صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : موسوعة الخطب والدروس
جمعها ورتبها الشيخ علي بن نايف الشحود

الأسرة في الإسلام ـ الختان ـ
سعيد بن يوسف شعلان
جدة
عمار بن ياسر
محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1 ـ معنى الختان ومقداره. 2 ـ أول من اختتن إبراهيم. 3 ـ خصال الفطرة. 4 ـ حكم الختان. 5 ـ المقدار الذي يقطع في الختان. 6 ـ متى يسقط الختان. 7 ـ يبعث الناس يوم القيامة غرلاً. 8 ـ كثرة وفيات حوادث السيارات.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله تبارك وتعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:
فهذا حكم آخر نضيفه إلى ما تقدم من أحكام الأولاد في الإسلام، هو حكم ختان المولود، وأتكلم عليه في اثنتي عشرة نقطة:
أولاً: في معنى الختان واشتقاقه ومسمّاه.
ثانيًا: في ختان إبراهيم الخليل والأنبياء من بعده عليهم صلوات الله وسلامه.
ثالثًا: في مشروعية الختان وأنه من أصل الفطرة.
رابعًا: في اختلاف أهل العلم في وجوبه واستحبابه.
خامسًا: في وقت وجوبه.
سادسًا: في اختلاف أهل العلم في الختان يوم السابع من الولادة. هل هو مكروه أم لا. وحجة الفريقان.
سابعًا: في بيان حكمة الختان وفوائده.
ثامنًا: في القدر الذي يؤخذ في الختان.
تاسعًا: في بيان أنه يعُم الذكر والأنثى.
عاشرًا: في المسقطات لوجوبه.
حادي عشر: في ختان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والاختلاف فيه هل ولد مختونًا أم لا ومتى خُتن؟
ثاني عشر: في الحكمة التي من أجلها يُبعث الناس يوم القيامة غرلاً غير مختونين.
أولاً: في معنى الختان واشتقاقه ومسمّاه:
فالختان اسم فعل الخاتن، وهو مصدر كالنزال والقتال، ويسمى به موضع الختن أيضًا، ومنه الحديث الصحيح: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)).
ويُسمى في حق الأنثى خفضًا. يقال: ختنت الغلام ختنًا وخفضت الجارية خفضًا, والجارية كما سبق وأن أشرنا: كلمة لا تطلق على الأمة فحسب، ولكن تُطلق على الأنثى بصفة عامة. وتُعرف إن كانت أمة أو حرة بالقرينة وأكثر ما تُستعمل على العموم للصغار لصغار الإناث. ويقال لغير المختون الأقلف، والقُلفه والغرلة: هي الجلدة التي تُقطع. فختان الرجل بأن تُقطع الجلدة التي فوق الحشفة من فرجه، وختان المرأة بأن يُقطع جزء من الجلدة التي هي كعرف الديك فوق فرجها. والمقصود أن الختان اسم للمحل الذي يبقى بعده قطع الجلدة من الرجل والمرأة، واسم للفعل أيضًا وقد يطلق الختان على الدعوة إلى وليمته، كما تطلق العقيقة على ذلك أيضًا.
وأما عن ختان إبراهيم الخليل عليه السلام والأنبياء من بعده، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم)) قال البخاري رحمه الله: والقدوم مخففة وهو اسم موضع، وقال غيره: إنه اسم للآلة.
فالختان كان من الخصال التي أمر الله بها إبراهيم خليله فأتمهن وأكملهن، فجعله إمامًا للناس. وقد رُوي أنه عليه السلام أول من اختتن ولكن الذي في الصحيح لا يفيد ذلك، فإن فيه: ((اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة)) أخرجه البخاري (3356)، ومسلم (2270).
ثم استمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح، فإنه اختتن والنصارى تُقر بذلك ولا تجحده، كما تُقر بأنه حرّم لحم الخنزير وحرم كسب السبت, وصلى إلى الصخرة ولم يصم خمسين يومًا، وهو الصيام الذي يسمونه الصوم الكبير. لم يصمه عليه السلام، وفي جامع الترمذي وقال عنه حسن غريب ومُسند الإمام أحمد عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : أربع من سنن المرسلين: الحياء (وهذه الكلمة غلَّطها الإمام الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي وقال: بل هي الختان وليست الحياء ولا الحناء؛ لأن الحياء خلق والحناء ليست من السنن، ولا ذكرها رسول الله في خصال الفطرة بخلاف الختان، وقد روى المحاملي هذا الحديث عن الشيخ الذي رواه عنه الترمذي بعينه بلفظ الختان فوقعت النون في الهامش فذهبت واختلف في اللفظة فالصحيح الختان إذن: ((أربع من سنن المرسلين: الختان، التعطر، السواك، النكاح)).
وأما عن كون الختان مشروعًا وأنه من أصل الفطرة:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط)).

(228/1)


فجعل الختان رأس خصال الفطرة وإنما كانت هذه الخصال من الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم، وهذه الخصال أمر بها إبراهيم عليه السلام، وهي من الكلمات التي ابتلاه ربه بهن كما ذكر عبد الرزّاق عن معمر عن أبي طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية، قال في تفسير الكلمات التي ابتلى الله عز وجل بها إبراهيم خليله، قال: ابتلاه بالطهارة، خمسٌ في الرأس وخمس في الجسد. التي في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء) انتهى كلام ابن عباس، والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وهذا مما فطر الله الناس عليه، لولا أن الناس بدلوا بعد ذلك فمنهم من هودّ أبناءه، ومنهم من نصرّهم، ومنهم من مجسّهم.
وفطرة عملية: وهي هذه الخصال.
فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تُمد الأخرى وتقويها. وكان رأس فطرة البدن: الختان.
وأما عن اختلاف أهل العلم في وجوبه واستحبابه: فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشعبي وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والشافعي، وأحمد: هو واجب، وشدّد مالك في ذلك حتى قال: "من لم يختتن لم تصح إمامته، ولم تُقبل شهادته".
وقال الحسن البصري وأبو حنيفة: "لا يجب بل هو سُنة"، وقال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد: هو سنة مؤكدة، واحتج الموجبون بوجوه بلغت خمس عشرة وجهًا لا تتسع هذه الخطبة لبسطها كلها، فأذكر أول هذه الوجوه وأهمها، ثم أشير إلى خُلاصة بقيتها.
أما الوجه الأول الذي احتج به الموجبون على أن الختان واجب، فهو قوله تعالى في الآية الثالثة والعشرين بعد المائة من سورة النحل: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] والختان من ملته لما تقدم.
وخلاصة خمس وجوه أُخر أحاديثُ مرفوعات وموقوفات ومراسيل يشهد بعضها لبعض أن النبي أمر بالختان، والأمر للوجوب إذا لم تصرفه قرينة إلى أمور أخرى كالاستحباب والإباحة والإرشاد ونحو ذلك.
من المرفوعات: ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق ورواه أبو داود عن محمد بن مخلد عن عبد الرزاق ثم عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عثيم بن كليم عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي فقال: قد أسلمت فقال: ((ألق عنك شعر الكفر)) أي احلق.
قال: وأخبرني آخر أن النبي قال لآخر: ((ألقِ عنك شعر الكفر واختتن))، ومن الموقوفات ما روى وكيع وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأقلف ـ وهو غير المختون كما عرفنا ـ لا تُقبل له صلاة ولا تُؤكل ذبيحته.
ومن المراسيل قول الزهري قال رسول الله : ((من أسلم فليختتن وإن كان كبيرًا)).
فهذه خلاصة خمس وجوه احتج بها الموجبون، وخلاصة ثلاث وجوه أخر: أنهم قالوا: الختان من أظهر الشعائر التي يُفرق بها بين المسلم والنصراني وغير النصراني من الكفار عباد الصليب وعُبّاد النار وغيرهم.
ولهذا قال الخطابي في أحد الوجوه: إن الختان وإن كان قد ذُكر في جملة السنن، إلا أنه عند كثير من العلماء على الوجوب لأنه من شعار الدين، وبه يُفرق بين المسلم والكافر. وعدم الاختتان من شعار عُبّاد الصليب وعُبّاد النار، والختان من شعار الحنفاء، وقد عرفنا أن إمامهم إبراهيم عليه السلام قد اختتن، فقال: شعارًا للحينفية، وتوارثه عنه بنو إسماعيل، وبنو إسرائيل صلوات الله على أنبياءه جميعًا وسلامه.
فلا يجوز موافقة عباد الصليب القَلْف في شعار كفرهم. ورد القائلون بالاستحباب على هذه الأدلة بكلام لا يدفعها واستدلوا هم أيضًا بأدلة منها:
ما يروى عن ابن عباس موقوفًا بإسناد ضعيف: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء" وقد عرفتم أنه يروى بإسناد ضعيف موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فأدلة الموجبين أظهر وقولهم في المسألة هو الحق إن شاء الله وقدّر.
وأما عن وقت وجوبه فهو عند البلوغ:عند التكليف بالعبادة، فلا يجب قبل البلوغ، ولما كان الواجب يؤدي إلى أن تتم أمور من باب تمامه، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لما كان ذلك كذلك. كان من الأفضل أن يتم الختان قبل البلوغ. فإن أمر النبي لأصحابه أن يعلموا أبناءهم وأن يأمروهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم عليها لعشر دال على أنه لم يكن يسوع لهم ترك ختانهم حتى يجاوزا البلوغ، والله أعلم.
وأما عن الاختلاف في الختان يوم السابع من الولادة هل هو مكروه أم لا؟ وحجة الفريقين فالحق أنه لم يرد نهي عن الختان يوم السابع من الولادة يشهد لكراهة من كره ذلك من بعض أهل العلم.

(228/2)


ولم يرد في استحبابه خبر يرجع إليه؟ فبقي الأمر على التخيير والإباحة، غير أنه إذا فعل في ذلك اليوم (يوم السابع) من الولادة كان أرفق بالصبيان وكان تحريًا لبعض الصحابة الذي ورد أنهم ختنوا أبناءهم في هذا اليوم. وإذا تُرك الأولاد حتى تتقدم سنهم شق ذلك عليهم، وهذا معروف ومُجرب.
وأما عن حكمة الختان وفوائده:
فالختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله سبحانه لعباده. وكمّل به محاسنهم الظاهرة والباطنة وهو مكمل الفطرة التي فطرهم عليها سبحانه، ولهذا كان من تمام الحنيفية ملة إبراهيم.
ولهذا قال هشام ابن العاص رضي الله عنه في وقعة أجنادين التي جرت بين المسلمين والروم: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء القلف لا صبر لهم على السيف (أي الروم) وذكر المسلمين بشعار دينهم وصليبهم القلف: عدم الختان. وجعله مما يوجب إقدام الحُنفاء عليهم وتطهير الأرض منهم.
والمقصود أن صبغة الله هي الحنيفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له، وصبغت الأبدان بخصال الفطرة من الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الآباط والمضمضة والسواك، ونحو ذلك من خصال الفطرة وظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم، هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتنزيه والتزيين وتحسين الخلقة، وتعديل الشهوة، التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوان، وإن عُدمت بالكلية ألحقته بالجمادات. هذا مع ما فيه أيضًا من بهاء الوجه وضياءه وفي تركه من الكسفة التي تُرى عليه.
وأما عن القدر الذي يؤخذ في الختان فتقدم أن ختان الرجل يكون بأن تٌقطع الجلدة التي تغطي الحشفة من فرجه، وأما في النساء فيقطع جزء منها ويبقى على جزء، لما رواه أبو داود عن أم عطية أن النبي أمر ختّانة تختن، وقال لها: ((إذا ختنتي فلا تنهكي فإنه أحظى للمرأة وأحب للبعل))[1].
ففي هذا إشارة كافية إلى القدر الذي يؤخذ في الختان، والمرأة في حاجة إلى ما الرجل في حاجة إليه من فوائد الختان، وبهذا تأتي النقطة التاسعة، وهي أن الحكم يعم الذكر والأنثى؛ لأنه قد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ((إذا التقى الختانان)) ولا يقال ختان للمرأة إذا إذا خُتنت فعلاً، وهذا يدل على أن النساء كُن يختتن، والمرأة في حاجة إلى ما الرجل في حاجة إليه من فوائد الختان.
والنقطة العاشرة في مسقطات وجوب الختان: متى يسقط؟
يسقط لأربعة أمور مختصرة من أمور كثيرة: أولاً: أن يولد الصبي لا قُلفة له فهو مستغنٍ عن الختان إذ لم يُخلق له ما يجب ختانه، وهذا متفق عليه بين العلماء.
ثانيًا: ضعف المولود عن احتماله بحيث يخاف عليه من الختان، ويستمر به الضعف كذلك، فهذا يُعذر في تركه، إذ غايته أنه واجب فيسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات.
ثالثًا: أن يسلم الرجل كبيرًا فيخاف على نفسه منه فيسقط عنه وهذا عند الجمهور وإن قال البعض بضرورة ختانه عملاً بما جاء من الأقوال والأحاديث المرفوعات والموقوفات والمراسيل، إلا أن الجمهور على أنه إذا خيف على نفسه من التلف إذا أسلم كبيرًا فإنه يسقط عنه.
رابعًا: الموت، فلا يجب ختان الميت باتفاق الأمة، وهل يُستحب ؟ الجمهور على أنه لا يستحب، حتى الاستحباب لا يذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو قول الأئمة الأربعة أنه لا يستحب ختان من مات من المسلمين ولم يكن قد اختتن. وذهب بعض الأئمة المتأخرين إلى أنه يُستحب وقاسوا على إزالة شارب الميت إذا كان شاربه طويلاً، ولم يكن قد قصّه قبل وفاته، قاسوا على إزالة شاربه وحلق عانته وتقليم أظافره ونتف إبطه قاسوا الختان على هذه الأمور، وهذا مخالف لما عليه عمل الأمة، فهو قياس فاسد لأنه إزالة الشارب وحلق العانة تقليم الأظافر ونتف الإبط لتكميل الطهارة وإزالة: وسخه ودرنه، وأما الختان فهو قطع عضو من أعضاءه، والمعنى الذي شُرع لأجله في الدنيا قد زال بالموت، فلا مصلحة في ختانه، والله أعلم.
وأما ما جاء في ختان نبينا محمد والاختلاف في ذلك، هل ولد مختونًا أم لا؟ ومتى ختن؟
فالأحاديث التي وردت في أنه ولد مختونًا ضعيفة لا تصح، وتكلم العلماء فيها كلامًا وافيًا، وليس في ولادته عليه الصلاة والسلام مختونًا فضيلة أو خاصية يختص بها عليه الصلاة والسلام؛ إذ قد وجد من الناس من ولد مختونًا، ولو كان فضيلة أو خاصية لما شاركه فيها أحد ثم إن الختان ابتلاء وقد ابتلي به إبراهيم، وهو لرفع الدرجات ودرجته أعلى من درجات الأنبياء جميعًا فلا يخص عليه الصلاة والسلام من هذا البلاء لأنه من قبيل رفع درجاته .
وقال بعض أهل العلم قد ورد في بعض الروايات على ما فيها من ضعف أو كلام أو مقال أن عبد المطلب جد النبي ختنه في يوم سابعه وصنع له مأدبة ودعا إليها الناس وسماه محمدًا .
ثم قال هؤلاء العلماء: وهذا أشبه بالصواب وأقرب إلى الواقع والله أعلم.

(228/3)


ثم النقطة الأخيرة أيها الأخوة الكرام في الحكمة التي لأجلها يبعث الناس يوم القيامة غرلاً غير مختونين، فقد وعد الله تبارك وتعالى ـ وهو صادق الوعد ـ الذي لا يخلف وعده إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[آل عمران: 9] وعد أنه يعيد الخلق كما بدأهم أول مرة، ومن صدق وعده أن يعيده على الحالة التي بدأه عليها كما قال في الآية الرابعة بعد المائة من سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاء كَطَىّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104] وقال في الآية الثلاثين من سورة الأعراف: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأنعام: 29].
وأيضًا: فإن القلفة لا حاجة إليها في الجنة؛ لأن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون، فليست هناك نجاسة يُصب الغُرلة فيلزم التحرز منها، وليست القلفة مما يعوق لذة الجماع ويمنعه، ثم إن هذا كله إن قُدّر استمر الخلق على ما يبعثون عليه بعد خروجهم من قبورهم فإنه من المعروف أنه تغير أحوالهم وتمد في خلقهم ويزاد في خلق أهل الجنة وخلق أهل النار في الصحيحين وغير الصحيحين، يُمد في الخلق ويزاد فيه لتكمل متعة أهل الجنة بالنعيم مع ضخامة أجسامهم بخلاف ما هم عليه عندما ماتوا فيبعثون على خلق أبيهم آدم (على طوله) على ثلاثة وستين ذراعًا وغير ذلك من الأوصاف، وأنهم يحشرون على صورة القمر، أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر، ومن بعدهم وجوههم على صورة أضوأ كوكب دري في السماء, أهل النار يزاد في خلقهم كذلك حتى يصير الضرس كالجبل ليزداد إحساسهم بالعذاب إذا جحدوا وكفروا وفسقوا ولم يستجيبوا للفطرة التي فطرهم الله عليها، فإنَّ الناس يحشرون حفاة عراة، وبعد ذلك يكسون ويزاد ويمد في خلقهم فمن الجائز أيضًا أن تزال الغرلة والقلفة بعد ذلك ومن الممكن أن تستمر وتدوم، وليس هناك خبر يُعلم يجب المصير إليه في هذه المسألة والله سبحانه وتعالى، أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[1] رواه أبو داود
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أحتاج إلى أن أنبه إخواني أهل السنة الذين هم حريصون على سماع الحق والعمل به إلى ضرورة الاحتراز مما يبتدع في النصف من شعبان من الصلوات التي ليس عليها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ، ولا من فعل أصحابه رضي الله عنهم، فإن في الحديث الذي جاء فيه نزول الله عز وجل ليلة النصف من شعبان على القول بتحسينه عند بعض العلماء لا يبرر هذه العبادات التي ليس عليها دليل يرجع إليه ويُستند إليه، فمدار العبادات أيها الأخوة الكرام على الاتباع وليس على الابتداع.
ثم أحب أن أنبه أيضًا إلى أن الإحصاءات في الوفيات قد أفادت أن خمسة وثمانين بالمائة ممن يتوفون، يموتون بسبب حوادث السيارات في هذا البلد، وخمسة عشر بالمائة منهم يموتون بأسباب أخرى، فأوجه إخواني إلى أن يراعوا القواعد المرعية في قيادة السيارات وألا يلقوا بأنفسهم في المهالك إلقاءً ، وأن يراعوا أن أحوال هذه الآلات لا تنضبط ولا تضمن، فالأولى بهم أن يحافظوا على أنفسهم وأن يسيروا على القدر الذي يسمح لهم بتدارك الأمور إن حدث خلل. نسأل الله أن يُسلم الجميع من الشرور والبلايا، ونسأل الله تعالى لنا ولكم حيثما كنا من أرض الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأمننا في أوطاننا ودورنا، وانصر اللهم المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في أفغانستان وفلسطين وفي كل مكان يجاهد فيه في سبيلك يا رب العالمين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وعليك بمن عادانا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه آمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(228/4)


أحتاج إلى أن أنبه إخواني أهل السنة الذين هم حريصون على سماع الحق والعمل به إلى ضرورة الاحتراز مما يبتدع في النصف من شعبان من الصلوات التي ليس عليها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ، ولا من فعل أصحابه رضي الله عنهم، فإن في الحديث الذي جاء فيه نزول الله عز وجل ليلة النصف من شعبان على القول بتحسينه عند بعض العلماء لا يبرر هذه العبادات التي ليس عليها دليل يرجع إليه ويُستند إليه، فمدار العبادات أيها الأخوة الكرام على الاتباع وليس على الابتداع.
ثم أحب أن أنبه أيضًا إلى أن الإحصاءات في الوفيات قد أفادت أن خمسة وثمانين بالمائة ممن يتوفون، يموتون بسبب حوادث السيارات في هذا البلد، وخمسة عشر بالمائة منهم يموتون بأسباب أخرى، فأوجه إخواني إلى أن يراعوا القواعد المرعية في قيادة السيارات وألا يلقوا بأنفسهم في المهالك إلقاءً ، وأن يراعوا أن أحوال هذه الآلات لا تنضبط ولا تضمن، فالأولى بهم أن يحافظوا على أنفسهم وأن يسيروا على القدر الذي يسمح لهم بتدارك الأمور إن حدث خلل. نسأل الله أن يُسلم الجميع من الشرور والبلايا، ونسأل الله تعالى لنا ولكم حيثما كنا من أرض الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

(228/5)


الأسس المنهجية للبرمجة العملية
الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
المحتويات
• التمهيد
• فوائد البرمجة العملية
• الأسس الشرعية
• الأسس الاجتماعية
• الأسس الإحصائية
• الأسس الإدارية
• تشييد وتهديد
• ومضات سريعة على الناحية العملية
الأسس المنهجية للبرمجة العملية
التمهيد :
أول ما نبدأ به في هذا التمهيد معنى المنهج أو المنهاج ، ومعنى البرنامج فالمنهاج في أصل اشتقاقه من النهج ، وهو الطريق الواضح وطرق نهجه - أي واضحة - ومنه قوله - جلا وعلا - { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } - أي طريقاً واضحاً ، ومنهجاً بيناً - ، وفي المعجم الوسيط - وهو متأخر- يدرج المعاني التي استحدثت ويبين دلالات المصطلحات ، قال في معنى المنهج : " هو الخطة المرسومة كمنهاج الدراسة أو التعليم ونحوها والجمع مناهج " . فنحن نقول منهج الجامعة هو كذا وكذا يعني الخطة الدراسية للمرحلة الجامعية.
وأما البرنامج فأصلها كلمة فارسية عربت فهي بالفارسية برنامه ، ومعناها : الورقة الجامعة للحساب ولذلك يسمون التقاويم رزمانه أو برمانه ، لأنها تشتمل على هذا المعنى . وفي تاج العروس معنى آخر ذكره لمعنى البرنامج وهو : " زمام يرسم فيه متاع التجار وسلعهم يعني قيد تسجل فيه البضاعة والسلع فهو كذلك نوع من الإدراك للمعلومات في صورة منظمة يتوصل بها إلى المقصود ويعرف بها الموجود " . وفي المعجم الوسيط قالوا في البرنامج هو: " النسخة التي يكتب فيها المحدث أسماء رواته وأسانيد كتبه " وهذا قد اشتهر قديماً عند العلماء والمحدثين ، فصنفوا في هذا كتب ذكروا فيها أسماء شيوخهم والكتب التي رووها عنهم ويسمون ذلك برنامجاً كبرنامج ابن جابر الوادي آشي . ويطلق ذلك أيضاً عند العلماء .
بعد تلك الفترة صاروا يستخدمون الفهرسة فيقولون : " فهرسة فلان " يعني : ثبت شيوخه واستخدموا الثبت بعد ذلك وهو كذلك الذي يستخدم فيه اسم المعجم أو المشيخات . المهم أنه أيضاً رصد وجمع منظم لمعلومات مقصودة يتوصل بها إلى التحصيل والإنجاز الذي تم خلال مرحلة من الزمن ، مفصل على أماكنه التي تم تحصيله فيها، وعلى مصادره التي تم استقاءه منها.
وأخيراً في معنى البرنامج في المعجم الوسيط : " الخطة المرسومة لعمل ما كبرامج الدرس والإذاعة " ونحن نسمع هذه الكلمة دائماً تستخدم لهذا المعنى .
والمقصود إذاً في مثل هذا الحديث الذي نحن بصدده ، أننا نريد أن نتحدث عن أسس واضحة - يعني منهجية- ، والمنهجية تشتمل كذلك مع الوضوح على ترتيب وتنظيم يكون فيه التدرج ، وإمكان التطبيق ، فنحن نبحث عن أسس واضحة للبرمجة العملية - أي بوضع خطط مرسومة للأعمال التي نريد أن ننفذها في حياتنا- وكثيرة هي الأوقات التي تمضي دون عمل ، وكثيرة هي المدد المتطاولة التي تمضي دون إنجاز ، ومن فضل الله - عز وجل - أننا في هذه الأوقات نرى فوائد متجددة تتجلى ربما في جانبين :
الأول منهما : الالتزام الشرعي الذي يعظم المسؤولية في النفوس تجاه الوقت والبدن ، وكل نعم الله - عز وجل - مما يدفع إلى حسن اغتنامها واستثمارها.
والأمر الثاني : هو اتساع دائرة الاهتمام بالموضوعات الإدارية والتنظيمية ، واكتساب المهارات في القدرات وتطوير الطاقات ، وحسن إدارة الأوقات ونحو ذلك وقد شاع هذا كثيراً ، وكثرت فيه الدورات ، وأعدت فيه الدراسات وطبعت فيه الكتب ، وعقدت فيه الندوات وصار موضع اهتمام كثير من الناس عموماً ، وشباب الأمة خصوصاً ، وأعني ذلك الشباب الجادين من الملتزمين الحريصين على الإنجاز . ونحن نريد في محاولة متواضعة أن نعطي هذا الموضوع مفاتيحه الأولى ونخطو فيه الخطوات الأولية بإذن الله - عز وجل - .
وأبدأ بفوائد البرمجة العملية وقد فهمنا مدلولها ومعناها ببساطة برمجة عملية - أي إنني أريد أن أنجز شيئاً فأضع له جدولاً وخطة مرسومة موزعة على الأوقات حتى أحقق الهدف وأستطيع أن أنجز المطلوب - وهذه فوائد عديدة :
فوائد البرمجة العملية
1- الفكرة
وأعني بها اعتماد مبدأ التفكير والتركيز ، فإن الذي يتوجه إلى وضع البرنامج لابد أن يكون مريداً وقاصداً ، وآخذ بمبدأ التفكير والتركيز ، لأنه سيبحث في أمور كثيرة حتى يصل إلى وضع هذا البرنامج ، أما الذي ليس في قاموس حياته أن يضع برنامجاً وجدولاً ، فهذا غالباً ما لا يجهد فكره ، ولا يركز في أي أمر من الأمور ، بل يأخذ الأمور سبهللاً - كما يقولون - ، وتمر عليه الأوقات أو السنوات أو الفرص دون أن يفكر فيها كيف يغتنمها ؟ أو كيف يصنع بها؟ أو نحو ذلك ، إذن فأول فائدة للبرمجة أنها تعودنا على التفكير والتركيز، بدلاً من البلادة والتشتت الذي نراه . فلا هو أخذ بعلم فأصاب منه حظاً ، ولا هو أتقن عملاً فنال منه كسباً ، ولا هو اشتغل بعبادة فزكى بها نفسه ، وطهّر قلبه ، ولا هو قدح في الدنيا فعف نفسه ، وعال أهله ،

(229/1)


كثيرون هم الذين يتشتتون هنا وهناك ، وكما يقولون : يخوضون في كل بحر ، ويدخلون في كل باب ، فلا يكادون يحصلون على شيء ، ويكون حظه - كما قيل - : من كل بحر قطرة ، ومجموع هذه القطرات يكاد لا يروي غليلهم ولا ينفعهم.
2- القوة
وأعني بذلك قوة الإرادة ، ومقاومة الاستسلام ؛ فإن الذي يتوجه لوضع البرنامج يشعر أنه لابد أن يقاوم الفوضى الاجتماعية ، وأن يقاوم نفسه المتكاسلة ، وأن يقاوم عاداته السيئة ، وأن يقاوم بيئته المثبطة. إنه يكتسب من هذه البرمجة قوة إرادة تجعله يتحدى الواقع الذي هو فيه ولا يستسلم له ، ويبدأ في السير وغذ الخطى ، وإن كان في اتجاه ضد التيار . لأن هذا يجعله يجتهد وينتفع كما لا يكون بغير هذه الوسيلة.
3- الحرص
فإن البرمجة هي الاستغلال الأمثل للوقت ، ومن كان آخذاً بمبدأ البرمجة ؛ فإنه دائماً يتعود على الحرص والظن بوقته ، والحرص مذموم إلا في الوقت ، فالحرص على الوقت ممدوح ومطلوب ، فلا ينبغي أن يكون فيه أي تفريط لأي سبب من الأسباب . قال إبراهيم الحربي - رحمه الله - :" صحبت الإمام أحمد بن حنبل أربعين سنة فما رأيته في يوم إلا وهو زائد على الذي قبله " . وهذا من شدة حرصه .. يرى أنه اغتنم في هذا اليوم خمس ساعات فلابد في الذي بعده خمس ساعات وقليل ولو دقيقة أو خمس ، فمع الزمن فإذا كل يوم يزيد جديداً فإذا به يصبح أكثر حرصاً، وأكثر كسباً بإذن الله عز وجل.
4- الذكاء
وأعني به اكتشاف واستثمار الطاقة ؛ فإن كثير من الناس لا يعرف ما عنده من نعمة الله - عز وجل – عليه ، فإن قلت له - على سبيل المثال - : ضع برنامجاً لتحفظ شيئاً من القرآن أو شيئاً من العلم قال: أنا ذاكرتي ضعيفة ، وإمكانياتي العقلية محدودة ، ولا أستطيع أن أحفظ . هو قال ذلك لأنه لم يضع أو لم يدخل نفسه في البرمجة ، ولم يبدأ بشيء من خطواتها ، ولو فعل لاكتشف في نفسه ما كان جاهلاً به ، ولو قلت له : لما لا تحاول أن تقرأ حتى تكتسب لغة جيدة وبلاغة رائعة ونحو ذلك . قال : هذا أمر بعيد المنال ، فأنا لا أحسن الكلام ولا النطق، فضلاً عن أن أكون من البلغاء الفصحاء ، ولو أنه أيضاً أخذ بشيء من الأسباب لاكتشف في نفسه وفي لسانه طلاقة ، وفي عقله إبداعاً وخيالاً ونحو ذلك من الأمور . فلذلك الذي يدخل في عالم البرمجة هو الذكي الذي يبدأ يفتق طاقاته ، ويكتشف مهاراته ويرى من نفسه ما لم يكن به من قبل عالماً .
5- الإنتاج
فالذي يأخذ بأسباب البرمجة هو الذي يحقق كثرة الإنجازات ، وتحقيق الطموحات ، ورفع المعنويات .
معنى ذلك أنه يضع القليل مع القليل ؛ فإذا به ينجز الكثير ، ولا يمكن أن تكون هناك إنتاجية عالية ، ولا طموحات محققة ، ولا معنويات مرتفعة ما لم يكن هناك برمجة وتركيز في هذا المعنى ، ولعلنا نأخذ مثالاً حتى ندرك أن هذه البرمجة وتوزيع الأوقات وحسابها ودقتها - كما سنرى - هو الذي يمكن أن يثمر، قطاف يسير من ترجمة الإمام النووي . في ترجمته أنه كان يقرأ في كل يوم - في كل يوم ليس أسبوعاً ، ولا شهراً - كان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درساً ، درسين في كتاب " الوسيط" - وهو الوسيط للغزالي في الفقه الشافعي - والثالث في كتاب " المهذب " للشيرازي ، الذي شرحه بعد ذلك النووي في كتابه الضخم " المجموع " ودرساً في كتاب الجمع بين الصحيحين ، ودرساً في صحيح مسلم ، ودرساً في كتاب " اللمع " لابن جندي في النحو ودرساً في كتاب " إصلاح المنطق " لابن السكيت في اللغة ، ودرساً في التصريف ، ودرساً في أصول الفقه تارة في " اللمع " بأبي إسحاق ، وتارة في المنتخب للفخر الرازي ، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين ، ولا أظن أن من صنع مثل هذا ليس عنده برمجة ! لا أظنه لا يكون أحد هذه الدروس قبل الفجر ، والثاني بعد الفجر ، والثالث في الضحى ، والرابع بعد العصر- أي إنها موزعة - وبالتالي انظر إلى هذه الكتب التي درسها الإمام النووي - رحمه الله -إذا بشروحه فيها أعظم شروح انتهى إليها طلب وغاية وأمل أهل العلم ، فلما درس صحيح المسلم شرحه . وهو إلى يوم الناس هذا هو أعظم الشروح وأجلّها ، ولما درس المجموع شرحه ، إلى آخر ما نعرف من تصنيفاته ومؤلفاته رحمه الله .
6-الخبرة
والبرمجة يستفيد منها المرء تعميق الخبرة ، وتحسين التجربة ، والقدرة على المتابعة والتقييم والتعديل ، وتلافي الأخطاء . والذي يضع الأمور و الأعمال في برامج وجداول يكتسب خبرة في تطبيقها ما الذي يبدأ به . .
ما هي العوائق التي تكون ؟ كيف يتجاوزها إذا وقع له كذا ماذا يصنع ؟

(229/2)


هذه البرمجة وتطبيقها تكسبه دقة متناهية في تحديد أموره ومتطلباته ، وحسابها ثم تكسبه تجربة في الممارسة العملية إن كان البرنامج للحفظ ، أو كان البرنامج للعمل الخيري ، أو كان البرنامج للتعليم ، أو كان في غير ذلك سوف يكتسب خبرة رائعة ، وتجربة عميقة ، ويصبح أيضاً بهذه البرمجة دائماً متعوداً على المتابعة والتقويم ، لأن البرنامج لا بد أن يكون فيه متابعة وتقويم ، ولا بد أن ينظر إليه .ز كان من المفترض أن ينتهي كذا .. في تاريخ كذا.. هل انتهى ؟ لا . لماذا لم ينتهي ؟ لأنه كذا وكذا . ماذا يصنع ؟ لا بد أن يعوض . نتعود على هذه السمة التي تعودنا على الدقة والمهارة في تعاطي الأمور ، وخبرة الحياة ، أما كثير من الذين لا ينتبهون إلى ذلك ، ولا يأخذون به ، وليس عندهم تجارب ، ولا خبرات وليس عندهم شيء من هذه النفسية التي تحاسب وتعدل ، والتي تكون دائماً في وضع أفضل وأحسن .
7- التنظيم
وأعني بذلك أن الذي يأخذ بالبرمجة يكتسب مهارة التخطيط والتنظيم وتطوير الملكات ، وهي مهارة مهمة لأن الذي يكتب على الورق ويحسب - كما سنرى - لا يأخذ الأمور جزافاً . تقول له : متى تصنع هذه الأمور ؟ يقول لك : إن شاء الله خلال شهر أو سنة . ماذا شهر إلى سنة ! أي تقدير هذا ! وأي تفريط وفوضى ليست فيها أهمية للوقت ولا تقدير للجهد ولا معرفة بالواقع ولا شيء من ذلك ! أما الذي يأخذ بالبرمجة فهو إنسان يكتسب مهارة التنظيم . إن قلت له : أريد منك أن تصنع ذلك متى تفعل ؟ يقول لك انتظر لحظة ، أو لا يجيبك فيعطيك بعد ذلك إجابة دقيقة يقول: أستطيع أن أنجزه إذا كنت تريده بالطريقة المبدئية فأحتاج إلى أسبوع ، وإن كنت تريده أن يكون منتهياً بطريقة كاملة فهو يحتاج إلى شهر ، وإن كنت تريده قابلاً لأن يخرج للناس أو أن يطبع أو ينشر فإنه يحتاج إلى كذا .. هذه الدقة تنبني على هذه التجربة العملية في البرمجة فالإنسان يكتسب بذلك مهارة مهمة تجعله دائماً في غاية من قدرته على الانتفاع والاستفادة .
8- العطاء
وأعني بذلك القدرة على الإفادة والتوريث والعطاء . ماذا ستعطي لأبنائك ؟ وماذا سيستفيد منك أقرانك ؟ وأي شيء سيجنيه تلاميذك إن لم تكن لك تجربة في هذه البرمجة ولم يكن لك إنجاز؟ إن كنت قد جربت وجدولت الأعمال وحققت الأهداف فإنك ستقول للناس: إذا أردت أن تحفظ فاصنع كذا وكذا وكذا وإذا أردت أن تعمل فطريقك هو أولاً وثانياً وثالثاً سوف تكون لك قدرة على أن تفيد من حولك من أبنائك ومجتمعك أم أن تكون هكذا كما يقولون كالطبل الأجوف تمر في هذه الحياة وتنتهي منها وتخرج وتطوى صحيفتك دون أن يكون لك شيء يذكر بك ، ولا توريث ، ولا عطاء أبقيته ، حتى في أبنائك لكي تكون قد غرست غرساً ما تزال ثماره تينع مرة بعد أخرى.
9- التفوق
وأعني بذلك أن البرمجة تدفع الإنسان إلى منافسة الأقران ، ومواجهة الأعداء ، والتفوق عليهم . إن الذي يأخذ بمبدأ البرمجة إذا كنا في بيئة برمجة ، فهذا أعد برنامجاً ليحفظ جزءاً من القرآن في شهر ، وذاك أعد ليحفظ في نصف شهر ، فيكون هنا تنافس ، ثم ماذا تصنع الأمم المتقدمة - كما تسمى اليوم - إن إنجازها ودقة حرصها على وقتها في الحياة العملية بما قرروه على أنفسهم من الإنجاز و الحرص على المادة أصبحوا مضرب مثل في ذلك .
وفي دراسة موجزة ، عملت على مدى كفاءة الإنتاج والاستغلال لوقت العمل ثمان ساعات في كل يوم . وجد إن أعلى استغلال هو عند اليابانيين ثم درجات درجات .. وفي ضمن هذه النماذج دولة عربية مسلمة كبرى ووجد أن الذي يستغل حقيقة من الساعات الثمان كلها لا يتجاوز 37 دقيقة وليس في هذا مبالغة وسيأتي ما قد يشير إلى هذا ، دراسة أخرى أشير إليها نقلاً عن إحدى الصحف المحلية الطرق التي يقضي بها الشباب أوقاتهم من عينة معينة 75% في مشاهدة التلفزيون 52% كرة القدم 75% قراءة مجلات ودوريات 32% استماع إذاعة 32% التمشي بالسيارات 31% زيارة الأصدقاء 27% الرحلات 24% لعب الورق 18% السباحة 16% كرة طائرة 11% المقاهي 11% الموسيقى 10% الرسم 9% التمشي على الأقدام في الشوارع 9% جمع الطوابع ... وانظروا إليها وفكروا فيها .

(229/3)


معدل ما يجلسه كثير من الشباب أمام التليفزيون في السنة 1000 ساعة وإذا طلبت من هؤلاء شيئاً قال لك : لا أجد وقتاً ماذا يمكن أن ينجز في 1000 ساعة تعرفون الساعة كم ؟ 60 دقيقة احسبوا كم دقيقة واحسبوا كم ثانية واحسب كم يكون من هذا هذه إحصائية قديمة منشورة في عام 1408 هـ البث التلفزيوني سنوياً يصل إلى أكثر من 64 ألف ساعة وأظنها اليوم لو زدنا عليها صفراً لكان الرقم قليلاً . يمكن تكون اليوم 640 ألف ساعة بث إذاعي .الدراسة في الجامعات 6 آلاف ساعة يعني بمقدار ما يجلس أمام التلفزيون 6 سنوات يكون تخرج من الجامعة ، أو درس منهج الجامعة كله تعرفون ماذا يتخرج الطالب ! يدرس 132 ، 136 ، 140 ساعة ويتخرج من الجامعة 140 ساعة طبعاً قد تضرب في 3 على عدد أيام الأسبوع يعني في آخر الأمر كله 600 ساعة ، 700 ساعة يدرس ويتخرج من الجامعة . الساعة ليست شيئاً تافهاً حتى لا يكترث بها النوّم يتراوح ما بين 2100 إلى3500 ساعة ، ثم معدل ما يقضيه المسلم في الصلاة كم ساعة في السنة ؟ دراسة 500 ساعة في السنة كلها يعني في اليوم ساعة وشيء لأن السنة كم يوم ؟ 365 يوم . ساعة وربع طبعاً هذا للذي يصلي ويأتي مبكراً وكذا . أما الذي يعني يمكن أن يكون في نصف هذا الوقت فاحسب ترى أننا نحتاج إلى البرمجة حتى نتفوق .
10- الراحة
ولعل هذا يكون فيه غرابة كيف تكون البرمجة العملية راحة وصحة وكفاءة ! وهي كذلك لأن الذي يبرمج عمله يستطيع أن ينجزه وفق برمجته ، ويستغل الأوقات فلا يكون مضغوطاً ، ولا متحملا لعبء كثير في وقت قصير ، ومثاله البسيط "الفرق بين الطالب المجد والطالب المهمل " الطالب المجد يذاكر أولاً بأول نصف ساعة في اليوم .. ساعة في اليوم . فيأتي وقت الاختبار وهو مرتاح ، وخلاف هذه الأيام كلها لا يرهق ، لأنه يأخذ القليل في المدى الطويل فلا يرهق فإذا جاء الاختبار كان مستعداً فلا يرهق في الاختبار لكن الطالب المهمل لا يذاكر ، ثم بعد ذلك ماذا يصنع يتعب أيام الاختبارات ، وربما يمرض ويدخل المستشفى ، وربما يرهق فينام فلا يحضر الاختبار ! النتيجة كلها كوارث في كوارث ، وضياع في ضياع وهذا يدلنا على أن البرمجة تفيدنا في هذا كثيراً .
ننتقل الآن إلى الأسس التي نريد أن نتحدث عنها وسنجعلها أيها الأخوة في صورة برقيات قصيرة لأن لا يدركنا الوقت ونحاول - إن شاء الله - أن نغطي ونمر على جميع هذه النقاط التي نريدها: ـ
أولاً : الأسس الشرعية
هل لهذه البرمجة أساس في الشرع من حيث المبدأ أو من حيث التطبيق ؟ نقول نعم وانظر إلى هذا في نقاط سريعة :
1- تعظيم قسم
الله - جل وعلا - عظم الوقت والزمن ، إذ أقسم به في كتابه ، ولا يقسم إلا بم هو عظيم ويريد - جل وعلا - به أن يلفت النظر إلى عظمته - أي في عظمة هذا الذي يقسم به -في القدرة الإلهية وعظمته أيضاً في النعمة الربانية على الخلق والله - جل وعلا - أقسم بالزمن في أوقات كثيرة متنوعة { والفجر * وليال عشر } ، { والضحى * والليل إذا سجى } ، { والعصر * إن الإنسان لفي خسر } ، { والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس }
كل الأوقات المتنوعة ذكرت في سياق القسم الرباني ، تعظيماً لها ، ولفتاً لعظيم المنة بها فكلها معنى ذلك أنها نعمة من الله وكلها معنى ذلك أنها ينبغي أن تغتنم وكلها أي لكل منها ما يتناسب معه { وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } .
2- خسارة نعمة
وذلك ظاهر في حديث النبي - صلّى الله عليه وسلم – المشهور: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )، وأعظم الوسائل المعينة على اغتنام الوقت البرمجة العملية ، فإنه يكون خاسراً نعمة عظيمة من أجل نعم الله سبحانه وتعالى عليه وهي نعمة لا تعوض كل شيء يمكن تعويضه واستدراكه إلا الوقت المال إذا خسرت مائة ثم ربحت المائتين فقد عوضت الذي فات وهكذا في كثير من الأشياء إلا الوقت فإنه لا يمكن تعويضه ولا يمكن أيضاً التحكم فيه لكن يمكن إدارته واستغلاله هذا الذي نتحدث عنه.
3- جسامة مسؤولية
وذلك ظاهر أيضاً في حديث المصطفى - صلّى الله عليه وسلم – ( لن تزول قدم عبداً يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه)، فهذا الزمن مسؤول عنه وهذه الحياة الممتدة محاسب عليها وهذا يدلنا على أن الشرع يريد منا أن لا نجعل هذه الأوقات حججاً علينا وأن لا نجعلها مدعاةً لكي تكون إثماً يطوق أعناقنا ، أو سيئات تسود صحائفنا.
4- إقامة حجة

(229/4)


وذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم – ( أعذر الله إلى امرأ أخر عمره حتى بلغ الستين )، أي أن من مد له في العمر ، وأخذ فرصة الحياة الطويلة ، فإنه قد أقيمت عليه الحجة وأنقطع منه العذر ، ومعنى ذلك أنه يستحق العقاب على تفريطه في عمره ، وتفويته لزمانه ، وتضييعه لمهمته ورسالته ، وهذا أيضاً يعظم عندنا هذا الأمر ، ويدعونا لأن نكون نحن معاشر المسلمين أغنم الناس اغتناماً للأوقات وانتفاعاً بها ، وإنجازاً فيها لا أن تكون أمتنا وشبابنا وكثير من أجيالنا ، أمهر الناس في تبديد الأوقات وأكثرهم تضييع للفرص رغم كثرة ما يحيط بهم من النعم مع وجود الوقت تكون هناك الراحة ومعها الأمن وإتاحة الفرص ، وكثرة أبواب الخير وبعد ذلك لا يكون عمل ولا إنجاز فإن الحجة قائمة ، والعذر منقطع نسأل الله عز وجل السلامة.
5- دعوة غنيمة
ولو قيل لنا تعالوا اليوم أو غداً أو في ساعة بعينها إلى مكان ما ، فإننا سوف نقسم عليكم فيها غنائم فإن أكثر الناس لن يتخلف ، لأن كل واحد يحب أن يكسب ، ويريد أن يغنم ويشتهي أن يكون لديه من الماء أو العطاء ، ما يحب أن يفرج به عن نفسه ، أو ينتفع به في حياته ، والغنيمة في الوقت أعظم من ذلك لأن الوقت هو الذي تعمل فيه فتأخذ المال والوقت ، وهو الذي تطلب فيه العلم وتحصل المهارة التي تعمل بها والتي تستطيع أن تكتسب بها ، والوقت هو الذي تصنع فيه كل شيء يعود عليك بالنفع الدنيوي والأخروي ، ومن هنا نفقه حديث النبي- صلّى الله عليه وسلم – الذي يقول فيه ( اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك ) . هذه فرص مدعوون لاغتنامها، فإن لم تكن غنيمة كان ما يقابل ذلك سئل نافع مولى ابن عمر ما كان ابن عمر يصنع في منزله ؟ قال : " الوضوء لكل صلاة والمصحف بينهما " هذا الذي يريد الغنيمة يعرف كيف لا يفوت صحة قد لا يستطيع إذا مرض أن يعمل ما يريد، ولا يفوت كما قلنا حياة ولا شباب ولا غير ذلك مما أخبر به - عليه الصلاة والسلام - .
6- راحة عمل
وكما قلت هذا قد يكون غير متصور عند بعض الناس ، هل يرتاح الإنسان في العمل؟ وهل وقت الراحة يكون للعمل؟ ونقول في حس المسلم نعم . فإن الراحة بمعنى الفراغ المبدد للوقت ليست في قاموس المسلم حتى الراحة التي يرتاحها بنية خالصة تكون عمل لأنها تهيئة لعمل، ولذلك تأمل في قول الله - عز وجل - [ فإذا فرغت فأنصب ]، قال أهل التفسير إذا فرغت من شئون دنياك ، فانصب لعبادة ربك ، فليس هناك فراغ بمعنى الوقت الذي لا تصنع فيه شيئاً ، حتى الراحة إذا عنيتها فإنك قد وضعتها في جدولك أن هذا وقت للراحة فهو جزء من العمل- تحديد وقت للراحة - يعني أن الراحة جزء من العمل استمع إلى شريح القاضي وهو يحكي قصته ويروى عنه أنه خرج على قوم من الحاكة - خياطين أو أصحاب المهنة والخياطة -في يوم عيد وهم يلعبون فقال : ما لكم تلعبون ؟ قالوا : إنا تفرغنا عندنا إجازة فراغ ، فقال أو بهذا أمر الفارغ ثم تلا عليهم قوله - جلا وعلا – { فإذا فرغت فأنصب * وإلى ربك فأرغب} . وفي ترجمة أبي القاسم قيل :" لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والتسميع ، حتى في نزهه وخلواته " لا بأس بالراحة من العمل الجاد يكون فيها عمل لا يحتاج إلى كثير من الإعداد ، لكن ليس هناك راحة ليس فيها عمل .
7- تحذير عوائق
وهو في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غناً مطغياً ، أو هرماً مفنداً ، أو مرضاً مقعداً ، حتى قال أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) .
8- تنظيم حياة
والله - جلا وعلا - جعل لنا في شرعه ، وفي ديننا وفرائضنا ما ينظم الأوقات ، ويبرمج الحياة { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا } هذا التوقيت الدقيق في دخول أوقات الصلاة وخروجها ينقلنا من مرحلة إلى مرحلة ، وتوزيع هذه الصلاة العجيبة من وقت انبثاق الفجر وبزوغ أول الضياء ، إلى غروب الشمس ودخول الليل ، كل هذا ونحن نتقلب في الطاعات ، ونجزئ الأوقات، ونقسم هذا اليوم ، ونقسم جزء من الليل ، ونعرف أن بقيته للراحة والاستعداد للطاعة ، وكأن هذه الصلوات قد نظمت الأوقات ، وقد أوجدت الأسس لبرمجة هذه الحياة ولم سئل النبي – صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن مسعود عن أفضل الأعمال إلى الله - عز وجل – قال: ( الصلاة على وقتها ) . دقة معرفة ، مبادرة ، وعمل فيكون هذا نوع من الإنجاز والبرمجة للحياة ، ونرى ذلك في سير أسلافنا- رضوان الله عليهم ورحمهم الله - .

(229/5)


فهذا الحافظ عبدالغني المقدسي نموذج ليوم من حياته، مقسم على نهاره وليله في ترجمته عند الذهبي في السير :" كان لا يضيع شيء من زمانه بلا فائدة ، فكان يصلي الفجر ، ويلقن القرآن وربما أقرأ شيء من الحديث تلقيناً ، ثم يقوم فيتوضأ فيصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر ، وينام نومةً ثم يصلي الظهر - نومته راحة ضمن الجدول وهي عمل يهيئه لعمل - ويشتغل إما بالتسميع أو النسخ إلى المغرب ، فإن كان صائماً أفطر وإلا صلّى من المغرب إلى العشاء ، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده ، ثم قام كأن إنسان يوقظه فيصلي لحظة ثم يتوضأ فيصلي إلى قبل الفجر وربما توضأ سبع مرات أو ثماني في الليل " .
وهذا أيضاً حماد بن سلمة في ترجمته أنه " كان يقسم الليل أثلاثا كان مشغولاً إما أن يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي قد قسم النهار على ذلك " هكذا كان فعل أسلافنا . وفي ترجمة أبي النظر الطوسي قال: " جزأت الليل أثلاثاً فثلث أصنف ، وثلث أنام ، وثلث أقرأ القرآن" والشافعي - رحمه الله – جزأ الليل أثلاثاً ثلثه الأول يكتب ، وثلثه الثاني يصلي ، وثلثه الثالث ينام، فهذه أيضاً أسس واضحة في حياة أسلافنا من خلال قرآن ربنا .
9- نقصان عمر
فإضاعة الوقت نقصان في العمر، وهذا ابن مسعود - رضي الله عنه – يقول: " ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي " وهذا الفقه هو الذي يستنبط من كل ما سبق .
10- إلحاح دعاء
باغتنام الأوقات وتنظيمها في سيرة الإمامين الجليلين الصحابيين العظيمين أبي بكر وعمر فمن دعاء أبي بكر – رضي الله عنه – " اللهم لا تدعنا في غمرة ، ولا تأخذنا على غرة ، ولا تجعلنا من الغافلين " ومن دعاء الفاروق عمر- رضي الله عنه – " اللهم إنا نسألك صلاح الساعات، والبركة في الأوقات " وهكذا نرى أسس الدين في القرآن والسنة وأفعال الصحابة تدعونا إلى هذا.
ثانياً: الأسس الاجتماعية
وهي مهمة - أيها الأخوة - لأن أكثر ما يفسد برامجنا وأعظم ما يضيع أوقاتنا اجتماعيات مبددة للأوقات ، تكسبنا الكثير من سيئ العادات ولذلك أقول هذه الأسس مهمة لابد من أخذها لمن أراد أن ينتفع في وقته ويبرمج أعماله :
1- إظهار صبغة
لابد أن تظهر صبغتك وشخصيتك على أنك رجل حريص على الوقت ، لا تقبل تضييعه ، ولا تمالئ في ذلك أو تجامل على حساب هذه الغنيمة ، أو هذه الثروة العظيمة وهي الوقت ، ولذلك لابد أن تشعر الناس بهذا بعض الناس يأخذون عنك هذا ولا تظن أنه صفة سيئة ، دعهم يقولون : فلان دائماً حريص على وقته في كل مكان معه كتاب ، أو في كل وقت تجده جاداً ، وهم يقولون ذلك على سبيل التذمر . أقول هذه سمات حسنة ومعنى ذلك أنك وصلت إلى نتيجة ، هي أن تعرف الناس بشخصيتك ، وأن تعلن صبغتك بأنك بهذه الطريقة ، واستمع إلى ابن الجوزي في قصته المشهورة وهو يتذمر من تلك المفاجآت الاجتماعية غير السارة في الزوار الثقلاء المبددين للأوقات ، الذين يأتون إليك يقولون" جئنا نزور ونسلم " وإذا بهم كما يقولون : يكونون على قلبك مثل الهم الذي لا يزول ولا يزاح . يقول ابن الجوزي: " فجعلت من المستعد للقائهم بري الأقلام ، وحزم الدفاتر فإن هذه الأشياء لابد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب فجعلتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي " .
فإذاً لابد أن تعرف الناس وتظهر في بيئتك الاجتماعية بهذه الصبغة وبهذه الصيغة كما يقولون .
2- تقنين التقنية
ونحن نعرف أن التقنية من الأسباب الميسرة التي من المفترض أن تختصر الأوقات ، فالهاتف ما هو إلا اختصار للوقت. بدل أن تذهب اتصل به لكن أسألكم كيف يستخدمون الناس الهاتف اليوم؟ وخاصة مع الجوال والنقال والمحمول والأسماء التي يسمى بها كيف يستخدم؟ أصبح من أكثر مبددات الأوقات ، ومشغلات الفكر والقواطع التي تحول دون العمل والإنجاز ، ولو أردت أن تسير مع النواحي أو مع البيئة الاجتماعية لاستطعت أن لا يكون عندك أي وقت إلا وأنت ترد على الهاتف ، وترد على هذا مكاتبة ، وتسلم على هذا مصافحة ، وتزور هذا مجاملةً ، ثم ترجع إلى بيتك في آخر يومك لم تصنع شيئاً ، لم تسبح تسبيحاً ، لم تقرأ قرآناً ، لم تحصّل علماً ، لم تنجز عملا ،ً ولذلك نقول : تقنين التقنية لابد أن تقنن هذه الوسائل وتجعل لها ضوابط وأحب أن أذكر أمور عملية حتى نبين أن هذه الأمور أيضاً يمكن أن تساعد فيها .

(229/6)


بعض الكتب فيها أساليب جديدة منها : إذا رن الهاتف فلا تعتقد بأن من الواجب أن ترد إذا كان عندك عمل، ولم يكن هناك شيء متوقع ، لأن ردك عليه في كل وقت فمعنى ذلك أنك محبوس له ، هو الذي يقطع عليك وقتك ، هو الذي يفرض عليك برنامجه ، هو الذي يدخلك في المتاهات التي يريد ، ويمضي بك حيث يشاء ، وهذه مشكلة كبيرة ! خذ وسائل على سبيل المثال: إن كنت رجلاً كثير الأشغال وعندك علاقات كثيرة فأتخذ - إن كنت صاحب عمل - من يرد عن الهاتف بدلاً عنك ، فيختصر لك الكثير من ذلك ويكون لبقاً مرناً ، وهذا عمله الذي يؤديه في هذا الوقت ، فيخلصك من تسعين في المائة من المكالمات التي ليس لها ضرورة ، ويختزن لك الوقت ، حتى إذا حول لك المكالمة يكون مهد للذي معه فيقول له : إنه مشغول الآن لكنني سأطلب منه أن يتحدث معك لدقيقتين ، فيفهم أن المسألة ليست مفتوحة . لأن هناك مكالمات تستغرق وتمتد أكثر من ساعة ماذا يقول الإنسان في ساعة؟ في ساعة كاملة هذا درس كامل ! أو محاضرة كاملة ! فهل أحد يأخذ محاضرات على الهاتف بهذه الطريقة التي نراها في حياة الناس؟ استخدم إذا استطعت الهواتف التي يمكن أن تستخدم فيها السماعة و الذي يمكن أن تأخذه بيدك فتتحرك فتذهب إلى هنا فتقرأ أو إلى هنا فتكتب – أي تتكلم مع عمل آخر مناسب – تستطيع في هذه الحالة أن تنجز شيئاً آخر . استخدم جهاز التسجيل للمكالمات لا ترد ، دعهم يسجّلون وأنت تكتب أو تقرأ ، ثم أنظر من كان مهماً أن ترد عليه أو بينك وبينه عمل والآخرين يقولون لك في الرسالة السلام عليكم ورحمة الله قل له : وعليكم السلام وجزاءهم الله خيراً . وليس هذا في كل مرة ، لأن بعض الناس مستعد أن يتصل بك في اليوم خمس مرات كالصلوات الخمس في كل مرة يصبح ويمسي وكذا دون فائدة .
نحن لا ندعو إلى مقاطعة الناس وإنما أن تستخدم هذه على أسلوب مباشر مثلاً " أريد أن أصنع شيئاً " وأنت تريد ذلك - حتى يهتم ويعتني – " لن أكون هنا بعد قليل سوف أخرج " إذن يعني لا بد أن يفهم أنه لا بد أن يوجز ، وأن يأتي بالمهم وهكذا... وأحياناً يمكن أن تسأله هل مكالمتك طويلة ؟ هل عندك موضوع طويل ؟ إذن اتركه في وقت آخر لأنني الآن مشغول وهكذا ... وهناك لااات لطيفة وأحب أن أقرأها لكم في هذا الباب بالذات الهاتف . لأنه مضيعة للوقت كثيراً لا تفترض أنك يجب أن تقوم بالرد على كل مكالمة هاتفية . لا تفترض أن كل متصل شخص مهم - هناك أناس عندهم شهوة إذا دق التليفون حتى عند غيرهم مباشرة يرفع في بيت غيره متعود كأنما ينتظر هذا الهاتف حتى يروي غلته في الحديث والكلام الذي لا يفيده - لا تخف من أن تصرفك لتوفير وقتك سيهين محدثك - بعض الناس يقول طيب ماذا أقول له يا أخي - لا تنسق نحو الفضول لمعرفة كل شيء . لا تقم بتحويل الهاتف إلى لقاء للمناسبات الاجتماعية . لا تسرف وتؤجل المهام غير المحببة لك بالهروب للمكالمات الهاتفية . لا يجب أن تكون موجوداً على الدوام أخل بنفسك واحتجب عن الآخرين لبعض الأوقات بلا هاتف ، بلا رنين ، بلا أي شيء في هذا الأمر هناك أيضاً أشياء كثيرة متعلقة بهذا الجانب ينبغي أن ينتبه لها الإنسان .
3- لباقة الاعتذار

(229/7)


فكثيرة هي الأمور الاجتماعية والدعوات والزيارات والمناسبات . هذا جاءه مولود ، وهذا مات له إنسان ، وهذا عنده من يتزوج وهذا جاءه زائر وكل هذا ليس كله داخل في باب الإجابة للدعوة ، وليس كله داخل في باب إدخال السرور على المسلم ، وإذا زاد ذلك أيضاً لا بد أن يكون له حدود فلذلك لا بد من حسن الاعتذار ، ويساعد عليه النقطة الأولى ، وهي صبغة الانشغال والجدية في قضاء الأوقات ، لأن بعض الناس أحياناً يقول لك كنا نود أن نزورك لكننا نعلم أنك كثير الأشغال ، هذه حسنة وهذا أمر إلى حد ما جيد ، ولذلك أقول بعض الناس لماذا يكثر الناس عليه المناسبات الاجتماعية ؟ لأنهم يرونه فارغ إذا عنده دعوة لأي مناسبة فإن فلان على رأس قائمة المدعوين ، لأنه يحب ذلك إذا أراد أن يذهب إلى مكان لا يقول ارفع السماعة أو أنا ذاهب للمكان... أمر بك حتى تصطحبني أو حتى أصطحبك .. نعم مباشرة ، كأنما هو منتظر لمثل هذا ! أقول لا بد أن يكون عند الإنسان اعتذار ، ولا بد أن يحلل حالات أو الأشياء التي تقطعه عن أعماله ، وتعيقه عن إنجازها ، ويقسمها إلى قسمين: قسم لا يمكن تجنبه ، وقسم يمكن تجنبه . القسم الذي لا يمكن تجنبه: إجابة دعوة من أب أو من أخ أو من قريب في شيء مهم ، وهو لا يريد ، لكن هنا يحسن أن يجعل هذا في أضيق دائرة وفي أقل وقت ممكن ، مثلاً : الدعوات التي توجه لك الآن في مناسبات الأفراح والزواج ، أحياناً يكتبون فيها في تمام الساعة التاسعة والنصف ، فتذهب التاسعة والنصف أو العاشرة والنصف ولم يأت أصحاب الدعوة بعد لماذا تذهب مبكراً ؟ إذا كان ولا بد أن تذهب أو ما من مناص من الذهاب أجّله واجعله في وقت مناسب ، أو قدمه واعتذر في الانصراف ، وهكذا أجب وحقق ما لا يمكن تجنبه بأقل الخسائر الممكنة، وهكذا يمكن أن ينجز الإنسان شيئاً من هذا .
4- الاحتياط المثمر
دائماً كن مستعداً ومحتاطاً ، فإن الناس متفنون في تبديد الأوقات ، وليس عندهم أدنى اكتراث بهذا حتى إلى اجتماع عمل ، فاصطحب معك عملاً إضافياً ، لأنك قد تذهب ولا يأتي المجتمعون إلا بعد نصف ساعة أو ساعة من الوقت .
إذا ذهبت إلى الطبيب في الساعة التاسعة وموعدك في التاسعة بالضبط ، فتوقع أن لا يكون الطبيب قد أتى أو أن يكون هناك اختلال في المواعيد ، لأن هذه سمة غالبة فاحتط لنفسك بمصحف تقرأ فيه ، أو بأمر تكتبه ، أو بكتاب تلخصه ، أو بمهاتفة أو مكالمة تنجزها ...
وثق تماماً أن كثير من المهمات غير الكبيرة لا تحتاج أن تخصص لها وقتاً ، بل يمكن فيما بين هذه الأوقات أن تنهيها .
ثالثاً : الأسس الإحصائية
الحساب نعمة
معرفة الحساب - أيها الأخوة – نعمة ، فنحن عندما لا نحسب نظن أننا نرتاح وأننا نحقق نعمة أو نحقق فائدة . كلا ! بعض الناس يقول لك: يا أخي لا تحسب ، وتحمل هم اتركها لله ... كيف ؟ والحساب نعمة من الله - عز وجل - علمنا وذكر لنا في الآيات حساب دقيق في كثير من الأوقات ، وبين لنا مواقيت الشهور والأيام والأعوام ، وذكر في القرآن الساعة ، وذكر اليوم وذكر الشهر وذكر العام .. كل هذا لماذا ؟ لأنه ينبغي أن نعرف أن هذا الحساب نعمة من الله - سبحانه وتعالى - فإذن الإحصاء والحساب نعمة ، لا بد أن نأخذ بها ، سأقول نقاط هكذا رأيت أن أختم ..
وأظنها معلومة بديهية لأن خمسة + خمسة = عشرة . فالجمع إضافة ، لكنني أريد أن أقول : إنك إن جمعت الأوقات مثلاً الفارغة ثم أضفتها إلى بعضها وجدت وقتاً كبيراً مثمراً ، وبعض الناس مثلاً يقول: أنا عندي في بعض الأوقات هنا ربع ساعة ، انتظرت فلم يأت أحد ، وهنا ربع ساعة كم سوف يجمع من هذا ؟ ساعة أو ساعتين ! وهو يريد أن يقرأ جزء من القرآن في كل يوم يقول لا أجد الوقت لو جمع هذه الأوقات لزاد عما يريد أن ينجزه لزاد الوقت عن المهمة التي يريد إنجازها فلذلك أقول لا بد في العمل على البرمجة من الحساب والجمع .
وسيقول أيضاً : وهو أن الضرب مضاعفة ، بعض الناس لا يحسب الحساب إلا في الوقت القصير لكن لو استخدم الضرب يأتيه وقت كثير ، وكنت قد ذكرت لكم مرة إحصائية عندما نقولها بعد الضرب تكون ضخمة وهائلة الذي أذكره الآن نشرت قديماً عن الوقت الذي يقضى في حلاقة الذقن يومياً للذين يصنعون ذلك يومياً كم يأخذ في كل يوم ؟ قالوا أنه في العام يقضي 14 يوم ! تخيلوا واحد 14 يوم يحلق غريب !! لكن نحن نقول بالمضاعفة أحسب ربع ساعة في اليوم ،اضربها في سبعة أيام سوف يكون هذا المجموع كذا ، اضربها في ثلاثين مثلاً سيعطيك في الشهر، اضرب الأشهر في 12 في السنة ، اضرب في عدة سنوات سوف تجد أن الرقم في الأخير شيء مذهل، وهو خطير .

(229/8)


أيضاً في المقابل النقطة التي بعدها : القسمة تجزئة ، نقول له اقرأ كتاب كذا و500 صفحة ، قسمها على 500 يوم كل يوم صفحة ، القسمة أيضاً تقسم لك الأعمال ، وتجزئها لماذا ننظر دائماً إلى العمل بحجمه الكبير ، الذي يريد أن يحفظ القرآن يقول 30 جزء نقول خذه في 30 سنة أليس منا من كان عمره 20 سنة ، وتمنى أن يحفظ القرآن ، وصار عمرة 60 أو 70 سنة ولم يحفظ شيئاً منه ، لماذا ؟ لأنه كل مرة يقول القرآن ثلاثين جزءاً طيب.. والزمن كيف هو ؟ أليس هو أيضاً كبير القسمة ؟ وهذا يدلنا على أننا في الحساب وفي الجدولة نستطيع أن نصنع في هذا شيئاً كثيراً ، نستفيد فائدة لطيفة ولذلك كما قلت في كثير من الأوقات جزئ الأعمال الكبيرة على الأوقات العديدة ، سوف تستطيع أن تؤدي شيئاً ضخماً هائلاً بإنجاز لا يتصور من غير هذه البرمجة . كما قلت دائماً أقول لمن يريد أن يقرأ ، قل لي كم صفحة تريد أن تقرأ في اليوم وقل الحد الأدنى في ذلك ماذا سيختار ؟ ليختر أحد أي واحد يختار كم يقول 5 صفحات ! 10 صفحات .. 5 صفحات كثير أو قليل ؟ طيب بعض الناس طبعاً سيقول يا أخي قليلة 5 صفحات يعني خمس صفحات يعني تريد على الأقل 5 صفحات تظنني طفل صغير لا نقول لو 5 صفحات فقط في الشهر كم صفحة ؟ 1800 صفحة ، لو قلت لك الآن اقرأ 1800 صفحة ، وجئتك بكتاب ثلاث مجلدات سوف يوضع على طاولتك أو في مكتبتك ولن تقرأ منه في العام كله ولا 18 صفحة .
الضرب مضاعفة والقسمة تجزئة وأخيراً : الطرح احتياط ، ومعنى ذلك عندما تحسب الأوقات لا تحسبها بالدقة ، لأن هناك أشياء تفرض عليك احسب دائماً خصومات احتياطية ، وأوقات إضافية وخصم الأمور الجانبية حتى لا تصاب بخلل في الحساب والإحصاء ، فتقول قدرت أن أحفظ في اليوم كذا أو أن أقرأ في اليوم كذا ، ثم اختلطت الحسبة واضطربت الأرقام عندي ، لا دائماً اجعل هناك شيئاً مخصوماً ، قل قدرت كذا مثلاً كما قلنا 1800 صفحة اخصم 300 صفحة على الحساب احتياط خليها 1500 صفحة سوف يكون ذلك أيضاً إنجاز جيد .
رابعاً :الأسس الإدارية
1- الأهداف الواضحة
لا يمكن أن يكون عندك برنامج عملي بدون أهداف واضحة ، أكثر مبددات الأوقات الافتقار إلى الأهداف لماذا ؟ لأن الإنسان متى يعمل برنامج إذا كان يريد أن ينجز شيئاً معيناً ، يريد أن يقرأ كتاباً ، يريد أن يحضر لاختبار ، يريد أن يحصل على شهادة ، فإذا كان عنده هدف أصبح عنده مهمة ، وبالتالي يحتاج إلى أن يبرمج العمل ، لكن إذا ما كان هناك شيء من هذا فإنه تمر الأوقات دون أن يكون هناك أي شيء يحتاج إليه ، وهذه قضية مهمة وأساسية ، ولذلك لا نريد أن نخوض فيما يفصله الإداريون ، لكن الأهداف مهمة جداً وتحديدها هو أول وأهم الخطوات وأكثرها استحقاقاً أو استجلاباً للنجاح بإذن الله - عز وجل - .
طبعاً هناك أهداف قريبة ، وهناك أهداف بعيدة ، وهناك كما يسمونها أهداف تكتيكية - يعني مرحلية - وأهداف استراتيجية - يعني التي تمتد طول الحياة - ولا بد هنا من أمور كثيرة : منها أن تكتشف ميولك ومواهبك في أي مجال ، لأن الإنسان إذا لم يحاول أن يصنع ذلك سوف يضع أهدافاً بعيدة ، مثلاً كرجل أعور أو ضعيف البصر أعمش ويريد هدفه أن يكون مثلاً خبيراً في البكتيريا والكائنات الدقيقة لا يتناسب مع طاقاته لأنه لا بد أن يعرف نفسه أين هو وما هي ملكاته حتى لا يضع أهدافاً تتعارض مع ملكاته ، أو مع واقع البيئة المحيطة وهي مهمة أيضاً في تحديد الأهداف ، فقد يحدد أهدافاً ليست في بيئته أبداً ، ليست موجودة وليس هناك إمكانية لتحقيقها ، لا بد أن تكون الأهداف قابلة للتحقيق وهذا أمر كما قلت يطول أمده .
2- أولويات مرتبة
لأن الأهداف قد تكون كبيرة ، تحتاج بعدها إلى تحديد المهمات وترتيبها . مثلاً أنت تريد أن تطلب العلم الشرعي ، هذا هدف لكن هناك أولويات ، وهناك مهمات أخرى عندك أيضاً تريد أن تطلب العلم الشرعي ، وتريد أن تتوظف وتعمل ، وتريد أن تتزوج ، وتريد أن تعبد الله - عز وجل - كثيرة هي الأمور .. أيها أولى وأهم كم تريد أن تجعل حصة من الوقت ؟ لهذا نصف الوقت ، ولهذا ربع الوقت، ولهذا ثلث الوقت ، كيف تريد أن تبرمج هذا وترتبه ؟ نعم هناك أهداف كثيرة يمكن أن تعرض لك في كل الأوقات لكن إذا لم تحددها فإن هذا الأمر يختلط عليك ومرة تبدأ بهذه المهمة ثم ترى أنك أضعت فيها وقتاً وعندك شيء أهم فتبدأ به فتقطع الأولى وتبدأ في الثانية فلا تكاد تنجز هنا شيئاً ولا هناك أيضاً شيئاً آخر .
3- مواعيد محددة

(229/9)


كل مهمة هدف حددته ثم وضعت المهمات وأولوياتها مرتبة ، لا بد أن تجعل لكل مهمة موعد محدد ، لا تقل أنا أريد أن أحفظ القرآن ، طيب ممتاز .. وحفظ القرآن عندي أهم الأولويات ، طيب نعم جيد لكنني أقول لك: متى ستنتهي من ذلك ؟ هل ستحفظ القرآن وتجعل آخر آية تحفظها قبل آخر نفس في حياتك ؟ متى تعرف متى تنتهي حياتك ؟ أريد أن أقرأ عشرة كتب ، أو أريد أن أقرأ في فن علوم الحديث ، طيب كم كتاباً ستقرأ ؟ حدد عشرة في كم ؟ في عشرة أشهر لأن هذا هو الذي يجعلك صاحب برنامج ، وإلا ستبقى صاحب دعاوى وأمنيات ليس لها خطاب ولا زمام كما يقال وهذا ينبهنا إلى هذه المعاني كلها ونحتاج إليها .
4- شخصية منظمة
وهو مهم جداً لا بد أن تكون صاحب شخصية تنظم طبيعة حياتك ، أنك إنسان تضع كل شيء في مكانه فإن بحثت عنه وجدته ، ولا تخلط بين الأمور فتستطيع أن تؤدي المطلوب هناك شخصيات مختلفة لا تتسق مع البرمجة ، لأن طبيعتها فيها نوع من التغير من هذه الشخصيات مثلاً الإنسان المتسرع الذي دائماً يتخذ قراراً سريعاً ويبدأ في العمل دون تفكير ، فماذا يحصل له غالباً يكون عنده خلل ومن طبيعة هؤلاء الأشخاص أنهم لا يعملون الأعمال إلا عندما تتأزم الأمور ، وأحياناً يكونون من الأشخاص الذين يتأثرون عاطفياً ، فلأن فلان هو الذي سيعمل كذا فهم يدخلون في هذا العمل ، أو لأن فلان هو الذي سيلقي الدرس إذن لا بد أن يكون هذا الدرس ممتعاً ومفيداً ونافعاً ، وإن كان هو ليس في مجاله وليس مما يحبه أو مما يقدر عليه وهكذا الإنسان أيضاً المشتت الذي دائماً عنده عدم قدرة على التركيز في شيء واحد يترك الواجبات والأعمال وهي غير منجزة ، يصنع شيء وباقي شيء يتركه يترك الشيء في منتصفه ، وأيضاً هناك الإنسان المتردد ، الذي دائماً لا يكاد يعزم على شيء يبدأ ثم يتردد .
كل هذه الشخصيات لا تنفع ، ولذلك نقول الشخصية المنظمة تساعد - مثلاً على سبيل المثال - السفر حالة من حالات الإنسان ، تعرض له خذ فرقاً أو نموذجاً بين إنسان منظم شخصيته منظمة وآخر ليس كذلك . المنظم يكون قد حجز الرحلة مبكراً وعرف وقته وتهيأ قبله لماذا سيسافر ؟ سيسافر للقاء أشخاص في عمله ، يكون قد اتصل بهم وأعد معهم البرنامج ، ماذا سيصنع يريد أن يبحث معهم مهمة معينة ، سيأخذ الأوراق معه لكن غيره ماذا سيصنع ؟ ستجده لم يحجز وجاء في وقت متأخر وليس هناك مكان ، ثم أخذ المكان ووجد الرحلة على عجل ، ثم لم يتصل بهم بل ذهب إليهم ، يذهب إلى البلد فلا يجد الذين يريد أن يقابلهم ، قد يكونون مشغولين أو مسافرين أو ذهب إليهم ووجدهم ولم يكن معه ما يريد أن يتناقش معهم لأجله ، فتجده دائماً في حيرة واضطراب ، ويعني عنده كثير من التشويش الذي يعيقه عن إنجاز أعماله بشكل منظم وواضح في الوقت نفسه .
أيضاً هناك وسائل مساعدة . ونعني بهذه الوسائل المساعدة أن الإنسان لا بد أن يأخذ بالكتابة بالذات ، وبالإحصاء الذي قلنا فيه وأن يضع أموره واضحة أمامه .
ومن الوسائل المساعدة الاستفادة من خبرات الآخرين دون أن يكون مقلداً لهم ، لأن كل إنسان في آخر الأمر هو شخص بذاته ، ليس بالضرورة أن يكون نسخة من غيره . ومن الوسائل المساعدة - كما قلنا - منع الصوارف التي تعيق عن العمل ، وأيضاً منها القدرة على الاستعانة بالآخرين لإنجاز المهمات أو لإنجاز الأعمال غير المهمة ، وهذه مسألة مهمة ليس بالضرورة أن تصنع كل شيء بنفسك ، إن كان عندك أبناء أو أصدقاء أو هناك موظفين أو إنسان يمكن أن يساهم معك في عمل ما فيقضي عنك حاجة معينة وهو غير منتدب لأمور عظيمة ، فتستطيع أن تنجز من هذا وتستفيد به بإذن الله - عز وجل - .
تشييد وتهديد
أخيراً أحب أن أشير إلى نقطتين أجمل بهما البرنامج الذي نريده ، أو كيف يكون هذا البرنامج الذي نعده لأي أمر ناجح . جعلت ذلك تحت عنوان " تشييد وتهديد " ، تشييد البرنامج أو التهديد الذي يعترضه .
وهو أيضاً في نقاط واحدة وواضحة تشمل كثيراً مما ذكرناه من هذه الأسس مجتمعة .
أولاً : تحديد الهدف
لأي أمر وعمل لا بد أن يكون له هدف .
ثانياً : تحديد الإنجاز
يعني الكم الذي تريده في هذا ، الأمر كما قلت تقول هدفي أن أزيد من إطلاعي وقراءتي كم تريد ؟ عشرة كتب.. خمسة كتب .. إلى آخره .
ثالثاً : تحديد الزمن
زمن محدد لهذه الأعمال ، في شهر في أسبوع في ساعات معينة وتكتب ذلك .
رابعاً : اعتماد الإحصاء
حتى تقول : هذه المهمة تحتاج إلى 50 ساعة متى سآخذها ليس عندي من أوقاتي الآن متاح إلا ثلاث ساعات في الأسبوع ، إذن سوف أحسب وأوزع بناءً على هذا الإحصاء ، والتقسيم المناسب .
خامساً : دراسة الوسائل

(229/10)


هل سأصنع هذا بنفسي ؟ هل أريد أن أقرأ بنفسي ؟ أم أريد أن أسمع أشرطة مقروءة مسموعة ؟ هل أريد أن أصنع هذا وحدي أو سأكون مشاركاً مع غيري ؟ هل أريد أن أحفظ القرآن منفرداً أو سأذهب إلى حلقة المسجد ؟ هل أستطيع أن أفهم هذا الكتاب وحدي أم أنني أحتاج إلى مدرس يدرسني هل أريد هذا مباشرة أو أني سأحتاج فيه إلى تصوير أوراق أو إلى إعداد أشياء معينة حتى لا تقول أريد أن أنفذ شيء وليس هناك الوسيلة التي تستعين بها .
سادساً : إعداد الجداول
يعني جمع هذا كله ، ما هي المهمة والزمن والإحصاء والوسائل ؟ وجعلها في الجدول لأن هذا الجدول ، هو الذي يساعدك على أن تحدد التحديد الدقيق إلى النهاية وأن يكون هذا الجدول إما أمامك أو في جيبك أو في جهاز الحاسوب عندك ، حتى تستطيع باستمرار أن تراه وأن تنظر إليه .
سابعاً : تحديد آلية المتابعة
ولتكن في الجدول إشارة أو خانة هل أنجز ؟ فتضع إشارة "صح " أو لم ينجز فتضع إشارة "خطأ" وهكذا.. حتى تستطيع أن تقوّم هذا العمل ومدى الإنجاز الذي فيه .
ثامناً : الحلول البديلة
بمعنى أنك إذا كنت قد حددت وقتاً بعد الفجر- مثلاً- ثم اتفق ذلك اليوم أن كان هناك صلاة جنازة لإنسان جار أو قريب تريد أن تشهدها فلن يكن هذا الوقت موجوداً إذن لا بد أن يكون لديك باستمرار بدائل معينة ، موجودة بالذهن أو موجودة مكتوبة في نفس هذا البرنامج حتى تستطيع باستمرار أن لا تضيع الفرصة في الإنجاز .
تاسعاً : المكافأة والعقاب
كافئ نفسك إذا أنجزت ، وعاقبها إذا أخلفت كيف تكافئها ؟ لن تعطي نفسك أموالاً لكن كافأ نفسك بالتشجيع كافأ نفسك بأن تعطي لنفسك مع كل إنجاز فرصة من الفرص النفسية التي تشجع فيها نفسك وتقول – مثلاً- إذا كنت تريد أن ترتاح راحة من النوع الذي قلناه ، فتقول إذا قطعت نصف أو حفظت نصف القرآن فسوف أصنع كذا وكذا لنفسي أو سوف يعني أقوم بهذه المهمة أ وهذا العمل أو أرتاح بطريقة ما ، والعقاب مهم جداً ، وأهم أنواع العقاب، العقاب بمضاعفة التكليف ، فما فات في اليوم يعوض في اليوم الذي يليه فيكون اليوم الذي يليه فيه ضعفي ما في اليوم الذي قبله ، و العقاب هذه قضية مهمة لأننا في كل مرة نبدأ وكثيرة هي الوعود التي قطعناها على أنفسنا والبرامج التي وضعناها في أذهاننا وبدأناها ثم كل خلل أو كل تقصير لا يكون له عقاب ، إذا تأخرت عن دوامك في العمل ألا تعاقب ألا يخصم منك أم يقولوا لك لا بأس في كل يوم لا بأس لا لابد أن يكون هناك عقاب وهذا العقاب هو الذي يجعلك تلتزم أو يدفعك إلى هذا الالتزام ويكون معيناً لك فيه .
عاشراً : الاقتباس مع التفرد
اقتبس من خبرات الآخرين وتجاربهم وجداولهم وكيف حققوا هذا الإنجاز ؟ وكيف أدوا هذه المهمة ؟ وكيف استطاع هذا أن يحصل العلم ؟ وكيف استطاع هذا أن يتفوق في الكسب ؟ وكيف؟ وكيف ؟ دون أن تذوب في شخصياتهم فإن هذا يعينك على إعداد برامج جيدة .
أما التهديد
أولاً : التسويف والتأجيل
وهذا أخطر الأمراض وكما يقول القائلون في هذا - على سبيل الدعابة – "إذا زرعت لو في وادي عسى ينبت يا ليت " كلها كلمات في التأجيل والتسويف ليس لها معنى ، لذلك هنا قائمة تجيب على هذا السؤال لماذا تؤجل وتسوّف ؟ خذ هذه الإجابات وسوف تجد أنها تنطبق كثيراً على واقع حياتنا ، أؤجل المهام التي لا أرتاح لها ولا أحب أدائها وهذا كثيراً ما يحصل للطالب يريد أن يذاكر فيقول :ليس اليوم غداً إن شاء الله . لماذا؟ لأن المذاكرة عنده غير محببة . الميل إلى التردد والرغبة في أن نكون دائماً على صواب ودون أخطاء " لا أريد أن أفعل هذا لا حتى أراجع أو حتى أستعد حتى كذا " ثم لا يراجع ، ولا يستعد ، ولا ينجز العمل لا بصواب ولا بخطأ ! عدم الثقة بالنفس والذات ، عدم الرغبة في الشعور بالفشل يقول أنا إذا بدأت سوف لن أنجح، وبذلك سأفشل ، وبذلك سوف يصيبني الإحباط ، وهذا كما يقولون يعني أغلق الباب قبل أن يدخل مباشرة الخوف من المجهول ومن الأخطاء التي يرتكبها كثير من الناس أنهم يؤجلون لأنه الواحد منهم لا يريد أن يخطئ ، وليس هناك أحد منزه عن الخطأ ولا يخطئ إلا من عمل ، أما الذي لا يعمل لا يخطئ ، لأنه لم يكن هناك عمل أصلاً ، وأيضاً عدم القدرة على الرفض - كما قلنا - عدم اللباقة في الاعتذار يريد أن يقرأ جاءته دعوة ، يريد أن يعاود القراءة جاءه اتصال هاتفي ، يريد أن يصنع جاءه زائر... وهو لا يقول لا كما يقولون .
وهكذا لكن كيف نعالج ذلك ؟ كيف نتوقف عن التأجيل والتسويف ؟ .
العلاج
1- عالج نفسك
فإن هذا التسويف إذا كان كثيراً فهو مرض نفسي يحتاج إلى العلاج بنوع من التدرب على العمل والإنجاز .
2- تيقن أن التأجيل ليس حلاً لأي مشكلة ، ولا علاج لأي قضية
لأن القضية التي أمامك هي الاختبار لو أجلت المذاكرة اليوم فالاختبار قائم ، لو أجلت إلى بعد غد الاختبار موجود ، لن تستطيع أن تفتك منه ، فالتأجيل لن يحل المشكلة بل سيعقدها .

(229/11)


3- قم بتفتيت المهمات والمشكلات الكبيرة إلى أجزاء صغيرة
كما قلنا : القسمة تجزئة تساعدك على ألا تؤجل ، خذ قليلاً ثم واصل إلى الكثير ، نفذ أول مهمة وأنهها حتى تشعر بأنك أنجزت شيئاً ، إذا أردت أن تقرأ خذ كتاباً من 20 صفحة وقل أنهيت كتاباً ، يشجعك هذا على ما ورائه لا تؤجل عاقب نفسك إذا لم تنجز المهمة ابدأ بأصعب جزء في المهمة ، حتى إذا حققت فيه نجاحاً شعرت أن ما وراءه سيكون أسهل ، وهكذا أعد النظر في الأجواء التي تحقق فيها الأعمال مثلاً أنت تريد أن تذاكر وأنت مثلاً في مكان هناك أو في العمل مكان الشاي وكذا ، فكل دقيقة تذهب وتؤجل ، لا حاول أن تغير البيئة التي تحقق فيها عملك ، بما لا يدعوك إلى التسويف والتأجيل ، وما يمنع عنك هذه الجوانب المهمة التي كما قلنا فيها قد تطرأ لك في حياتك .
ثانياً : التردد والتخوف هو سبب أيضاً كبير من أسباب فشل البرامج التي يقوم بها الناس .
ثالثاً : المقارنات الماضية
كثيراً ما يريد أن يصنع شيئاً ويبدأ في برنامج يقول قد فعلت قبل ذلك عشرات من البرامج كلها فشلت طيب هل معنى ذلك أننا سنضيف فشلاً إلى الفشل السابق ، أم أننا نريد أن نغير الفشل إلى نجاح جديد ، أو إلى نجاح مبدئي نبدأ به لا ينبغي أن يكون الإنسان دائماً أسيراً لماضيه ، لأن الماضي ينبغي أن تأخذ منه زاداً وتجربة للمستقبل ، وليس أن يكون هو عائقاً ومثبطاً عن المستقبل .
رابعاً : الهزيمة السريعة
بعض الناس يبدأ في أول يوم من برنامجه الجديد قال : أريد أن أبدأ بعد الفجر ، أول يوم بعد الفجر أصابه نعاس قليل ، إذن لا يمكن صعب جداً سوف أترك هذا البرنامج أو بدأ يقرأ قال القراءة مملة ومرهقة للذهن إذن سأترك ...
الهزيمة السريعة هذه هي أهم أسباب الفشل لا تستسلم كن مقاوماً ، كن جندياً شجاعاً، اثبت في مكانك ورابط ، ما هي إلا جولة أو جولتين أو ثلاث ثم ستجد أنك استطعت أن تتجاوز كل هذه الأمور الحسية والنفسية ، لأن كثير منها نفسي وليس حسي ، دائماً يقول بعض الناس أنا أشعر بالإرهاق وكذا ويقول هذا لنفسه كثيراً حتى يصدق نفسه وهو ليس مرهقاً ولو أنه اضطر الآن في ظرف طارئ أن يقوم بعمل يعني مرهق فإنه سيعمل هذا العمل ويكتشف بعد أن ينجزه أنه كان مرهقاً قبله كيف استطاع أن يصنع كثير من هذه الأمور؟ هذه أمور نفسية .
خامساً: المجاملات المضيعة للأوقات
وهذه أكبر مدمر ومهدد لأي برنامج تريد أن تقوم بها.
أخيراً : ومضات سريعة على الناحية العملية
- حاول أن تعتمد على الكتابة .
- ضع قوائم للأشياء التي تريد إنجازها .
- استخدم الساعة الهادئة ، لكي تحدد المطلوب في ضوء وهدوء وسكينة .
- لا تحاول أن تكتب في الأوقات التي تكون مشغولاً فيها .
- في وقت السكينة حدد ما تريد ، اجمع المهام المتشابهة معاً ،حتى لا تضيع الوقت لو كانت مهمة مشابهة لأخرى فاجعلهما في وقت واحد لأنك تستطيع أن تصنعهما في الوقت نفسه أيضاً .
- حدد المواقع والأماكن والبيئات ، بدل من أن تذهب لمكان تدرس مثلاً أو أن تأخذ درساً في المسجد ثم بجواره مكان تريد أن تصنع فيه مهمة ولكنك لم تضعها في هذا الوقت وبعد أن ترجع إلى بيتك تريد أن ترجع مرة أخرى لزيارة هذا الصديق حتى التقسيم الجغرافي يعينك على هذا .
- حاول أن تنظم الأوقات وتنظم الأوراق وتنظم الأشياء التي تحتاجها باستمرار ودائماً .
- احرص على استحضار النية الصالحة والإخلاص لله عز وجل .
- ثم احرص كذلك على دوام الدعاء لله- سبحانه وتعالى - بالبركة في الأوقات والمهمات

(229/12)


الأسهم حديث الساعة
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
اسمحوا بي أن أنتقل بكم أو أنتقل معكم إلى مجلس من مجالس رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، يروي لنا خبره وقصته الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، كما جاء في صحيح البخاري ، عن أبي سعيد أنه قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله، قال: فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) ، فقام رجل فقال: يا رسول الله وهل يأتي الخير بالشر ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب مثلاً ثم قال: ( إن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - قال الراوي أو كما قال صلى الله عليه وسلم- وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيدا عليه يوم القيامة ) .
مجلسٌ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق يتحلّق حوله وأمامه أصحابه، قلبه الرحيم شفقته على أمته أنطقته بقوله: ( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) .
الصحابة يتعلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيسأل أحدهم متعجباً مستفسراً : كيف تكون الدنيا وزهرتها والخير والمال شيء يخشى منه ! قال: " يا رسول الله هل يأتي الخير بالشر ؟ " ، فسكت النبي - حتى يلفت أنظار الناس - ثم ضرب مثلاً طويلاً في شأن الدابة والإبل عندما تأكل ثم تجتر ثم تستقبل الشمس إلى غير ذلك، ثم بين إن هذا المال خضرة حلوة، نفس تحبه تتعلق به، تشتاق إليه، تحرص عليه، تفكر فيه، تجتهد في جمعه، تسهر الليل في تحصيله، تشقى النهار لأجله، تكاد في بعض الأحيان أن تنقطع له، ولا يكون لها هم سواه، كما وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في صورة أخرى عندما قال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)
لِمَ سمّاه عبدا للدينار أو عبدا للدرهم أو عبد للخميصة أو عبدا للخميلة كما ورد في الحديث، لأنه إذا كان القلب معلقا به والفكر منشغلا فيه والجهد مبذولا له والوقت مستغرقا لأجله، فأي شيء بقي ؟
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة عظيمة، قال : ( ومن يأخذه بغير حقه يكون كمن يأكل ولا يشبع ويكون شهيدا عليه يوم القيامة ) .
من كان همه الجمع والحرص والحب والاستكثار من غير نظر إلى حلال أو حرام، من غير نظر إلى حق الله في المال، من غير نظر إلى أمور كثيرة، سنجثو جميعاً على ركبنا لنتعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كمن يأكل ولا يشبع، صورة غير موجودة في الواقع المحسوس، من أكل امتلأت بطنه وشبع، لكن البطن التي لا تمتلئ هي البطن التي تريد أن تأخذ أو تأكل كل شيء من حل وحرمة، {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} .
تأملوا هذا الحديث، هذه القصة البسيطة، وانتقلوا معي إلى حديث صحيح آخر، يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم طبيعة النفس البشرية وصفاً دقيقاً، وهو وصف يتضمن توجيهاً وتنبيهاً وتعليماً وتربية وتذكيراً, روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حبه المال، وطول العمر ) .
وفي رواية مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان : حب الحرص على المال والحرص على العمر ) .
السن يتقدم الجسم يضعف، لكن الشباب مستمر ومتجدد في حب المال وحب الحياة، وفي رواية من حديث أبي هريرة عند مسلم في صحيحه قال: ( يشب الشيخ على حب اثنتين: طول الحياة وحب المال ) .
فهذه أيضاً صورة وصفية دقيقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنتقل إلى صورة أخرى لأني أريد أن أريكم صورا أحسب أنها اليوم في واقعنا كأنما هي ضرب من الخيال، لو أن أحداً جمع الناس كجمع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بذلك الحديث الذي أوردناه لعجبوا منه عن أي شيء تتحدث؟! هل تريد أن تخيفنا من الدنيا وزهرتها ونعيمها ؟ لا داعي لذلك التخويف، نحن نأخذ المال نحن ننفقه نحن نعرف حق الله، فهل كان أصحاب محمد لا يعرفون ذلك؟ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويعلم الأمة ؛ لأن المزالق كثيرة وما رأينا زيغاً وانحرافاً في كثير من الجوانب إلا ومرده ذلك المرتع الوخيم، الذي يبدأ يسيرا ثم يعظم في التعلق بالمال وحبه.

(230/1)


أنتقل بكم إلى قصة أخرى، أعلم أنكم لو سمعتموها كقصة وليست حديثا لضحكتم وتندرتم من قائلها وقلتم له قصص عجيبة وغريبة، لكن القصة مروية في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قص النبي صلى الله عليه وسلم فيها عن رجل من بني إسرائيل جاء إلى أخ له فستقرضه دينا فأعطاه ألف دينار، فقال له: ائتني بالشهود، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، قال: فمضى صاحبه فركب البحر، فلما آن الأوان لسداد المال، لم يجد مركبا يركب فيه، وحار في أمره، ولم يرد أن يتخلف عن أمر أشهد الله فيه وجعل الله كفيله فيه، فأخذ خشبة فنخر فيها، فوضع فيها المال ومعه ورقة، ثم قذف بها في البحر، فجاء صاحبه من الجهة الأخرى فوجد الخشبة فأخذها حطبا لأهله، فلما مضى إلى بيته نشرها فوجد فيها المال فأخذها، ثم من بعد ذلك جاء المقترض وجاء بماله مرة أخرى، وقال: ما أخرني عنك إلا أني لم أجد مركبا، فقال له: هل بعثت شيئا قال: أقول إني: لم أجد مركباً، إلا يومي هذا، قال: فهل وضعت مالا في الخشبة، قال: نعم، قال: فقد أدى الله عنك .
قصة عجيبة خرافية عند من لا يؤمنون بخبر الأنبياء، قصة ربما للتلهي أو لتلهية الناس عن أمور أخرى، لما أوردها هنا لنقول إن من يتعامل في دنياه وفي تجارته وماله مع الله وبمراقبة الله، تكون أموره مختلفة، وأحواله على غير الأمور التي يعرفها الناس وينسجون حولها أو يتعاطونها، ولو قلنا لأحد اليوم افعل مثل هذا، لقال: وهل تراني مجنونا حتى أضع مالا في خشبة أو أقذف به في البحر، أو أي صورة من الصور الأخرى التي قد تكون مماثلة، لماذا؟ لأنه قد ضعف اليقين في القلوب والإيمان في النفوس، وصار الاعتماد على المادة والأمور المحسوسة أعظم من الاعتماد أو الظن واليقين في الأمور الغيبية التي يجري بها قدر الله عز وجل الذي هو يقدر الأقدار ويصرف الأكوان سبحانه وتعالى.
ثم أمضي بكم أيضا إلى صورة ثالثة ذكرها أيضا البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من الأعراب راكبا يلتفت يمينا ويسارا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له –يعني من كان عنده دابة يركبها زائدة فليعطها غيره ممن ليس عنده دابة- ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا شيء له ) قال أبو سعيد: فذكر من المال ما شاء الله أن يذكر -يعني عدد من كان له فضل مال من كان له فضل لباس من كان له فضل طعام- قال: حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل)
يعني كأن ما زاد عن حاجتك أخرجه لغيرك ممن يحتاجه .
ومرة أخرى نركب الصور ونجمعها، كيف نتخلص أو نحذر مما خوفنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه التوكل على الله الذي جعل الرجل يقذف بماله في ماء البحر، وإنه النظر إلى الإنفاق في سبيل الله لئلا تتشبث به النفس ويتعلق به القلب، ويصبح هو الهم الأعظم الأكبر، ويتحقق الوصف الرباني الذي هو في طبيعة الإنسان، إن لم يهذبه الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى: {وإنه لحب الخير لشديد}
قال أهل التفسير: الخير هنا هو المال، وإنه لحب الخير أي المال، {لشديد} حبه شديد للمال، قال ابن كثير: "في الآية معنيان إنه أي الإنسان حبه للمال شديد أي عظيم، أو المقصود بشديد، أنه بخيل، أي أن حبه للمال جعله شديدا حريصا بخيلا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الوصف العجيب الذي أخبر فيه عن طبيعة النفس التي فيها جود وبذل وسخاء وعطاء وطبيعة النفس التي فيها قبض وبخل وشح، عندما أخبر أنه مثل بالرجل الذي يلبس حلة من حديد، قال: فإذا أنفق أسبغت عليه ووفرت، وعفت أثره - أي محت ذنوبه من بعده - وإلا - أي البخيل- ضاقت عليه حتى ضاقت على ترقوته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم"
وقد أخبرنا : ( اللهم أعط منفقا خلفا، اللهم أعط ممسكا تلفا ) .
تلك صورة قرآنية وضحها الحق سبحانه وتعالى، ولو أردنا أن نفقه كيف نعالج الأمر فلنتمم الآية التي بعدها {وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور} .
إلى أين سيمضي بك حب المال ؟ هل ستبقى مخلدا في الدنيا ؟ ألا تعلم ألا توقن ألا تتذكر بأن الحال سيؤول إلى موت وقبر وحفرة مظلمة ليس فيها طول ولا عرض إلا بقدر ذلك الجثمان { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور } .
يوم يقف المرء بين يدي الله عز وجل فيسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، كل ريال لو علمت أنك تسأل عنه : من أين جاء وكيف خرج .. لطال فكرك في تحصيله ، ولأسرعت كثيراً في إنفاقه صور كثيرة مازالت يصورها لنا النبي صلى الله عليه وسلم ..
ولعل بعضكم الآن يسأل لم نورد هذه الصور المتكاثرة، وسأزيد من هذه الصور والأحاديث والآيات وأجعل علتها من بعد.

(230/2)


في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال أمن حلال أم من حرام)
انظر يميناً انظر يساراً، تذكر بعض من حولك .. تذكر بعض ما رأيت، في ثوان معدودة أجزم أن كلا منكم ستدور في ذهنه عشرات من الأحوال والأعمال والصور التي رأى فيها المال ينهب من حرام وصاحبه مطمئن القلب باسم الثغر كأنه لا شيء من الخطر عليه مطلقاً، كأنه لم يسمع مثل هذا الحديث الذي يذكره النبي على سبيل الإخبار، ولكنه يتضمن الوعيد لأنه قد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به ) .
والله جل وعلا قد أخبرنا فقال : {.. فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .
صور ليس فيه تحريم لحلال قطعاً، لكن فيها تنبيه وتحذير من أخذ المال من حرمة، أو عدم التورع من شبهة، أو التساهل في أمر كما قال الحسن رحمه الله، قال : " أدركت أقواما كانوا يدعون ما لا بأس فيه مخافة أن يكون فيه بأس، ولقد أصبحت في أقوام يأخذون ما فيه بأس رجاء أن لا يكون فيه بأس " .
مال لا شك في حله يتركونه خوفا من أن يكون فيه شبهة حرام، ومال يغلب الظن على حرمته يؤخذ اليوم ليقال فيه قول أو لعل فيه مخرجا، أو نأخذه ثم نفكر من بعد ما هو حكمه.
وأنتقل بكم أيضا إلى صورة ثالثة أو رابعة، لحكيم بن حزام رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، قال ثم جئت ثانية –أي في وقت آخر- فسألته فأعطاني، قال: ثم جئت ثالثة فسألته فأعطاني، ثم قال: ( يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه ) .
(من أخذه بطيب نفس) نفسه سمحة، جاء المال.. جاء، ذهب.. ذهب، تأخر.. تأخر، ليست معنية به وليست تجعله هو همها الأعظم، وأما من كانت النفس عنده مستشرفة، يبيت ليله ينتظر الصباح الذي يأتيه بالمال، يخطط أحيانا أو يتمسكن أو ربما يكذب أو ربما يحتال، يترقب المال ويستشرف له ويستكثر منه لم يبارك له فيه، وهل تظنون المال بكثرته أم ببركته، كم من أموال كثيرة عند أصحابها محقت بركتها، فكان كثيرها أقل من القليل، وكم من قليل مبارك نفع الله به حتى فاض مع قلته، هذا هو اليقين الإيماني، هذا هو الذي جعل محمداً صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق الذي نزل عليه ملك الجبال يقول : ( لو شئت أن أقلب لك الصفا والمروة ذهبا لفعلت، فيقول: لا ولكن أجوع يوما وأشبع يوما ) .
هذا الذي جعل سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يموت ودرعه مرهونة عند يهودي، هذا الذي جعله عليه الصلاة والسلام يصلي ثم يسرع في صلاته ثم ينفتل فيخرج إلى بيته ثم يرجع من بعد فيتعجب أصحابه فيقول: ( ذكرت شيئا من تبر فخشيت أن يحبسني فأنفقته في سبيل الله ) .
كان المال يأتي يمر فيخرج ليس هناك تعلق قلبي ولا انشغال فكري ولا هم ولا غم ولا ترقب ولا تحسب ولا حزن ولا بكاء ولا مرض ؛ لأن القلوب معلقة بما هو أسمى وأعظم، لأن اليقين والتوكل على من هو أكبر وأجل وأعز وأعظم سبحانه وتعالى، من عنده خزائن السماوات والأرض من إذا قال لشيء كن فيكون، ومع ذلك نتأمل في هذا الحديث، أعطاه ثم أعطاه ثم أعطاه، ثم نبه هذا التنبيه العظيم الذي قال له به، يا حكيم لا تجعل المال شغلا يشغلك في كل وقتلك، فماذا صنع حكيم هذه الكلمات ماذا أثرت فيه، هل بقي على حاله، كلا، قال :
"فما سألت بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من بعده شيئا"، حتى كان عمر في زمانه يعطيه من حقه فيرده ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى البخاري في صحيحه أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان صائماً في يوم من الأيام، ثم عند طعام الإفطار جاءوا له بصنفين من الطعام، وعبد الرحمن من أثرياء المسلمين، لكن ثراؤهم كان يختلف، يختلف كثيرا عن أحوال كثير من أثريائنا، لما جيء له في الإفطار بنوعين من الطعام بكى رضي الله عنه، فقالوا: ما يبكيك يا عبد الرحمن، قال: "ذكرت مصعب بن عمير مات يوم أحد لم نجد ما نكفنه به إلا بردة إن غطينا رأسه بدت قدماه، وإن غطينا قدماه بدا رأسه، وأخشى أن نكون قد عجلت لنا طيباتنا" .
كان يخشى أن يكون هذا نعيم الدنيا يحرمه من نعيم الآخرة، أولا يكون له من النعيم قدر عظيم فقد عجل له نعيم في الدنيا كثير، كل نعيم كان في الدنيا، كانوا ينظرون إليه في الآخرة، هل سيحرمهم؟ هل سيمنعهم؟ هل سيكون فيه حرمة تستوجب عقوبتهم ؟
وكلنا يعلم ما روى الترمذي أيضا وأهل التفسير في قوله عز وجل: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم }

(230/3)


يوم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته بسبب شدة الجوع، فلقي أبا بكر، قال: يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة، قال: الجوع يا رسول الله، فقال: ما أخرجني إلا الذي أخرجك، ثم مضيا فلقيا عمر الفاروق، ما أخرجك يا عمر، قال: الجوع، فمضى الثلاثة حتى أتوا رجلا من الأنصار، ففرح بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلا شاة فذبحها وطبخها، ثم استعذب الماء وقدمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فأكلوا وشربوا، فقال عليه الصلاة والسلام: ( والله لتسألن عن نعيم هذا اليوم ) .
كم من نعيم كهذا في كل يوم من أيامنا، ولذا أعيد بكم إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ينبهنا في واقع حالنا اليوم، وهو يتحدث إلينا كأنه بيننا صلى الله عليه وسلم، ويقول –كما ثبت في الحديث الصحيح أيضا عليه الصلاة والسلام من رواية أبي هريرة- (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه) .
وفي رواية مسلم قال: (ممن فضل عليه) .
أي فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه، كم يقول اليوم الناس الحال سيئة .. انظر فلان كم راتبه، انظر فلان ماذا عنده، هلا نظرت إلى من هو دونك، هلا نظرت إلى الصور التي تراها على الشاشات لأهل إفريقيا الذين تصيبهم المجاعة فيموتون ويتساقطون كما تتساقط أوراق الشجر في الخريف.
كنت بالأمس مع طبيب مختص في جراحة القلب للأطفال، فقال لي بالحرف الواحد: ما كنت أشعر بمعنى قوله عز وجل {أو مسكيناً ذا متربة} حتى ذهبت إلى إفريقيا فرأيت الناس على الأرض يبحثون في التراب طعاما أو يأكلون التراب، أفلا نحمد الله على نعمته، أفلسنا نتنبه إلى هذه المعاني كلها، والله جل وعلا يقول: { وتأكلون التراث أكلا لمّاً * وتحبون المال حباً جمّاً}
والتراث هو الميراث، أو ما خلف من المال .
قال ابن كثير : " أي ما حصل منه من حل أو من حرام "
{وتحبون المال حبّاً جمّاً } ؛ أي شديدا حلاله وحرامه .
وكل هذا الذي نقوله، هو منهج الإسلام، لكنه قطعا ليس فيه تحريم لما أحل الله، ليس فيه تحريم للطيبات ولا للتجارات ! لكنه تهذيب للنفس من التعلق بهذه الدنيا على النحو الذي نراه .. سعار عجيب ، وتعلق غريب، وانشغال تام، وانهيارات عصبية وجلطات دماغية، وسكتات قلبية، لأجل الأسهم إذا صعدت أو نزلت، ولا ننظر إلى أسهم الإيمان صاعدة أو نازلة، ربما تصل إلى أسفل سافلين والناس يضحكون ملء أشداقهم ، وينامون ملء عيونهم .. لكن إن سقطت الأسهم نسبة محدودة في المائة ما ناموا ليلهم، ولا وقفوا نهارهم عن الحركة والدأب، ولا فترت ألسنتهم من الشكوى ولا قلوبهم من الغم والهم، لا حرمة لشيء مما أحل الله .
قال عمرو بن العاص كما روى الإمام أحمد في مسنده: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو يتوضأ فقال: اذهب والبس ثيابك وسلاحك ثم ائتني، فأتيته فنظر إلي فقال: إني باعثك على جيش ويسلمك الله وتغنم وأرغب لك في مال صالح، فقال عمرو بن العاص: يا رسول الله ما أسلمت على مال وإنما أسلمت لأكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) .
هكذا هو المنهج المتزن المعتدل .. ذاك لم يكن متعلقا بالمال ، ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول خذ من المال ما هو صالح وتكون صالحا تنفقه في مكانه ومحله .
وروى النسائي في سننه كذلك عن عمرو بن تغلب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر ، وتفشو التجارة ، ويظهر الجهل ويبيع الرجل البيع فيقول لا حتى أستأمر تاجر بني فلان ويبحث عن الرجل الكاتب في الحي العظيم فلا يجد ) .
قال السندي في شرحه في هذا الحديث في قوله: (يفشو المال ويكثر وتفشو التجارة ويظهر الجهل) قال: "أي بسبب اهتمام الناس بأمر الدنيا"
من يطلب العلم اليوم، وإذا عكف عليه عاكف، قالوا مغفل ضيع دنياه، وإذا تفرغ له أحد أو أعطاه شيئا من وقته، أو قل بسببه شيئا من دخله قالوا إنه أحمق يقرأ كتبا ويأخذ علما ما عسى أن ينفعه في المال، ولو حصل على أعلى الشهادات في الشريعة فلن توظفه ولن يدخل سوق العمل، وكأن سوق العمل دخول إلى الجنة، وكأنه ضمان من عذاب الله عز وجل.
قال السندي رحمه الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ويبيع الرجل البيع فيقول لا حتى أستأمر تاجر بني فلان) قال: " إشارة لبيان كثرة اهتمام الناس بالدنيا وحرصهم على إصلاحها"
وكل يوم نستمع إلى العشرات من خبراء الأسهم والهواتف تشتغل متى نشتري ومتى نبيع، لا تحريم لما أحل الله، لكن المنهج الإيماني يقتضي غير هذا وهذا هو الذي بينته من حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
نسأل الله عز وجل أن يعلّق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يعلقها بعبادته وكثرة ذكره وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا منتهى أملنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

(230/4)


أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون :
الأسهم حديث الساعة يتكلم فيها الرجال والنساء، ويتحدث عنها الصغير والكبير، وتتصدر صفحات الصحف والإذاعات والفضائيات والقنوات، عمت قضية الاهتمام بها والتعلق بها كل أحد، والأمر الذي تحدثت عنه قد يراه بعض الناس موعظة في غير محلها، أو تذكيرا بعصر قد سلف ومضى، وهل سنكون كذلك العصر، ولكنني أقول معتقدا وجازما باعتقادي وبما أحسبه صحيحاً، هل يا ترى سنعالج في المنبر أو حتى في أي دائرة خلل السوق ونقومه ونرشد الناس إلى طريقة الصفق في الأسواق، هم بها أخبر مني ومن غيري، لكننا نقول من خلال هذا العرض الموجز انتبهوا معاشر المسلمين ليست الدنيا كل شيء ليس المال كل شيء وأنا متيقن كذلك أن هذه الحركة العظيمة الهائلة بالأموال الكثيرة المتكاثرة فيها كثير من ارتكاب المحرمات والتجاوز في كثير من المعاملات والسؤال الذي يسأل بين خلط ونقاء وغير ذلك، كثير من الناس لا يلقي له بالا ويتجاوز فيه ويأخذ بالأدنى في كل شيء، بل قد غير كل تفكيره في حياته ومع أسرته وربما حتى في شؤونه الخاصة والعامة، حتى جعلها مربوطة بهذا دون أن يكون له التفات حقيقي إلى الأمر الذي خلق له، والغاية التي يعيش لأجلها، والدين الذي ينبغي أن يعتني بها وبأسهمه أن تكون صاعدة لا هابطة، والله عز وجل قد بين لنا ذلك وحذّر منه وبين الحقائق كلها، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد من رواية كعب بن مالك عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) .
تلك صور كثيرة وهي ومضات قليلة، أقول في ختامها:
أولاً: اقدروا الدنيا قدرها واجعلوا لها حظها دون أن تكون هي الأولى والآخرة، دون أن تكون هي التي تسد الأفق فلا ترون غيرها ولا تعرفون سواها ولا تنظرون إلى غيرها، وتلك مصيبة كبرى إذا دخلت إلى القلوب والنفوس والعقول والأفكار والأحاديث والصحف والمجلات نسينا كل شيء .. نسينا كل جرح من جراح المسلمين .. نسينا كل مصيبة من مصائب الأمة .. نسينا كل اعتداء على الدين .. نسينا كل تجاوز على الحرمات .. نسينا كل تقصير في الواجبات، وانشغلنا بالأسهم كأن حياتنا التي خلقنا لأجلها هي هذه الأسهم .
والأمر الثاني: أين التوكل على الله، أين صدق التوكل على الله الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم توكلون على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا )
الطيور تخرج من أوكارها مع الفجر بطونها خاوية وتعود في آخر النهار بطونها ممتلئة، لم تأخذ دورات في الأسهم، ولا تعرف الهبوط والصعود ولا غير ذلك.
وأخيراً : أين الرضا بقدر الله ؟ كيف لم تفكر عندما كانت الأرباح تتعاظم والأموال تكثر لم تفكر ولم تسأل ! وعندما جاء الهبوط جاء التذمر وجاء الاعتراض وجاء غير ذلك ..
ثم أيضا ننتبه إلى مسألة أخيرة : هل نحن منتبهون إلى الحل والحرمة وإلى الإنفاق تحدثاً بنعمة الله كلما زاد الخير الذي عندنا أم ما نزال نستكثر ونستكثر حتى يصدق فينا - والعياذ بالله - حديث النبي صلى الله عليه وسلم كمن يأكل ولا يشبع، ومضة من حياة النبوة ومن توجيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علها تردنا إلى صوابنا ، وتلم شعث قلوبنا ونفوسنا، وتعيدنا إلى حقيقة ما يملأ هذه النفوس من الغنى غنى الإيمان ومن اللذة لذة الطاعة ومن الراحة راحة الإقبال والتعلق بالله عز وجل، إلى غير ذلك مما نعلمه.
أسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً ، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا ، وأن يرزقنا رزقاً حلالاً طيباً، وأن يبارك لنا فيه.

(230/5)


الأصوات والمساجد
بنيت المساجد لعبادة الله -تعالى- مع ما يحصل فيها من اجتماع الناس، وتآلف قلوبهم، ومصافحة بعضهم بعضاً وحل المشاكل في أمور الحياة المختلفة...
لكن ما نراه اليوم من مخالفة كثير من الناس لهذه الأهداف العالية- والتي قال الله فيها :{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (36) سورة النور- لأمر يحزن القلوب، حيث نرى ونسمع ارتفاع الأصوات والتشويش على المصلين ... وهذا كله من البدع والمخالفات التي تحدث في عصرنا...
يقول الإمام ابن الحاج: ينبغي أن يمنع من يرفع صوته في المسجد في حال الخطبة وغيرها؛ لأن رفع الصوت في المسجد بدعة... وقال: ينبغي أن ينهى الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة أو بعده أو في غيرهما من الأوقات؛ لأنه مما يشوش بها، وفي الحديث (( لا ضرر ولا ضرار ))1 فأي شيء كان فيه تشويش منع . ذكره القاسمي في (إصلاح المساجد).
ومن تلك الصور التي ترفع بها الأصوات:
1- إقامة حلقات للكلام والثرثرة في أمور الدنيا لدون سبب شرعي ينفع المسجد، وإنما لمجرد القيل والقال، وذكر الناس وغيبتهم، وهذا قد اشتمل على محرمات كثيرة ومنها الغيبة، إضافة إلى حرمة التشويش والخروج عن أهداف المساجد..
2- وإذا اجتمع إلى ذلك الاتفاق على عقد بيع، أو جرد حسابات بين الناس في المسجد، كان الأمر أشد حرمة لقوله -صلى الله عليه وسلم-في الحديث الذي يرويه أبو هريرة ((من رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك)) 2
3- إنشاد الضالة في المسجد : والضالة هي أي شيء يضيع على إنسان، كمال أو متاع أو بطاقة أو جواز سفر ونحوها... لأن المساجد لم تبن لهذا ..وإنما تنشد في أما كن الأسواق، والمحلات العامة، وأماكن الاجتماعات غير المساجد.. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في تكملة حديث أبي هريرة السابق:(( من رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا وجدتها.. ثلاثاً ))
4- ما يفعله بعض أهل الابتداع من إلقاء القصائد الغزلية، والموشحات المحرفة، أو إقامة الحفلات والأسمار التي تشتمل على غناء ورقص وغيرها.. كما يفعله بعض الصوفية ، والذين يتخذون من المساجد أماكن لجعلها صالات للأفراح، أو ما يسمى الاحتفال بعيد الميلاد الذي كله بدعة وضلالة ...
لكن الكلام الهادئ الذي لا إزعاج فيه أوبأن لا يكون في المسجد مصلون فإن ذلك الكلام لا بأس به...
قال النووي: ( يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد, وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل ما فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا،ً لحديث جابر بن سمرة: ( كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح ؛ حتى تطلع الشمس , فإذا طلعت قام , قال: وكانوا يتحدثون في أمر الجاهلية , فيضحكون ويبتسم )) رواه مسلم.. (ذكر ذلك سيد سابق في فقه السنة).
ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها عدم رفع الصوت حتى بالقراءة والذكر، إذا كان بحضرة القارئ من يصلي، لأن المصلي يحتاج إلى التدبر والخشوع، والقارئ يشغله برفع صوته؛ ولهذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-(( أيها الناس كلكم يناجي ربه, فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة )) رواه أحمد وسنده صحيح. وسبب ورود الحديث هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة .
أخي المسلم الكريم: رعاك الله-كما سبق أن عرفت أن رفع الأصوات والتشويش على الناس من الأمور الممنوعة شرعاً، ولابد من احترام المساجد، ورفعها عن الأمور المنافية لآدابها كالصخب والصياح..
ونخلص إلى أن الأصوات في المساجد تنقسم إلى أقسام عدة:
1- القراءة والذكر: لا يجوز التشويش على المصلين بالقراءة، والأصل في الذكر الإسرار إلا التلبية ،كما ذكر ذلك عن بعض العلماء، وحتى إذا كان الناس كلهم يقرؤون فلا يرفع بعضهم على بعض ؛ فكيف لو كان الواحد منهم يصلي صلاة سرية والآخر يرفع... لاشك أن هذا أعظم في التشويش.
2- رفع الصوت بسبب مشاكل بين المتخاصمين فهذا من الأمور الممنوعة .
3- إنشاد الضالة وهذا لا يجوز.
4- التحدث في المسجد مع رفع الأصوات بشدة لا يجوز؛ لأن ذلك يذهب قداسة المسجد .
5- ما يفعله المبتدعة من الأذكار المبتدعة وإقامة الرقص أو الغناء في المساجد، فهذا محرم، وإذا كان الكلام لأمر هام أو لحاجة ماسة في المسجد أو كلاماً في أمور الدنيا بأصوات معتدلة، فإن ذلك لا حرج فيه لما سبق من حديث جابر بن سمرة... والله أعلم .
6- الكلام الهادئ الذي لا يؤذي مصلياً ولا قرئاً ، أو الكلام المرتفع بعدم حضرة مصلين بشرط ألا يذهب بهيبة المسجد..
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
0000000000000
1- رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما, وصححه الألباني.
2 - رواه الترمذي برقم (1242)والنسائي وابن خزيمة والحاكم.

(231/1)


الأضحية
أولاً: تعريف وبيان:
- تعريفها لغة.
- تعريفها شرعاً.
ثانياً: فضلها.
ثالثاً: الأدلة على مشروعيتها.
- الكتاب.
- السنة.
- الإجماع.
رابعاً: الحكمة من مشروعيتها.
خامساً: حكمها.
سادساً: شروطها.
سابعاً: آداب متعلقة بالأضحية.
1- عدم أخذ المضحي من شعره ولا بشرته.
2- تسمين الضحايا.
ثامناً: مسائل متعلقة بالأضحية:
1- هل ذبح الأضحية أفضل أم التصدق بثمنها؟
2- أيها أفضل الأضحية بالإبل أو البقر أو الغنم؟
3- حكم الاشتراك في الأضحية.
4- عمّن تجزئ الأضحية الواحدة؟
5- طروء العيب على الأضحية بعد التعيين.
6- الاستدانة من أجل الأضحية.
7- توزيع الأضحية.
8- الأضحية عن الميت.
9- ذبيحة المرأة والصبي.
تاسعاً: آداب متعلقة بذبح الأضحية.
عاشراً: بدعٌ ومخالفات.
أولاً: تعريف وبيان:
الأضحية في اللغة: بضم الهمزة وكسرها، وبتخفيف الياء وتشديدها، وجمعها أضاحيّ، وأضاحي. ويقال: ضَحية بفتح الضاد وكسرها، وجمعها ضحايا، وأضحاة بفتح الهمزة وكسرها، وجمعها أضحىً منونة، ومثله أرطى جمع أرطاة([1]). والأصل في هذه التسمية: الذبح وقت الأضحى، ثم أطلق ذلك على ما ذبح في أي وقت كان من أيام التشريق.
وهي شرعًا: ما يذبح من بهيمة الأنعام في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى([2]).
([1]) انظر: الصحاح (6/2407). ولسان العرب. مادة (ضحا) (14/477).
([2]) انظر: شرح الرسالة (1/366)، مغني المحتاج (4/282)، كشاف القناع (2/615)، الشرح الممتع (7/453).
ثانيًا: فضلها:
قد وردت أحاديث في فضلها لكن لا يصح منها شيء.
نقل الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله عن بعض أهل العلم ـ وأبهمه ـ أنه لا يصح في الضحايا شيء([1]).
فمن تلك الأحاديث:
ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسًا))([2]).
وعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا فاطمة، قومي إلى أضحيتك فاشهديها؛ فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه...)) الحديث([3]).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ أَضْحَى : " مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، أَفْضَلَ مِنْ دَمٍ يُهَرَاقُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَحِمًا مَقْطُوعَةً تُوصَلُ " *([4]).
([1]) التحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث (ص209).
([2]) أخرجه الترمذي في الأضاحي (1493)، وابن ماجه في الأضاحي (3126)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم (4/222)، وتعقبه الذهبي والمنذري، وضعف هذا الحديث الألباني في الضعيفة (526).
ثالثًا: الأدلة على مشروعيتها:
قال ابن قدامة رحمه الله: "الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع"([1]).
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الصلاة: المكتوبة، والنحر: النسك والذبح يوم الأضحى)([2]).
وعن عكرمة وعطاء والحسن وقتادة ومجاهد: أي إذا صليت يوم الأضحى فانحر([3]).
قال ابن قدامة: "قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد"([4]).
قال ابن كثير رحمه الله: "والصحيح القول الأول: أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد ثم ينحر نسكه"([5]).
وقال ابن سعدي رحمه الله: "خص هاتين العبادتين بالذكر لأنهما أفضل العبادات، وأجل القربات... وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من الأضاحي، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به"([6]).
أما السنة: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين ([7]).
أما الإجماع: فقد نقله غير واحد.
قال ابن قدامة رحمه الله: "وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية"([8]).
وقال ابن حجر رحمه الله: "ولا خلاف في كونها من شرائع الدين"([9]).
وهي مشروعة في جميع الملل([10]).
([1]) المغني (13/360).
([2]) أخرجه ابن جرير في تفسيره (12/722).
([3]) أخرجه عنهم ابن جرير في تفسيره (2/722-723).
([4]) المغني (13/360).
([5]) تفسير القرآن العظيم (4/597-598).
([6]) تفسير الكريم الرحمن (7/679-680).
([7]) أخرجه البخاري في الأَضاحي، باب: في أضحية النبي صلى الله عليه وسلم (5553) واللفظ له، ومسلم في الأضاحي (1969).
([8]) المغني (13/360).
([9]) فتح الباري (10/3).
([10]) انظر: تحفة المودود لابن القيم (ص65)، والشرح الممتع (7/453).
رابعًا: الحكمة من مشروعيتها:

(232/1)


قال ابن عثيمين رحمه الله: "وهي من نعمة الله على الإنسان أن يشرع الله للمسلم ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية، ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيباً مما لأهل المناسك، مثل: ترك الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى، بترك الأخذ من هذه الفضولات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج في التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي، لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة، ولَنُهِيَ الإنسان عنها، ولكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة"([1]).
وكذلك "شرع الله الأضحية لتحقيق الحكم التالية:
1- اقتداء بأبينا إبراهيم عليه السلام، الذي أمر بذبح فلذة كبده، فصدَّق الرؤيا، ولبّى، وتلّه للجبين، فناداه الله وفداه بذبح عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يابُنَىَّ إِنّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:102-107]، ففي ذبح الأضاحي إحياء هذه السنة، وتضحية بشيء مما أفاء الله على الإنسان، شكراً لصاحب النعمة ومُسديها، وغاية الشكر محض الطاعة بامتثال الأمر.
2- توسعة على الناس يوم العيد، فحين يذبح المسلم أضحيته يوسع على نفسه وأهل بيته، وحين يهدي منها إلى أصدقائه وجيرانه وأقاربه فإنه يوسع عليهم، وحين يتصدق منها على الفقراء والمحتاجين فإنه يغنيهم عن السؤال في هذا اليوم الذي هو يوم فرح وسرور"([2]).
([1]) الشرح الممتع (7/454-455).
([2]) أحكام العيدين وعشر ذي الحجة، لعبد الله الطيار (ص65-66).
خامسًا: حكمها:
اختلف العلماء في حكم الأضحية إلى قولين هما:
القول الأول: الوجوب على المقيم الموسر، وبه قالت الحنفية([1]) واستظهره شيخ الإسلام ابن تيمية([2])، والشيخ ابن عثيمين([3]) رحمهما الله.
ومما استدلوا به:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان له سعة ولم يضحِّ فلا يقربن مصلانا))([4]).
وعن مخنف بن سليم رضي الله عنه قال: كنا وقوفاً مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال: ((يا أيها الناس، إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة)) الحديث([5]).
وعن جندب بن سفيان رضي الله عنه أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر صلى ثم خطب فقال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح بسم الله))([6]).
القول الثاني: أنها سنة مستحبة، وهو قول المالكية([7])، والشافعية([8])، والحنابلة([9])، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم([10])، رحم الله الجميع.
ومما استدلوا به:
حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمسن من شعره وبشره شيئاً))([11]).
قالوا: علق الذبح على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة([12]).
وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأتى بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي))([13]).
قالوا: فمن لم يضح منا، فقد كفاه تضحية النبي صلى الله عليه وسلم، وناهيك بها أضحية([14]).
وعن أبي سريحة أو أبي سريج الغفاري قال: أدركت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، كانا لا يضحيان، في بعض حديثهم: كراهية أن يقتدى بهما([15]).
واستدل بعضهم بالبراءة الأصلية، وأنه لا دليل صحيح صريح يعتمد عليه الموجبون.
وذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء إلى أنها: سنة كفاية([16]).
([1]) انظر: بدائع الصنائع (5/62).
([2]) انظر: مجموع الفتاوى (23/162).
([3]) انظر: الشرح الممتع (7/455).
([4]) أخرجه أحمد (2/321)، وابن ماجه في الأضاحي، باب: الأضاحي واجبة هي أم لا؟ (3123)، والدارقطني (4/285)، والبيهقي (9/260)، والحاكم (4/231 ـ 232) والحديث اختلف في وقفه ورفعه. قال البيهقي (9/260): "بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: الصحيح عن أبي هريرة موقوفًا". وممن رجح الوقف أيضًا المنذري في الترغيب (2/155).

(232/2)


([5]) أخرجه أحمد (4/215)، والترمذي في الأضاحي، باب: الأذان في أذن المولود (1518)، والنسائي في الفرع والعتيرة (4224)، وأبو داود في الضحايا، باب: ما جاء في إيجاب الأضاحي (2788)، وابن ماجه في الأضاحي، باب: الأضاحي واجبة هي أم لا؟ (3125) من طريق ابن عون عن أبي رملة عامر عن مخنف بن سليم، وأبو رملة لا يعرف، والحديث فيه اضطراب. وقال الترمذي: "حسن غريب ولا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه"، وضعفه القرطبي في المفهم (5/350)، ونقل التضعيف عن أبي محمد عبد الحق وغيره.
([6]) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها (7400) واللفظ له، ومسلم في الأضاحي (1960).
([7]) انظر: بداية المجتهد (1/415)، القوانين الفقهية (ص186)، الشرح الكبير (2/118)، المفهم (5/348).
([8]) انظر: الأم (2/345)، المهذب (1/237)، المجموع (8/385) ، مغني المحتاج (4/282).
([9]) انظر: المتسوعب (4/355)، المغني (13/360)، الإنصاف (4/14).
([10]) انظر: المحلى (7/355).
([11]) أخرجه مسلم في: الأضاحي، باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة... (1977).
([12]) انظر: المغني لابن قدامة (13/361)، والمحلى (7/355).
([13]) أخرجه الترمذي في الأضاحي، باب: العقيقة بشاة (1521)، وأبو داود في الضحايا، باب: في الشاة يضحى بها عن جماعة (2810)، وابن ماجه في الأضاحي، باب: أضاحي رسول الله صلى الله عليه وسلم (3121). قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم". وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2436).
([14]) انظر: شرح الزركشي (8/386).
([15]) أخرجه البيهقي (9/295). وصححه الألباني في الإرواء (1139).
([16])انظر: فتاوى اللجنة (11/394).
سادساً: شروطها:
1- أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم([1]).
قال تعالى: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} [الحج:28].
قال القرطبي رحمه الله: "والأنعام هنا: الإبل والبقر والغنم"([2]).
ونقل بعضهم الإجماع على ذلك([3]).
2- أن تكون قد بلغت السن المعتبر شرعاً.
لحديث البراء وفيه: فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح، فقال: عندي جذعة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اذبحها، ولن تجزئ عن أحد بعدك))([4]).
وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعاً([5]).
ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن))([6]).
فلا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا ما كان مسنة، سواء كان ذكراً أم أنثى.
والمسن من الإبل: ما أتم خمس سنين ودخل في السادسة.
والمسن من البقر: ما أتم سنتين ودخل في الثالثة.
والمسن من المعز: ما بلغ سنة ودخل في الثانية.
ويجزئ الجذع من الضأن وهو: ما بلغ ستة أشهر ودخل في السابع([7]).
3- أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء المنصوص عليها في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: ((أربعٌ: العرجاء البيّن ظلعها، والعوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي))([8]).
قال الخطابي رحمه الله: "قوله: ((لا تنقي)) أي: لا نِقْي لها، وهو المخ، وفيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: ((بيّن عورها)) و((بيّن مرضها)) و((بيّن ظلعها))، فالقليل منه غير بيّن فكان معفواً عنه"([9]).
وقال شمس الحق العظيم آبادي رحمه الله: "((بيّن)) أي: ظاهر ((عورها)) ـ بالعين والواو المفتوحتين وضم الراء ـ أي: كما هي في عين، وبالأولى في عينين، ((والمريضة)) هي التي لا تعتلف، ((بيّن ظلعها)) ـ بسكون اللام ويفتح ـ أي: عرجها، وهو أن يمنعها من المشي"([10]).
وقال ابن عثيمين رحمه الله: "((العجفاء)) وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، فالمخ مع الهزال يزول، ويبقى داخل العظم أحمر، فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر"([11]).
وعن علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة: فذكرت لسعيد بن المسيب، قال: العضب النصف فأكثر من ذلك([12]).
قال ابن عثيمين رحمه الله: "وعلى كل حال ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دلت عليه السنة على عدم إجزائه، وهي أربع: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي، فهذه منصوص على عدم إجزائها، ويقاس عليها ما كان مثلها أو أولى منها، وأما ما كان مثلها فإنه يقاس عليها قياس مساواة، وأما ما كان أولى منها فيقاس عليها قياس أولوية.

(232/3)


القسم الثاني: ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء، وهو ما في أذنه أو قرنه عيب من خرق، أو شق طولاً، أو شق عرضاً، أو قطع يسير دون النصف، فهذه ورد النهي عنها في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن هذا النهي يحمل على الكراهة، لوجود الحاصر لعدم المجزئ بأربعة أصناف.
القسم الثالث: عيوب لم يرد النهي عنها، ولكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تكره الأضحية بها ولا تحرم، وإن كانت قد تعد عند الناس عيباً مثل: العوراء التي عورها غير بيّن، ومثل: مكسورة السن في غير الثنايا، وما أشبه ذلك، ومثل: العرجاء عرجاً يسيراً، فهذه عيوب لكنها لا تمنع الإجزاء، ولا توجب الكراهة لعدم وجود الدليل، والأصل البراءة"([13]).
4- أن تكون ملكاً للمضحي، أو مأذوناً له فيها، فلا تصح التضحية بالمغصوب والمسروق، والمشترك بين اثنين إلا بإذن الشريك.
5- ألا يتعلّق بها حق الغير، فلا تصح التضحية بالمرهون، ولا بالموروث قبل قسمته.
6- أن تقع الأضحية في الوقت المحدد شرعاً، فإن ذبحت قبله أو بعده لم تجزئ.
وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله على أن أفضل وقت التضحية هو يوم العيد قبل زوال الشمس؛ لأنه هو السنة، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء))([14]).
كما أنهم اتفقوا على أن الذبح قبل الصلاة أو في ليلة العيد لا يجوز عملاً بالحديث السابق وحديث جندب بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي – أو نصلي – فليذبح مكانها أخرى))([15]).
ولكن اختلفوا في بدء وقت الذبح عند من يصلي العيد، على أقوال هي:
القول الأول: أن الذبح يبدأ من بعد الفراغ من الصلاة. وبه قالت الحنفية([16])، والحنابلة([17]).
القول الثاني: أن الذبح يبدأ من بعد مضي قدر الصلاة وخطبتين، سواء صلى الإمام أم لا. وإليه ذهبت الشافعية([18])، وبه قال ابن حزم([19]).
القول الثالث: أنه من بعد ذبح إمام صلاة العيد أو قدره إن لم يذبح لعذر، فإن لم يذبح لغير عذر فمن بعد فعل الصلاة([20]).
واختلفوا في بداية وقت الذبح عند من لا يصلي العيد كأهل البوادي والمسافرين ونحوهم على أقوال هي:
القول الأول: يذبح من بعد طلوع الفجر من يوم النحر، وبه قالت الحنفية([21]).
القول الثاني: من بعد ذبح أقرب الأئمة إليه. وبه قالت المالكية([22]).
القول الثالث: من بعد مضي قدر الصلاة والخطبة بعد دخول الوقت. وإليه ذهبت الشافعية([23])، وقال به ابن حزم([24]).
القول الرابع: من بعد مضي قدر الصلاة بعد دخول الوقت. وهو قول الحنابلة([25]).
وأما آخر وقت ذبح الأضحية فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال، أصحها قولان:
القول الأول: هو يوم النحر ويومان بعده، وهو قول الحنفية([26])، والمالكية([27])، والحنابلة([28]).
ومما استدلوا به آثار عدة عن جمع من الصحابة منها:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (الأضحى يومان بعد يوم الأضحى) ([29]).
وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: (الذبح بعد النحر يومان)([30]).
القول الثاني: يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة تبع ليوم العيد، وبه قالت الشافعية([31])، ورواية عن أحمد([32])، واختيار ابن تيمية([33])، وابن القيم([34]) رحم الله الجميع.
ومما استدلوا به ما يلي:
قوله صلى الله عليه وسلم: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب))([35]).
قالوا: فجعل حكمها واحداً أنها أيام أكل لما يذبح فيها، وشرب، وذكر لله عز وجل([36]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل أيام التشريق ذبح))([37]).
وقالوا: إنها كلها يشرع فيها التكبير المطلق والمقيد، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير، فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإن كانت كذلك فلا يمكن أن نخرج عن هذا الاشتراك وقت الذبح([38]).
وقد ذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء([39])، وكذلك ابن عثيمين([40]) إلى هذا القول.
وهذا القول قوي من حيث النظر، لولا ما عارضه مما ثبت عن غير واحد من الصحابة كابن عباس وابن عمر وأبي هريرة من غير اختلاف عليهم في ذلك، وهو مما يقوي مذهب الجمهور، قال الطحاوي: "ولم يروَعن أحد من الصحابة خلافه، فثبت حجتُه، وأيضا فإن مثله لا يقال من جهة الرأي، فدل على أنه توقيف"([41]).
([1]) انظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (3/224)، والمعونة (1/658)، المجموع (8/393)، المغني (13/368).
([2]) الجامع لأحكام القرآن (12/44).
([3]) انظر: بداية المجتهد (2/435)، وسبل السلام (4/176).
([4]) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب: سنة الأضحية (5545)، ومسلم في الأضاحي (1961).
([5]) انظر: الشرح الممتع (7/459).
([6]) أخرجه مسلم في الأضاحي، باب: سن الأضحية (1963) من حديث جابر رضي الله عنهما.
([7]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (11/414-415).

(232/4)


([8]) أخرجه أحمد (4/284)، والترمذي في الأضاحي، باب: ما لا يجوز من الأضاحي (1497)، وأبو داود في الضحايا (2802)، والنسائي في: الضحايا، باب: العجفاء (4371)، وابن ماجه في الأضاحي، باب: ما يكره أن يضحى به (3144). وقال الترمذي: "حسن صحيح...، والعمل على هذا عند أهل العلم". وصححه ابن الجارود (907)، وابن خزيمة (2912)، وابن حبان (5889)، والحاكم (1/467)، والألباني في صحيح الترمذي (1211).
([9]) معالم السنن (4/106).
([10]) عون المعبود (7/357).
([11]) الشرح الممتع (7/466).
([12]) أخرجه أحمد (1/83)، وأبو داود في الضحايا، باب: ما يكره من الضحايا (2805) واللفظ له، وصححه ابن خزيمة (2913) وضعفه الألباني في الإرواء (1149).
([13]) الشرح الممتع (7/476-477).
([14]) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب: سنة الأضحية (5545)، ومسلم في الأضاحي، باب وقتها (1961).
([15]) أخرجه البخاري في الذبائح والعيد، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فليذبح)) (5500)، ومسلم في الأضاحي، باب: وقتها (1960) واللفظ له.
([16]) انظر: اللباب (3/333)، بدائع الصنائع (5/108-109) تكملة شرح فتح القدير (9/525-526).
([17]) انظر: الشرح الكبير (2/283).
([18]) انظر: الأم (2/223)، المجموع (8/387) وما بعدها.
([19]) انظر: المحلى (7/377).
([20]) انظر: المدونة (2/2)، مواهب الجليل (3/243).
([21]) انظر: مجمع الأنهر (2/518).
([22]) انظر: المدونة (2/2)، الكافي لابن عبد البر (1/423).
([23]) انظر: الأم (2/223).
([24]) انظر: المحلى (7/377).
([25]) انظر: المبدع (3/283).
([26]) انظر: المبسوط (12/9).
([27]) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (12/43).
([28]) انظر: الفروع (3/546).
([29]) أخرجه مالك في الموطأ (ص365)، والبيهقي في الكبرى (9/297)من طريق نافع عنه، وهذا من أصح الأسانيد.
([30]) أخرجه البيهقي (9/297) من طريق قتادة عن أنس، وعلّقه ابن حزم في المحلى (7/377)، وصححه. وفيه عنعنة قتادة، وشيخ البيهقي أبو نصر بن قتادة متكلم فيه.
([31]) انظر: الأم (2/217)، المجموع (8/390).
([32]) انظر: الإنصاف (4/87).
([33]) انظر: الاختيارات (ص120).
([34]) انظر: زاد المعاد (2/292).
([35]) أخرجه مسلم في الصيام ، باب : تحريم صوم أيام التشريق (1141) من حديث نبيشة الهذلي رضي الله عنه.
([36]) انظر: الشرح الممتع (7/499).
([37]) أخرجه أحمد (4/82)، والبزار (8/364)، وابن حبان (3854)، والطبراني في الكبير (2/138)، والبيهقي (5/239) من حديث جبير بن مطعم، وفيه اختلاف واضطراب، والصحيح فيه أنه منقطع، وقال البزار: "وحديث ابن أبي حسين هذا هو الصواب، وابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لم نحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: في كل أيام التشريق ذبح"، وانظر: التمهيد (23/197).
([38]) انظر: الشرح الممتع (7/500).
([39]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (11/406).
([40]) انظر: الشرح الممتع (7/499).
([41]) انظر: مختصر اختلاف العلماء (3/218).
سابعاً: آداب متعلقة بالأضحية:
من ذلك:-
1- عدم الأخذ من الشعر والبشرة إذا دخلت العشر لمن أراد أن يضحي.
لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يلمس من شعره وبشره شيئاً))([1]).
قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما يجتنب الرجل إذا أراد أن يضحي؟ قال: "لا يأخذ من شعره، ولا من بشره"([2]).
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن من أراد التضحية، ودخل يوم العشر فلا يأخذ من شعره وبشره شيئاً"([3]).
قال النووي رحمه الله: "قال أصحابنا: والحكمة من النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم. قال أصحابنا: وهذا غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم"([4]).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "والحكمة من ذلك: أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لنسك الحج محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أثيب عليه، والذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شرع لهم أن يضحوا في مقابل الهدي، وشرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة، كالمحرم لا يأخذ من شعره شيئاً، يعني لا يترفه فهؤلاء أيضاً مثله، وهذا من عدل الله عز وجل وحكمته"([5]).
وهذا الحكم خاص بمن يضحي لا يتناول من يضحى عنهم.

(232/5)