟ فقال: جاءني رجل أمس كنت أحب أن تراه، بينا أنا قاعد في نحر الظهيرة إذا أنا برجل يسلم بالباب وكأن قلبي ارتاح فقمت ففتحت الباب فإذا أنا رجل عليه فروة وعلى أم رأسه خرقة، ما تحت فروته قميص ولا معه ركوة ولا جراب ولا عكاز، قد لوحته الشمس، فقلت: ادخل. فدخل الدهليز فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق، أريد بعض هذه السواحل ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد إلا نويت السلام عليك. قال: قلت: على هذه الحال؟ قال نعم، ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل.قال: وجعلت أعجب منه، فقلت في نفسي: ما عندي ذهب ولا فضة، فدخلت البيت فأخذت أربعة أرغفة وخرجت إليه فقلت: ما عندي ذهب ولا فضة وإنما هذا من قوتي. قال: أويسرك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم. فأخذها فوضعها تحت حضنه وقال: أرجو أن تكفيني هذه زادي إلى الرقة. أستودعك الله. فلم أزل قائماً أنظر إليه إلى أن خرج. وكان يذكره كثيراً.
عابد آخر
أحمد بن علي الأخميمي قال: كنا ذات يوم عند ذي النون، وقد ذكر كرامات الله عز وجل لأوليائه، فقال بعض من حضره: أنت رأيت منهم أحداً يا أبا الفيض؟ فقال ذو النون: كان عندي فتى من أهل خراسان أعجمي بقي عندي في المسجد سبعة أيام لا يطعم الطعام، وكنت أعرض عليه الطعام فيأبى، فبينا نحن جلوس ذات يوم دخل سائل يطلب شيئاً، فقال له الخراساني: لو قصدت الله عز وجل دون خلقه أغناك، فقال السائل: ما لي هذا المكان، فقال له الخراساني: أي شيء تريد؟ فقال: ما سد فاقتي وستر عورتي.فقام الخراساني إلى المحراب وصلى ركعتين ثم أتاه بثوب جديد وطبق فيه فاكهة وأعطاه السائل.قال ذو النون: فقلت له: يا عبد الله لك هذا الجاه عند الله عز وجل وأنت منذ سبعة أيام لم تطعم شيئاً؟ فجثا على ركبتيه وقال: يا أبا الفيض، كيف نبسط الألسن بالمسألة والقلوب ممتلئة بأنوار الرضا عنه؟قال ذو النون: فقلت له: فالراضون لا يسألون شيئاً. فقال: منهم من يسأل من باب الإدلال، ومنهم من يملؤه غنى به، ومنهم من يستخرج المسألة منه عطفه على غيره.ثم أقيمت الصلاة فصلى معنا العشاء الآخرة وأخذ ركوته وخرج من المسجد كأنه يريد الطهارة. فلم أره بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه.
عابد من وراء النهر

(1/452)


عبد الله بن الفرج قال: حدثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان، قال: كنت يوماً في مجلس لي له منظرة إلى الطريق فإذا أنا بشيخ عليه أطار، وكان يوماً حاراً فجلس في فيء القصر ليستريح فقلت للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ فأقرئه مني السلام وسله أن يدخل إلينا فقد أخذ بمجامع قلبي.فخرج إليه فقام فدخل إلي فسلم فرددت عليه السلام واستبشرت بدخوله؛ وأجلسته إلى جانبي وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل. فقلت له: من أين أقبلت؟ فقال: من وراء النهر. فقتل: أين تريد؟ قال: الحج إن شاء الله. قال وكان ذلك أول يوم من العشر أو الثاني. فقلت: في هذا الوقت؟ قال: يفعل الله ما يشاء. فقلت: فالصحبة؟ فقال: إن أحببت ذلك.حتى إذا كان الليل قال لي: قم فلبست ما يصلح للسفر وأخذ بيدي وخرجنا من بلخ فمررنا بقرية لنا فلقيني رجل من الفلاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه فقدم إلينا خبزاً وبيضاً، وسألنا أن نأكل فأكلنا، وجاء بماء فشربنا ثم قال: بسم الله قم، فأخذ بيدي فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج فمررنا بمدينة بعد مدينة فجعل يقول: هذه مدينة كذا، وهذه مدينة كذا، هذه الكوفة، ثم إنه قال لي: الموعد ها هنا في مكانك هذا في الوقت الفلاني، يعني من الليل.حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل فأخذ بيدي وقال: بسم الله. باسم الله. قال: فجعل يقول: هذا منزل كذا، هذا منزل كذا، وهذا منزل كذا، وهذه فيدور، هذه المدينة. وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج.فصرنا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فزرناه ثم فارقني وقال لي: الوعد في الوقت من الليل في المصلى.حتى إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلى فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية حتى أتينا مكة في الليل، ففارقني فقبضت عليه فقلت: الصحبة؟ فقال: إني أريد الشام. فقتل: أنا معك. فقال لي: إذا انقضى الحج فالموعد ها هنا عند زمزم.حتى إذا انقضى الحج إذا أنا به عند زمزم فأخذ بيدي فطفنا بالبيت ثم خرجنا من مكة ففعل كفعله الأول والثاني والثالث، فإذا نحن ببيت المقدس. فلما دخل المسجد قال لي: عليك السلام أنا على المقام ههنا إن شاء الله تعالى، ثم فارقني فما رأيته بعد ذلك ولا عرفني اسمه.قال إبراهيم: فرجعت إلى بلدي أسير سير الضعفى منزلاً بعد منزل حتى رجعت إلى بلخ فكان أول أمري.قلت: قد انتهينا بحمد الله ومنه إلى نهاية المشرق ونحن نعود إلى مركزنا وهو مدينة السلام بغداد فنرتقي إلى ديار الشام والمغرب والله الموفق.
من المصطفين من أهل عكبراء
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة
وكان عالماً عابداً القاضي أبو حامد أحمد بن محمد اللؤلؤي قال: لما رجع أبو عبد الله بن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير يوماً منها في السوق ولا رئي مفطراً إلا في يومي الأضحى والفطر، وكان أماراً بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره. أو كما قال.أحمد بن علي قال: أخبرني القطيعي قال: توفي أبو عبيد الله بن بطة في المحرم سنة سبع وثمانين وثلثمائة وكان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة.
ذكر المصطفين من أهل الموصل
المعافى بن عمران أبو مسعود الأزدي

(1/453)


جمع العلم والتقوى والورع.علي بن خشرم قال: سمعت بشراً الحافي، وقال له رجل: ألا أراك عاشقاً للمعافى بن عمران، فقال: ما لي لا أعشقه، وكان الثوري يسميه الياقوتة.وقال: حضرته يوماً فنعي إليه ابناه، فما حل حبوته قال: ظالمين أو مظلومين؟ قيل: مظلومين. فحل حبوته وخر ساجداً، ثم رفع رأسه وقال: كيف كانت قصتهما؟بشر بن الحارث قال: قتل للمعافى بن عمران ابنان في وقعة الموصل فجاء إخوانه يعزونه من الغد فقال لهم: إن كنتم جئتم لتعزوني فلا تعزوني ولكن هنئوني. قال فهنئوه، قال: فما برحوا حتى غداهم وغلفهم بالغالية.يعقوب بن يوسف قال: قال بشر: كان المعافى صاحب كمد، أصيب بابنين له قتلا وأصيب بماله، فما رئي عليه أثر حزن ولا سمع في داره صوت.محمد بن مودود الموصلي قال: قيل لمعافى بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر ويقوله؟ قال: هو عمرك فأفنه بما شئت.بشر بن الحارث قال: سمعت المعافى بن عمران يقول: عز المؤمن استغناؤه عن الناس، وشرفه قيامه بالليل.مرداد بن جميل قال: سأل عمرو بن إسماعيل، رجل من أصحاب الحديث، المعافى بن عمران فقال له: يا أبا عمران أي شيء أحب إليك: أسهر وأصلي، أو أكتب الحديث؟ فقال: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة.أسند المعافى عن مغيرة بن زياد وأسامة بن زيد وصالح بن أبي الأخضر والثوري، وابن أبي ذئب، ومالك، وابن جريج ومسعر والليث بن سعد وغيرهم، وأكثر ملازمة الثوري وتأدب بآدابه وصنف كتباً في السنن والزهد والأدب وتوفي في سنة أربع وثمانين ومائة. وقيل خمس وثمانين وقيل ست والله أعلم.
فتح بن محمد بن وشاح الأزدي الموصلي ويكنى أبا محمد
محمد بن الوليد قال: سمعت فتح بن محمد الأزدي يقول في جوف الليل: رب أجعتني وأعريتني، وفي ظلم الليل أجلستني، فبأي وسيلة أكرمتني هذه الكرامة؟ وكان يبكي ساعة ويفرح ساعة.المعافى بن عمران قال: دخلت على فتح الموصلي فرأيته قاعداً في الشمس وصبية له عريانة وابن له مريض، فقلت له: ايذن لي حتى أكسو هذه الصبية. قال: لا، قلت: ولم؟ قال: دعها حتى يرى الله عز وجل ضرها وصبري عليها فيرحمني.قال: فتجاوزت إلى الصبي فقعدت عند رأسه فقلت: حبيبي ألا تشتهي شيئاً حتى أحمله؟ قال: ومن أنت؟ قلت: معافى بن عمران فرفع رأسه إلى السماء وقال: مني الصبر ومنك البلاء.أبو غسان المؤذن قال: خرجنا حجاجاً فأردنا غسل ثيابنا بمكة فأرشدنا إلى رجل له صلاح من أهل فارس، يغسل للناس ثيابهم ويتجر على الضعفاء فيغسل ثيابهم بغير أجرة فأتيناه فقال: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل الموصل: قال: تعرفون فتحاً؟ قلنا: نعم. قال: ما فعل؟ قلنا: مات، قال: فتوجع عليه وأظهر حزناً، فقلنا: كيف تعرفه وأنت رجل من أهل فارس وهو بالموصل؟ قال: رأيت في منامي عدة ليال أن إيت فتحاً الموصلي فإنه من أهل الجنة. فخرجت من فارس حتى أتيت الموصل فسألت عنه فقيل لي هو على الشط، فأتيته فإذا رجل ملتف بكسائه وقد ألقى شصاً له في الماء فسلمت عليه فرد علي فقلت له: أتيتك زائراً. قال: فلف الشص وقام فدخلنا المسجد وغربت الشمس وصلينا وتفرق الناس.فأتى بطعام فأكلنا ثم نودي بالعشاء الآخرة فصلينا وتفرق الناس وقام فتح في صلاته ورميت بنفسي فإذا رجل قد دخل علينا المسجد فسلم وصلى إلى جنب فتح ركعتين وقعد فسلم عليه فتح رسالة، فقال له الرجل: متى عهدك بأبي السري؟ قال: ما لي به عهد منذ أيام. قال: فقم بنا إليه فإنه معتل.قال: فخرجنا من المسجد وأنا أنظر إليهما حتى مضيا إلى دجلة يمشيا على الماء فقعدت أنظر رجوعهما فجاء أحدهما في آخر الليل فإذا هو فتح فدخلت عليه المسجد فرميت نفسي كأني نائم، فلما أسفر الصبح وصلينا وتفرق الناس قمت إليه فقلت: يا أبا محمد قد قضيت من زيارتك وطراً وقد رأيت الرجل الذي أتاك البارحة وما كان منكما، فجعل يعارضني. فلما علم أني قد علمت الخبر أخذ علي العهود أن لا أعلم بذلك أحداً ما علمت أنه حي، وقال لي: ذاك الخضر وأبو السري حمزة الخولاني، وهو رجل صالح في هذه القرية، وأشار بيده إليها، وقال: اجعل طريقك عليه فالقه وسلم عليه فمضيت إليه وسلمت عليه.ذكر المعافى بن عمران أنه لم يلق أحداً أعقل من فتح هذا.وقال أبو نصر التمار توفي في سنة سبعين ومائة رحمة الله عليه.
فتح بن سعيد الموصلي يكنى أبا نصر

(1/454)


وقد يشتبه هذا بالذي قبله إذا قيل: فتح الموصلي، وهما اثنان معروفان عند أهل العلم وإذا فرق بينهما بالكنية أو باسم الأرب تبايناً. وقد حكي عن هذا نحو الحكاية التي حكيناها عن الأول في حق أولاده ويحتمل أن يكون عن الأول.أبو بكر بن عفان قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: بلغني أن بنتاً لفتح الموصلي عريت فقيل له: ألا تطلب من يكسوها؟ فقال: لا، أدعها حتى يرى الله عز وجل عريها وصبري عليها. قال: فكان إذا كان ليالي الشتاء جمع عياله وقال بكسائه عليهم ثم قال: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي، وجوعتني وجوعت عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي؛ فبأي وسيلة توسلتها إليك، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبائك، فهل أنا منهم حتى أفرح.إبراهيم بن نوح الموصلي قال: رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة وكان صائماً فقال: عشوني، فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به. قال: فما لكم جلوساً في الظلمة؟ قالوا ما عندنا شيء نسرج ولا سراج؟ بأي يد كانت مني؟ فما زال يبكي إلى الصباح.أبو بكر بن عفان قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: بلغني عن فتح الموصلي أنه كان يتجزأ بفلس في اليوم يشتري به نخالة.إبراهيم بن عبد الله قال: صدع فتح الموصلي، ففرح وقال: يا رب ابتليتني ببلاء الأنبياء، فشكر هذا أن أصلي الليلة أربعمائة ركعة.بشر بن حارث قال: قال فتح الموصلي: من أدام النظر بقلبه ورثه ذلك الفرح بالمحبوب، ومن آثره على هواه ورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ورعى حقه وخافه بالغيب، ورثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم.أبو جعفر، ابن أخت بشر بن الحارث، قال: كنت يوماً واقفاً ببابنا إذا أقبل شيخ ثائر الشعر ملتف بالعباء فقال لي: بشر في البيت؟ قلت: نعم فقال: ادخل فقل: فتح بالباب. قال: فخرج مسرعاً فصافحه واعتنقه فقال له الشيخ: يا أبا نصر إني ذكرتك البارحة فاشتقت إلى لقائك. قال: فدفع إلي درهماً فقال: خذ بأربعة دوانيق خبزاً، ويكون جيداً، وبدانقين تمراً. قال الشيخ: قل له يكون شهريزاً فجئته به. فقال الشيخ: قل له يأكل معنا. فقال: كل معنا فأكلت معهم. فلما أكلنا أخذ ما فضل في طرف العباء ومضى، فخرج خالي معه يشيعه إلى حرب. فلما رجع قال لي: يا بني. تدري من هذا؟ قلت لا، قال: هذا فتح الموصلي.محمد بن الصلت قال: كنت عند بشر بن الحارث فجاء رجل فسلم على بشر، فقام بشر غليه فقمت لقيامه، فمنعني. فلما سكن الرجل أخرج بشر درهماً صحيحاً وقال: أخرج واشتر خبزاً وزبداً وتمر برني.قال: فخرجت واشتريت وحملته فوضعته بين يديه، فأكل الرجل وحمل الباقي وقام فخرج، فلما خرج قال لي بشر: يا بني تدري لم منعتك عن القيام له؟ قلت لا. قال: لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة فكان قيامك لقيامي فأردت أن لا يكون قيامك إلا لله خالصاً، وتدري لماذا دفعت إليك الدرهم وقلت اشتر كذا وكذا؟ قلت: لا. قال: إن طيب الطعام يستخرج خالص الشكر لله تعالى، وتدري لم حمل الباقي؟ قلت لا - قال: عندهم إذا صح التوكل لم يضر الحمل، وهذا فتح الموصلي جاءنا زائراً.عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال: سمعت شيخاً من أصحاب فتح الموصلي قال: كانت لفتح الموصلي بضاعة عند أخ له يعمل بها في البر والبحر، فبعث فتح فاستردها وأنفقها وقال: رأيت قلبي يميل إليها فكرهت أن تكون ثقتي سواه.إبراهيم بن موسى قال: رأيت فتحاً الموصلي يوم عيد وقد رأى على الناس الطيالس والعمائم. قال: فقال لي: يا إبراهيم إنما ترى ثوباً وجسداً يأكله الدود غداً، هؤلاء أنفقوا خزائنهم على بطونهم وظهورهم ويقدمون على ربهم مفاليس.عبد الله بن الفرج قال: قال فتح الموصلي: كبرت على خطاياي وكثرت حتى لقد آيستني من عظيم عفو الله عز وجل قال: ثم قال: وإني آيس منك وأنت الذي جدت على السحرة بعد أن غدوا كفرة فجرة؟ وإني آيس منك وأنت ولي كل نعمة وأني آيس منك وأنت المؤمل لكل فضل ومعروف، وأني آيس منك وأنت المغيث عند الكرب ولم يزل يقول: آيس منك، حتى سقط مغشياً عليه. عمران بن موسى الطرسوسي قال: مر فتح الموصل بصبيين مع أحدهما كسرة عليها عسل ومع الآخر كسرة عليها كامخ. فقال الذي معه الكامخ للذي معه العسل: أطعمني من خبزك قال: إن كنت كلباً لي أطعمتك. قال: نعم. فأطعمه من خبزه وجعل في فمه خيطاً وجعل يقوده فقال فتح: لو رضيت بخبزك ما كنت كلباً لهذا.قال أبو موسى فهكذا الدنيا. عثمان بن عمارة

(1/455)


قال: غبت غيبة فلما قدمت لقيت فتحاً الموصلي في حانوت سالم الدورقي. فقال لي: يا بصري أي شيء رأيت في غيبتك؟ فقلت: رأيت عجائب كثيرة وأخباراً مختلفة. فصاح صيحة. فقلت: أنت تصيح من الخبز، فكيف لو شاهدت القيامة أو شاهدت صاحب القيامة؟ فشهق شهقة ووثب من الحانوت فخر مغشياً عليه فحملناه فأدخلناه الحانوت فما زال مغشياً عليه إلى العصر، فلما صليت العصر تنفس ثم فتح عينيه.رياح بن الجراح العبدي قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له عيسى التمار فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي إلى كيس أخي، فأخرجته فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بمجيء فتح وأخذه الدرهمين فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة. فنظر فإذا هي مصادفة فعتقت.محمد بن عبد الرحمن بن حبيب الطفاوي قال: دخلت على فتح الموصلي وهو يوقد بالآجر. وكان فتح رجلاً من العرب، وكان شريفاً زاهداً.عبد الله بن الفرج العابد قال: كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل؛ قال: فمر ذات ليلة برجل وهو يتهجد على سطحه وهو يقرأ " وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون " سورة آل عمران: آية 83 قال: فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه فلم يزل على حاله تلك حتى أصبح فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحاً الموصلي فاستأذنه في صحبته فكان يصحبه ويخدمه.قال: وبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعشي من الأخرى، فقلت له ذات يوم: حدثني ببعض أمر فتح الموصلي، قال فبكى ثم قال: أخبرك عنه: كان والله كهيئة الروحانيين، معلق القلب بما هناك، ليست له في الدنيا راحة. قلت: على ذاك قال: شهدت العيد ذات يوم بالموصل ورجع بعد ما تفرق الناس ورجعت معه فنظر إلى الدخان يفور من نواحي المدينة فبكى ثم قال: قد قرب الناس قربانهم، فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه.فجئت بماء فمسحت به وجهه، فأفاق ثم مضى حتى دخل بعض أزقة المدينة رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قد علمت طول غمي وحزني وتردادي في أزقة الدنيا، فحتى متى تحبس أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه فجئت بماء فمسحت على وجهه فأفاق. فما عاش بعد ذلك إلا أياماً حتى مات رحمه الله.إبراهيم بن موسى قال: رأيت فتحاً الموصلي في يوم عيد أضحى وقد شم ريح القتار، فدخل إلى زقاق فسمعته يقول: تقرب المتقربون بقربانهم وأنا أتقرب إليك بطول حزني يا محبوب، كم تتركني في أزقة الدنيا محبوساً؟ ثم غشي عليه وحمل فدفناه بعد ثلاث.إسماعيل بن هشام، عن بعض أصحاب فتح الموصلي قال: دخلت عليه يوماً وقد مد كفيه يبكي، حتى رأيت الدموع من بين أصابعه تنحدر. فدنوت منه لأنظر إليه فإذا دموعه قد خالطتها صفرة. فقلت: بالله يا فتح بكيت الدم؟ فقال: لولا أنك حلفتني بالله عز وجل ما أخبرتك، بكيت دماً. فقلت: على ماذا بكيت الدموع؟ وعلى ماذا بكيت الدم؟ فقال: بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله عز وجل، وبكيت الدم على الدموع خوفاً أن تكون ما صحت لي الدموع.قال الرجل: فرأيت فتحاً بعد موته في المنام. فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال غفر لي، قلت: فما صنع في دموعك؟ فقال: قربني ربي عز وجل وقال لي: يا فتح؛ الدمع على ماذا؟ قلت: يا رب على تخلفي عن واجب حقك. قال: فالدم لم بكيت؟ فقلت: يا رب على دموعي خوفاً أن لا تصح لي فقال لي: يا فتح ما أردت بهذا كله؟ وعزتي لقد صعد إلي حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة. أدرك فتح عيسى بن يونس وأقرانه وأسند عن عيسى وتوفي سنة عشرين ومائتين.ال: غبت غيبة فلما قدمت لقيت فتحاً الموصلي في حانوت سالم الدورقي. فقال لي: يا بصري أي شيء رأيت في غيبتك؟ فقلت: رأيت عجائب كثيرة وأخباراً مختلفة. فصاح صيحة. فقلت: أنت تصيح من الخبز، فكيف لو شاهدت القيامة أو شاهدت صاحب القيامة؟ فشهق شهقة ووثب من الحانوت فخر مغشياً عليه فحملناه فأدخلناه الحانوت فما زال مغشياً عليه إلى العصر، فلما صليت العصر تنفس ثم فتح عينيه.رياح بن الجراح العبدي قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له عيسى التمار فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي إلى كيس أخي، فأخرجته فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بمجيء فتح وأخذه الدرهمين فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة. فنظر فإذا هي مصادفة فعتقت.محمد بن عبد الرحمن بن حبيب الطفاوي قال: دخلت على فتح الموصلي وهو يوقد بالآجر. وكان فتح رجلاً من العرب، وكان شريفاً زاهداً.عبد الله بن الفرج العابد قال: كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل؛ قال: فمر ذات ليلة برجل وهو يتهجد على سطحه وهو يقرأ " وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون " سورة آل عمران: آية 83 قال: فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه فلم يزل على حاله تلك حتى أصبح فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحاً الموصلي فاستأذنه في صحبته فكان يصحبه ويخدمه.قال: وبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعشي من الأخرى، فقلت له ذات يوم: حدثني ببعض أمر فتح الموصلي، قال فبكى ثم قال: أخبرك عنه: كان والله كهيئة الروحانيين، معلق القلب بما هناك، ليست له في الدنيا راحة. قلت: على ذاك قال: شهدت العيد ذات يوم بالموصل ورجع بعد ما تفرق الناس ورجعت معه فنظر إلى الدخان يفور من نواحي المدينة فبكى ثم قال: قد قرب الناس قربانهم، فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه.فجئت بماء فمسحت به وجهه، فأفاق ثم مضى حتى دخل بعض أزقة المدينة رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قد علمت طول غمي وحزني وتردادي في أزقة الدنيا، فحتى متى تحبس أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه فجئت بماء فمسحت على وجهه فأفاق. فما عاش بعد ذلك إلا أياماً حتى مات رحمه الله.إبراهيم بن موسى قال: رأيت فتحاً الموصلي في يوم عيد أضحى وقد شم ريح القتار، فدخل إلى زقاق فسمعته يقول: تقرب المتقربون بقربانهم وأنا أتقرب إليك بطول حزني يا محبوب، كم تتركني في أزقة الدنيا محبوساً؟ ثم غشي عليه وحمل فدفناه بعد ثلاث.إسماعيل بن هشام، عن بعض أصحاب فتح الموصلي قال: دخلت عليه يوماً وقد مد كفيه يبكي، حتى رأيت الدموع من بين أصابعه تنحدر. فدنوت منه لأنظر إليه فإذا دموعه قد خالطتها صفرة. فقلت: بالله يا فتح بكيت الدم؟ فقال: لولا أنك حلفتني بالله عز وجل ما أخبرتك، بكيت دماً. فقلت: على ماذا بكيت الدموع؟ وعلى ماذا بكيت الدم؟ فقال: بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله عز وجل، وبكيت الدم على الدموع خوفاً أن تكون ما صحت لي الدموع.قال الرجل: فرأيت فتحاً بعد موته في المنام. فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال غفر لي، قلت: فما صنع في دموعك؟ فقال: قربني ربي عز وجل وقال لي: يا فتح؛ الدمع على ماذا؟ قلت: يا رب على تخلفي عن واجب حقك. قال: فالدم لم بكيت؟ فقلت: يا رب على دموعي خوفاً أن لا تصح لي فقال لي: يا فتح ما أردت بهذا كله؟ وعزتي لقد صعد إلي حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة. أدرك فتح عيسى بن يونس وأقرانه وأسند عن عيسى وتوفي سنة عشرين ومائتين.

(1/456)


سباع الموصلي
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت المضاء يقول لسباع الموصلي يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس به.
أحمد الموصلي
عن أحمد الميموني، من ولد ميمون بن مهران، قال: قدم علينا أحمد الموصلي فأتيته فقال لي: يا أحمد إن تعمل فقد عمل العاملون قبلك، وإن تعبد فقد تعبد المتعبدون قبلك، أولئك الذين قربوا الآخرة وباعدوا الدنيا، أولئك الذين ولي الله إقامتهم على الطريق فلم يأخذوا يميناً ولا شمالاً، فلو سمعت نغمة من نغماتهم المختمرة في صدورهم، المتغرغرة في حلوقهم لغيبت عليك عيشك، ولطردت عنك البطالة أيام حياتك.
ذكر المصطفيات من عابدات الموصل
ألوف الموصلية
أبو سليمان قال: خطب رجل امرأة من أهل الموصل يقال لها ألوف فقالت للرسول: قل له ما يسرني أنك لي عبد وجميع ما تملكه لي، وأنك شغلتني عن الله عز وجل طرفة عين.
رقية
عبيد الله بن عمر بن عبيد المعمري قال: أنبأ جدي قال: سمعت فتحاً الموصلي يقول: سمعت امرأة متعبدة عندنا تقول: إلهي وسيدي ومولاي لو أنك عذبتني بعذابك كله لكان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب، ولو نعمتني بنعيم أهل الجنة كلهم كانت لذة حبك في قلبي أكثر.قلت: هذه العابدة هي رقية.منصور بن محمد قال: قالت رقية الموصلية: إني لأحب ربي حباً شديداً فلو أمر بي إلى النار ما وجدت للنار حرارة مع حبه، ولو أمر بي إلى الجنة لما وجدت للجنة لذة مع حبه، لأن حبه هو الغالب علي.محمد بن كثير المصيصي قال: قالت رقية العابدة، وكانت بالموصل: حرام على قلب فيه رهبانية المخلوقين أن يذوق حلاوة الإيمان، شغلوا قلوبهم بالدنيا عن الله عز وجل ولو تركوها لجالت في الملكوت ورجعت إليهم بطرف الفوائد.وكانت تقول تفقهوا في مذاهب الإخلاص ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى الركوب على القلاص.
أمية بنت أبي المورع
أبو الوليد، رياح بن أبي الجراح العبدي، قال: ما رأيت قط مثل أمية بنت أبي المورع الموصلية، وكانت من الخائفين، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا من النار، وشربوا من النار، وعاشوا. ثم تبكي، وكان بكاؤها أطول من ذلك، وكانت كأنها جبة على مقلي، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت دماً وما رأيت أحداً أشد خوفاً ولا أكثر بكاء منها.
موافقة
ويقال موفقة أبو عبد الله الحصري قال: سمعت فتحاً الموصلي يقول مرت بي امرأة متعبدة يقال لها: موافقة، فعثرت فسقط ظفر إبهامها، فضحكت، فقيل لها يا موافقة يسقط إبهامك وتضحكين؟ فقالت: إن حلاوة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.عبد الله بن حبيق قال: مرت بفتح الموصلي امرأة يقال لها: موفقة، فعثرت فسقط ظفر إبهامها فضحكت، فقيل لها يا موفقة سقط ظفر إبهامك وتضحكين؟ فقالت: والله إن حلاوة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.وقد روي أن هذه القصة جرت لامرأة فتح الموصلي.قال زيد بن أبي الزرقاء: عثرت امرأة فتح الموصلي فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها فأين ما تجدينه من حرارة الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.
راهبة الموصلية
أحمد بن أبي الحواري قال: حدثتني امرأتي رابعة قالت: دخلت على أخت لي عاتق بالموصل، فقالت لي: هل تدرين ما معنى " إلا من أتى الله بقلب سليم " سورة الشعراء: آية 89؟ قالت: قلت لا - قالت: القلب السليم الذي يلقى الله عز وجل وليس فيه شيء غير اله عز وجل قال أحمد حدثت بهذا أبا سليمان فقال ليس هذا كلام أهل الموصل بحمد الله ومنه.
ذكر المصطفين من أهل الرقة
ميمون بن مهران، يكنى أبا أيوب

(1/457)


مولى بني نصر - وقيل مولى الأزد ولد سنة أربعين.عن جعفر عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز مواليك؟ قلت: كانت أمي مولاة للأزد وكان أبي مكاتباً من لبني نصر. فقال لي عمر: يا ميمون أنت مولى للأزد.خلف بن حوشب قال: تكارينا مع ميمون بن مهران دواب إلى مكان فقال ميمون: لولا أن الدواب بكراء لمررنا على آل فلان.جعفر بن برقان قال: قال ميمون بن مهران: يا جعفر قل لي في وجهي ما أكره فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره.أبو المليح عن ميمون قال: لا تضرب المملوك في كل ذنب، ولكن احفظ ذلك له فإذا عصى الله عز وجل فعاقبه على معصية الله، وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه.أبو المليح قال: ما رأيت أحداً أفضل من ميمون بن مهران، قال له رجل يوماً: يا أيوب أي شيء تشتكي أراك مصفراً؟ قال: نعم لما يبلغني في أقطار الأرض.عبد الملك الميموني قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمي عمر يقول: ما كان أبي يكثر الصيام ولا الصلاة ولكنه كان يكره أن يعصي الله عز وجل.قال: وسمعت أبي يقول: وددت أن إصبعي قطعت من ها هنا وأني لم أل. فقلت: ولا لعمر؟ قال: لا لعمر ولا لغيره.أبو المليح قال: سمعت ميموناً يقول: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل نائب، ورجل يعمل في الدرجات.جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجلواً مثل المرآة، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه.قال: وسمعت ميمون بن مهران يقول: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى يعلم من أين مطعمه؟ ومن أين ملبسه؟ ومن أين مشربه؟ أمن حل ذلك أم من حرام؟أبو المليح عن ميمون قال: الصبر صبران، والذكر ذكران: فذكر الله عز وجل باللسان حسن، وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف عليه من معاصيه، والصبر عند المصيبة حسن وافضل منه أن تصبر نفسك على ما تكره من طاعة الله عز وجل وإن ثقل عليك.قال ميمون: وأدركت من لم يتكلم إلا بحق أو يسكت، وقد أدركت من لم يكن يتكلم بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس إلا بما يصعد، وقد أدركت من لم يملأ عينيه من السماء فرقاً من ربه عز وجل، ولو أن بعض من أدركت نشر حتى يعاينكم ما عرف منكم شيئاً إلا قبلتكم.عيسى بن كثير الأسدي قال: مشيت مع ميمون بن مهران حتى إذا أتى باب داره ومعه ابنه عمرو، فلما أردت أن أنصرف قال له عمرو: يا أبة ألا تعرض عليه العشاء؟ قال ليس ذلك من نيتي.أسند ميمون عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما. وتوفي في سنة سبع عشرة ومائة.
حناذ القلاء

(1/458)


حذيفة المرعشي قال: مررت بالرقة بأصحاب السويق، ورجل يبيع السويق عليه بتة وهو مقبل على غلامين، وعلى رأسه كمة دنسة فقلت: لو ألقيت هذه الكمة.فقال: أصبت قلبي يصلح عليها. قلت: أراك مقبلاً على الغلامين أفمن حبهما؟ قال: إني أجل الله عز وجل أن أشغل قلبي بحب أحد مع حبه، ولكن أرحمهما.حذيفة العابد، صاحب يوسف بن أسباط، قال: لما اصطلح الروم والعرب قلت: فما أصنع الآن في الرباط؟ فخرجت حتى أتيت الرقة فجئت إلى قوم قلائين، فقلت أعمل معكم فتنظرون إلى عمل فتجزون من الكراء بقدر ما أستحقه. قالوا نعم. فجعلت أعمل معهم. وكان ثم شيخ جالس بين يديه زنبيل سويق يبيع، على رأسه قلنسوة سوداء مخرقة وفرو مخرق وبين يديه صبيان يلعبان ويقتتلان، وهو متشاغل بهما يزجرهما وينهاهما.قال: فقلت له: أني أحسبك تحبهما. قال: لا والله ما أحبهما، ولكن أرحمهما، وما أحد أحب إلي من الله عز وجل.قال: فأعجبني قوله وأنست به، وكان ثم شباب رفث بعضهم على بعض فقلت له: ألا تنهى هؤلاء الشباب؟ فقال: إني لأجل الله عز وجل أن أذكره عند مثل هؤلاء، قال: فأعجبتني مقالته فقلت: كيف حبك لمدحة الناس؟ قال: ما أحب أن لي ملء بيت دنانير وأنه يقع في قلبي حب مدحة الناس لي، فقلت: فما هذه القلنسوة على رأسك؟ قال: وجدت قلبي يصلح عليهازقال حذيفة: فلم أر أحداً إن شاء الله كان أصدق منه. قيل له: أين كان من يوسف بن أسباط؟ قال: ما كان يوسف بن أسباط يصلح إلا شاكرداً لذلك. قال أبو عمر: فذكرت ذلك لبعض الرقيين فقال: ذاك حناذا القلاء.
توبة بن الصمة
عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله، قال: كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسباً لنفسه، فحسب فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتا: ألقى المليك بأحد وعشرون ألف ذنب، كيف؟ وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت. فسمعوا قائلاً يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى رضي الله عنه.
إبراهيم بن داود القصار أبو إسحاق الرقي
أبو بكر بن شاذان قال: سمعت إبراهيم القصار يقول: المعرفة إثبات الرب عز وجل خارجاً عن كل موهوم.وقال إبراهيم: الأبصار قوية والبصائر ضعيفة.وقال: من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى.وقال: الكفايات تصل إليك بلا تعب والأشغال والتعب في الفضول.وقال: أضعف الخلق من ضعف عن رد شهواته، وأقوى الخلق من قوي على ردها.إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول: سأل رجل إبراهيم القصار فقال: هل يبدي المحب حبه؟ أو هل ينطق به؟ أو هل يطيق كتمانه؟ فأنشأ يقول متمثلاً:
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
قال السلمي: إبراهيم بن داود من جلة مشايخ الشام، من أقران الجنيد وابن الجلاء عمر، وصحبه أكثر مشايخ الشام، وكان لازماً للفقر مجرداً فيه، محباً لأهله. توفي سنة ست وعشرين وثلثمائة.
ذكر المصطفيات من عابدات الرقة
عبيد الله بن الخالق
قال: سبى الروم نساء مسلمات، فبلغ الخبر الرقة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين، فقيل لمنصور بن عمار: لو اتخذت مجلساً بالقرب من أمير المؤمنين فحرضت الناس على الغزو، ففعل، فبينا هو يذكرهم ويحرض إذا نحن بخرقة مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور، وإذا كتاب مضموم إلى الصرة ففك الكتاب فقرأه فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضك الناس على الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهمنا ذؤابتاي فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غاز في سبيل الله، فعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال نظرة فيرحمني بها.
قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى بالنفير، فغزا بنفسه فأنكى فيهم وفتح الله عليهم.
قلت: هذه امرأة حسن قصدها وغلطت في فعلها، لأنها جهلت أن ما فعلت منهي عنه، فلينظر إلى قصدها.
عابدة أخرى
من أهل الشام نقل عنها مثل هذه.

(1/459)


بلغنا عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميراً على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها. ثم تفرق الناس وركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادي: يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان. فمضيت ولم أجب. ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية.
فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى غلام غر راجل ولا آمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا فقال: أتأمرني بالرجوع؟ وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " سورة الأنفال: الآيتان 15 و16.
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط: إن من الله بالشهادة أكون في شفاعتك، قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهماً في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة. ورمى به فقتل رومياً. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك يا أبا قدامة فقتل رومياً. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودع.
فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها. فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي ثم مات.
فحفرت له ودفنته. فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها. فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقتل: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتاً يقول: يا أبا قدامة اترك ولي الله.
فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي فلما رأتني عادت وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة ليس معه أخي، فقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي.
فخرجت أمه إلي فقالت: أمعزياً أم مهنئاً؟ فقلت: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كان مات فعزني، وإن كان استشهد فهنئني. فقلت: لا بل مات شهيداً. فقالت: له علامة فهل رأيتها؟ قلت: نع لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها فقالت: الحمد لله. فسلمت إليها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحاً وغلاً من حديد، وقالت: إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح وغل نفسه بهذا الغل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: أحشرني من حواصل الطيور. فقد استجاب الله دعاءه.
انتهى ذكر أهل الرقة بحمد الله ومنه.
ذكر المصطفين من أهل الشام
من الطبقة الأولى من التابعين ومن بعدهم
عمرو بن الأسود السكوني
عن حكيم وضمرة بن حبيب قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود.
عن يحيى بن جابر الطائي قال: قال عمرو بن الأسود: لا ألبس مشهوراً أبداً ولا أملأ جوفي من طعام بالنهار أبداً حتى ألقاه.
ابن عياش، عن شرحبيل أن عمرو بن الأسود كان يدع كثيراً من الشبع مخافة الأشر، وكان إذا خرج من بيته إلى المسجد قبض يمينه على شماله مخافة الخيلاء.
أبو بكر بن عبد الله الغساني، عن المشيخة، أن عمرو بن الأسود يشتري الحلة بمائتين ويصبغها بدينار ويخمرها النهار كله، ويقوم فيها الليل كله.
أسند عمرو عن معاذ، وعبادة، والعرباض، في آخرين.
أبو عبد الله الصنابحي واسمه: عبد الرحمن بن عسيلة
عن محمود بن الربيع قال: كنا عند عبادة بن الصامت فأقبل الصنابحي فقال عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به فوق سبع سموات فعمل ما عمل على ما رأى فلنظر إلى هذا.

(1/460)


أسند الصنابحي عن أبي بكر الصديق، ومعاذ، وعبادة في آخرين.
يزيد بن الأسود يكنى أبا الأسود الجرشي
عن سليم بن عامر الخبائري أن الشام قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى، فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه. فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس وهبت لها ريح فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.
عن علي بن أبي جملة قال: أصاب الناس قحط بدمشق، وعلى الناس الضحاك بن قيس الفهري، فخرج بالناس يستسقي، فقال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ عزمت عليه إن كان يسمع كلامي إلا قام وعليه برنس فاستقبل الناس بوجهه ورفع جانبي برنسه على عاتقيه ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم يا رب إن عبادك تقربوا إليك فاسقهم.
قال: فانصرف الناس وهم يخوضون الماء. فقال: اللهم إنه قد شهرني فأرحني منه. قال: فما أتت عليه جمة حتى قتل الضحاك.
شرحبيل بن السمط بن الأسود أبو يزيد الكندي
بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس، إنما هو وحده، فجاءه أبو الدرداء فقال: أنشدك الله عز وجل ما يحملك على أن تعتزل الناس؟ قال: إني أخشى أن أسلب ديني وأنا لا أشعر. فحدثت بذلك رجلاً من أهل الشام فقال: ذاك شرحبيل بن السمط.
قلت: ذكر محمد بن سعد شرحبيل بن السمط في التابعين بعد يزيد بن الأسود، وقد قال البخاري: له صحبة.
كعب الأحبار بن ماتع يكنى أبا إسحاق
وهو من حمير من آل ذي رعين كان يهودياً فأسلم وقدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص.
عبد الله بن بريدة قال: قال كعب الأحبار: ما كرم عبد على الله عز وجل إلا زاد البلاء عليه شدة، وما أعطى رجل زكاة فنقصت من ماله، ولا حبسها فزادت في ماله، ولا سرق سارق إلا حسب له من رزقه.
عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دوياً حول العرش كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن.
عن عبد الله بن الحارث، عن كعب قال: ما استقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر في السماء.
عن أبي العوام، عن كعب الأحبار، قال: جاء رجلان فوقفا بباب المسجد فدخل أحدهما ولم يدخل الآخر وقال: مثلي لا يدخل بيت الله وقد عصيته، فأوحى الله إلى نبي من أنبياء إسرائيل أنني قد جعلته صديقاً بإزرائه على نفسه.
عن يزيد بن قودر، عن كعب أنه قال: مؤمن عالم أشد على إبليس وجنوده من مائة ألف مؤمن عابد، لأن الله يعصم بهم من الحرام.
عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن كعب قال: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهباً، والذي نفس كعب بيده ما بكى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه إلى الأرض فتمسه النار أبداً حتى يعود قطر السماء الذي وقع إلى الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبداً.
عن علقمة بن مرثد، عن كعب قال: من يعبد الله عز وجل حيث لا يراه أحد يعرفه خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته.
عن الأعمش، عن زياد عن كعب: قال: المتخلق إلى أربعين يوماً ثم يعود إلى خلقه الذي هو خلقه.
عن كرز بن وبرة قال: بلغني أن كعباً قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يصلون بالليل في بيوتهم كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء.
أسند كعب عن عمر بن الخطاب وصهيب وعائشة. وتوفي بحمص سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان.
يزيد بن مرثد أبو عثمان الهمداني
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: ما لي أرى عينيك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله عز وجل أن ينفعني به. قال: يا أخي إن الله عز وجل قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتواعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حرياً أن لا تجف لي عين.

(1/461)


قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عن الله عز وجل أن ينفعني به. قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا؟ ولربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها ما خصت به من طول الحزن معك في الحياة الدنيا، ما تقر لي معك عين.
عن الوضين بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة وقلبها فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجاً وأخذ بيده رغيفاً وعرقاً وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، وجعل يمشي في الأسواق ويأكل. فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط. وأخبر بما فعل فتركه.
أسند يزيد بن مرثد عن معاذ، وأبي الدرداء، وغيرهما.
عبد الله بن محيريز، أبو محيريز
عن بشير بن صالح قال دخل ابن محيريز حانوتاً بدانق وهو يريد أن يشتري ثوباً، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأحسن بيعه فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نشتري بأموالنا، لسنا نشتري بديننا.
عن رجاء بن حيوة قال: أتانا نعي ابن عمر، ونحن في مجلس ابن محيريز فقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أماناً لأهل الأرض.
وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: وأنا والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض.
وعن ضمرة، عن رجاء قال: كان ابن محيريز يجيء بالكتاب إلى عبد الملك فيه النصيحة فيقرئه إياه ثم لا يقره في يده.
أيوب بن سويد قال: نبأ أبو زرعة أن عبد الملك بن مروان بعث إلى ابن محيريز بجارية، فترك ابن محيريز منزله فلم يكن يدخله، فقيل له: يا أمير المؤمنين تغيب ابن محيريز عن منزله. قال: ولم؟ قيل: من أجل الجارية التي بعثت بها إليه. قال: فبعث عبد الملك فأخذها.
عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن محيريز إذا مدح قال: وما يدريك؟ وما علمك؟ وعن ضمرة عن عمر بن عبد الرحمن بن محيريز قال: كان جدي ابن محيريز يختم في كل سبع.
عن عبد الله بن عوف القارئ قال: لقد رأيتنا برودس وما في الجيش أحد أكثر صلاة من ابن محيريز في العلانية ثم أقصر عن ذلك حين شهر وعرف.
وعن ضمرة، عن الأوزاعي، قال: كان ابن زكريا يقدم فلسطين فيلقى ابن محيريز فتتقاصر إليه نفسه لما يرى من فضل ابن محيريز.
عبد الواحد بن موسى قال: سمعت ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً.
عن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت في هذه الأمة: كان أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له، يتكلم فيه غضب من غضب، ورضي من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده.
عبد الله بن المبارك عن طليق قال: سمعت أن ابن محيريز يقول: من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه إلا أن يقول: يا أبه.
أسند ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي محذورة وفضالة بن عبيد وغيرهم - وتوفي في ولاية الوليد بن عبد الملك.
أبو مسلم الخولاني واسمه عبد الله بن ثوب
طرحه الأسود العنسي المتنبي باليمن في النار فلم تضره فكان يشبه بالخليل عليه السلام.
عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: تنبأ الأسود بن قيس العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع.

(1/462)


قال: فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك. فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر. فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي فبصر به عمر بن الخطاب، فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن - قال: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال: نشدتك بالله عز وجل أنت هو؟ قال: اللهم نعم. قال: فقبل ما بين عينيه، ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن، عليه السلام.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، فإنه لم يكن يجالس أحداً يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فرجا أن يكونوا على ذكر الله تعالى، فجلس إليهم وإذا بعضهم يقول: قدم غلامي فأصاب كذا وكذا. وقال آخر: جهزت غلامي، فنظر إليهم وقال: سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو مبصراعين عظيمين فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب هذا المطر، فدخل فإذا البيت لا سقف له. جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب دنيا.
قال: وقال له قائل، حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع. فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى - قال: فإني قد أبصرت الغاية وإن لكل ساعة غاية، وغاية كل ساعة الموت، فسابق ومسبوق.
أبو بكر بن أبي مريم قال: حدثني عطية بن قيس أن ناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وهو غاز بأرض الروم، فوجدوه قد احتقر في فسطاطه جوبة ووضع في الجوبة نطعاً وأفرغ فيه ماء يتصلق فيه وهو صائم، فقالوا له: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص لك في الفطر في السفر؟ فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري إلى الغايات وهي بدن إنما تجري وهي ضمر، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.
عن شرحبيل بن مسلم أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتياه فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف فقالا له: يا أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك، قال أما إني لو علمت مكانكما لانصرفت إليكما، وما كان لكما أن تحفظا علي صلاتي، فأقسم لكما إن كثرة السجود خير ليوم القيامة.
حميد قال: قال أبو مسلم الخولاني: ما عملت عملاً أبالي من رآه إلا أن يخلو الرجل بأهله أو يقضي حاجة غائط.
محمد بن زياد عن أبي مسلم أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال: أجيزوا بسم الله. قال: ويمر بين أيديهم. قال: فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو بعض ذلك أو قريباً من ذلك، فإذا جازوا قال للناس: هل ذهب لكم من شيئ؟ من ذهب له شيء فأنا له ضامن. قال: فألقى بعضهم مخلاة عمداً فلما جازوا قال الرجل: مخلاتي وقعت في النهر. قال له: اتبعني، فإذا المخلاة تعلقت ببعض أعواد النهر.
عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: قالت امرأة أبي مسلم يعني الخولاني: يا أبا مسلم ليس لنا دقيق. قال: عندك شيء؟ قالت: درهم بعنا به عزلاً، قال: ابغينيه وهاتي الجراب، فدخل السوق فوقف على رجل يبيع الطعام. فوقف عليه سائل فقال: يا أبا مسلم تصدق علي، فهرب منه فأتى حانوتاً آخر فتبعه السائل فقال: يا أبا مسلم، فهرب منه فأتى حانوتاً آخر فتبعه السائل فقال: تصدق علي، فلما أضجره أعطاه الدرهم، ثم عمد إلى الجراب فملأه نجارة النجارين مع التراب ثم أقبل إلى باب منزله فنقر الباب وقلبه مرعوب من أهله، فلما فتحت الباب رمى بالجراب وذهب، فلما فتحته إذا هي بدقيق حواري، فعجنت وخبزت. فلما ذهب من الليل الهوي جاء أبو مسلم لنقر الباب فلما دخل وضعت بين يديه خواناً وأرغفة. فقال: من أين لكم هذا؟ قالت له يا أبا مسلم من الدقيق الذي جئت به، فجعل يأكل ويبكي.

(1/463)


عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبر على باب منزله فتكبر امرأته فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، فإذا بلغ إلى باب بيته كبر فتجيبه امرأته فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد، فلما كان في باب بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه قال: فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة منكسة تنكت بعود معها. فقال لها مالك؟ فقالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد امرأتي فأعم بصره، قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت: زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية أن يخدمه ويعطيه عشتم، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت: ما لسراجكم طفئ؟ قالوا: لا. فعرفت ذنبها، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله عز وجل لها يرد عليها بصرها. قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله عز وجل لها فرد عليها بصرها.
الحسن قال: قال أبو مسلم الخولاني، وكان ذا أمثال: أرأيتم نفساً إذا أكرمتها وودعتها ونعمتها ذمتني غداً عند الله وإن أنا أهنتها وأنصبتها وأعملتها مدحتني عند الله غداً؟ قالوا: من تيك يا أبا مسلم؟ قال تيك والله نفسي.
عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا وقف على خربة قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوة، وبقيت الخطيئة، ابن آدم! ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
أبو بكر بن أبي الأسود قال: قال أبو مسلم الخولاني: ما طلبت شيئاً من الدنيا قط فولي لي، حتى لقد ركبت مرة حماراً فلم يمش فنزلت عنه وركبه غيري فعدا. قال: فأريت في منامي كأن قائلاً يقول لي: لا يحزنك ما زوي عنك من الدنيا وإنما يفعل ذلك بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته. قال: فسري عني.
روى شرحبيل بن مسلم، عن عمير بن سيف، أنه سمع أبا مسلم الخولاني يقول: لأن يولد لي مولود يحسن الله عز وجل نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي، قبضه مني، أحب إلي من أن تكون لي الدنيا وما فيها.
عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين. وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
بلال بن كعب قال: ربما قال الصبيان لأبي مسلم الخولاني: ادع الله أن يحبس علينا هذا الطائر، فيدعو الله عز وجل فيحبسه، فيأخذوه بأيديهم.
أدرك أبو مسلم أبا بكر وعمر، وأسند عن معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتوفي في خلافة يزيد بن معاوية - كذا قال محمد بن سعد. وقال البخاري توفي في خلافة معاوية.
من الطبقة الثالثة
رجاء بن حيوة أبو المقدام الكندي
عن مطر الوراق قال: ما رأيت شامياً أفضل من رجاء بن حيوة.
أبو أسامة قال: كان ابن عون إذا ذكر من يعجبه ذكر رجاء بن حيوة.
ابن عون قال: ثلاثة لم أر مثلهم كأنهم التقوا فتواصوا: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام.
عبيد بن السائب قال: أنبأ أبي قال: ما رأيت أحداً أحسن اعتدالاً في صلاته من رجاء بن حيوة.
عن عبد الرحمن بن عبد الله أن رجاء بن حيوة قال لرجلين وهو يعظهما: انظرا الأمر الذي تحبان أن تلقيا الله عز وجل عليه، فخذا فيه الساعة، وانظرا الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عز وجل عليه فدعاه الساعة.
أسند رجاء عن عبد الله بن عمرو، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، ومعاوية، وجابر، وكان يصحب الخلفاء ويأمرهم بالمعروف. فلما مات عمر بن عبد العزيز انقطع عن صحبتهم. فسأله يزيد بن عبد الملك أن يصحبه فأبى واستعفاه. فقيل له: نخاف عليك من هؤلاء. فقال: يكفينهم الذي تركتهم له.
عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية

(1/464)


عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية خلاً لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك بن مروان وتصدع الناس عن قبره وقف عليه فقال: أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غر ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين. ثم انكفأ إلى أهله واجتهد في العبادة حتى صار كأنه شن بال فدخل عليه بعض أهله فعاتبه في نفسه وإضراره فقال للقائل: أسألك عن شيء تصدقني عنه؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن حالتك التي أنت عليها أترضاها للموت؟ قال: اللهم لا، قال: أفعزمت على انتقال منها إلى غيرها؟ قال: ما انتصحت رأيي في ذلك، قال: أفتأمن من أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها؟ قال: اللهم لا، قال: حال ما أقام عليها عاقل. ثم انكفأ إلى مصلاه. روى عبد الرحمن عن ثوبان.
خالد بن معدان الكلاعي. يكنى أبا عبد الله
عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: إياكم والخطران فإنه قد تنافق يد الرجل من سائر جسده. قيل: وما الخطران؟ قال: ضرب الرجل بيده إذا مشى.
عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: ما من عبد إلا وله أربع أعين: عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه فيبصر بهما ما وعد بالغيب. قال: وهما غيب فآمن الغيب بالغيب، وإذا أراد الله بعبد غير ذلك تركه ما هو عليه ثم قرأ: " أم على قلوب أقفالها " سورة محمد: آية 24.
عبد الله بن واقد، عن أم عبد الله، عن أبيها قال: خلقت القلوب من طين وإنها تلين في الشتاء.
صفوان بن عمرو قال: كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام فانصرف. قلت لصفوان: ولم كان يقوم؟ قال: كان يكره الشهرة.
أسند خالد بن معدان عن أبي عبيدة ومعاذ وعبادة وأبي ذر وغيرهم.
محمد بن سعد قال: أنبأ يزيد بن هارون قال: مات خالد وهو صائم، قال ابن سعد: وتوفي سنة ثلاث ومائة وقال عفير بن معدان: توفي خالد سنة أربع ومائة.
عبادة بن نسي الكندي
توفي سنة ثمان عشرة ومائة.
عن رجاء قال: كان بين رجل وبين عبادة بن نسي منازعة فأسرع إليه الرجل فلقي رجاء بن حيوة عبادة فقال: بلغني أن فلاناً كان منه إليك فأخبرني، فقال: لولا أن تكون غيبة مني لأخبرتك بما كان منه.
عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي
كان صاحب غزو من أهل دمشق عن الأوزاعي قال: لم يكن بالشام رجل يفضل على عبد الله بن أبي زكريا. قال: عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي.
علي بن أبي جملة قال: قال عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي: عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن اقدر منه على ما أريد. قال: وكان لا يدع أحداً يغتاب في مجلسه أحداً. يقول: إن ذكرتم الله أعناكم وإن ذكرتم الناس تركناكم.
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن عبد الله بن أبي زكريا كان يقول: لو خيرت بين أن أعمر مائة سنة في طاعة الله أو أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه لاخترت أن أقبض شوقاً إلى الله عز وجل وإلى رسوله وإلى الصالحين من عباده.
الوليد بن سليمان الدمشقي قال: سمعت أبي بكر يذكر قال: كان عبد الله بن أبي زكريا إذا خاض جلساؤه في غير ذكر الله كأنه ساه، وإذا خاضوا في ذكر الله كان من أحسن الناس استماعاً.
أسند عبد الله عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في آخرين، وتوفي سنة سبع عشرة ومائة.
من الطبقة الرابعة
بلال بن سعد
عبد الله بن المبارك قال: كان محل بلال بن سعد بالشام ومصر كمحل الحسن بالبصرة.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: واحزناه على أني لا أحزن. الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا أهلها وإذا أظهرت فلم تغير ضرت العامة.
عن الأوزاعي قال: سمعت بلالاً يقول: لا تكن ولياً لله تعالى في العلانية وعدوه في السر.
قال: وسمعت بلالاً يقول في مواعظه: يا أهل الخلود ويا أهل البقاء، إنكم لم تخلقوا للفناء وإنما خلقتم للخلود والأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار.
عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يقفه عليها يوم القيامة وإن تاب.
سعيد بن عمرو قال: قال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة.

(1/465)


الأوزاعي قال: هلك ابن لبلال بن سعد فجاء رجل يدعي عليه ببضعة وعشرين ديناراً فقال له بلال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك كتاب؟ قال: لا. قال: فتحلف؟ قال: نعم. قال: فدخل منزله فأعطاه الدنانير، فقال: إن كنت صادقاً فقد أديت عن ابني، وإن كنت كاذباً فهي عليك صدقة.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: رب مسرور مغبون يأكل ويشرب ويضحك وقد حق له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.
عن الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر من عصيت.
سعيد بن عبد العزيز قال: قال بلال بن سعد: الذك رذكران: ذكر لله عز وجل باللسان حسن جميل، وذكر الله أحل وحرم أفضل.
الضحاك بن عبد الرحمن قال: سمعت بلال بن سعد يقول: يا أولي الألباب ليتفكر متفكر فيما يبقى له وينفعه، أما ما وكلكم الله عز وجل به فتضيعون، وأما ما تكفل لكم به فتطلبون، ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين، أذوو عقول في طلب الدنيا وبله عما خلقتم له؟ فكما ترجون الله بما تؤدون من طاعته فكذلك أشفقوا من عذاب الله بما تنتهكون من معاصيه.
قال: وسمعت بلال بن سعد يقول: عباد الله، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد، ومن لم يعمل على اليقين فلا يتعن، عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئاً من أعمالكم تقبل منكم أو شيئاً من أعمالكم تغفر لكم؟ عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهباناً.
أسند بلال عن أبيه سعد بن تميم السكوتي وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله في آخرين.
عمير بن هانئ أبو الوليد الشامي
قال البخاري: سمع من ابن عمر، وزعم آل عمير أنه أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سعيد بن عبد العزيز قال: قلت لعمير بن هانئ: أرى لسانك لا يفتر من ذكر الله عز وجل فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا أن تخطئ الأصابع.
أبو عبد رب واسمه عبيدة بن المهاجر
عن ابن جابر أن أبا عبد رب كان من أكثر أهل دمشق مالاً فخرج إلى أذربيجان في تجارة فأمسى إلى جانب مرعى ونهر فنزل به. قال: فسمعت صوتاً يكثر حمد الله عز وجل في ناحية فاتبعه فرأيت رجلاً في حفير من الأرض، ملفوفاً في حصير، فسلمت عليه وقلت: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. فسألته أن يقوم معي إلى المنزل فأبى، فانصرفت وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها أني لم أخلف بدمشق رجلاً في العين يكاثرني وأنا ألتمس الزيادة فقلت: اللهم إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه، فبت ولم يعلم إخواني بما قد أجمعت عليه فلما كان السحر رحلوا فركبت دابتي وضربتها إلى دمشق فقال: ما أنا بصادق التوبة إن مضيت في متجري. قال ابن جابر: فلما قدم تصدق بصامت ماله وجهز به في سبيل الله عز وجل. قال ابن جابر فحدثني بعض إخواني قال: ما كست صاحب عباء بدانق من عباء أعطيته ستة وهو يقول: سبعة. فلما أكثرت قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل دمشق. قال ما تشبه شيخاً وفد علي أمس يقال له أبو عبد رب اشترى مني سبعمائة كساء بسبعة سبعة ما سألني أن أضع له درهماً وما زال يفرقها بين فقراء الجيش فما دخل إلى منزله منها بكساء. قال ابن جابر: وكان أبو عبد رب تصدق بصامت ماله وباع عقدة فتصدق بها، إلا داراً بدمشق ثم باعها بمال وفرقه. ثم مات فما وجدوا من ثمنها إلا قدر الكفن. وكان يقول: والله لو أن نهركم هذا سال ذهباً وفضة، من شاء خرج إليه فأخذ، ما خرجت إليه، ولو قيل: من مس هذا العود مات لسرني أن أقوم إليه شوقاً إلى الله عز وجل وإلى رسوله.
أسند أبو عبد رب عن معاوية بن أبي سفيان.
من الطبقة الخامسة
أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني
بقية قال: خرجنا إلى أبي بكر بن أبي مريم نسمع منه في ضيعته، وكانت كثيرة الزيتون، فخرج علينا نبطي من أهلها فقال لي: من تريدون؟ فقلنا: نريد أبا بكر بن أبي مريم فقال: الشيخ؟ فقلنا: نعم، فقال: ما في هذه القرية شجرة من زيتون إلا وقد قام إليها ليلته جمعاء.

(1/466)


يزيد بن هارون قال: كان أبو بكر من العباد المجتهدين، فحضره الموت وهو صائم، فلم يزل يجهد حتى قشروا له تفاحة فأفطر عليها وقيل لامرأته ألا تفلين ثيابه؟ قالت: أية ساعة أفليها؟ ما يلقيها عنه ليلاً ولا نهاراً. تقول لاشتغاله بالصلاة.
الحسن بن علي بن مسلم السكوني قال: كان لأبي بكر بن أبي مريم في خديه مسلكان من الدموع.
يزيد بن عبد ربه قال: عدت أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع فقلت له: رحمك الله لو جرعت جرعة ماء. فقال بيده: لا ثم جاء الليل فقال: أذن؟ فقلت: نعم. فقطرنا في فمه قطرة ماء ثم مات.
أسند أبو بكر عن عبد الله بن بسر وغيره.
حسان بن عطية يكنى أبا بكر
عن الأوزاعي قال: ما رأيت أحداً أكثر عملاً منه في الخير. يعني حسان بن عطية.
عن الأوزاعي قال: كان حسان بن عطية يتنحى إذا صلى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله عز وجل حتى تغيب الشمس.
عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: من أطال قيام الليل يهون عليه طول القيام يوم القيامة.
الأوزاعي قال: حدثني حسان قال: يعذب الله الظالم بالظالم ثم يدخلهما النار جميعاً. وحدثني حسان قال: إن العبد إذا عمل سيئة وقف الملك فلم يكتبها ثلاث ساعات، فإن لم يستغفر كتبت وإن استغفر لم تكتب. وإن الرجل إذا سافر يوم الجمعة دعي عليه أن لا يصاحب في سفره ولا يعان في حاجته، وركعتان يستن فيهما العبد خير من سبعين ركعة لا يستن فيها.
أسند حسان عن أنس وشداد بن أوس، وأرسل عن ابن مسعود وأبي ذر وحذيفة في خلق كثير.
أمية الشامي
عن سفيان بن عيينة قال: كان أمية رجلاً من أهل الشام يقوم فيصلي هناك مما يلي باب بني سهم، فينتحب ويبكي حتى يعلو صوته وحتى تسيل دموعه على الحصى. قال: فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك، فلو أمسكت قليلاً. فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة ورثني دموعاً غزاراً، فأنا أستريح إلى ذريها أحياناً. وكان أمية يقول: ألا إن المطيع لله ملك في الدنيا والآخرة. وكان يدخل الطواف فيأخذ في البكاء والنحيب، وربما سقط مغشياً عليه.
من الطبقة السادسة
أبو سليمان الداراني واسمه عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي
ودارياً قرية من قرى دمشق، وقيل ضيعة إلى جنب دمشق.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان عبد الرحمن بن أحمد العنسي يقول: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، ولا يعطي إلا من أحب خاصة، ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلي من أن آكلها وأقوم أول الليل إلى آخره.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وما أحب البقاء في الدنيا لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة، فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل. قال: فتفكرت أن أقوم إلى الخليفة فأعظه والناس جلوس يرمقوني بأبصارهم. فيعرض لي تزين فيأمر بي فأقتل على غير تصحيح. فجلست وسكت. قال أحمد: وسمعت أبا سليمان يقول: كنت بالعراق أعمل، وأنا بالشام أعرف. قال أحمد: فحدثت به ابنه سليمان فقال: إنما معرفة أبي بالله تعالى بالشام لطاعته بالعراق، ولو ازداد لله بالشام طاعة لازداد لله معرفة.
ابن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: كل ما شغلك عن الله عز وجل من أهل ومال أو ولد فهو عليك مشوم.
مسعود بن أبي جميل قال: سمعت أبا سليمان يقول: كلما ارتفعت منزلة القلب كانت العقوبة إليه أسرع.
أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان: من أي وجه أزال العاقل اللائمة عمن أساء إليه؟ قلت: لا أدري، قال: من أنه قد علم أن الله تعالى هو الذي ابتلاه به.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول كنت ليلة باردة في المحراب فأفاقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيني فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها ما أصابها. فآليت لا أدعو إلا ويداي خارجتان.

(1/467)


أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان الداراني: يا أحمد إني محدثك بحديث فلا تحدث به أحداً حتى أموت: نمت ذات ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء تنبهني وتقول: يا أبا سليمان تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بها، يعني الحوراء، قد ركضتني برجلها فقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤساً لعين آثرت لذة النوم على لذة مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضاً، فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني، أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعاً وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ما ضرك في غرك إذا أعقبك ما سرك.
موسى بن عمران قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب.
موسى بن عمران قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ما يسرني أن لي من أول الدنيا إلى آخرها أنفقه في وجوه البر وأني أغفل عن الله عز وجل طرفة عين.
عن أحمد بن أبي الحواري قال: قال سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها في لقمة ثم جاءني أخ لي لأحببت أن أضعها في فيه.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الآخرة، لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من حسن ظنه بالله عز وجل ثم لا يخاف الله فهو مخدوع.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أرجو أن أكون قد رزقت من الرضا طرفاً لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً.
محمد بن هشام قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: يوحي الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام: اسلب عبدي ما رزقته من لذة طاعتي فإن افتقدها فردها عليه، وإن لم يفتقدها فلا تردها عليه أبداً.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول في مناجاته: إنك إن طالبتني بشري طالبتك بكرمك، وإن أخذتني بذنوبي أتيتك بتوحيدك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم بحبي لك.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهراً. وسمعته يقول: إنما الأخ الذي تعظك رؤيته قبل أن يعظك بكلامه.
أحمد بن أبي الحواري قال: بات أبو سليمان ذات ليلة فلما انتصف الليل قام ليتهيأ، فلما أدخل يده في الإناء بقي على حالته حتى انفجر الصبح، وكان وقت الإقامة. فخشيت أن تفوته الصلاة فقلت: الصلاة يرحمك الله. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: يا أحمد أدخلت يدي في الإناء فعارضني معارض من سري: هب أنك غسلت بالماء ما ظهر منك فبماذا تغسل قلبك؟ فبقيت متفكراً حتى قلت بالغموم والأحزان فيما يفوتني من الأنس بالله عز وجل.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: ما يسر العاقل أن الدنيا له منذ خلقت إلى أن تفنى، يتنعم فيها حلالاً لا يسأل عنه يوم القيامة وأنه حجب عن الله عز وجل ساعة واحدة، فكيف بمن حجب أيام الدنيا وأيام الآخرة؟ أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها وكيف تهنئ الدنيا من كانت هذه صفته؟ وسمعته يقول: إنما ارتفعوا بالخوف، فإن ضيعوا نزلوا وينبغي لعاقل وإن بلغ أعلى درجة أن يفزع قلبه بأسفل درجة من ذكر الموت والمقابر والبعث.
وقلت لأبي سليمان إني قد غبطت بني إسرائيل. قال: بأي شيء ويحك؟ قلت: بثمانمائة سنة بأربعمائة ينن حتى يصيروا كالشنان البالية وكالأوتار. قال: ما ظننت إلا أنك قد جئت بشيء، لا والله لا يريد الله عز وجل منا أن تيبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذاك في عمره.

(1/468)


وسمعت أبا سليمان، وذكر له رجل، فقال: لقد وقع على قلبي ولكن صف لي حاله. فقلت: إنه نشأ في الصوف والقرآن وأكل الملة. فقال: قد كنت أحب أن يكون ممن وجد طعم الدنيا ثم تركها، لأنه إذا وجد طعمها ثم تركها لم يغتر بها، وإذا كان ممن لم يجد طعمها لم آمن عليه إذا وجد طعمها أن يرجع إليها.
وسمعت أبا سليمان يقول: لأهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا اللل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وسمعت أبا سليمان يقول: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على لذة ما فاته من الطاعة فيما مضى، كان ينبغي له أن يبكيه حتى يموت.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: ما عمل داود عليه السلام عملاً قط كان أنفع له من خطيئته، ما زال منها خائفاً هارباً حتى لحق بربه عز وجل.
قال: ورأيت أبا سليمان أراد أن يلبي فغشي عليه. فلما أفاق قال: يا أحمد بلغني أن الرجل إذا حج من غير حله فقال: لبيك اللهم لبيك، قال له الرب: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك، فما يؤمنني أن يقال لي هذا؟ ثم لبى.
وسمعت أبا سليمان يقول: أقمت عشرين سنة لم أحتلم. فدخلت مكة فأحدثت بها حدثاً، فما أصبحت حتى احتلمت. فقلت له: فأي شيء كان ذلك الحدث؟ قال: تركت صلاة العشاء في المسجد الحرام في الجماعة، والاحتلام عقوبة.
وسمعته يقول: حيل بيني وبين قيام الليل - قال أحمد: كان الذكر يغلب عليه - وإني لأمرض فأعرف الذنب الذي أمرض به.
وسمعته يقول: ما حجوا ولا رابطوا ولا جاهدوا إلا فراراً من البيت، وما يرون ما تقر به أعينهم إلا في البيت.
أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: لو اجتمع الخلق جميعاً على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا على ذلك.
أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: من صفي صفي له ومن كدر كدر عليه.
أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأ علي بن خلف قال: أنبأ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأ عبد الله بن محمد الرازي قال أنبأ إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي. قال: سمعت أبا سليمان يقول: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك الشهوة ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له.
الجنيد قال: قال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: وقد دخلت عليه وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال لي: يا أحمد ولم لا أبكي، وإذا جن الليل ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه، وافترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وقطرت في محاريبهم، أشرف الجليل سبحانه، فنادى جبريل عليه السلام بعيني من تلذذ بكلامي، فلم لا ينادي فيهم ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيباً يعذب أحبابه؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قوماً إذا جنهم الليل تملقوني، فبي حلفت إذا وردوا علي القيام لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم.
أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يفت لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد، ولا خير في قلب يتوقع قرع الباب يتوقع إنساناً يجيئه يعطيه شيئاً.
قال: وقلت لأبي سليمان: سهرت ليلة في ذكر النساء إلى الصباح. قال: فتغير وجهه وغضب علي وقال: ويحك أما استحييت منه؟ يراك ساهراً في ذكر النساء؟ ولكن كيف تستحيي ممن لا تعرف. قال: وسمعت أبا سليمان يقول: إذا لذت لك القراءة فلا تركع ولا تسجد، وإذا لذ لك السجود فلا تركع ولا تقرأ، الزم الأمر الذي يفتح لك فيه وسمعت أبا سليمان يقول: من كان يومه مثل أمس فهو في نقصان وسمعت أبا سليمان يقول: ما أتي من إبليس وقارون وبلعم إلا أن أصل نياتهم غش فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم، والله أكرم من أن يمن على عبد بصدق ثم يسلبه إياه.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إذا ذكرت الخطيئة لم أحب الموت وقلت: أبقى لعلي أتوب.

(1/469)


أبو عمران، موسى بن عيسى الجصاص قال: قال أبو سليمان رد سبيل العجب بمعرفة النفس، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الخوف، واستجلب نور القلب بدوام الحزن، والتمس باب الحزن بدوام الفكرة، والتمس وجوه الفكرة في الخلوات، وتحرز من إبليس بمخالفة هواك، وتزين الله بالإخلاص والصدق في الأعمال، وتعرض للعفو بالحياء منه والمراقبة، واستجلب زيادة النعم بالشكر، واستدم النعم بخوف زوالها، ولا عمل كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كرد الغضب،ولا نور كنور اليقين، ولا يقين كاستصغار الدنيا، ولا معرفة كمعرفة النفس، ولا نعمة كالعافية من الذنوب، ولا عافية كمساعدة التوفيق، ولا زهد كقصر الأمل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات، ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا تقوى كاجتناب المحارم، ولا عدم كعدم العقل، ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة النفس، ولا ذل كالطمع، ومن لم يحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة، ولا ينفع الهالك نجاة المعصوم، ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم، والهالك من هلك في آخر سفره وقد قارب المنزل، والخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: وسأله رجل فقال: يا أبا سليمان ما أقرب ما تقرب به إليه؟ ثم قال: مثلي يسأل عن هذا؟ أقرب ما تقرب به إليه أن يطلع من قلبك على أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو.
وسمعت أبا سليمان يقول: ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال ولولا أني أدع الفكر فيها ما جزتها أبداً ولربما جاءت الآية من القرآن تطير العقل فسبحان الذي رده إليهم.
قال أحمد: وقلت لأبي سليمان: إن فلاناً وفلاناً لا يقعان على قلبي. قال: ولا على قلبي، ولكن لعلنا أتينا من قلبي وقلبك فليس فينا خير وليس نحب الصالحين.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: إذا اعتقدت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت وعادت بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علماً. قلت سمع أبو سليمان الداراني الحديث الكثير ولقي سفيان الثوري وغيره، ولكنه اشتغل بالتعبد عن الرواية إلا أنني وجدت له ثلاثة أحاديث مسندة: الحديث الأول - أبو سليمان الداراني قال: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى قبل الظهر أربعاً غفر له ذنوب يومه ذلك " .
قال الخطيب: لا أحفظ لأبي سليمان حديثاً مسنداً غيره.
الحديث الثاني - أبو سليمان الداراني قال: أنبأ علي بن الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا إبراهيم بن أدهم قال: سمعت محمد بن عجلان يذكر عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله عز وجل رفعه الله " .

(1/470)


الحديث الثالث - أبو سليمان الداراني قال: حدثني شيخ بساحل دمشق يقال له علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمنا أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا. فقال: ما أنتم؟ قلنا مؤمنون، فتبسم وقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قال سويد: قلنا خمس عشرة خصلة: خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلفنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته ورسله والبعث بعد الموت. قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قلنا: أمرتنا رسلك أن نقول: لا إليه إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: وما الخمس التي تخلقتم بها أنتم في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرجاء، والصبر عند البلاء، والصدق في مواطن اللقاء، والرضا بمر القضاء، والصبر عند شماتة الأعداء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء. ثم قال صلى الله عليه وسلم: وأنا أزيدكم خمساً فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون. قال أبو سليمان: وقال لي علقمة بن يزيد: فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها، ولا والله يا أبا سليمان ما بقي من أولئك النفر ولا من أولادهم أحد غيري. قال وما بقي إلا أيام قلائل ثم مات رحمه الله. توفي أبو سليمان الداراني سنة خمس ومائتين وقال أبو عبد الرحمن السلمي سنة خمس عشرة. والأول أصح.
عبد العزيز بن عمير
أصله من خراسان لكنه سكن دمشق أحمد بن محمد بن أبي موسى الأنطاكي قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: ترى نور الجلال عليهم وأثر الخدمة بين أعينهم. ثم قال عبد العزيز: إن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك أهل الدنيا فيرى أثره عليه، فكيف بمن ينقطع إلى الله عز وجل كيف لا يرى أثره عليه.
قال أحمد بن وديع: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: الصيام سجن المؤمن عن الدنيا.
أبو خزيمة قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله عز وجل كانت هي التي تنازعك إلى الخير.
مروان بن محمد
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مروان بن محمد يقول: إني أخبرك بشيء يا أحمد ما كلمت به أحداً قط قبلك: ما أنا لشيء أخوف مني من أن يختم لي بكفر.
من الطبقة السابعة
مضاء بن عيسى
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: خف الله يلهمك، واعمل له لا يلجئك إلى دليل.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: إذا وصلوا إليه لم يرجعوا عنه، إنما رجع من رجع من الطريق.
قاسم الجوعي قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أحب شيئاً آثره على غيره.
أسند مضاء عن شعبة. وسمع من غيره رضي الله عنه.
أبو كريمة العبدي
عيسى بن الهذيل قال: سمعت أبا كريمة، وكان من عباد أهل الشام، يقول: ابن آدم ليس لما بقي من عمرك ثمن.
بشير الطبري
سكن الشام أبو عمرو الكندي قال: أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري نحواً من أربعمائة جاموس، فركبت معه أنا وابن له فلقينا عبيده الذين كانت معهم الجواميس معهم عصيهم فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضاً اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى. فقال له ابنه: يا أبه أفقرتنا. قال: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده.
من الطبقة الثامنة
القاسم بن عثمان الجوعي

(1/471)


أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت القاسم الجوعي الكبير يقول: شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع ففقدوا لذاذة الطعام والشهوات ولذات الدنيا لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة، وإنما سميت قاسماً الجوعي لأن الله تعالى قواني على الجوع، فلو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال رضت نفسي حتى لو تركت شهراً وما زاد لم تأكل ولم تشرب، لم تبال، أنا عنها راض أسوقها حيث شئت، اللهم أنت فعلت بي ذلك فأتمه علي.
أحمد بن عبد الله الحافظ قال: كان القاسم يقول: حب الرياسة أصل كل موبقة، وقليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة، ورأس الأعمال الرضا عن الله عز وجل والورع عماد الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن الحصين ضبط اللسان.
سعيد بن عبد العزيز الحلبي قال: سمعت قاسماً الجوعي يقول: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر.
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال: دخلت دمشق على كتبة الحديث فمررت بحلقة قاسم الجوعي فرأيت نفراً جلوساً حوله وهو يتكلم عليهم، فهالني منظرهم، فتقدمت إليه فسمعته يقول: اغتنموا من زمانكم خمساً: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفتقدوا، وإن شهدتم لن تشاوروا وإن قلتم شيئاً لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئاً لم تعطوا به. أوصيكم بخمس أيضاً، إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ندمتم لم تجزعوا، وإن كذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فائدتي في دمشق.
أسند قاسم عن سفيان بن عيينة وغيره.
يكنى أبا الحسن. واسم أبي الحواري: ميمون.
سكن دمشق وكان له ابن يقال له عبد الله من الزهاد، وأخ يقال له محمد يشبهه في الورع والزهد. وأبوه أبو الحواري من أهل الورع أيضاً. فبيتهم بيت الورع والزهد.
وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام.
يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: أظن أهل الشام يسقيهم الله الغيث به.
محمود بن خالد، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: ما أظنه بقي على وجه الأرض مثله.
العباس بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من أحب أن يعرف بشيء من الخير أو يذكر به فقد أشرك في عبادته، ومن عبد على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه. وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية فيحار عقلي فيها فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.
العباس بن حمزة قال: قال أحمد بن أبي الحواري: كلما ارتفعت منزلة القلب كانت العقوبة إليه أسرع.
أسند أحمد بن أبي الحواري عن حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع ونظرائهم. وتوفي في سنة ثلاثين ومائتين.
محمد بن سمرة السائح
يوسف بن أسباط قال: كتب إلي محمد بن سمرة السائح بهذه الرسالة: أي أخي، إياك وتأمير التسويف على نفسك وإمكانه من قلبك فإنه محل الكلال وموئل التلف، وبه تقطع الآمال وفيه تنقطع الآجال، فإنك إن فعلت ذلك أدلته من عزمك فاجتمع وهواك عليك فغلبا واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولي عنك، فعند مراجعته إياك لا تنتفع نفسك من بدنك بنافعة، وبادر يا أخي فإنك مبادر بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، وتذكر ما أسلفت وقصرت، وأفرطت وجنيت وعملت فإنه مثبت محصي، وكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت وندمت على ما فرطت، فعليك بالحياء والمراقبة والاعتزال وقلة الملاقاة. فإن السلامة في ذلك موجودة - وفقنا الله وإياك لأرشد الأمور ولا قوة بنا وبك إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد نبينا وعلى آله الطاهرين.
أبو عباد الشامي

(1/472)


إبراهيم بن منصور بن عمار قال: سمعت أبي يقول: قال لي رجل بالشام: يا أبا السري عندنا رجل من العباد من أهل واسط العراق لا يأكل إلا من كد يديه، وقد دبرت من سف الخوص صفحة يديه ولو رأيته لوقذك النظر إليه، فهل لك أن تمضي بنا إليه؟ قلت: نعم فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج إلى الباب فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذذ به من مناجاتك، ثم فتح الباب فدخلنا فإذا رجل ترى به الآخرة، وإذا قبر محفور ووصيته قد كتبها في الحائط، وكساؤه قد أعده لكفنه. فقلت أي موقف لهذا الخلق؟ فقال: بين يدي من؟ قال: ثم صاح وخر لوجهه. ثم أفاق من غشيته فقال له صاحبي: يا أبا عباد هذا أبو السري منصور بن عمار، فقال لي: مرحباً يا أخي ما زلت إليك مشتاقاً. أعلمك أن بي داء قد أعيا المتطببين قبلك قديماً، فهل لك أن تتأتى له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك لعل الله أن ينفع بك؟ قال: قلت: وكيف يعالج مثلي مثلك وجري أنغل من جرحك؟ قال: وإن كان كذلك فإني مشتاق إلى ذلك. قال: قلت: إن كنت تمسكت باحتفار قبرك في بيتك وبوصية رسمتها بعد وفاتك وبكفن أعددته ليوم موتك، فإن لله عز وجل عباداً اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم. قال: فصاح صيحة ووقع في قبره، وجعل يفحص برجليه، وبال فعرفت ذهاب عقله. فخرجت إلى طحان على بابه فقلت ادخل فأعنا على هذا الشيخ، فاستخرجناه من قبره وهو في غشيته فقال لي الطحان: ويحك ما صنعت؟ فخرجت وتركته صريعاً، فلما كان الغد عدت إليه فإذا بسلخ في وجهه، وإذا بشريط قد شد به رأسه لصداع وجده. فلما رآني قال: يا أبا السري المعاودة رحمك الله، فقلت له: أين بلغت أيها المتعبد من أحزانك بالله؟ لكأني أنظر إلى آكل الفطير والصابر على خبز الشعير، يأكل ما اشتهى ويسعى عليه بلحم طير، ويسقى من الرحيق المختوم فشهق شهقة فحركته فإذا هو قد فارق الدنيا.
علي بن الفتح الحلبي
أبو زرعة الدمشقي قال: خرج علي بن الفتح الحلبي يوم النحر، فرأى الناس يتقربون إلى الله تعالى. فقال: يا رب أرى الناس يتقربون إليك بألوان الذبائح وإني تقربت إليك بحزني، ثم غشي عليه فأفاق، ثم قال: إلهي، إلى متى ترددني في دار الدنيا محزوناً؟ فاقبضني إليك. فوقع من ساعته ميتاً.
علي بن عبد الحميد الغضائري
محمد بن الحسن اليقطيني، ومحمد بن إبراهيم، يقولان: سمعنا علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: دققت على السري بن مغلس بابه فسمعته يقول: اللهم من شغلني عنك فاشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشياً على قدمي أربعين عاماً. وكان يعد من الأبدال.
أسند الغضائري الحديث عن سوار بن عبد الله.
جابر الرحبي
أبو جعفر الخصاف قال: حدثني جابر الرحبي قال: أكثر علي أهل الرحبة ينكرون علي ما يعطي الله عز وجل أولياءه، فخرجت إلى خارج فركبت السبع ودخلت إلى الرحبة وأنا أقول: أين الذين يكذبون أولياء الله عز وجل؟ فكفوا عني بعد ذلك.
وقال أبو جعفر الخصاف: قال لي جابر يوماً وأنا أماشيه مر بنا نتسابق، مر أنت هكذا حتى أمر أنا هكذا. قال: فمررت أنا على الجسر. فلما حصلت على الجسر التفت فإذا هو يمشي على الماء. فلما التقينا قلت: من لا يحسن مثل هذا؟ أمشي أنا على الجسر وتمشي أنت على الماء. قال: فقال: وقد رأيتني؟ قلت: نعم. قال: أنت رجل صالح.
أبو عبيد البسري
وبسرى فوق دمشق.
عن محمد، غلام أبي عبيد، قال: ودعت أبا عبيد حين أردت الحج. فقال لي: معك شيء؟ قلت: لا، ليس معي غير هذه الركوة. فقال: إذا أردت شيئاً أو جعت أو عطشت فصل ركعتين واجعلها على يمينك، فإذا سلمت رأيت كل ما تحب، قال: فجئت إلى بعض المنازل وليس فيه ماء، والناس يصيحون: العطش. فقلت في نفسي: قد قال أبو عبيد ما قال وهو صادق. فأخذت الركوة فرميت بها في مصنع وصليت ركعتين، فما سلمت إلا والرياح تذهب بها وتجيء على رأس الماء. فنزلت فأخذت الركوة ثم صحت بالناس فجاءوا واستقوا حتى رووا.

(1/473)


أبو بكر بن معمر قال: سمعت ابن أبي عبيد البسري يحدث عن أبيه أنه غزا سنة من السنين، فخرج في السرية. فمات المهر الذي كان تحته وهو في السرية فقال: يا رب أعرنا إياه حتى نرجع إلى بسرى يعني قريته. فإذا المهر قائم. قال: فلما غزا ورجع إلى بسرى، قال: يا بني خذ السرج عن المهر. قال: قلت يا أبه هو عرق. فقال لي: يا بني هو عارية فلما أخذت السرج وقع المهر ميتاً.
أبو زرعة قال: كان أبو عبيد البسري بعرفة وإلى جانبه ابنه. فقال له: يهنئك الفارس، فقال له: يا أبه وأي فارس؟ فقال له: ولد لك الساعة غلام، فلما صرنا إلى بسرى وجدت زوجتي قد ولدت غلاماً يوم عرفة.
عبد الله غلام لأبي عبيد قال: كنت معه يوماً قاعداً بدمشق أنا وجماعة من إخوانه، إذ مر رجل على دابة وخلفه غلام له يعدو، وقدامه بيده غاشية. فلما حاذى أبا عبيد قال: اللهم أعتقني وأرحني منه. ثم قال: ادع الله عز وجل لي. فقال أبو عبيد: اللهم أعتقه من النار ومن الرق. فعثرت الدابة بمولاه فسقط إلى الأرض. فالتفت إلى الغلام وقال له: أنت حر لوجه الله عز وجل. قال: فرمى بالغاشية إليه وقال: يا مولاي أنت لم تعتقني وإنما أعتقني هؤلاء. فصحب أصحابنا وتوفي بينهم.
ابن أبي حسان قال: قال لي أبو عبيد البسري يوماً: يا أبا حسان ما غمي ولا أسفي إلا أن يجعلني مما عفا عنه. فقلت: يا أخي، الخلق على العفو تذابحوا. فقال: أجل. ولكن أي شيء اقبح بشيخ مثلي يوقف غداً بين يدي الله عز وجل، فيقال له: شيخ سوء كنت، اذهب فقد عفوت عنك؟ إنما أنا أملي في الله عز وجل أن يهب لي كل من أحبني.
أبو بكر الهلالي
محمد بن علي الصوري قال: سمعت أبا القاسم الحسن بن عبد الله بن أحمد بن هاشم الشيخ الصالح قال: سمعت أبا بكر الهلالي يقول: من عني بمجاهدة الأسرار اشتغل عن الحكايات والأخبار.
وسمعته يقول، رموا بهممهم إلى أعلى الفضائل، وضيعوا الفرائض، فلا إلى هممهم وصلوا، ولا قاموا بقليل ما به وكلوا، ومن قام بقليل ما وكل به اؤتمن على الكثير، ومن لم يقم بقليل ما وكل به لم يؤتمن على قليل ولا كثير.
وسمعته يقول: وأشار إلى شجرة في منزله فقال: هذه الشجرة ما نظرت إليها نظرة فرجع طرفي إلا بعقوبة أو توبيخ في سري، يقال لي: تكون بين أيدينا وتنظر إلى سوانا؟ وسمعته يقول: كنت أتمنى على الله أن يريني أبا العباسي الخضر عليه السلام. فلما كان بعد مدة إذا أنا بالباب يدق علي. فقلت: من هذا؟ فقال لي: أنا الذي تتمناني على الله عز وجل أنا لاخضر. فقلت له: الذي طلبناك له قد وجدناه. ارجع إلى حال سبيلك.
ذكر المصطفين من عباد بيت المقدس
إدريس بن أبي خولة الأنطاكي
عمر بن واصل، عن سهل بن عبد الله قال: مرض رجل من أولياء الله عز وجل مرضاً مشكلاً. فكان الناس إذا رأوه قالوا: به جنة فأكثر عليه القول فلما عظم كلام من تكلم في أمره قالوا له: نعالجك؟ فقال لهم: يا قوم اعلموا أن لي طبيباً إن سألته داوى كل عليل، لكني أنا لا أسأله أن يداويني، فقيل له: ولم ذاك وأنت تحتاج إلى الدواء؟ فقال: أخشى إن برأت من هذه العلة طغيت. فقيل له: فإن لنا مجنوناً فسل طبيبك هذا أن يداويه. فقال: نعم إيتوني به، فأتوه برجل في عنقه غل عظيم ويداه مشدودة إلى عنقه في قيد ثقيل، قد استمكنت منه العلة. فقال لهم: خلوني معه.
فعمد جهال القوم إلى يده فحلواها وأدخلوه معه في البيت الذي كان فيه، وأغلقوا عليه الباب وهم يظنون أن سيفضي إليه بمكروه، فلما كان بعد ساعة صاحوا به فأجابهم وخرج إليهم وكلمهم كلام عاقل وهو يبكي بكاء شديداً. فقالوا له: خبرنا بقصتك وما كان، فقال: دخلت على هذا الرجل وأنا على ما قد علمتم من علتي لا أعقل شيئاً كما رأيتموني، فقربني منه وأدناني وجعل يده على صدري والأخرى على رأسي، فأحسست بطعم البرء يدب في جسمي حتى زال ما بي. فقالوا له: ادخل معنا إليه فسله يدعو الله عز وجل لنا، فدخل مع القوم إليه فلم يجدوه في البيت وستره الله عز وجل عنهم، فمن عقل منهم عظمت ندامته وكثر أسفه. قال سهل: وهذا الرجل من بيت المقدس يقال له إدريس بن أبي خولة الأنطاكي.
عبد العزيز المقدسي

(1/474)


أبو بكر بن شاذان قال: سمعت عبد العزيز المقدسي يقول: وكان من الأبدال: لما بلغت الحلم أخذت على نفسي أن أروضها وأمنعها من الآثام واستوفقت الله تعالى فوفقني، واستعنت به فأعانني. ولقد حاسبت نفسي من يوم بلوغي إلى يومي هذا فإذا زلاتي لا تجاوز ستة وثلاثين زلة. ولقد استغفرت الله عز وجل لكل زلة مائة ألف مرة، وصليت لكل زلة ألف ركعة، ختمت في كل رجعة منها ختمة، وإني مع ذلك غير آمن سطوة ربي عز وجل أن يأخذني بها وأنا على خطر قبول التوبة.
ذكر المصطفين من العباد المقدسيين المجهولين الأسماء
عباد ثلاثة
بشر بن بشار المجاشعي، وكان من العابدين، قال: لقيت عباداً ثلاثة ببيت المقدس، فقلت لأحدهم: أوصني قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك ويقل همك، وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط وأنت منه في غفلة لا تشعر به. وقلت للآخر: أوصني، قال: ما أنا بمستوص فأوصيك - قلت: على ذاك عسى الله عز وجل أن ينفع بوصيتك. قال: أما إذ أبيت إلا الوصية فاحفظ عني: التمس رضوانه في ترك مناهيه فهو أوصل لك إلى الزلفى لديه. قال: فقلت للآخرة: أوصني فبكى واستحر سفحاً للدموع ثم قال: أي أخي لا تبتغ من أمرك تدبيراً غير تدبيره فتهلك فيمن هلك، وتضل فيمن يضل.
عباد سبعة
أحمد بن محمد الصوفي قال: قال لي أستاذي أبو عبد الله بن أبي شيبة: كنت ببيت المقدس وكنت أحب أن أبيت في المسجد وما كنت أترك. فلما كان في بعض الأيام تصرت في الرواق بحصر قائمة، فلما أن صليت العتمة وراء الإمام أتيت الحصر فاختبأت وراءها، وانصرف الناس والقوام، ثم خرجت إلى الصحن فلما سمعت غلق الأبواب وقعت عيني على المحراب فنظرت إليه وقد انشق ودخل منه رجل وثاني وثالث إلى أن تم سبعة واصطف القوم وزال عقلي، فلم أزل واقفاً في موضعي شاخصاً زائل العقل إلى أن انفجر الصبح فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا.
عابد آخر
كلاب بن جري قال: رأيت شاباً ببيت المقدس قد عمش من طول البكاء، فقلت له: يا فتى كم تكون العين سليمة على هذا البكاء؟ قال: فبكى ثم قال: كما شاء ربي فلتكن، وإذا شاء سيدي فلتذهب فليست أكرم علي من بدني، إنما أبكي رجاء السرور والفرح في الآخرة، وإن تكن الأخرى فهو والله شقاء الدهر وحزن الأبد والأمر الذي كنت أخافه وأحذره على نفسي، وإني احتسبت على الله عز وجل غفلتي عن نفسي وتقصيري عن حظي، ثم غشي عليه.
عابد آخر
عباد بن عباد، أبو عتبة الخواص، قال: رأيت شيخاً في مسجد بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة. فقلت: رحمك الله لو غيرت لباسك هذا، فقد علمت ما في البياض. فبكى ثم قال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا. قال: فما تم كلامه حتى غشي عليه.
عابد آخر
أبو مدرك عثمان بن وكيع العبدي قال: جاء رجل إلى بيت المقدس فمد كساءه في ناحية المسجد فكان فيه الليل والنهار، طعيمه خلف ذلك الكساء الذي قد مده. قال: فيبيت ليله أجمع يصلي فإذا طلع الفجر مد بصوت له: عند الصباح يغبط القوم السرى. قال: وكان يقال له: ألا ترفق بنفسك؟ فيقول: إنما هي نفسي أبادرها أن تخرج.
عابد آخر
ذو النون قال: نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له: ما الذي أثار منك ما أرى؟ قال: ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص وبقيت في كدر الانتقاص، فهل من دليل مرشد أو من حكيم موقظ؟
عابد آخر
سمنون قال: كنت ببيت المقدس في برد شديد، وعلي جبة وكساء، وأنا أجد البرد والثلج يسقط، فرأيت شاباً عليه خرقتان في الصحن يمشي، فقلت: يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنك من البرد. فقال لي: يا أخي سمنون:
ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحد في كنه يجد البردا
من عقلاء المجانين ببيت المقدس
شاب

(1/475)


بلغنا عن أبي الجوال المغربي قال: كنت ببيت المقدس جالساً مع رجل صالح وإذا قد طلع علينا شاب والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون فدخل المسجد وهو ينادي اللهم أرحني من هذه الدار. فقلت له: هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحكمة؟ فقال: من أخلص له في الخدمة أورثه طرائف الحكمة وأيده بأسباب العصمة، وليس بي جنون وولق؛ بل قلق وفرق. ثم جعل يقول:
هجرت الورى في حب من جاد بالنعم ... وعفت الكرى شوقاً إليه فلم أنم
وموهت دهري بالجنون عن الورى ... لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
فلما رأيت الشوق والحب بائحاً ... كشفت قناعي ثم قلت: نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى ... وإن قيل مسقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا ... وحرمة روح الأنس في حندس الظلم
لقد لامني الواشون فيك جهالة ... فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلم ... وأخبرهم أن الهوى يورث السقم
فبالحلم يا ذا المن لا تبعدنني ... وقرب مزاري منك يا بارئ النسم
فقلت له: أحسنت لقد غلظ من سماك مجنوناً، فنظر إلي وبكى وقال: أو لا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ فقلت: بلى أخبرني؟ فقال: طهروا له الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، وائتزروا بالصدق، وارتدوا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، وركضوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة الحذاق، حتى اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق وغيبهم عن الخلائق، لا تؤويهم دار ولا يقرهم قرار، فالنظر إليهم اعتبار، ومحبتهم افتخار، وهم صفوة الأبرار، ورهبان أخيار، مدحهم الجبار ووصفهم النبي المختار، إن حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن ماتوا لم يشهدوا. ثم أنشأ يقول:
كن من جميع الخلق مستوحشاً ... من الورى بسري إلى الحق
واصبر فبالصبر تنال المنى ... وارض بما يجري من الرزق
واحذر من النطق وآفاته ... فآفة المؤمن في النطق
وجد في السير ممراً كما ... شمر أهل السبق للسبق
أوليك الصفوة ممن سما ... وخيرة الله من الخلق
قال: فأنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هارباً فأنا متأسف عليه.
ذكر المصطفيات من عابدات بيت المقدس
طافية
عن عطاء الخراساني قال: كانت امرأة عابدة يقال لها طافية تأتي بيت المقدس تتعبد فيه، وكان وهب بن منبه يقول: يا طافية ما أشد العمل عليك؟ فتقول: ما أجدني أجد شيئاً أشد علي من طول الفكر. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إني إذا تفكرت في عظمة الله عز وجل وأمر الآخرة طاش عقلي وأظلم علي بصري، واسترخت لذلك مفاصلي. فقال لها وهب بن منبه: إذا أنت وجدت ذاك فافزعي إلى قراءة القرآن في المصحف.
لبابة
محمد بن روح قال: قالت لبابة المتعبدة في بيت المقدس: إني لأستحي منه أن يراني مشتغلة بغيره.
محمد بن رواح قال: قالت لبابة المتعبدة: ما زلت مجتهدة في العبادة حتى صرت أستروح بها، وإذا تعبت من لقاء الخلق آنسني بذكره، وإذا أعياني الخلق روحني التفرغ لعبادة الله عز وجل والقيام إلى خدمته. وقال لها رجل: هو ذا أريد الحج فماذا أدعو بالموسم؟ فقالت: سل الله تعالى شيئين: أن يرضى عنك ويبلغك منزل الراضين عنه، وأن يجعل ذكرك فيما بين أوليائه.
ذكر المصطفيات من المجهولات الأسماء
عابدة
عن أبي جعفر السائح قال: رأيت عجوزاً في بيت المقدس تقول: حججت ماشية اثنتي عشرة حجة ما ركبت فيها، أشتري كل سنة بأربعة دراهم سقطاً فيكون زادي في ذهابي ومنصرفي. قال: فقلت لها: في بيت المقدس مثلك من المتعبدات؟ قال فذكرت نسوة يفعلن مثل ما تفعل. قالت: فإذا رجعنا حملنا مغازلنا إلى المسجد فلا نخرج منه إلا لحدث أو لحاجة. قلت: وكم بقي اليوم من هذه الصفة؟ قالت: نحو من عشرة. قلت: فمن أعبدكن؟ قالت: امرأة من قريش ما نراها تكلم أحد إنما هي في الصلاة قائمة وراكعة وساجدة يأتيها أهلها بما يصلحها.
عابدة أخرى

(1/476)


عن أبي سليمان الداراني قال: حدثني سعيد الإفريقي قال: كنت ببيت المقدس مع أصحاب لي فيالمسجد فإذا أنا بجارية عليها درع شعر وخمار من صوف، فإذا هي تقول: إلهي وسيدي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وأوحش خلوة من لم تكن أنيسه. فقلت: يا جارية ما قطع الخلق عن الله عز وجل؟ قالت: حب الدنيا إلا أن لله عز وجل عباداً أسقاهم م نحبه شربة فولهت قلوبهم فلم يحبوا مع الله عز وجل غيره. ثم قالت تنشد:
تزود قريناً من فعالك إنما ... قرين الفتى في القبر ما كان يعمل
ألا إنما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلاً عندهم ثم يرحل
عابدة أخرى
عن أبي جعفر السائح قال: رأيت امرأة في بيت المقدس في متعبد لها عليها مدرعة من شعر وخمار من شعر، وسوار من حديد، وكان لها سلسلة تعلق بها نفسها بالليل. فقلت لها: منذ متى أخذت فيما أنت فيه؟ قالت: منذ ثماني سنين. قال: ورأيت نسوة كثيرة عليهم مدارع صوف وخمر، معتكفات في المسجد لا يتكلمن بالنهار.
عابدة أخرى
عثمان الرجاني قال: خرجت من بيت المقدس أريد بعض القرى في حاجة فلقيتني عجوز عليها جبة صوف وخمار صوف. فسلمت عليها فردت علي السلام. ثم قالت: يا فتى من أين أقبلت؟ فقلت: من هذه القرية. قالت: وأين تريد؟ قلت: إلى بعض القرى في حاجة. قالت: كم بينك وبين أهلك ومنزلك؟ قلت: ثمانية عشر ميلاً. قالت: ثمانية عشر ميلاً في حاجة؟ إن هذه لحاجة مهمة، قلت: أجل. قالت: فما اسمك؟ قلت: عثمان. فقالت: يا عثمان ألا سألت صاحب القرية أن يوجه إليك بحاجتك ولا تتعنى؟ قال: ولم أعلم الذي أرادت، قلت: يا عجوز ليس بيني وبين صاحب القرية معرفة، قالت: يا عثمان وما الذي أوحش بينك وبين معرفته وقطع بينك وبين الاتصال به؟ فعرفت الذي أرادت فبكيت، فقالت: من أي شيء تبكي؟ من شيء كنت فعلته ونسيته أو من شيء أنسته وذكرته؟ قلت: لا بل من شيء كنت أنسيته وذكرته. قالت: يا عثمان أحمد الله عز وجل الذي لم يتركك في حيرتك، أتحب الله عز وجل؟ قلت: نعم. قالت: فاصدقني، قلت: إي والله إني لأحب الله عز وجل. قالت: فما الذي أفادك من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته؟ قالت: فبقيت لا أدري ما أقول؟ فقالت: يأبى الله عز وجل أن يدنس طرائف حكمته وخفي معرفته ومكنون محبته بممارسة قلوب البطالين. قلت: رحمك الله لو دعوت الله عز وجل أن يشغلني من محبته. فنفضت يديها في وجهي. فأعدت القول أقتضي الدعاء. فقالت: يا عبد الله امض لحاجتك، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من أجلك. ثم ولت وقالت: لولا خوف السلب لبحث بالعجب. ثم قالت أوه من شوق لا يبرأ إلا بك، ومن حنين لا يسكن إلا إليك، فأين لوجهي الحياء منك؟ وأين لعقلي الرجوع إليك؟ قال عثمان: فوالله ما ذكرت إلا بكيت وغشي علي.
ذكر المصطفين من أهل جبلة
مالك بن القاسم الجبلي
عبد العزيز الأهوازي قال: قال لي سهل بن عبد الله: مخالطة الولي للناس ذل، وتفرده عز، قلما رأيت ولياً لله إلا منفرداً، إن عبد الله بن صالح كان رجلاً له سابقة جليلة وموهبة جزيلة وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه فيها، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال لي: لم لا أقيم بها ولم أر بلداً ينزل فيه من الرحمة والبركة أكثر من هذا البلد؟ فأحببت أن أكون فيه مقيماً والملائكة تغدو فيه وتروح وإني أرى فيه أعاجيب كبيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى لا يقطعون ذلك. ولو قلت: كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين. فقلت له: أسألك إلا خبرتني بشيء من ذلك؟ فقال: ما من ولي لله تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر في هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه، فمقامي ها هنا لأجل من أراه منهم، ولقد رأيت رجلاً يقال له: مالك بن القاسم، جبلي، وقد جاء ويده غمرة، فقلت له: إنك قريب العهد بالأكل؟ فقال لي: أستغفر الله فإنني منذ أسبوع لم آكل، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق صلاة الفجر. وبينه وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: نعم. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمناً موقناً.
إبراهيم الجبلي

(1/477)


عبد الواحد بن محمد بن أبان الفارسي قال: لقيت إبراهيم الجبي بمكة بعد رجوعه إلى وطنه وتزويجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافياً. فحدثني أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفاً شديداً حتى ما كان يفارقها لحظة. قال: فتفكرت ليلة في كثرة ميلي إليها وشغفي بها فقلت: ما يحسن بي أن أرد القيامة وفي قلبي هذه، فتطهرت وصليت ركعتين وقلت: سيدي رد قلبي إلى ما هو أولى. فلما كان من الغد أخذتها الحمى وتوفيت يوم الثالث ونويت الخروج حافياً من وقتي إلى مكة.
ذكر المصطفين من أهل العواصم والثغور
أبو عمرو الأوزاعي واسمه عبد الرحمن بن عمرو
والأوزاع بطن من همدان. كذلك ذكره محمد بن سعد. وقال البخاري في تاريخه: الأوزاع: قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس. ولد سنة ثمان وثمانين وسكن بيروت وبها مات.
يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة، قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به والسلام.
عباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوماً فيوماً وساعة فساعة، ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا وتقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم إلى يوم؟ عن ضمرة عن الأوزاعي قال: الناس عندنا أهل العلم.
عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها فهم كانوا أ " ول منكم أعماراً وأمد أجساماً وأعظم آثاراً فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً، كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتاً من عقوبة الله عز وجل فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم من أجل منقوص وديناً مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر، فلا تكونوا أشباهاً لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعي نذره وانتهى، وعقل سراه فمهد لنفسه.
عن موسى بن أعين قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك فأما إذ صرنا يهتدي بنا ما أرى يسعنا التبسم.
بشر بن الوليد قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
عبد الملك بن محمد قال: كان الأوزاعي لا يكلم أحداً بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله فإن كلمه أحد أجابه.
أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب إلى والي بعلبك، فقال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرة ولم نكتب لك. قال: فرد الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين ديناراً.
عن أبي أيوب الزيادي، عن الأوزاعي. قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس.
مروان بن محمد قال: قال الأوزاعي: من أطال قيام الليل هون عليه موقفه يوم القيامة.
قال أحمد: قال لي مروان: ما أحسب الأوزاعي أخذه إلا من هذه الآية: " ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً " إلى قوله " يوماً ثقيلاً " سورة الإنسان آية 26 - 27.
أبو حفص عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب. فقلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السنة.

(1/478)


المعافي بن عمران، عن الأوزاعي قال: كان يقال يأتي على الناس زمان أقل شيء في ذلك الزمان أخ مؤنس أو درهم من حلال أو عمل في سنة.
مسلمة بن علي، عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشيء كأنما على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حميماً لأحدهم غاب عنه حيناً ثم قدم ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكون قريباً من طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون، وأول ما يفيضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يتحلقون إلى الفقه والقرآن.
أسند الأوزاعي عن محمد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ومحمد بن المنكدر وأبي الزبير وغيرهم. وتوفي ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر وهو ابن سبعين سنة. كذلك قال محمد بن سعد. وقال علي بن المديني وتوفي الأوزاعي سنة إحدى وخمسين ومائة.
عن يزيد بن مذكور قال: رأيت الأوزاعي في منامي فقلت: يا أبا عمرو دلني على أمر أتقرب به إلى الله تعالى. فقال لي: ما رأيت ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلم. فقلت: ثم من بعدها؟ قال: درجة المحزونين.
أبو إسحاق الفزاري
واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث. كان صاحب سنة وعزو.
الفضيل بن عياض قال: رأيت رسول الله ( في المنام وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس فيها. فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري. فقلت لأبي أسامة: أيهما كان أفضل؟ فقال: كان فضيل رجل نفسه وكان أبو إسحاق رجل عامة.
محمد بن هارون، أبو نشيط، قال: قال أبو صالح، يعني الفراء: لقيت الفضيل ابن أبي عياض فعزاني في أبي إسحاق وقال: لربما اشتقت إلى المصيصة ما بي فضل الرباط إلا أرى أبا إسحاق.
أبو صالح قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: إن من الناس من يحسن عليه الثناء، وما يساوي عند الله جناح بعوضة.
عباد الغنوي عن أبي إسحاق الفزاري قال: من قال: الحمد لله على كل حال فإن كانت نعمة كان لها كفاء وإن كانت مصيبة كان لها عزاء.
أبو يحيى قال: سمعت أبا عبيد يقول لما مات أبو إسحاق الفزاري بكى عطاء ثم قال: ما دخل على الإسلام من موت أحد ما دخل عليه من أبي إسحاق.
أسند الفزاري عن عبد الملك بن عمير، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب، والعمش، وهشام بن عروى في خلق كثير من التابعين.
وحدث عن الفزاري سفيان الثوري والوزاعي.
وتوفي بالمصيصة سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل خمس وثمانين.
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي
من همدان. يكنى أبا عمرو وهو من الكوفة تحول إلى الثغر فنزل الحديث.
عن جعفر بن يحيى بن خالد قال: ما رأينا في القراء أحداً مثل عيسى بن يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة فاعتل قبل أن يرجع. فقلت: يا أبا عمرو قد أمر لك بعشرة آلاف فقال: هي، فقلت: هي خمسون ألفاً. قال: لا حاجة لي فيها. فقلت: لم؟ أما والله لأهنئنكها هي والله مائة ألف. قال: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلي؟ فأما على الحديث فلا والله ولا شربة ماء ولا هليلجة.
أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ورع عيسى بن يونس، فحدثهما. فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم. فأبى أن يقبلها فظن أنه استقلها. فأمر له بعشرين ألفاً. فقال عيسى: لا والله ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله ( ولو ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف.
الحداني قال: قال ابن المبارك لرجل: اكتب نفس هذا الشيخ، يعني عيسى بن يونس.
رأى عيسى بن يونس جده أبا إسحاق إلا أنه لم يسمع منه شيئاً، وسمع من إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش وخلق كثير، وتوفي بالحدث من أرض الثغر في شعبان سنة سبع وثمانين، وقيل ثمان وثمانين ومائة. وقيل إحدى وتسعين.
يوسف بن أسباط من قرية يقال لها الشيح
عبد الله بن حبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: عجبت كيف تنام عين مع المخافة، أو يغفل قلب مع اليقين بالمحاسبة؟ من عرف وجوب حق الله عز وجل على عباده لم تستحل عيناه أبداً إلا بإعطاء المجهود من نفسه، خلق الله تعالى القلوب مساكن الذكر فصارت مساكن للشهوات، الشهوات مفسدة للقلوب وتلف للأموال، وإخلاق للوجوه، ولا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.

(1/479)


شعيب بن حرب قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا.
موسى بن طريف قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: لي أربعون سنة ما حك في صدري شيء إلا تركته.
قال ابن حبيق: وقال ابن بشار: قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة.
قال ابن حبيق: وقال يوسف، خرجت من شيح راجلاً حتى أتيت المصيصة، وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلم علي، وذا يسلم، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلي ركعتين فأحدقوا بي، واطلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا؟ فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائي إلى شيح فما رجع إلي قلبي إلى سنتين.
عبد الله بن حبيق قال: قال يوسف بن أسباط: إني أخاف أن يعذب الله الناس بذنوب العلماء. وقال: الأشياء ثلاثة، حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فالمؤمن إذا لم يجد الحلال تناول من الشبهات ما يقيمه.
قال ابن حبيق: وسمعت يوسف بن أسباط يقول: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا كتب له.
وسمعت يوسف يقول: لي أربعون سنة ما ملكت قميصين. وسمعته يقول: لا يقبل الله عز وجل عملاً فيه مثقال حبة من رئاء.
وكان يوسف يقول: اللهم عرفني نفسي، ولا تقطع رجاءك من قلبي.
قال ابن حبيق: وقال أبو جعفر الحذاء: كتبت إلى يوسف بن أسباط أشاوره في التحويل إلى الحجاز. فكتب إلي: أما ما ذكرت من تحويلك إلى الحجاز فليكن همك خبزك، وما أرى موضعك إلا أضبط للخبز من غيره، وما أحسب أحداً يفر من شر إلا وقع في أشر منه، وإنما يطيب الموضع بأهله، فقد ذهب من يؤنس به ويستراح إليه، وإذا علم الله منك الصدق رجوت أن لا يضيع لك، وإن كان الصدق قد رفع من الأرض.
قال حذيفة المرعشي: كتب إلي يوسف بن أسباط: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله عز وجل، والمراقبة حيث لا يراك أحداً إلا الله عز وجل، والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا تنفع الندامة عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غداً فإن الدنيا ميدا المتسابقين، ولا تغتر بمن أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله عز وجل، يسألنا فيه عن الدقيق الخفي وعن الجليل الجافي، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته، واعلم أنه مما وصف به منافقو هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم، وداهن بعضهم بعضاً في القول والفعل، فأشر وبطر قولهم، ومر خبيث فعلهم، تركوا باطن العمل بالتصحيح فحرمهم الله تعالى بذلك الثمن الربيح، واعلم يا أخي أنه لا يجزي من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التقوى ولا من التوقي التلاوم، وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرض للمقت وصد عن سواء السبيل. وفقنا الله عز وجل وإياك لما يحب ويرضى.
عبد الله بن حبيق قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: يرزق الصادق ثلاث خصال: الحلاوة والملاحة والمهابة.
المسيب بن واضح قال: قدم ابن المبارك فاستأذن على يوسف فلم يأذن له، فقلت له: ما لك لم تأذن له؟ قال: إني إن أذنت له أردت أن أقوم بحقه ولا أفي به.
ابن حبيق قال: قال يوسف بن أسباط: إذا رأيت الرجل قد أشر وبطر فلا تغبطه فليس للعظة فيه موضع.
افقرقساني قال: أتى يوسف بن أسباط بباكورة ثمرة فقبلها ثم وضعها بين يديه وقال: إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها وإنما خلقت لينظر بها إلى الآخرة.
أبو جعفر الحذاء قال: سألت شعيب بن حرب عن يوسف بن أسباط فقال: ما أقدم عليه أحداً من هذه الأمة. البر عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال وسائر البر في جزء واحد، وقد أخذ يوسف التسعة وشرك الناس في العاشر.
تميم بن سلم قال: قلت ليوسف بن أسباط: ما غاية الزهد؟ قال: لا تفرح بما أقبل، ولا تأسف على ما أدبر، قلت: فما غاية التواضع؟ قال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحداً إلا رأيت أنه خير منك.

(1/480)