صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجلة البيان ـ الأعداد 1 - 100

الجزائر بمجرد وصوله لأنه رجل الغرب ، وقد تكفل لهم بحرب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، ولو كان هدف الشعب فقط أن يملأ بطنه لوجد غير الجبهة ممن رفع هذا الشعار. لكنها الدوافع الإيمانية أولاً وقبل كل شيء ثم فساد الحكومات العلمانية المتوالية أكد للناس حاجتهم إلى دين الله وعدل الإسلام . والجبهة كما يعلم أى عاقل لن تحمل لهم ثروات العالم . والمسألة الاقتصادية تحدٍ مهم ولا شك لكنهم يثقون على الأقل أنها لن تنهب وتسرق ثرواتهم وستعمل الجبهة الإسلامية على تخفيف الديون الباهظة التي أصبحت الحكومة غير قادرة على تسديد أرباحها الربوية .
أطراف أخرى للقضية :
يندرج كثير من القوى الفاعلة في الساحة الجزائرية تحت بعض الأطراف السابقة ، فجبهة التحرير ذات الاسم والشهرة التاريخية أصبحت ميراثاً عاماً للشعب بمالها وما عليها ، وبقية رجالها إما واقعون تحت نفوذ الجيش ومنهم طائفة أخرى لها صوت معارضة لسلطة الجيش ولا يظهر أنهم جادون في اتخاذ موقف يخرج عن دائرة مصالح الأطراف المعارضة للجبهة الإسلامية .
البربر :

(48/53)


يشكل البربر ، قرابة 4 ملايين(16) من 26 مليون عدد سكان الجزائر ، منهم طائفة كبيرة تتبنى منهج وأسلوب الجبهة الإسلامية ، بالمطالبة بعودة البلاد إلى الحياة الإسلامية ، وبرز منهم قيادات إسلامية من أمثال الشيخ محمد سعيد في الجزائر العاصمة ، أما في مناطق القبائل "تيزي أوزو" فقد اتضح مناصرة عدد منهم لآيت أحمد "القوى الاشتراكية" وهم منطقة نفوذه واستغل قضية البربر مواجهاً بها الجبهة الإسلامية وعندما أسس آيت أحمد حزبه البربري في فرنسا بدعم من فرنسا أكد على قضايا عديدة منها إبعاد البربر عن الإسلام واللغة العربية ومحاولة كتابة اللغة الأمازيغية البربرية وإحلالها محل اللغة العربية، وبالتالي يستطيع تشكيل أقلية وحقوق أقلية ومسمار فتنة في الجزائر عسى أن يتلافى الإسلاميون تقصيرهم في حقوق إخوانهم وأن يوقفوا الفتنة قبل تعاظمها .
الليبراليون التحرريون :
وهناك ما يسمى بالقوى الليبرالية "التحررية" وهي القوى التي تراعي مصالح الغرب وتؤمن بأفكارهم وأسلوب حياتهم ، وقد درج هذا القطاع من الناس على التحريض على الإسلام ودعاته ووصهم بتلك الألقاب التي كانت ترددها فرنسا زمن حرب التحرير وكانت تصف المجاهدين في الجزائر بأوصاف التعصب والرجعية . والآن تردد بقايا جيوب الظلام العلماني نفس المقولة بكل ببغائية وسذاجة فتصف الجبهة بالتعصب والرجعية والتطرف والخوف على الانحلال والدمار الاقتصادي الذي جلبته مرحلة الضياع في الجزائر . وهذه الطائفة تمثل الطابور الخامس في كل بلدان العالم الإسلامي وهم دعاة الفساد وجلاوزة الاستبداد ويحلو لهم أن يلبسوا لباس الثقافة الليبرالية ، وهم بعكس هذا .

(48/54)


وليست لهم قوة مهمة في الجزائر غير أنهم يتمتعون برعاية عناصر الديكتاتورية في الجزائر والدعم الغربي المحارب للتوجه الإسلامي ويتوزعون على الأحزاب المعارضة للجبهة ويقيم بعضهم في فرنسا . وهذه الطائفة مع أمثالها خارج الجزائر تقوم بدور الدعاية المضادة للإسلام ولمصلحة الجزائر ورغبة شعبها .
إن سير الأحداث لا يدل على أن أعداء الإسلام يمكن أن يسمحوا له بالوجود ولا للمسلمين بممارسة حقهم في حكم أنفسهم بما يريدون(17) فالمسلمون أسرى في بلدانهم لقوانين عبودية غربية جائرة ؛ وأمام أعيننا هذا المشهد الذي يثير عجب كل عاقل ، ويثير حمية كل مسلم ، ينتهك حقه وحريته وكرامته ، فعندما نستخدم قوانين الغرب وأعرافه لننال بها حقاً لنا يتنكر هؤلاء للقوانين التي سنوها ويحطمون ما أسموه مبادئ وحريات وديموقراطيات ، ويواجهون المسلمين بالسجون والمطاردة والتعذيب والتخويف وهم الذين شهد قانونهم ومحاكماتهم بما أوصلوا له العباد من فساد وفقر وخوف ، ثم يستمرون ويعدون بأنهم سوف يسمحون بالديموقراطية بعد إصدار قانون يحرم استخدام الإسلام في السلطة ، وهم اليوم يمنعون المساجد أن تذكر فيها قضايا المسلمين ويحاولون إغلاقها وجعلها منابر حكومية ، ((ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [البقرة 114] .
ختاماً :

(48/55)


لقد تبين من الانتخابات التي كانت نتائجها صحيحة ولم يثبت لدى اللجنة القضائية(18) خلاف ذلك وبطلت الطعون التي قدمها أعداء الجبهة الإسلامية أن الشعب يرى قيادته الفعلية التي تحقق مصلحته وتخرجه من الفساد هي الجبهة الإسلامية ، وأي قوة غيرها تهيمن عليه إنما هي سلطة يرفضها الشعب ابتداءاً، ويعلم أنها ستسوقه في طريق أشد ظلمة مما حاولت الخروج منه ، وسيمارس المغامرون من عساكر الانقلاب الجديد أسلوبهم في نهب الثروة وإذلال الشعب ، حتى ترضى فرنسا ويرضى غيرها من القوى التي أيدت مجيئهم ويسرها كل شر يقع للمسلمين . وربما حدث ما لا يتمناه مسلم من حرب أهلية قد لا يستطيع مثيروها إيقافها وقد تتسع دائرتها وتترك كل شيء بعدها خراباً .

(48/56)


وقد حرصت الجبهة على تجنب الاضطرابات وضبط النفس والتعامل بأسلوب إسلامي راق ومتزن ولم يتوفر هذا الانضباط والهدوء في مواجهة الموقف وتقدير المسؤولية من غيرهم ، في حين يقع الظلم والتزوير عليهم،فهل الاسلاميون قادرون على تحمل المزيد من الأذى وضبط النفس أم سيواجهون من الآن وتكون العاصفة ، أم هل سيقبلون بالتأجيل إلى جولة أخرى والصبر على مرارة الموقف حتى يعدوا أنفسهم لجولة أخرى يقابلون بها هذه الانتهازية والتسلطية التي تصر على إبعاد الشعب عن دينه وهويته ومصالحه ، والعمل على قطع جذور الفساد والتبعية ، وإحلال السلم والأمن والعدل محل النهب والسطو والجور الذي يصفق له العالم المنحاز بكل صفاته ؟ ليس طريق الحق سهل الورود، فدونه فتن وابتلاءات قص الله في كتابه منها ما يجعل المؤمن يثق بالحق ويدافع عنه ويصبر عليه مهما لقي في طريقه بقطع النظر عما حقق . ((ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ)) والذي أصبح معروفاً لدى عدونا ويعاملنا وفقه هو أن يمارس علينا أسلوب القتل والسجن والإرهاب ثم يستمر في طغيانه بلا رادع بواسطة وكلائه عندنا ويحقق بهذه الممارسة كل رغبات الصليبيين واليهود الذين يسمون علماء الأمة ودعاتها وقادتها ورجال إنقاذها بالمتطرفين والأصوليين وقد وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء بأكثر من هذا ، وما أسعد اليهود والنصارى حين يرون الدبابات والأسلحة والجيوش - وكل هذا يقال أنها جيوشنا وسلاحنا - تسدد ضربات للأمة وتقتل وتسجن وتشرد خيار رجالها وقادة العلم والفكر والسياسة فيها ، إلا إنه لم يقدم لعدونا من النصرة علينا وهزيمتنا مثلما قدمته جيوشنا التي تخصصت في قتلنا وتعويق أي سبيل لنا في النهوض أو أنها على أحسن الظنون استخدمت بلا وعي

(48/57)


. اللهم إنا نسألك لإخواننا الثبات على الحق وألا تعرضهم لفتنة أكبر وأنت القادر على ذلك .
الهوامش :
1- في بعض روايات القصة أنه وعده بمال إن سكت (راجع كتاب "الحشاشون " ، برنارد لويس) .
2- الحياة 23/1/1992 م
3- نص قول غزالي :"إن بعضهم في فرنسا ينظر إلى الجزائر كما لو أن هناك تضامناً بينهم وبيننا . لكن هناك من يستمر في التفكير في مشاكل الجزائر كما لو أنها مشاكلهم لأنهم لم يقبلوا بعد استقلالنا ، الحياة ، الأربعاء 18 رجب 1412.
4- عنوان رئيسي لمجلة لوبوان الفرنسية عدد 919 ، 30/4/1990
5- التايمز 14/6/1990
6- المصور ، 3/1/92 تلخيصاً عن لومرند الفرنسية
(7-8)- الوطن العربي 10/1/92
9- الغارديان ويكلي ، 26/1/92
10- الكنار أنشيني Le canar enchaine 1/1/92
11- لأنهم هم الذين صمموه فلا يرون مجلاً لتوقع آخر
12- الأسبوع العربي ، عدد 1684 ، كانون الثاني 1992 م .
13- إبراهيم سعدة
14- أخبار اليوم 13 رجب 1412 ، 18 كانون الثاني 1992
15- القدس 18 رجب 1412 ، 21 كانون الثاني 1992
16- ليس هناك احصاءات دقيقة في هذا الموضوع .
17- قد يسمح للمسلمين بنشر كتب عن الإسلام وإرسال دعاة من الأزهر وغيره أو بث برامج عن الإسلام في حدود ولكنهم لا يمكن أن يسمحوا بإقامة دولة للإسلام ولو في جزيرة في المحيط لأنها بداية لنهاية التسلط الصليبي على المسلمين ، سيد قطب ؛ الإسلام ومشكلات الحضارة" فصل طريق الخلاص .
18- تكونت اللجنة من سبعة أشخاص ثلاثة منهم قضاة سابقون وقد خرجوا بإثبات سلامة الانتخابات وردوا الطعون وهذا من الأسباب التي عجلت بخروج الجيش قبل الدورة الأخيرة ثم أخرج الجيش خطاباً سياسياً ادعى فيه تزوير الانتخابات ، علماً بأن الأطراف المتنافسة المهمة ترى نزاهة الانتخابات . مع وجود بعض المناطق لم توزع فيها البطاقات الانتخابية ، وكانت من مناطق نفوذ الجبهة .

رسالة إلى
جبهة الإنقاذ الإسلامية

(48/58)


ببالغ الفرحة والسرور تلقينا خبر نجاحكم في الدورة الأولى للانتخابات الجزائرية والتي خرجت بنتائج باهرة أفرحت كل مسلم يحمل هم الإسلام في قلبه . وأغاظت كل عدو وحاقد ومنافق لايريد لكلمة الحق أن ترتفع ، ولا لأصحابها أن يعلو شأنهم تماماً كما وصفهم الله عز وجل : ((إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا)) [ آل عمران 120] .
ونحن - علم الله - فرحنا بفوزكم الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشعوب المسلمة التي ذاقت الذل تحت نير المناهج الأرضية تشتاق إلى التحرر من نير العبودية للمناهج والأنظمة الوضعية الدخيلة ، إنه الظمأ إلى جرعة من النبع السلسبيل بعد أن أفسد الملح الأجاج حياتنا .
إن انتصاركم - أيها الأحبة - عزاءٌ لنا في هذا الزمن.. زمن الهزائم المتكررة والاستسلامات المتتابعة .
لا يغرٌنكم ما صنعوه وما سيصنعوه ليفسدوا عليكم هذا الانتصار الرائع فأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
أيها الإخوة : لقد ساءنا هذا النفاق العالمي الذي يكيل الأمور بمكيالين ، فمن حق شعوب العالم قاطبة أن تختار المنهج الذي تريد والقائد الذي تريد. أما الشعوب المسلمة فهي شعوب فسدت أذواقها . فلم تبلغ بعد سن الرشد لتختار من تريد .
أيها الإخوة: لقد ساءنا هذا التضامن الإقليمي الذي لم يفلح قط إلا في محاربة الحركات الإسلامية الأصيلة التي تريد العودة بالأمة إلى عزتها واستقلالها .
إن هؤلاء العملاء المحليين يرفضونكم ويرفضون أمثالكم . وهم في المقابل يدخلون اليهود في نسيجنا السياسي والثقافي . فقبح الله قوماً جعلوا اليهود أصدقاء وجعلوا الدعاة والمخلصين أعداء يحرصون على إيذائهم وإخفات صوتهم بكل سبيل . مرة أخرى أيها الأحبة : لا يغرنكم ما صنعوه وما سيصنعونه ليفسدوا عليكم هذا الانتصار الكبير فأنتم الأعلون إن شاء الله .

(48/59)


أيها الإخوة : نحمد الله أن عاد للجماهير وعيها فاختارت الإسلام ليكون هو الحل والمنهج ، لقد قدمتم للدعاة نموذجاً متقدماً من نماذج العمل الإسلامي الجماهيري ، ولكن الجماهير وحدها لا تصنع نصراً ، إننا نطمح بعد نجاحكم في العمل الجماهيري ، أن تقدموا لنا نجاحاً آخر في مجال بناء القاعدة الصلبة وإعداد الكوادر المؤهلة.
إن العمل الإسلامي على مستوى الأمة - والجزائر جزء منه - بحاجة إلى قلة تنقذ الموقف . بحاجة إلى رجال متجردين ينبرون لعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإعلامي وقبل ذلك الإصلاح الديني العقدي .
هؤلاء هم الذين سيقومون بتربية الجماهير ونشر العلم الشرعي بينها ، حتى يصبح الإسلام مطلباً شعبياً ملحاً تغضب من أجله الجماهير أكثر من غضبها لمطالبها
اليومية .
إن هذه الجموع المباركة التي تربت على يد القاعدة الصلبة لن تقف في وجهها ألاعيب الساسة العلمانيين ، ولن يرهبها سيف الجيش المسلط ، كما لن تغريها الوعود بالرخاء والرفاهية .
أيها الإخوة : إن حجماً هائلاً من الكيد العالمي والمحلي يكيد لكم ولأمثالكم من الدعاة المخلصين ، وأحياناً ينسينا التأييد الشعبي المكثف حجم هذا الكيد فيظن الظان أننا قاب قوسين من قطف الثمار .
أيها الإخوة: نطالبكم بألا تدعوا أعداءنا وأعداءكم يستجرونكم إلى معركة لم تحددوا مكانها ولا حجمها ولا أدواتها . وكما أن البذرة لا تصبح ثمرة يانعة بين عشية وضحاها - وأنتم أدرى بذلك - في أرض الزيتون والعنب، فكذلك الدعوات بحاجة إلى التعهد والرعاية والبناء حتى يصلب العود ويخرج شطأه ويستغلظ .
أيها الإخوة : لا تظنوا أنكم تقفون في أرض الجزائر بمفردكم ، فهناك الألوف والألوف من إخوانكم في شتى بقاع العالم يرقبونكم ويعيشون معكم بقلوبهم ، إن الروح الإسلامية باقية وإن ظنوا أنها قد أخمدت عندما هدمت الخلافة، ومزق الاستعمار أراضينا إلى دويلات صغيرة هزيلة .

(48/60)


هذه الروح الإسلامية هي التي تجعل الهندي المسلم يفرح بفوز الجزائري المسلم ، وهي الروح التي جمعت المسلمين على شتى لغاتهم وأعراقهم في أرض أفغانستان المسلمة . لذلك - أيها الأحبة - حافظوا على هذه التجربة الناجحة وخذوا بأسباب النصر الشرعية التي ذكرها الله في كتابه ، فنجاحكم سيكون نموذجاً لغيركم ، وبداية لحقبة جديدة في تاريخ المسلمين المعاصر .
واختم رسالتي هذه بدعوة إلى الدعاة إلى الإسلام في الجزائر من خارج الجبهة فأقول لهم:
- إن العدو لا يفرق بين معتدل ومتطرف ، فالجميع أصوليون تجب محاربتهم والقضاء عليهم .
أيها الإخوة : ما أحوجكم إلى الاتحاد والتعاون ونبذ الفرقة والاختلاف كما قاله تعالى : ((ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [آل عمران 105] .
((ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [الأنفال 146] .
إن الخلاف شر وخصوصاً في مثل هذه الظروف العصيبة من تاريخ المسلمين ، وتاريخ الجزائر على وجه الخصوص . وهذه الظروف تحتم التعاون مع إخوانكم في الجبهة ومساعدتهم ، وأن لا تكونوا سهماً في كنانة العلمانيين الذين بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ؛ يستخدمونه ضد كل من يلتف المسلمون الصادقون حوله ، وأختم رسالتي بآية عطرة من كتاب الله الكريم : ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) [آل عمران 186] .

ماذا يريدون ؟

(48/61)


من الملفت للنظر هذا الدوي الإعلامي والسياسي الهائل الذي أعقب الدورة الأولى من الانتخابات في الجزائر ، وتداعيات الأحداث التالية لهذا الحدث المزلزل . ومع هذا الكم الهائل من التحليلات والتوقعات والإشارات فإن الحدث الجزائري يظل هائلاً ، مدوياً ، بل زلزالاً بكل المقاييس والمعطيات، ولا أظن أن هذا الحدث قد أخذ أبعاده وآثاره وبصماته المستقبلية بعد، وإن كان قد رسم لنا معالم حاضرة ومستقبلية هامة، لعل من المناسب الحديث عن أبرزها..
إن الحدث قد كشف عن هشاشة الطروحات العلمانية واليسارية والقومية والانتهازية ، فهي أول انتخابات يشارك فيها أكثر من خمسين حزباً طرحت كل المناهج والرؤى المعاصرة فلا مكان للحجج القائلة بأن التيار الإسلامي قد مارس إرهاباً فكرياً أو حمل الناخبين قسراً على تبني الحل الإسلامي . ففي المثال الجزائري كان الشيوعيون المحنطون يعرضون بضاعتهم المزجاة جنباً إلى جنب مع "حزب فرنسا" الذي يصيح بكل ما أوتي من صوت منادياً باستعمار الجزائر من جديد على يديه وفي حضور كل التيارات السياسية المعاصرة... والحق أن الإسلاميين كانوا القوة الوحيدة التي لم تكن تتكئ على قوة خارجية أو دعم من خارج الحدود - كما كان وضع بقية صفوف الأحزاب السياسية - التي اكتشفت أنها ظل ثقيل "للآخر" الذي يضخمها بدعمه الخارجي .

(48/62)


إن الحدث بأطواره الأخيرة لا يمكن أن يفصل عن إطاره التاريخي والموضوعي والمنهجي.. فأحداث الجزائر ليست وليدة اللحظة ، ولم تنبت من فراغ ، فهي إفراز متوقع لحالة المواجهة الضارية التي خاضها المسلمون في هذا الصقع ، منذ نزول الصليبيين الفرنسيين قبل أكثر من قرنين ومحاولة هؤلاء سلب هذا الشعب العريق هويته العقدية والحضارية . وفي خضم هذا الصراع ظل الإسلام وحملته هم ضمير الأمة وقادة الصفوف في ساعة الزلزلة ، منذ عبد القادر الجزائري ومروراً بزعماء جمعية العلماء (ابن باديس والإبراهيمي) وحتى امتدادهم المتمثل بجبهة الإنقاذ.. وقضية الإسلام كهوية وثقافة ومنهج تفرض نفسها من جديد بالرغم من محاولة العسكر (بعد الاستقلال) طمس هذه القضية أو تحجيمها من خلال تبني الطروحات السياسية والاشتراكية، وإن كانت، ظروف بومدين وعصابته بالأمس قد أوهمتهم بالتغلب على هذه الإشكالية ، فإن الواقع اليوم يؤكد أن قضايا الأمة الكبرى لا يحلها الإرهاب والتسلط ، وأن المعضلات المتعلقة بالكيان الحضاري والصيرورة العقدية ترفض أن تخضع لفوهة المدفع أو تسلط الحذاء العسكري الثقيل ، إنها في جوهرها بالنسبة للمسلم اليوم الوجود أو الذوبان.. ومن هنا فإن التدخل العسكري الثالث للجيش بعد تدخل عام 1988م ويونيو 1991م يواجه الإخفاق الذي واجهه في المحاولات السابقة، ويقابل بنفس الكراهية والاحتقار من قبل جماهير الجزائريين الذين أثبتوا في السابق أن الحلول المبترة لا تؤدي إلا إلى نتائج عكسية .

(48/63)


إن أحداث الجزائر الأخيرة نزعت ورقة التوت الأخيرة عن الأصوات والتيارات والأحزاب والشخصيات المطلة عبر أجهزة التثقيف والإعلام في العالم العربي ، والتي تمسك بخطام التوجيه وزمام القيادة.. لقد كان رد فعلها غاية في التشنج وإيغالاً في ممارسة الإرهاب الفكري ، كما كان الطرح في مجمله يفضح إشكالية ما يسمى بالتيار التحديثي والتوفيقي (حل وسط ومدهش يرمي إلى دمج الإسلام بالثقافة الغربية) وبعد هذا التيار عن أرضية المجتمع والأمة التي هي من المفترض أن يعبر عن تطلعها وآمالها . إن ما يكتب خلال هذه الفترة أبعد ما يكون عن الموضوعية وأقرب إلى شكل "الإسقاط" النفسي حيناً ومزج الخيال المحطم بالواقع الصارخ في وجوههم... حيناً آخر .
والسؤال الحائر لا يزال يطرح بقوة : هل كان الغرب ومؤسساته الإعلامية أكثر اتزاناً من ظله العربي العلماني؟ ولعل استعراضاً لعناوين الصحف والتحليلات العربية يؤكد هذه النظرية مضيفاً إلى هذا المنحى الخطر غثاثة وسطحية واختزالاً ونقلاً ً"كربونياً" يدعو القارئ إلى الغثيان! (وهي لازمة لعصر الإفلاس الثقافي والإعلامي في العالم العربي اليوم) .

(48/64)


إن أحداث الجزائر كشفت عن "نسبية" جديدة لم تكن مكشوفة إلى هذه الدرجة وعارية إلى هذا الحد.. ، فخلال أزمة الصيف التي كانت محاولة أخرى من محاولات العقلية البوليسية لمصادرة الحل الإسلامي اتهمت جبهة الإنقاذ بأنها ضد الديموقراطية والاختيار الحر ، وأصبحت طروحات الجبهة تمثل لهؤلاء المرتجفين التسلط ، أما انتشار الجيش ومطاردته للمدنيين المسالمين فيمثل "قمة الحكمة والضبط ".. فالأمور هنا نسبية.. فالدكتاتورية النزقة والتسلط المفزع تغدو "حكمة" و "حماية للديموقراطية" و "حراسة للدستور"!! ثم أتت الانتخابات ، ولأول مرة في التاريخ المعاصر تتهم الحكومة حزباً معارضاً بأنه زوَّر الانتخابات . وبالرغم من عدم قدرة المجلس الدستوري على إثبات هذا الادعاء فإن الخيار الديموقراطي الذي دافعوا عنه قبل أيام يتحول بين عشية وضحاها إلى "كابوس" ؛ ومن خلال نسبية الثقافة هذه يطالب ابن فرنسا سعد سعدي أو مطايا الماركسيين المفلسين باستخدام القوة لمنع "الخيار الديموقراطي".. أو لم تقل اللوموند بالأمس : "الديموقراطية جميلة لكن الأصولية غير مرغوب فيها"!! إذن الإشكالية تكمن لدى الغربيين في أن الديموقراطية تستحق البكاء والعويل إذا دفعت إلى السلطة دماها المتعددة يساراً أو يميناً ، وتصبح كابوساً وديكتاتورية حين يكون المكون العقدي المخيف - الإسلام - قاب قوسين من استلام مقاليد الأمور . وهنا تكون الديكتاتورية العسكرية والتسلطية البوليسية قمة الحكمة والحرية . فالمسألة نسبية لدى صليبِّيي اليوم وحزب النفاق المحلي!!

(48/65)


تردد أقلام النفاق المستتر والإعلام الوصولي مقولة يسارية صدئة خلاصتها أن انتخابات الجزائر أظهرت أن القضية الاقتصادية في أساسها وأن الجماهير تريد الخبز والكساء والحياة الرغيدة.. فقط لا غير.. !! ولكن السطحية والتناقض لا حد لها في خطاب "مترجمي الفكر" و"مجتري الطروحات الغربية" ، وهم يلمزون الجبهة بأنها لا تملك برنامجاً اقتصادياً واضحاً ، وأنها لا تقدم البديل للجماهير.. ولذا فهي تلجأ لشعارات فضفاضة..
هذه "النظرية" التي اكتشفها بعض "المفكرين" و "المترجمين" تنقصها الحبكة المسرحية اللازمة لتمرير مثل هذه النكتة الثقيلة الظل.. فالجميع يعرف أن الجبهة لا تستند لأي مجموعة اقتصادية أو دعم مالي خارجي مؤثر.. وأنها خاضت الانتخابات في مواجهة أحزاب تعد الناخب الجزائري بمساعدات خارجية وتطرح برامج اقتصادية تلائم طبع الدول العربية والشركات المتعددة الجنسيات كما تكرس ربط الجزائر بالسوق الدولي ودورته الاقتصادية ؛ إضافة إلى أن الغرب قد هب لمساعدة الحكم القائم بمئات الملايين من الدولارات لمواجهة خطر الأصوليين "في الوقت الذي لم تعد الجبهة بمساعدات دولية أو تعرض أرض الجزائر في مزاد "النخاسة" النفطي وهنا نجد أن من حقنا أن نطرح السؤال المنطقي التالي :
إذا كانت القضية تدور حول جوع الجماهير وتلبية رغبتها الاستهلاكية الملحة ، فلمن ستصوت الجموع؟؟ لمجموعة سياسية لا تدعمها دول وقوى اقتصادية عظمى وتتهم بأنها لا تملك برنامجاً اقتصادياً أو خبرة إدارية كافية. أم لأحزاب ومؤسسات وهيئات تلح في حملتها الانتخابية على أهمية التعاون والاندماج بالقوى الدولية المؤثرة ، وتعد الجماهير برفاهية اقتصادية وملء البطون وسد الحاجات الاستهلاكية؟!

(48/66)


والجواب المنطقي والواقعي هو أن الذين ينثرون الوعود والذين تتسابق القوى الإقليمية والدولية لدعمهم اقتصادياً هم الأحرى بتوجه الجماهير الجائعة المتطلعة إلى إشباع الغرائز إليهم ! لكن ، ماذا نرى ؟ نرى الجماهير المتحدث عنها هي التي لفظت هؤلاء المرتزقة والمرتشين والأذناب بعد أن عرفت أنهم سرقوا في فترة لا تزيد عن خمس سنوات أكثر من ثلاثين بليون دولار . كما أن هذه الجماهير المتعبة ترى أن المعضلة الاقتصادية التي صنعها النموذج العلماني /الاشتراكي هي في حقيقتها مرتبطة بإطار أكبر وواقع أشمل حكم البلاد من خلال فلسفة مستوردة لا تصلح أرض الجزائر لاستنباتها ، بل حولت هذه الفلسفة أرض الجزائر - وهي الأرض المعطاء - إلى أرض بلقع بوار .
أثبتت أحداث الجزائر أن الخائفين من الحل الإسلامي ، المطاردين لدعاته يصابون بحالة من "الحول الحاد" تجعلهم يرون الشيء شيئين واللون ألواناً متداخلة والحقيقة زيفاً..!! فما إن يفوز التيار الإسلامي في أي عملية انتخابية مثلاً حتى يخرجوا للجماهير مبررين هذا الفوز بأسباب أصبحت ممجوجة من سطحيتها وتكرارها
مثل : إن أعدادا كبيرة من الناخبين لم تصوت في الانتخابات..! فمن أدراكم أن الذين لم يصوتوا سيصوتون في قناة التيار اللاديني..؟! والقاعدة الفقهية تقول : لا ينسب إلى ساكت قول ! ويقولون بأن الإسلاميين يستغلون كل قواهم وقواعدهم في الانتخابات وهل في هذا الأمر حرج وهذا من قواعد اللعبة الديموقراطية المجلوبة والتي يكون فيها إجحاف بحق الناخب لا سيما في العالم المتخلف حيث إن المناوئين للحل الاسلامي اليوم يستنفرون فئات لا تتعاطف معهم مستخدمين سيف المعز وذهبه.. وهذان كفيلان بترغيب وترهيب أعداد كبيرة لا تصوت عن قناعة ؟؟

(48/67)


ثم أخبرونا أيها المتباكون على كل نصر للأصالة والعودة إلى الجذور.. كم يصوت في انتخابات أمريكا (النموذج الديموقراطي)..؟ أليسوا في حدود النصف إن لم يكن الرقم أقل من لك.. ثم يحكم الرئيس الأمريكي ويفوز بنصف أصوات الناخبين أي أنه يحكم بأصوات المؤيدين له وهم لا يتجاوزون الربع.. ثم تُدعى هذه الانتخابات بأنها أكثر الانتخابات الديموقراطية نزاهة وأرقى نماذج الحكم الذي توصلت له البشرية اليوم؟!
إن حالة "الحول المفاجيء" تصيب مرضاها بمضاعفات خطيرة أبرزها "الانفصام النفسي" والتناقض المحجوج الذي لا شفاء منه إلا بالصدق والأمانة وهذا دواء يستعصي على من مرد على النفاق قبوله .
تصور أن...
تصور أيها القارئ الكريم لو أن تسلسل الأحداث في الجزائر قد سار بطريقة مختلفة عما آل إليه الأمر.. وتصور لو أن المسار التصاعدي للتحولات الجزائرية قد انحرف إلى زاوية ترضي أهواء الغرب - لا سيما فرنسا وأمريكا - والنظام السياسي العربي القائم ، بقيادة أي اتجاه محارب للإسلام معاد لأصول الأمة ومعتقدها.. ، قد تقول إن الشعب الجزائري قد أثبت بالدليل القاطع رفضه لكل "الجراثيم الفكرية" ووقف في وجهها وقفة الرجل الواحد مرة بعد أخرى!! لكن دعنا نفترض مساراً آخر للحدث ، يرضي ولو آنياً خيال المنافقين والعملاء.
تصور أن "حسين آيت أحمد" في الجزائر قرر عقب السماح بتكوين الأحزاب أن يرشح نفسه للانتخابات البلدية في الجزائر.. وأنه - ويا للهول - قد حصد أكثر من ثمانين بالمئة من البلديات وأكثر من ستين بالمئة من أصوات الناخبين..!! ماذا ستكون افتتاحيات اللوموند والفيجارو والنيويورك تايمز وصحافة العرب المترجمة والمرتجفة من خصوم آيت أحمد وليكن علي بلحاج أو عباسي مدني ، وكأني بها وقد حملت عناوين ضخمة أحدها بالخط العريض "الجزائريون يلفظون الظلام ويختارون الرجل المتحضر"..!

(48/68)


تصور أن الرجل المتحضر الذي يحقد على الإسلام ويرفض التحدث بالعربية - لأنه متحضر فهو يتحدث بالفرنسية - قد أصبح الزعيم المرتقب للجزائر ، وعندها قرر الحزب الحاكم أن يقلم أظافره ويغير من قانون الانتخابات بحيث يحول دون انتصار كاسح للرجل "المتحضر" و"خياره العلماني"... سيكون ملخص التعليقات والتحليلات شرقاً وغرباً : "مجزرة الديموقراطية في الجزائر"! وتصور أن الرجل "المتحضر" قد قام بمقاومة هذا الظلم والحيف بأسلوب متحضر هو الآخر ونادى بالجزائريين المتعاطفين معه أن يقاوموا القانون الجائر بالتظاهرات السلمية في الساحات العامة منبهاً لضرورة البعد عن استخدام العنف.. أخال أن الوكالات الدولية ستحمل الخبر الآتي "غاندي الجزائر.. ينادي بالثورة السلمية ضد الظلم"!!
تصور أن العسكر قد قرروا أن ينهوا ربيع الديموقراطية وذلك بافتعال مواجهة مصطنعة مع الزعيم المتحضر وجماهيره المنضبطة وخلال هذه المواجهة تفصل السلطات جميع الرافضين للتسلط والقهر ، كما تزعم أن آيت أحمد "وزبانيته" يخططون للانقلاب على السلطة وتعرض على وسائل الإعلام الدولية الأدلة الدامغة على ذلك.. (كما فعلت بعد مواجهتها مع جبهة الإنقاذ في الصيف الماضي) مقلمة أظافر.. وسكيناً لتقشير التفاح.. وحبلاً.. وزجاجة كوكاكولا فارغة!!!

(48/69)


ولم تجد السلطات العسكرية بداً للحد من تزايد التعاطف مع الزعيم المتحضر حسين آيت أحمد سوى أن تعتقله ونائبه دون توجيه تهمة أو جناية وتأمر الجيش بالنزول للشوارع وتلغي الانتخابات لأجل غير مسمى!! وهنا قد تتسارع الأحداث وتعلن فرنسا سحب سفيرها من الجزائر وتوقف تعاملها مع الجزائر.. أما بوش زعيم النظام الدولي الجديد فيعلن أن نظامه الجديد لن يسمح للدكتاتورية بالعيش.. أو أن يتحول بن جديد إلى صدام آخر يغتال الديموقراطية ، ويئد الأحرار بلا سبب دستوري!! وهنا تجتمع الأمم المتحدة ليلقي مندوبو الدول المؤيدة للحرية خطباً عصماء تنادي بانتهاء عصر الظلم.. ويرسل عرفات برقية إلى بن جديد يناشده فيها باسم الكفاح المسلح أن ينهي مسلسل الإحباط ويفرج عن المناضلين الأبرار وفي مقدمتهم الأخ الفاضل.. حسين آيت أحمد!! تصور أيها الأخ العزيز أن قضية حسين آيت أحمد ستشغل الصحف الصفراء والخضراء والسوداء لأسابيع.. ويصبح هذا الرجل المناضل "مانديلا الجزائر" - لاحظ الرموز المقتبسة -.. وفي ظل الحملة الدولية والإقليمية يعلن الرئيس الجزائري بأن الزعيم المتحضر سيحاكم بعدالة وأنه قرر إجراء انتخابات عامة للخروج من المأزق، لكنه يعين أحد المتواطئين معه لتفصيل القانون الانتخابي على مقاس جبهة التحرير الحاكمة..، هنا ستوجه الأمم المتحدة (الأمريكية) تحذيراً أخيراً وتحرك القوى الخفية في داخل الجزائر تشتري الذمم وتزرع العملاء.. ويعلن بن جديد احترامه للدستور وأن حزب القوى الاشتراكية مدعو للاشتراك في الانتخابات القادمة .
يحجم الحزب البربري وزعيمه المؤقت عن الاشتراك في الانتخابات التي ستحرمه من فوز مؤكد وساحق.. وتتدخل الأصابع الفرنسية والأمريكية والمحلية لإقناع الزعيم المتحضر ومناصريه بالاشتراك في هذه الحملة لإحراج السلطة ليس إلا..

(48/70)


تصور أن هذا الحزب المظلوم ، المقهور ، المطارد قد فاز بـ 189 مقعداً مقابل 20 مقعداً لجبهة الإنقاذ و 15 مقعداً لجبهة التحرير هنا سأكتفي بعنوان واحد لصحيفة عربية أفردت ملحقاً خاصاً من عشرين صفحة للحدث /القنبلة ، عنونت له في صفحتها الأولى بعناوين مثيرة منها:
"انتصار خيار المستقبل على المتاجرين بالدين"
"الجزائريون يختارون التحضر ويلفظون الأصوليين البرابرة!!!"
"الأصوليون يندحرون في وجه الفوز الساحق للزعيم المتحضر" .

المستقبل لمن ؟
في يوم السبت السابع من رجب 1412 هـ الموافق 212/1/1992 ظهر الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد على شاشة التلفزيون وألقى كلمة قصيرة أعلن فيها استقالته قائلاً : إنه قرر الاستقالة لكي لا يصبح عقبة تعرقل التفكير في حل يحفظ الوحدة الوطنية. وقال أيضاً: إن انسحابه ليس تهرباً من المسؤولية، بل وطلب من الجزائريين أن يعتبروا ذلك تضحية . إن أخطر ما قاله هو أنه قرر الاستقالة لكي لا يصبح عقبة تعرقل التفكير في حل يحفظ الوحدة الوطنية !!.. فمن الذي يهدد الوحدة الوطنية ؟ ومن الذي يفكر في حل يصرح الرئيس المستقيل أنه عقبة تعرقل هذا الحل؟ لا أظن أن الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى عناء كبير ، فإن الأمر الذي أشغل الساحة الجزائرية بل والعربية والعالمية هو فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات الجزائرية فوزاً ساحقاً يعبر بوضوح عن حالة جديدة تمر بها هذه الأمة للخروج من حالة الضياع والتشرذم الذي تعيشه ، وعلى الرغم من أن الأحداث في الجزائر تمر بمرحلة انتقالية يصعب التكهن بنتائجها ، فإنه يجب على كل مسلم أن يعيش مع إخوانه في آمالهم وآلامهم وتجاربهم ، وألا يبخل عليهم بما يستطيع من دعوة صالحة في ظهر الغيب ، ونصيحة مشفقة خالصة مع دعمهم بكل ما يستطيع . ومساهمة في هذا السبيل نقدم هذه القراءة المتواضعة في أحداث الجزائر لعلها تكون عوناً على فهم الحاضر والتعامل مع المستقبل .

(48/71)


وجيز الأحداث :
في الأول من نوفمبر 1954 أعلن حزب جبهة التحرير الوطنية ميثاقه ومما جاء في ذلك الإعلان :
استعادة دولة جزائرية ذات سيادة ديموقراطية واجتماعية في نطاق المبادئ الإسلامية . وقامت حرب التحرير على أساس إسلامي شديد الوضوح ، وقدم الجزائريون التضحيات العظيمة من أجل استعادة إسلامهم وعروبتهم ، حتى سميت الجزائر بلد المليون شهيد ، ولكن ما إن تم التحرير ، وخرج المستعمر ؛ حتى تربع على السلطة من سرق ثمرة الجهاد ، فكافأ رجاله بفتح المعتقلات والسجون لمن ؟ لعملاء الاستعمار ؟ لا ، بل للدعاة المخلصين الذين لهم الدور الأكبر في مجاهدة المستعمر ، وقام (بن بلا) ومن بعده (بومدين) بفرض النهج الاشتراكي ، وأقاموا دولة بوليسية قائمة على الكبت والاضطهاد ، مع ما صاحب ذلك من عمليات سلب لثروات الأمة .
وفي عهد (بن جديد) الذي خلف (بومدين) لم يتغير شيء سوى ازدياد عمليات النهب المنظمة للثروة ، أو عجز الحكومة ، أو قل : عدم اهتمامها بتقديم الخدمات الأساسية للشعب المطحون ، فحصلت أحداث شغب في يونيو (حزيران) 1988 م مما أوقع مئات القتلى ، واتضح فشل النظام وترهله مما أرغمه على اللعب بورقة التعددية الحزبية ، وسياسة الانفتاح والحرية ، وفتح المجال لتكوين الأحزاب ، ولم تعد جبهة التحرير متفردة بالساحة السياسية ، فقد تم تسجيل حوالي 58حزباً تراوحت بين إسلامية من طرف وإلحادية من طرف آخر وكثير من اللافتات المتنوعة في الوسط ، مما يدل على شراسة الهجوم الفكري الذي تعرض له هذا الشعب المسلم ، ومن هذه الأحزاب :
1- جبهة الإنقاذ الإسلامية تم إعلانها رسمياً في مطلع 1989 م وذلك بمبادرة من عدد من الدعاة من بينهم رئيس الجبهة الشيخ عباسي مدني ، ونائبه الشيخ علي بلحاج وللجبهة مجلس شورى يتكون من 60 عضواً .
2- حركة المجتمع الإسلامي (حماس) وتم إعلانها في ديسمبر 1990 م على يد الشيخ محفوظ النحناح .

(48/72)


3- حركة النهضة الإسلامية : قام بإعلانها الشيخ عبد الله جاب الله .
4- حزب الأمة : أسسه يوسف بن خده رئيس الوزراء سابقاً ، وهو يؤكد على الأهداف الإسلامية والعربية.
5- حزب القوى الاشتراكية : (FFS) قام بتأسيسه حسين آيت أحمد عام 1989م . ويدعو إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة ، وتبني التعددية اللغوية والثقافية بين عربية وبربرية وفرنسية (علماني بربري فرانكفوني) .
6- التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية : أسسه الدكتور سعيد سعدي وهو حزب بربري شبيه بالحزب السابق .
7- الحركة من أجل الديموقراطية : أسسه أحمد بن بلا الرئيس السابق .
8- حزب العدالة والإصلاح : أسسه قاصدي مرباح رئيس الحكومة السابق بعد خروجه من جبهة التحرير.
9- حزب الطليعة الجزائري (الحزب الشيوعي)
10- حزب التجديد الجزائري .
11- الحزب الوطني للتضامن الإسلامي .
12- حزب التجمع الجزائري البومديني الإسلامي .
13- الحركة الجزائرية من أجل العدالة والتنمية .
وغيرها بالإضافة إلى جبهة التحرير الوطني التي حكمت الجزائر لمدة ثلاثين سنة متوالية.
انتخابات الجزائر ، حقائق وأرقام :
جرت الانتخابات يوم الخميس 26/12/1991 وقد بلغت نسبة التصويت 58% من أصل 12.2 مليون ناخب . وبلغت الأصوات الباطلة حوالي 10% وأعلن وزر الداخلية عن عدم وصول ما يقارب من مليون بطاقة انتخابية إلى أصحابها ، وقد بلغ عدد الذين أدلوا بأصواتهم حوالى 7 مليون و700 ألف وهي نسبة كبيرة إذا ما قورنت بنسبة المشاركة في الدول الغربية ، أما نتائج الانتخابات فقد كانت صدمة لمن أجروها ولمن أعلنوها ، وتباينت ردود الفعل فقد كانت الصدمة بادية على محيا وزير الداخلية وهو يعلن الفوز الكاسح لجبهة الإنقاذ ، كان متعباً وهو يقرأ النتائج بصوت متهدج ، أما رئيس الوزراء فقد حلّ ضيفاً على القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي ، وقد كان شاحباً وحزيناً متلعثماً وكان يبدو تحت وقع الصدمة (1).

(48/73)


وخلافاً للتوقعات التي كانت تنتظر أن تكون النسب على الشكل التالي :
* 150 مقعداً للجبهة الإسلامية .
* 120 مقعداً لجبهة التحرير .
* 70 مقعداً لجبهة القوى الاشتراكية .
* 40- 50 مقعداً للتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية .
* 40 مقعداً للأحزاب الأخرى والمستقلين .
فقد جاءت النتائج على النحو التالي :
لقد شارك 49 حزباً من أصل 58 فازت جبهة الإنقاذ بـ 188 مقعداً من أصل 228 وحلت جبهة القوى الاشتراكية في المركز الثاني بحصولها على 27 مقعداً ، أما جبهة التحرير الوطني فقد جاءت في المرتبة الأخيرة وحصلت على 16 مقعداً فقط ، والمستقلون حصلوا على 3 مقاعد .
كانت ردود الفعل متباينة ، ويمكن معرفة ردود الفعل الرسمية غير المعلنة عن طريق متابعة وسائل الإعلام ، وهذه أهم ملامح التوجهات الإعلامية في تلك الفترة :
* في اليوم الأول الذي أعلن فيه الفوز الساحق لجبهة الإنقاذ بأكثرية الأصوات لم تشر جل الصحف إلى ذلك، مع أن وكالات الأنباء نقلت هذا الفوز الكبير . وبعد أن أفاقوا من الصدمة بدأت مرحلة التهوين من الانتصار وتحليل أسباب انتصار الجبهة ، وحيث أن حكم الإسلام غير مطروح فقد كثرت التحليلات لكيفية الخروج من هذا المأزق وإليك بعضها :
1- التركيز على أن التصويت للجبهة كان بسبب كراهية الناس لجبهة التحرير ، وليس حباً في جبهة الإنقاذ أو كما يتولون : "ليس حباً في زيد لكن كراهية في عمرو" وكأن الجبهة الإسلامية هي الحزب الوحيد بجانب جبهة التحرير .

(48/74)


2 - تبنوا طروحات الأحزاب العلمانية الجزائرية الخاسرة وادعوا أن الانتخابات فيها الكثير من التجاوزات من جانب جبهة الإنقاذ ، بل وقدمت طعون كثيرة بصورة مبالغ فيها حيث بلغت 341 طعناً قدمت فيها جبهة التحرير 174 طعناً ، وهولوا من خطورة هذه الطعون على مستقبل الجبهة حيث ستفقد أغلبية المقاعد التي حصلت عليها ، ولكن المجلس الدستوري رفض هذه الطعون وكان على وشك إعلان ذلك ومنعه من ذلك الأحداث اللاحقة .
3- أكثروا من الكلام حول امتناع حوالي نصف الناخبين عن المشاركة وأنهم ضد الجبهة ، وأن الفرصة سانحة لتعديل النتيجة في الدور الثاني ، ولكن هذا التحليل تهافت سريعاً ، حيث بدأت الأحزاب العلمانية تحذر من الخطر على الديموقراطية عندما تحكم جبهة الإنقاذ ، وطالب بعض الديموقراطيين بالغاء الانتخابات.
4- وفي النهاية تعلقوا بالأمل الأخير لحماية الديموقراطية والحفاظ على الدستور وهو الجيش الذي تتجاذبه النزعات الفرنسية والأمريكية .
5- ولقوة هذا الخيار فقد بدأوا بالكلام عن السيناريو والإخراج لهذا الترتيب ، حيث تحدثوا عن خلاف بين بن جديد والجيش واحتمال استقالة بن جديد ، وذلك بعد فشل الأحزاب العلمانية في محاولة جر الجبهة للاصطدام بها ، ليكون ذلك ذريعة لتدخل الجيش بدعوى حفظ النظام .
أما مراسل هيئة الإذاعة البريطانية فقد قال في سلسلة أحاديثه (الجزائر عشية أول انتخابات حرة) إن رئيس الوزراء هو مرشح الجيش لتشكيل حكومة ائتلاف ديموقراطي بعد الانتخابات ، وفي الحلقة الثانية شكك بقبول جبهة الإنقاذ لقواعد اللعبة الديموقراطية ، وفي الحلقة الرابعة تحدث عن الجماعات الإسلامية وأشاع دعاوى كاذبة حول إهدار الإنقاذ لدم محفوظ النحناح . وفي الحلقة الخامسة تحدث عن آيت أحمد المتفرنس البربري وعن تكتيكه الجديد وكيف أن مرشحيه صاروا يستعملون العربية الفصحى .
أما موقف الإعلام في شمال أفريقيا فهو كما يلي :

(48/75)


* بعد ظهور نتائج الانتخابات بدأت الصحافة الجزائرية الناطقة بالفرنسية وأجهزة الإعلام الأخرى التي يسيطر عليها الشيوعيون ؛ بدأوا بحملة ضارية ضد الجبهة وتخويف الناس من مستقبلهم إذا اختاروا الجبهة ، أما في المغرب فقد التزمت الصحف الرسمية الصمت في البداية ، مما يوحي بأنها لا تريد تحديد موقف متسرع وأن الأمر متعلق بأمور داخلية ، ثم تحول الأمر إلى هجوم على الأصولية .
* وفي تونس كانت الانتخابات محل اهتمام كبير لدى الأوساط السياسية والرسمية حيث جاءت النتائج مخالفة لما توقعته من فوز جبهة التحرير ، وأبدت تلك الأوساط قلقاً صريحاً من فوز الإسلاميين في الجزائر .
* وفي مصر عكست الصحافة القلق من هذه التطورات وأهمية اتخاذ المثال المصري للديموقراطية القائم على خنق الأفكار الإسلامية والسماح بأحزاب تحددها السلطة سلفاً .
أما وسائل الإعلام الغربية فإنها منذ بدء الانتخابات وهي تهول وتحذر من المد الأصولي القادم الذي سيخرب البناء الجزائري ، وسيعيد البلاد إلى عصور التأخر ، ولمحت بعض الصحف من جانب آخر إلى أن وصول الإسلاميين ربما يجعلهم يهتمون بالسلاح النووي ، وفي برنامج أسبوعيات الصحافة البريطانية ، الذي أذيع في يوم الجمعة 28/6/1412 هـ (3/1/1992م) نقل البرنامج العديد من وجهات النظر البريطانية المتشنجة وفيها صحيفة (اليوربيان) التي أسسها اليهودي "ماكسويل" ، التي نشرت تحليلاً يثير الخوف والهلع من استلام الإسلاميين ، وقالت بأن الجيش سيتولى الحكم وسيحكم مجلس مكون من جنرالين ورائد وهم وزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس الشرطة السرية حتى لا يتمكن الإسلاميون من الحكم .
أما (الايكونومست) فقالت بأن الجزائريين لن يصمتوا حيال حكم مستبد جديد بدل حكم مستبد سابق .

(48/76)


أما فرنسا فقد تعاملت في البداية بحذر يعكسه ما نسب إلى الأمين العام لوزارة الخارجية حين قال : "إن بلاده تعتبر ما تشهده الجزائر قضية داخلية فرنسية نظراً لامتداداتها داخل فرنسا ، وأضاف بأن علاقاتنا بالجزائر ثابتة لا تتأثر بعوامل ظرفية مؤقتة" . ويوضح الخلاف الحاصل في الوقت الحاضر بين فرنسا والحكومة الانقلابية تحسس فرنسا من عدم ثبات النظام الجديد ، وبالتالي لا تريد التورط معه في علاقة تؤثر على مستقبل العلاقات ، وقد يكون الانقلاب أمريكياً يقصد منه إبعاد الإسلاميين وأيضاً النفوذ الفرنسي ، ولا ننسى انقلاب عبد الناصر الأمريكي على النفوذ البريطاني في مصر .
الموقف الإيراني :
كانت السياسة الخارجية الإيرانية ناجحة كعادتها في محاولة توظيف الأحداث التي تحدث في العالم الإسلامي لصالحها ، وقد استفادت إيران كثيراً من قضية سلمان رشدي رغم أنها ركبت هذه الموجة متأخرة ، وكانت الرابح الأكبر من حرب الخليج وتحطيم العراق ، وها هي تستفيد مما يعانيه السودان من ضيق اقتصادى ، وهي الآن تحاول الاستفادة من أحداث الجزائر وتوظيفها لصالح النفوذ المتزايد لشيعة إيران ، حيث تظهر بمظهر الحكومة الوحيدة التي تتبنى التحولات الحاصلة نحو الإسلام . مع أنهم في الحقيقة لا يحبذون قيام حكومة سنية في الجزائر كشأنهم مع أفغانستان ، ولكنه موقف سياسي ، وقد وقع 170 نائباً إيرانياً رسالة أوضحوا فيها دعمهم الكامل للشعب الجزائري ، ولذلك وصلت الأمور بين البلدين إلى سحب الجزائر سفيرها في طهران ، ولا يسعنا هنا إلا أن نقول للإخوة في جبهة الإنقاذ : حذار من إيران .
جبهة الإنقاذ بعد الانقلاب :

(48/77)


من المؤكد أن ما جرى كان احتمالاً وارداً ، ولكن الجبهة استفادت من الخيار المطروح لتثبت للعالم أن الشعوب تريد الإسلام ، وأيضاً تريد إحراج أدعياء الديموقراطية في كل مكان وبالتالي كان تعاملها مع النظام الجديد بحكمة ، فقد حرصوا على أن لا يُجَرُّوا بالاستفزاز حين بدأ النظام بحملة اعتقالات القصد منها استفزاز الجبهة لردة فعل تكون مبرراً لضربة عنيفة ، وقد توجت هذه الحملة باعتقال الشيخ عبد القادر حشاني الرئيس المؤقت للجبهة يوم الأربعاء 18 رجب 1412 هـ (22/1/1992م) بتهمة تحريض الجيش على التمرد ، وكانت هيئة الإذاعة البريطانية قد أجرت مقابلة معه قبل اعتقاله بقليل أوضح فيها أن الجبهة لن تتخلى عن اختيار الشعب لها .
وإننا نرجو الله -سبحانه وتعالى- أن ينصر عباده المخلصين وأن تصمد الجبهة أمام هذه الهجمة ، وأن تستمر متماسكة وتعود أقوى مما كانت ، وإننا على ثقة بنصر الله ، والله غالب على أمره ، ولا ننسى قوله تعالى :
((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ..)) .
الهوامش:
1- الأسبوع العربي 6 / 1 / 1992 .

كتب
أقوال العلماء في كتاب:
إحياء علوم الدين
اختيار: أم قتيبة
إن كتاب إحياء علوم الدين للشيخ أبي حامد الغزالي المتوفى سنة (505 هـ) رحمه الله وعفا عنه ، وهو كتاب عرفه العامة و المثقفون والعلماء والجاهلون ، وقد كثرت فيه أقوال العلماء سلباً وإيجاباً ، وقيل عنه بأنه يحتوي على أحاديث وآثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة ، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم ، وقد رأيت أن أورد أقوال بعض العلماء في هذا ، الكتاب:
1- الذهبي :
قال في "سير أعلام النبلاء"(1) :

(48/78)


"أما "الإحياء" ففيه من الأحاديث الباطلة جملة ، وفيه خير كثير ، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية ، نسأل الله علماً نافعاً ، تدري ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القرآن ، وفسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- قولاً وفعلاً..."
إلى أن قال معرضاً:
"وإياك وآراء عباد الفلاسفة ، ووظائف أهل الرياضيات ، وجوع الرهبان ، وخطاب طيش أصحاب الخلوات ، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة ، فواغوثاه بالله ، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم" .
2- ابن كثير:
قال في "البداية والنهاية"(2) عن الغزالي :
"وصنف في هذه المدة كتابه "إحياء علوم الدين" وهو كتاب عجيب ، يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات ، وممزوج بأشياء لطيفة من التصوّف وأعمال القلوب ، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب ، ومنكرات ، وموضوعات ، كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام ، فالكتاب الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمراً من غيره .
وقد شنَّع عليه أبو الفرج ابن الجوزي ، ثم ابن الصلاح ، في ذلك تشنيعاً كثيراً ، وأراد المازري أن يحرق كتابه "إحياء علوم الدين" وكذلك غيره من المغاربة ، وقالوا ، : هذا كتاب إحياء علوم دينه ، وأما ديننا ، فإحياء علومه كتاب الله وسنة رسوله ، كما قد حكيت ذلك في ترجمة من "الطبقات" ولقد زيَّف ابن شكر مواضع "إحياء علوم الدين" . وبيّن زيفها في مصنَّف مفيد ، وقد كان الغزالي يقول : أنا مُزْجى البضاعة في الحديث..".
3- ابن تيمية :
قال في "درء تعارض العقل والنقل"(3)

(48/79)


"ذكر أبو حامد في كتاب الإحياء كلاماً طويلاً في علم الظاهر والباطن ، قال : "وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى ، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهره ، ومنعوا التأويل ، وهم الأشعرية - أي متأخروهم الموافقون لصاحب "الإرشاد" - قال : وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعاً بصيراً والرؤية والمعراج وأنه لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط، وجملة من أحكام الآخرة،ولكن أقروا بحشر الأجساد والجنة ، واشتمالها على المأكولات" .
قلت -أي ابن تيمية - ، : تأويل الميزان والصراط ، وعذاب بالقبر ، والسمع والبصر ، إنما هو قول البغداديين من المعتزلة دون البصرية .
قال أبو حامد : وبترقّيهم إلى هذا الحدّ زاد الفلاسفة ، فأولوا كل ما ورد في الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية .
إلى أن قال : "وهؤلاء هم المسرفون في التأويل ، وَحَدُّ الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطَّلع - عليه - إلا الموفقون ، الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه ، ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه ، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه ، وما خالف أوَّلوه ، فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع ، فلا يستقر له قدم" .
قلت - أي ابن تيمية - : هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- شيء من الأمور العلمية ، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة. وهذان أصلان للإلحاد فإنَّ كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات" .
وقال رحمه الله في "مجموع الفتاوي"(4) في معرض كلامه في الصفات والأسماء ونقضه كلام الفلاسفة :

(48/80)


"وأبو حامد في "الإحياء" ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة وقال : إنهم أسرفوا في التأويل ، وأسرفت الحنابلة في الجمود ، وذكر عن أحمد بن حنبل كلاماً لم يقله أحمد ، فإنه لم يكن يعرف ما قاله أحمد ، ولا ما قاله غيره من السلف في هذا الباب ، ولا ما جاء به القرآن والحديث ، وقد سمع مضافاً إلى الحنابلة ما يقوله طائفة منهم ، ومن غيرهم من المالكية والشافعية ، وغيرهم من الحرف والصوت . وبعض الصفات مثل قولهم : إن الأصوات المسموعة من القراء قديمة أزلية ، وإن الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو منه العرش ، حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه ، وبعضها تحته ، إلى غير ذلك من المنكرات . فإنه ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالاً ظاهرها الفساد ، وهي التي يحفظها من ينفر عنهم ، ويشنع بها عليهم ، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها ، كما في هذه المسائل المنكرة التي يقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي ، فإن جماهير هذه الطوائف ينكرها ، وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها .
4- ابن الجوزي :
قال في "تلبيس إبليس" :(5)
وجاء حامد الغزالي فصنف لهم كتاب "الإحياء" على طريقة القوم ، وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها ، وتكلم في علم المكاشفة ، وخرج عن قانون الفقه ، قال : إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم -صلوات الله عليه- أنوار هي حُجُبُ -عز وجل- ، ولم يرد هذه المعروفات ! وهذا من جنس كلام الباطنية !
وقال في (منهاج القاصدين) (6)
واعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء ، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة ، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة ، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها ، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع ، والاغترار بلفظ مصنوع .
5- محمد ناصر الدين الألباني :
قال في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(7):

(48/81)


"وكم في كتاب "الإحياء" من أحاديث جزم بنسبتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي مما يقول الحافظ العراقي وغيره فيها : لا أصل له" .
الهوامش :
1- 19/339
2- 12/180
3- 5/347
4- 17/362
5- ص 186
6- المختصر ص 3
7- 1/18

الانصهار في حمأة التهلكة
د.عبد الله عمر سلطان
ما من يوم تطلع فيه الشمس ، إلا يزداد اليقين بأن هذه الأمة أُتيت من مقتل ، وجوبهت من جهة ضعف ، وتخاذلت عن صيحات التحذير ، وآيات النذير... ، فالقرآن الكريم ، منهجها الذي يجب أن تتحاكم إليه ، مليء بأخبار المهالك ، والفتن وأسبابها ، والسنة الكريمة أتت محذرة من الوهن وأسبابه ، والضمور ومقدماته.. والإخلاد للدنيا والانغماس في حمأتها كان في معظم الأطوار البشرية نتيجة لتمكن أمة وعلو كعبها وشأنها.. حتى إذا فرحت بما نالت وظفرت ، كان ذلك سبب زوالها وحقها...
أما أمتنا اليوم ، التي تفجر من تحت أقدامها خزائن الأرض فإنها حرقت كل مراحل النصر والتمكين واكتفت بالنعم ، كما ينقلب السفيه الأحمق في مال موروث لم يبذل فيه عرقاً ولا أنفق فيه جهدا أو كدحاً .
نحن أمة عالة على ثروتها ، وثروتها - ويا للبشاعة - خنجر يوجه إلى صدرها لإغراقها في التافه والسطحي والهامشي حتى فقدت كل أسباب المنعة والقوة ، وبدلاً من أن تكون هذه النعمة الموهوبة أداة بناء ، كانت أداة هدم ، وبدلاً من أن ترقى إلى وسيلة تمكين ، صارت قنطرة انكسار متتال .

(48/82)


نحن أمة حتى قرن مضى ، كانت تعيش التكافل وتشعر بأحاسيس الجسد الواحد.. ، وما إن انقلبت أعضاؤها في عصر الانحطاط إلى قبائل تسمى دولاً ، وعشائر تملك مقعداً في الأمم المتحدة ، حتى غُذي لدى الأغنياء شعور العزة والأنفة انطلاقاً من الثروة الزائلة ، وغرس في يقين الضعفاء هذا الحقد المريع على إخوانهم الميسورين لكونهم ميسورين... أصبح الغني لا يعرف قيمة سوى للدرهم والدينار... والفقير لا يلهث سوى من أجل ذلك البريق... بل وفي غفلة وجهل رضينا أن صارت دنانيرنا ودراهمنا أوراقاً خضراً نقش عليها الطاغوت الأمريكي عبارته الكاذبة "بالله نحن نثق In God We Trust" وأصبحنا لا نثق إلا بهذه الورقة القادمة عبر البحار... أليست التهلكة... كما رواها لنا أبو أيوب... حينما حمل رجل من المسلمين على الروم "فقال الناس : مه مه ، لا إله إلا الله ، يلقي بأيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، أو يبلى من نفسه !؟ إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، فلما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أحوالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ((وأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ)) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها دون الجهاد ، قال أبو عمران : - راوي الحديث - فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
التهلكة الإقامة والتركيز على مظاهر الزينة المنتفشة ، وترك رسالة الله في الأرض وحملتها يلاقون أبشع عصور السحق والاضطهاد .
التهلكة أن ترسم لنا جامعة ستانفورد "خطط التنمية" كما حصل في بعض الدول العربية ، ومن ثم تضع وزارات التخطيط زوراً اسمها على هذه الخطط...
التهلكة أن تهجم الأمة بلا ضابط ولا رادع نحو بيع العينة والأخذ بأذناب البقر، والرضى بالزرع ، وترك الجهاد .

(48/83)


التهلكة أن تصبح أمتنا نهباً للأعداء وعملائهم من البيادق المحلية الذين سقوا أمتنا المر والعلقم ، حتى أصبحنا كالقصعة تماماً والتي يحيط بها الواهنون من غثاء الأمم .
التهلكة أن تتحول آلاء الله ونعمه إلى وسيلة انتحار بطيء نتجرعه بحبور وننتظر مزيداً منه في مرحلة الغيبوبة التي لا بد أن تنجلي !!

منتدى القراء
محمد خير البشر
عبد الجبار الطعمة
محمد خير البشر ... حمد نور ظهر
به استنارت أرضنا ... والظلم قد ولى وفر
هو النبي المرتجى ... يشفع من هول سقر
ميلاده نبراسنا ... سيرته خير السير
طاعته واجبةٌ ... ومن أطاع قد ظفر
جبريل قد لقَّنه ... بالله آيات السور
أنزل دستورٌ لنا ... فيه النواهي والنذر
فيه أحاديث الألى ... مروا ولم يبق أثر
معجزة ظاهرة ... على المدى لا تندثر
هزت قريشا آيُهُ ... فأيقنت صدق الخبر
لانت وكانت قبله ... قلوبها مثل الحجر
سبحان من غيرها ... من بعد غي وبطر
به استعادت عزها ... وفاخرت كل البشر
وجاهدت بسيفها ... لم تخش في الله خطر
حولها الله من الـ ... ضعف ومن عيش كدر
إلى ليوث حرة ... أبت معاناة الضرر
فازت بجنت العلا ... عند مليك مقتدر
مقعد صدق لم يَدُرْ ... بِخَلَدٍ ولا عَبَر
قد نبذوا فانية ... حُفَّت بهول وخطر
إبليس قد زيَّنها ... وهي عجوز ذات شر
تبرز للطالب في ... أبلغ زي معتبر
كم أهلكت من بشر ... أردتهم وسط سقر
لكن عباد الله لم ... يصبهمُ منها شرر
فضل من الله لمن ... حباه لطفاً فغفر
فليغفر الله لنا ... فهو العفو المقتدر

استثمار المواقف
خالد السبيعي

(48/84)


أورد ابن حجر (في الميزان) قصة عجيبة ، ذكرها أبو محمد بن حزم لعبد الله بن محمد بن العربي ، والد القاضي أبي بكر ، "أنه - أي ابن حزم - شهد جنازة ، فدخل المسجد فجلس ، قبل أن يصلي ، فقيل له ، قم فصلِّ تحية المسجد ، ففعل ، ثم حضر أخرى فبدأ الصلاة ، فقيل له : اجلس ليس هذا وقت صلاة ، وكان بعد العصر : فحصل له خزي ، فقال للذي رباه : دلني على دار الفقيه ، فقصده وقرأ عليه الموطأ، ثم جد في طلب العلم بعد ذلك" .
لقد أجاد أبو محمد كما رأينا في التعامل مع هذا الموقف ، وحوله من خسارة إلى مكسب ، إن هذه القضية نموذج ساطع لفن التعامل مع المواقف واسثمارها .
ولا نستطيع في - الواقع - الاستمرار في الحديث عن الموقف واستثماره دون وضع تعريف محدد للمقصود به هنا ، فالموقف إذاً : "هو كل ما يتعرض له الفرد من أحداث ، ويتطلب منه اتخاذ قرار ، إيجابي أو سلبي ، تجاه هذه الأحداث ، ويكون له القدرة على اتخاذه" وبعبارة اخرى ، فالحياة : مجموعة مواقف .
إن استثمار المواقف يحتاج إلى منهج واضح ، لعلنا في هذه العجالة نلقي ضوءاً على بعض أسسه ، إن المبادئ (العقائد) التي يحملها الفرد ، والقيم التي تحكم تصرفاته ، والطباع الشخصية المحركة لدوافعه ، تمثل الأسس الداخلية التي يقوم عليها منهج الاستثمار المتوازن للمواقف ، فضعف الإيمان بالمبدأ - مثلاً - أو قوته ومدى سلبيته أو إيجابيته ، ونتائج التخلي عنه تحدد مدى قوة تأثير العامل .
كما أن هناك مؤثرات أخرى (خارجية) ، كالبيئة التي يعيش فيها الفرد والأصدقاء المقربين له ، والضغوط التي يتعرض لها سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية وغيرها كثير ، وسيكون استعراضنا هنا لأثر الأسس أو العوامل الداخلية (الفردية) وذلك لأنها المحدد النهائي لمدى الاستجابة (الاستثمار) وكيفيته .

(48/85)


فالأنَفَة - على سبيل المثال - طبع شخصي عند ابن حزم ، دفعته إلى تصحيح وضع خاطئ (جهل المرء بدينه) بإيجابية ملهمة - كما رأينا سابقاً ، وجعلته فيما بعد ممن يشار إليهم بالبنان .
والتعصب الأعمى للقبيلة. وكل تعصب أعمى - من القيم الجاهلية المعروفة إلا أن أثرها كما سيظهر في القصة التالية خطير وأي خير .
فقد أورد ابن كثير في (البداية والنهاية) رواية للبيهقي جاء فيها أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس ابن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال لبعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم أنصرفوا، وتكرر هذا الأمر ثلاث ليال، حتى قالوا: " لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود ، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته وسأله عن رأيه فيما سمع قال ابو جهل : "ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نسمع به أبداً ولا نصدقه !".
انظر إلى هذه القيم وماذا تفعل بالبشر !
أما عن أثر المبادئ - وهو الأهم - على استثمار المواقف فالشواهد عليه لا تحصى، وسنعرض لموقف فريد منها، لم يتكرر في القرآن الكريم، ولم يذكر صاحبه إلا في هذه السورة التي حملت اسمه ، إنه النبي يوسف -عليه الصلاة والسلام-.

(48/86)


وسنتوقف قليلاً عند هذا الموقف ونتأمله! كما وصفة الله -عز وجل- في محكم تنزيله . رزق الله يوسف -عليه السلام- بجمال أخاذ في الخلقة ، وعقل راجح ، وفصاحة في البيان و... مما جعله محط أنظار الناس . وسكن في بيت العزيز - حاكم مصر - بعد أن اشتراه بثمن بخس!! ، وأعجبت به امرأة العزيز : ((ورَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ * واسْتَبَقَا البَابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [يوسف 23-25] .
كانت الظروف كلها - مهيأة تقريباً لحدوث ما لا تحمد عقباه ، إن حب الشهوات طبع بشري عالجه يوسف -عليه الصلاة والسلام- وأزاله بالمبدأ السامي (طاعة الله) ، والذي هو عقيدة كل مسلم .
وختاماً فإن الفرد - منا - بحاجة إلى مبادئ صحيحة يعتقدها وتنير دربه ، وقيم صالحة
ينتقيها ، وطباع بشرية يهذبها ، ليكون الاستثمار الأمثل للحياة .

نحو وعي إسلامي سياسي
عبد الرحمن البشير
إلى الأمة المسلمة، إلى الأمة العربية: أي إسلام تريدون؟ أتريدون الإسلام المستأنس، أم إسلام الخوارج ، أم إسلام الكتاب والسنة ؟

(48/87)


لأن الإسلام من عند الله الذي لا يحابي أحداً ، ولا تكريم عنده إلا للتقي ، ولأن التقوى منزلة عزيزة المطلب ولأن حب التسلط من طبع البشر ولا يتخلص إلا القليل منهم من نوازع نفسه وحب ذاته؛ ولأن الآية والحديث سيف في يد قائلهما ؛ لكل ذلك لا بد للسلطان الذي يحكم الهوى أن يستأنس إسلاماً يسانده في سلطانه ويحقق منافعه ويستخدمه سلاحاً ضد أعدائه . وعملية استئناس الإسلام عملية قديمة قدم الانحراف عن منهج الكتاب والسنة، وستستمر ما بقي سلطان في الأرض يحكم بالإسلام اسماً، وبالقرآن رسماً وبالمصالح والأهواء عملاً وواقعاً .
والمستفيدون من ذلك يرون لزاماً عليهم أن يقربوا رجالاً يتزينون بزي الدين فينطقونهم حيث يردون ويسكتونهم حيث يشاؤون ، ويضع هؤلاء لهم من الفتاوى ما يناسب أذواقهم وأهواءهم ، ويفصلون لهم من الدين أثواباً على قياسهم ، ولذلك فالاسلام المستأنس إسلام عجيب ، إذا كان السلطان يطبق النظام الشيوعي كان الإسلام المستأنس شيوعياً وكذلك إذا كان اشتراكياً لا ترى ولا تسمع إلا الأحاديث التي تشيد بالمساواة وآيات الإنفاق ، وإذا كان السلطان يطبق النظام الرأسمالي بكل احتكاراته وظلمه وغشمه لا تسمع إلا: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" .
واليوم حيث تتشابك السبل وتشتبه النصوص وتقل المعرفة ويستأنس علماء الإسلام بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى ، ويصنع لكل سلطان في كل بلد جبة إسلامية تناسبه في الشكل والموضوع يخرج فكر الخوارج من معاقله فنسمع عن جماعات التكفير والهجرة وعلى شاكلتها .

(48/88)


وإسلام الكتاب والسنة ليس هذا ولا ذاك ، إنه إسلام مهتد ينطق بالحق ولا يبرر الواقع ، ويصدع بالنص كما يريده الله ورسوله ، ولا يلوي عنقه ليوافق أهواء الناس . إسلام الكتاب والسنة هو الإسلام الكامل الذي أنزله الله لا يجامل أحداً ، ولا يستغله أحد ، يقوم عليه علماء نذروا أنفسهم لله وتواضعوا له فرفعهم وأخلصوا نياتهم فأشرقت قلوبهم بنور الوحي فعرفوا طريقهم وعظموا الله فذل كل جبار في أعينهم ، وتواصوا بالمرحمة فعلموا الجاهل وأرشدوا الحائر وصبروا على إساءة الظالم طمعاً في هداية الخلق ورغبة في ثواب الخالق ، فأي إسلام تريدون يا أمتنا .

من نشاطات المنتدى
أقام المنتدى الإسلامي بلندن يومي السبت والأحد 21- 22 جمادى الآخرة الملتقى الثقافي الحادي عشر . وقد استضاف فيه الشيخ الدكتور محمد بن سعيد القحطاني أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى ، والشيخ الدكتور يوسف عبد الله الوابل أستاذ العقيدة بالمعهد العلمي بمكة المكرمة . وقد اشتمل الملتقى على المحاضرات :
* الخلاف في العقيدة : جذوره - أسبابه - علاجه
* علاقة المسلمين بغيرهم .
كما شارك الشيخان الفاضلان في ندوة عن "قضايا التكفير وضوابطه" بالإضافة إلى فقرات أخرى . واختتم الملتقى بلقاء مفتوح مع أسئلة المشاركين .
هذا وقد توافد إلى الملتقى أعداد كبيرة من الرجال والنساء من جميع أنحاء بريطانيا .
كما زار الشيخ محمد سعيد القحطاني مدينة شيفيلد في وسط بريطانيا ، وألقى فيها محاضرة عن "ثوابتنا ضد المتغيرات الجديدة" ولنفس الغرض زار الشيخ يوسف الوابل مدينة بورتسموث في جنوب بريطانيا .
والمنتدى الإسلامي يشكر الشيخين الفاضلين على هذه الزيارة المفيدة ، وعلى المحاضرات القيمة ، ويشكر جميع الإخوة الذين شاركوا في الملتقى .
كما نعلن للإخوة أن أشرطة المحاضرات السابقة متوفرة ، ويمكن طلبها من مكتبة المنتدى.

بريد القراء
* الأخت نجوى دمياطي :

(48/89)


شكراً لك على مشاركتك الجيدة والمستمرة للمجلة ، ونعتذر عن نشر مقالك الأخير "قرأت لك" لأن المقال خرج طويلاً جداً ولأنه لم يراع الأسلوب المناسب لعرض الكتب حيث خرج بشكل مختارات من الكتاب وليس عرضاً له ونرحب بمشاركتك مستقبلاً .
* الأخ محمد محمد بدري :
نشكرك على مشاركتك الجيدة في المجلة ونعتذر عن نشر مقاليك الأخيرين ، لأن الكتاب الذي عرضته "رؤية إسلامية في أحوال العالم الإسلامي المعاصر" لم يعد جديداً الآن . والمقال الآخر عن الشرك قد كثر الحديث عنه على صفحات المجلة كما تعلم ، ونرحب بمشاركاتك مستقبلاً ، شاكرين لك اهتمامك بالمجلة .
* الأخ أبو عبد الرحمن الحمروي :
كتب مقالاً يحذر فيه من تقصير كثير من الشباب في أمر العبادة وبخاصة الخشوع في الصلاة معتذرين بقصة عمر -رضي الله عنه- أنه كان يجند الأجناد ، وهذا إذا كان حدث لعمر -رضي الله عنه- مرة واحدة فكيف تجعلون منه قاعدة في تشاغلكم عن الروحانية في الصلاة بما ترونه إهتماماً بالدعوة فالذي يهتم بالدعوة أولى به تمام الاهتمام بالصلاة والخشوع فيها .
* الأخ محمد سعود الطيار:
نشكرك على ثقتك ونسأل الله أن نكون عند حسن ظن كل مسلم ، أما عن المنتدى فليس له معهد لدراسة اللغة الإنجليزية وبه مدرسة إسلامية باللغة الإنجليزية والعربية ، أما اللقاءات الإسلامية فهي في أوقات متعددة خلال كل عام والدورة الشرعية خلال شهر أغسطس .

الصفحة الأخيرة
قَدَرُنا وقَدَرُهم
عبد الله القحطاني

(48/90)


حملت وكالات الأنباء الغربية في نفس اليوم الذي اعتقل فيه زعيم جبهة الإنقاذ المؤقت خبراً مفاده أن نحو مائة من رؤساء الزوايا الصوفية في الجزائر أعربوا عن تأييدهم للمجلس الأعلى للدولة ورئيسه بوضياف ، وأصدر هؤلاء بياناً بعد اجتماع عقد في "ادرار" ، في الصحراء الجزائرية..وأضاف الخبر مُعرِّفاً بهذه الزعامات : "والزاوية مركز لتعليم القرآن تقام عادة في جوار ضريح أحد الأئمة، وتحمل اسمه، وكانت رابطة العلماء بقيادة ابن باديس قد نددت في الماضي بالزوايا وعلمائها بعد الاشتباه بتعاونها مع السلطات الفرنسية (1830 - 1862) .
هذا الخبر والتعريف بالطرق الصوفية الخرافية يقدم مستنداً جديداً على تخاذل هؤلاء المشعوذين الراقصين على جراح وآلام المسلمين كلما ضرب دف المستعمر ، وأذناب الاستعمار السمر!! وكأن قرنين من العمالة والارتماء في أحضان القراصنة الصليبيين لا تكفي لتأتي حركات وجماعات الخرافيين بدليل آخر على خيانتها وتآمرها وطعنها في ظهور الأحرار والصادقين ، ولتؤكد على أن هذه العقليات لا تزال تحكم شيوخ الرقص والموشحات الآكلين من موائد أعداء الأمة الذين يرون فيهم عوناً لهم على تحقيق أغراضهم. أما أهل السنة والجماعة في جزائر الأحرار فهم لا يعرفون تحت هذه الظروف للنوم طعماً، أو للقمة شهية، أو لمتاع الدنيا الرخيص متعة ، لقد رأوا في سلف هذه الأمة نماذج لا تنطفئ: الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء الأعلام الذين لم يخضعوا لظالم، ولم تكن تأخذهم في الله لومة لائم. وكلمات ابن تيمية لا زالت حية تنطق :"ماذا يفعل أعدائي بي أنا جنتي في صدري..إن سجني خلوة ، ونفيي سياحة وقتلي شهادة" !

(48/91)


قدر هذا الفريق أن يبقى رافعاً لواء السنة والجماعة على مر العصور ، ومدافعاً عن هذا الدين ، مجاهداً في سبيله ، ولهم الفضل ، بعد الله ، بأنهم يحفظون هذا الدين غضاً كما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه إلى يوم الدين ، لا يصدهم عن دين الله من خالفهم أو من خذلهم.. أما قدر الخرافيين والراقصين في الموالد والمآدب فهو العمالة والذل والاندحار عند كل نازلة تنزل بأهل الإسلام ...
تمت بعون الله والحمد لله

(48/92)


مجلة البيان – العدد 49 ، رمضان 1412هـ / مارس 1992م

الافتتاحية
وا إسلاماه
إن ما يجري في المنطقة العربية من إبعاد للإسلام وأهله خاصة عندما يكون له التأثير والفاعلية ، وبشكل صفيق ومكشوف ، وبتحد واضح لمشاعر المسلمين ، هذا الإبعاد قد لا يحتمله إنسان إلا أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان ، عامراً بالثقة بالله ونصره، ينظر إلى الأمور دائماً نظرة التفاؤل ويعتبر أن هذه الأحداث إنما هي إرهاصات وابتلاءات حتى يقوى عود المسلمين ويشتد ساعدهم ويزدادوا خبرة وحكمة .
ليست هذه صرخة عاطفية ، فالتكالب الذي يدور على المسلمين من البعداء والأقرباء لا بد أن يقابله استثارة الهمم والعزائم وفتح الأعين والآذان، وإصغاء القلوب والعقول، والتفكير جدياً بما يجري، فالرئيس الفرنسي (ميتران) يناقش موضوع تصاعد الموجة الأصولية الإسلامية في المنطقة وخطورتها على استقرار دول المنطقة عموماً فهل هناك تدخل في شؤون الآخرين أشد من هذا ، وهل هناك أسوأ من تصوير المسلمين بأنهم (برابرة متوحشين) خطرين على استقرار المنطقة !؟ وهل المنطقة مستقرة بالأحزاب العلمانية والدكتاتورية العسكرية؟!
ألا يحق لنا أن نصرخ بها والمنطقة العربية تعيش من عشرات السنين في دوامة القهر والتخلف والحروب الأهلية الطاحنة : لماذا هذه المنطقة بالذات يجب أن تعيش الاستبداد والفقر والتفرقة، ويتسلط عليها العساكر إرضاء لأعداء الله وتمسكاً بالسلطة، وتحطيماً لقدرات الشعب ونفسياته ، كيف يُسخَّر هؤلاء لهذه المهمة القذرة ، وكيف تربوا على هذه النفسية اللا إنسانية، ألا تستحق ظاهرة الجيوش هذه أن تدرس، ولماذا يخالفون أوامر الله ولا يشعرون بالمسؤولية قبل أن يضربوا إخوانهم المسلمين، أم أنهم كما صرحت مندوبة الولايات المتحدة في هيئة الأمم المتحدة عندما سئلت عن سبب دعم بلادها لأنظمة قمعية ، فأجابت : "صحيح إنهم دكتاتوريون ولكنهم ديكتاتوريونا"(1) .

(49/1)


ألا يحق لنا أن نقولها ونحن نسمع أن أقصى أماني الوفد الفلسطيني إلى ما يسمى مؤتمر السلام هو أن يعترف به الوفد اليهودي ويجلس معه على طاولة واحدة ، ويهاجر إلى إسرائيل 25 ألف طبيب و 112 ألف مهندس و 12 ألف عالم وباحث و 170 ألف أكاديمي ، ونحن في البلاد العربية نهجّر العلماء والباحثين إلى أوربا وأمريكا ، أو يقبعون في زوايا النسيان في أوطانهم ، كل هذا بسبب مخالفة في الرأي .
لماذا يسمح في الغرب لأحزاب تتسمى باسم (النصرانية) أن تحكم وفي البلاد العربية (لا) ، وإسرائيل تقوم على أسس دينية وغيرها ممنوع ، ولماذا يسمح (للكرواتيين) بالاستقلال عن الصرب والمسلمون في (البوسنة والهرسك) غير مسموح لهم ، بل أن أوربا تساعد الصرب على ضربهم ؟!
ونحن في هذه الحالة المؤسفة نرى أن بعض المشايخ والدعاة يتباكون على موضوع تغطية المرأة وجهها أو موضوع عدم (الاختلاط) ويعتبرون هذا من التزمت ، وكأن هذه مشكلة المسلمين الكبرى ولا يتكلمون عن الحريات التي تخنق، والإسلام الذي يبعد، ولا على الشباب المسلم الذي يضيق عليه، لماذا يسكت هؤلاء (الكبار) عندما يظلم إخوانهم، ويخرجون على الناس بأحاديث ومقالات يمدحون فيها من ساعد على ظلمهم ، أما الكتاب (الصحفيين) الذين يملأون الدنيا جعجعة حول (فهمهم للإسلام) وأنهم مفكرون ، هؤلاء لم نحس لهم صوتاً عندما يضرب الإسلام في بلد من بلاد المسلمين .

(49/2)


إن حقوق المسلم أكبر بكثير مما نتصور، يقول علماء الفقه الإسلامي : لو أنفقت الدولة خزينتها على فداء أسرى المسلمين من الكفار ما كان هذا كثيراً ، وعندما رجع المنصور بن أبي عامر من إحدى غزواته في شمال الأندلس قابلته امرأة مسلمة على أبواب قرطبة وقالت له : إن ابني أسير عند النصارى ويجب عليك أن تفديه أو تأتي به ، فما دخل المنصور قرطبة ورجع بجيشه حتى فك هذا الأسير ، وليست كرامة المسلم فقط هي المحفوظة في الدول الإسلامية بل يتعداها إلى حفظ كرامة كل مواطن ، يقول ابن حزم في حق المواطنين من غير المسلمين (أهل الذمة) : "إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لما هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"(2) .
فإذا كان هذا في الذمي فكيف بعلماء المسلمين الذين يهانون ويضربون والأمة الإسلامية لا تفزع لهم ولا تنادي بأعلى صوتها للمفسدين والطغاة أن كفوا أيديكم عن الدعاة والعلماء ، ولكن الحقيقة أن المسلمين بمضيعة فلا دولة تهابهم ولا أحد يحسب حسابهم ، وذلك لما تفرقوا وتحزبوا وأكثروا من الكلام وأقلوا من الأفعال ولاذ كثير ممن يشار إليهم بالبنان في ظل مؤسسات لا تريد للإسلام عزاً ، ضعفاً منهم وإيثاراً للدنيا ، ولما لم يفقهوا سنن التغيير وكيف يصلون إلى درجة من المهابة في صدور أعداء الله .

(49/3)


إن وقوف الغرب بقضه وقضيضه في وجه اختيار المسلمين لدينهم ، وأن يكون حاكماً لحياتهم لهي حرب ثانية خلال أقل من سنتين ، وقد علق أحد الدبلوماسيين العرب على ما وقع أخيراً قائلاً : "الغرب نفسه لا يقبل بذلك (الديموقراطية بالمفهوم الغربي) لأنها تعني في الحد الأدنى شيئاً من السيادة سياسياً واقتصادياً على الأقل وليس مسموحاً أن يكون - حتى اليوم - أي موقف عربي سيد نفسه"(3) إذن القضية ليست مع نفر قليل من العبيد الذين باعوا أوطانهم في سبيل الجاه والمال والشهوات وأهم شيء عندهم هو إمتاع أسيادهم بكثرة المذلة ، ولكن القضية هي أننا في صراع مع الغرب ، وهذا بحاجة إلى إعداد طويل وبحاجة إلى حشد وتكتُّل والتفاف حول قيادات إسلامية راشدة عندها علم بالمصالح والمفاسد وترجيحها ، ومعرفة بسنن الله في الكون ، وعلم بواقع المسلمين والعالم ، والسير ضمن هذه المتغيرات الدولية السريعة . إن كل القيادات المخلصة مدعوة للالتقاء والتحاور حتى يصل المسلمون إلى مرحلة يسمع لهم ويهاب جانبهم . فالغرب شديد المكر ويملك قوة مادية هائلة. وما يسمى النظام العالمي الجديد إنما يطبق على المنطقة العربية لا سواها ، وليس صحيح أن العالم سيحكم من قطب واحد ، فالمتغيرات سريعة ، والصراع الاقتصادي بين أمريكا واليابان أو بين أمريكا والكتلة الأوربية بات واضحاً ، ووصل الأمر برئيس وزراء اليابان أن يصرح بأن : "الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى الصداقة والعطف في هذا الظرف الاقتصادي السياسي العصيب"(4). وقد أغاظ هذا التصريح الأمريكيين واعتبروه تعالياً عليهم وقد هدد أحد مستشاري البيت الأبيض سابقاً بأنه "إذا قام تكتل شرقي (اليابان ومن حولها) فسنطلق النار على رجليه"(5) ولا يزال المسلمون - ضمن هذه المتغيرات - يملكون أوراقاً رابحة إذا أحسنوا التصرف .

(49/4)


وإننا لنتسائل أخيراً ، هل الذين يقفزون إلى السلطة على ظهر دبابة أو عربة مجنزرة ، هل هم وطنيون فعلاً أم إنهم أداة رخيصة بيد غيرهم ، والجواب يعرفه أقل الناس دراية بالسياسة ، فهذا الهدم للأوطان وهذا التخريب الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يقوم به وطني فضلاً عن أن يقوم به مسلم يؤمن بالإسلام ديناً مهيمناً . وإن إبعادهم للإسلام بحد ذاته دليل على الخيانة ، لأن الإسلام هو هوية هذه الأمة وهو مصدر عطائها وهو كل شيء .
الهوامش:
1- الحياة 25/1/92
2- د. عبد الكريم زيدان : الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية ص 69
3- الشراع 20/2/92
4- الأسبوع العربي 27/1/92
5- الكفاح العربي 20/1/92

آية من كتاب الله :
((ولا تَجَسَّسُوا..))
الشيخ : عبد الله بن حسن القعود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فلقد أنزل الله القرآن الكريم هداية ورحمة وبياناً وحجة وذكراً وموعظة . أنزله ليعرف الناس به ربهم ، وليعبدوه تعالى العبادة الحقة التي خلقوا لها والتي أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه . أنزله ليؤخذ كلاً لا بعضاً ، ليؤخذ مُعتقداً وسلوكاً وعبادة ومعاملة وتحاكماً بل خلقاً وآداباً . ولقد أنزل الله تعالى في هذا القرآن سورة عظيمة المعنى كبيرة القدر تضمنت حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة المترابطة المتشادة فيما بينها ((أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ..)) .

(49/5)


تلكم سورة الحجرات المسماة بسورة الآداب والتي رغم قصرها النسبي نودي المؤمنون فيها بخمس نداءات ، نودوا فيها بأطيب الأسماء والأوصاف وأحبها إلى مسامعهم وأقواها لمساً لمشاعرهم واستجابة لقلوبهم ، نداءات تستحق أن تصيخ لها الآذان وأن تعقلها القلوب وأن تتحرك بمقتضاها الجوارح حسبة لله سبحانه وسيراً على منهاج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول الله سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِه)) ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا..)).
ولنأخذ في هذه العجالة التذكير بثلاث موضوعات أو ثلاثة آداب . آداب عظمى تلزم للمسلمين جميعاً جماعات وأفراداً مسئولين أو غير مسئولين ولا سيما في مثل هذا العصر الذي اختلط حابله بنابله ، ثلاثة مما تلا هذه النداءات الخمسة من أوامر أو نواهٍ ، فما من نداء مثل هذا إلا ويتلوه أمر بخير أو نهي عن شر كما قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- .

(49/6)


أول هذه الأمور ما تضمنه قوله سبحانه : ((إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا..)) أي تثبتوا في خبره، محصوه تمحيصاً بحق وعدل لئلا يكون كاذباً أو مخطئاً فيجركم ذلك إلى أن تصيبوا قوماً بجهالة . قوماً هنا نكرة تعم الذكر والأنثى والصالح والطالح عدلاً بين الناس وإحساناً إليهم وإحتراماً لدمائهم وأموالهم وأعراضهم، فتصبحوا على ما فعلتم من اعتماد على قبول خبر الفاسق فيهم نادمين معرضين للوعيد في قول الله سبحانه : ((والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثْماً مُّبِيناً)). فليتق الله المسلم ولا سيما المسئول وليأخذ بهذه الآداب "فتبينوا" ليتق الله من مطيته في النَّيل من الأبرار روايات وأخبار الفجار وليتذكر أن الإنسان كما يدين يدان - أي يجازى بمثل عمله .
ثاني هذه الأمور وثالثها ما تضمنه قوله سبحانه : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا..)) والظن الذي أمرنا هنا باجتنابه هو بمعنى التهمة التي لا يعرف لها أمارات صحيحة ولا أسباب ظاهرة ولا سيما إن كان المظنون به من أهل الأمانة ظاهراً والستر والصلاح وهو أي الظن بهذا الاعتبار حرام لقول سبحانه : ((اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ)) وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" .
ويشتد تحريمه ويعظم إثمة إذا جرّ الظان للتجسس على المظنون به التجسس الذي نهينا عنه بقول الله سبحانه : ((ولا تَجَسَّسُوا)) وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تجسسوا ولا تحسسوا" أي لا يبحث أحدكم عن عيوب وعورات أخيه .

(49/7)


يروى عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" . وفي كتاب أبي داود عن معاوية -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" .
وكفى هذه الفعلة قبحاً أن صاحبها كالذباب لا يكاد يقع إلا على المستقذرات والمنتنات والمستقبحات ذوقاً وعرفاً بل وشرعاً .
وكما يشتد تحريم الظن السيء ويعظم إثمه إذا جر الظان للتجسس على المظنون به فإنه يشتد ويعظم ويقبح أكثر وأكثر إذا أدى إلى نقل الظان عن المظنون للغير قولاً أو فعلاً أو أمر يشينه ولا سيما عند من بيده حول أو طول من الناس لارتكاب جريمة عظمى وداهية كبرى ، جريمة وداهية النميمة المعرّفة من العلماء أنها نقل كلام شخص لآخر على وجه التحريش والإفساد وأنها محرمة بإجماع أهل العلم لما جاء فيها من نصوص ولما فيها من إفساد وفساد .
ولا جرم، فلكم جرت من ويلات وأفسدت من صلات وكشفت من عورات. كم بذرت وتبذر من بذور للشحناء وأرست من قواعد للعداوة والبغضاء . كم خربت من بيوت عامرة وفرقت بين أسر مجتمعة وأزهقت من أرواح بريئة، ودرءاً لفسادها عن الأمة وحماية للأسرة المسلمة من آثارها جاءت نصوص الكتاب والسنة بتهديد ووعيد مرتكبيها ومستقبليها بقوله سبحانه ((ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)) ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا يدخل الجنة نمام" [متفق عليه] . وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بل إنه كبير ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" [متفق عليه ] .

(49/8)


فاتقوا الله إخوة الإسلام واحذروا داء النميمة والوشاية الداء العضال المفرق بين الأحبة الباغي للبرآء العيب. احذروه فإن إثمه كما سمعتم آنفاً مركب من عدة آثام. إثم الظن السيء أولاً ثم إثم التجسس ثانياً ثم إثم النقل ثالثاً . وإن تلاها الرابع وهو أخذ الأجر على ذلك كانت طامته ، لأخذه الأجر على إفساد ذات البين التي أمر الله أن تصلح يقول سبحانه: ((وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ..)) والذي لا يقل حرمة عن حلوان الكاهن ومهر البغي وثمن الكلب، رحماك اللهم يا رب! ولا حول ولا قوة إلا بك نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

الحركة الإسلامية
بين العاطفة والمنهج
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
شهدت العقود الأخيرة انتشاراً واسعاً للإسلام خاصة بعد سقوط الأقنعة ، وإفلاس منطق الزيف ، وتهافت الشعارات النفعية التي جرّت الأمة من نكسة إلى أخرى . وانخرط في صفوف الحركة الإسلامية عدد كبير من الناس على شتى المستويات العلمية والثقافية ، وظهرت آثار الصحوة المباركة في كل مكان بحمد الله وفضله.

(49/9)


وبدأ هذا المد يتنامى بصورة مذهلة ونجحت الحركة الإسلامية في كسب الشعوب وتحريكها لتبني الراية الإسلامية .. ولكن ماذا بعد ذلك..؟! هل استطاعت الحركة الإسلامية احتواء هذه الألوف من المنتمين إليها؟! هل استطاعت أن تنتقل بهم من المرحلة العاطفية إلى مرحلة أكثر نضوجاً وعمقاً ؟! هل قدمت المناهج الشرعية ، والبرامج العلمية لتربية هذه الأجيال ؟! للأسف الشديد استطاعت الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي أن تنتج رجالاً صالحين في أنفسهم... لكنها لم تنجح النجاح الذي نتطلع إليه في إنتاج رجال ناضجين عاملين ، يسعون بكل عزة لإنقاذ الأمة من كبوتها . ولا شك في أن الشعوب في منطقتنا الإسلامية محبة للإسلام بفطرتها ، وتستجيب استجابة عاطفية سريعة للنداءات المخلصة من رجالات الدعوة . لكن العاطفة وحدها لا يمكن أن تبني الأمم أو تحرر الشعوب . وإن اعتماد الحركة الإسلامية على عاطفة الجماهير وحدها سوف يؤدي مع مرور الوقت إلى ضمور هذه العاطفة وتآكلها ، حتى إذا أردناها لم نجدها... !! ولعل في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة ما يؤكد ذلك .
إذا فالعاطفة هي بداية الطريق وليست نهايته.. العاطفة الإسلامية هي المنطلق الذي تنطلق منه الدعوات... ثم يتبع ذلك عملية أكثر تعقيداً وصعوبة ، وأكثر أهمية وخطورة . وهي مرحلة التربية والإعداد.. مرحلة بلورة الفكر المنهجي لأبناء المسلمين بعيداً عن العشوائية والارتجال ، وبعيداً عن التقليد لشيخ أو العبودية لحزب... مرحلة ترشيد هذه النفوس المؤمنة بخطط علمية مدروسة ، ومناهج شرعيه مؤصلة ، تقودهم إلى فهم واع موضوعي بأصول الإسلام ومنابعه الكريمة، مبرأة من الآراء والتصورات البشرية، وخالية من الفلسفات والنحل المادية، وتقدم لها أيضاً رؤية واضحة ناضجة لواقع الأمة الإسلامية بخلفياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسبيل النهوض بها .

(49/10)


من مشكلة الصحوة الإسلامية أنها لا تتحرك وفق استراتيجيات ثابتة ومحكمة، تستشرف فيها آفاق المستقبل . بل لا زالت تنطلق بوحي من الخطب الحماسية والأطروحات الوعظية ... ولا تتجاوزها إلى غيرها . وأنا لا أنكر أهمية ذلك..لكن لا يجوز الاقتصار عليها، لأنها سوف تولد مع مرور الوقت أجيالاً هشة، ليس لها القدرة على الوقوف أمام الشبهات والفتن التي تحيط بها من كل جانب، خاصة في العصر الذي اختلطت فيه الثقافات ، وكشر الأعداء فيه عن أنيابهم .
ليس ضعف أمتنا بسبب قلة عددنا ، ولكن بسبب الغثائية التي أنهكتها وأصبحت تخدعنا عند الأزمات. وصدق في حقنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة" . وكما قال الشاعر :
ثمَّ لا يُغنون في أمر جلل ... يُثقلون الأرض من كثرتهم
إن ضعفنا بسبب التمزق الفكري والعبث المنهجي الذي نتخبط فيه ، حتى أصبحت معالم هويتنا هلامية باهتة في كثير من جوانبها لا نكاد نميزها على الاطلاق .
وإن غياب المنهج الشرعي الأصيل، وفقدان الضوابط العلمية ، واضطراب المقاييس الشرعية ؛ تؤدي حتماً إلى خلل فكري يحول طاقاتنا إلى طاقات مبعثرة هزيلة ، تنتهي بالأمة إلى الحيرة والقلق . والنجاح الحقيقي - الذي تشرئب له الأعناق، وتتطلع له الأفئدة - مستحيل بدون بذل غاية الجهد لتأصيل العقلية المسلمة تأصيلاً علمياً متكاملاً، لترتفع بهمومها وتطلعاتها إلى مستوى المرحلة التي تعيشها الأمة . والحركة الإسلامية بشتى فصائلها مطالبة بأن تجعل ذلك من أولويات البناء الذي تقوم به . ومعلوم أن هذا لن يتم في يوم وليلة ، كما أن رجلاً واحداً لن يستطيع القيام به وحده . بل يحتاج الأمر إلى جهود علمية كبيرة ، ودراسات تربوية مستفيضة.

(49/11)


والمسؤولون عن الصحوة الإسلامية ليسوا أفراداً مهما بلغت منازلهم ، فدين الله ليس حكراً على أحد ، ولكنه بعث عام يساهم فيه جميع المؤمنين ، وكل واحد منا له قيمته في دفع عجلة المسيرة الإسلامية ، لكنه يكتسب قيمته الحقيقية حينما يسخر كل ملكاته وقدراته في خدمة مبدئه ، ويفجر كل الإمكانات الكامنة في نفسه ليطوعها في مجالات الإبداع والعطاء لخدمة هذا الدين الحنيف .
علينا أن نفكر في أنفسنا جيداً ، وسوف نجد أننا بقليل من الحزم ، وقليل من الطموح ، وكثير من الإخلاص ، نستطيع أن ننجز أعمالاً عظيمة ما كنا نتوقعها . والمهم أن نبدأ.. أن نبدأ بروح واثقة وعزيمة صادقة ، وسوف نكتشف في أنفسنا أشياء كثيرة لم نكن نعرفها . وسنخطيء كثيراً ، لكننا سنستفيد من أخطائنا ، وعندها نجد أن الأبواب بدت مشرعة أمامنا تدعونا لمزيد من البذل والتضحية.. ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ)) .

التوسط في مسالك الدعوة والإصلاح
الشيخ : إسماعيل بن سعد بن عتيق
إن مما يدور على الألسن، ويتكرر على الأسماع قضية التجديد والإصلاح؛ فمن قائل بشموليته من القاعدة إلى الذروة ، ومن قائل بتخصص جانب من جوانب الإصلاح ، ومن مقتصر فلا هذا ولا ذلك وهذا قد أنسانا نفسه إذ نسي .
أما الأولون فقد راموا الكمال فعجزوا ، فكانت وصمة الإحباط إذ عجزوا عن المنال ، وتقاصروا دون الكمال . وأما الآخرون فقد كرسوا جهدهم بما يمتلكون . وآزروا الدعوة بما يستطيعون ، مستنيرين بقوله تعالى : ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) وقوله تعالى : ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا...)) .

(49/12)


بقي أن نتسائل عن المنطلقات والقواعد وأسس العمل الإسلامي فمتى اتفقت الجهات وتنوعت الأساليب لتحقيق الغاية وهي العبودية لله -عز وجل- فهذا منطلق التوحيد وقاعدة الإسلام . أما إذا حصل اختلاف في المنطلقات والقواعد والأسس فمن هنا يكون التشاجر والنزاع والخلاف كما حصل بين الأنبياء وأممهم ، فإن قاعدة الأنبياء ومنطلقاتهم هي إفراد الله بأنواع العبادة مما دل عليه صريح القرآن والسنة لقوله تعالى: ((قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ)).
وبحكم تقارب المسافات وتلاحم الشعوب على مصالحها المادية والاجتماعية فقد تقاربت الأفكار أو كادت ، مما جعل ظاهرة الحوار والجدل والمناقشات في أمور الدعوة أمراً يتطلبه توحيد الاتجاه والعبودية لله رب العالمين ، ولا يزال هذا الحوار في طور التكوين وذلك بوسائل الإعلام من نشرات ومجلات وكتب واتصالات وبعقد المؤتمرات والندوات واللقاءات الرسمية والشعبية ، وهذا يبشر بخير متى صفت النية وحسن القصد . وإن الفأل المعقود بوجود فئة مؤمنة تناست الألقاب والرتب المركزية متمثلة بقوله تعالى : ((قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)) ولكن هل هذه الفئة محل ثقة وأمانة وصدق وإخلاص لدى الكثير من الناس مما يجعل تولهم محل عناية وقبول . هذا ما يجب أن يكون .

(49/13)


وقد يستوضح سائل عن إجمال ما ذكرته من مخالف لقاعدة الإسلام ومنطلقه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فنقول : قد ذهب فئة من الناس إلى أن إصلاح القمة هو سبيل تحقيق الغاية والعبودية لله -عز وجل- ، فكانت صناعتهم السياسية وإرادة الحكم من غير تحقيق لمعنى العبودية لله -عز وجل- . ومن قائل بأن الإسلام يقوم على القواعد الشعبية ولا بد من إصلاح الفرد في سلوكياته وأخلاقه ومعاملاته فكان الجهد بدل الجهاد وكان التنسك الفردي هو غاية ما يستطيعونه وكلا الفئتين على طرفين يتوسطهما منهج السلف الصالح في تحقيق العبودية لله بإصلاح المعتقد ونبذ كل خرافة وبدعة ، بجانب التنسك والعبادة ومحاولة إقامة حكم الله وتنفيذ شرعه بالطرق المشروعة ، وبهذا تكون شمولية الإسلام وتحقيق قاعدة : لا إله إلا الله محمد رسول الله .

تربية
أسس تقويم المنهج
عبد العزيز صادق
أهمية التقويم :
يعتبر التقويم جزءاً أساسياً بالنسبة للمنهج حيث أن المنهج بمفهومه الشامل يتضمن ثلاثة جوانب رئيسية:
أولاً : تحديد الأهداف التربوية .
ثانياً : وضع الخطط والبرامج اللازمة لتحقيق هذه الأهداف عن طريق اختيار الطرق والأساليب المختلفة .
ثالثاً : عملية تقويم نتائج العملية التربوية بكافة أبعادها .
ومن ذلك يتبين كيف أن التقويم يعتبر جزءاً أساسياً في العملية التربوية . فهو يتأثر بالمنهج ويؤثر فيه .
فهو يتأثر بالمنهج على النحو التالي:
إذا كان المنهج يركز على البيئة أو المجتمع فإن عملية التقويم تنصب على دراسة التلاميذ للبيئة ومصادرها وطرق استغلالها . هل أتيحت الفرصة لهم للقيام بالرحلات التعليمية والزيارات الميدانية ؟ هل تكونت لدى التلاميذ بعض المفاهيم التي تسخر لخدمة المجتمع ؟ هل أحس التلاميذ بالمشاكل العامة للمجتمع ؟ وهل قاموا بالدراسات اللازمة للتغلب على هذه المشاكل ؟
ومن هذا يتضح لنا أن عمليه التقويم تتأثر بمفهوم المنهج .

(49/14)


ومن ناحية أخرى فإن التقويم بدوره لا بد وأن يؤثر في المنهج وفي العملية التربوية:
* فالتقويم الناجح هو الذي يؤدي إلى تغيير بعض الأهداف التربوية وتعديل بعض الأهداف الأخرى .
* وهو الذي يؤدي أيضاً إلى تغيير في الطرق والوسائل والأساليب التي تتبع.. والتقويم الناجح هو الذي يلقي الضوء على الصعاب والمشكلات التي تواجه عند القيام بعملية التربية ، كما يلقي الضوء على جوانب القوة والضعف فيها بحيث يؤدي ذلك في النهاية إلى تدعيم جوانب القوة ومعالجة جوانب الضعف ، وبذلك يكون التقويم أداة هامة من أدوات تطوير المنهج . وهذا الجانب بالذات يغفل عنه الكثيرون .
مفهوم التقويم
التقويم هو العملية التي يقوم بها الفرد أو الجماعة لمعرفة مدى النجاح أو الفشل في تحقيق الأهداف العامة التي يتضمنها المنهج وكذلك نقاط القوة أو الضعف في المنهج حتى يمكن تحقيق الأهداف المرجوة بأحسن صورة ممكنة .
فالتقويم ليس فقط تشخيصاً للواقع بل هو أيضاً علاج لما به من عيوب . إذ لا يكفي أن نحدد أوجه القصور في المنهج وإنما يجب العمل على تلافيها والتغلب عليها حتى لا تتكرر الأخطاء . وبذلك يكون الأداء في كل مرة أفضل من المرات السابقة .
مجالات التقويم
المفهوم القاصر للتقويم هو الذي ينصب على نقطة واحدة وهي مدى استيعاب التلميذ للمعلومات . ووسيلة هذا التقويم هي مجموعة من الاختبارات المتنوعة التي تقيس تحصيل التلميذ في هذه المعلومات .
أما المفهوم الصحيح للتقويم فهو ذلك الذي يركز على جميع جوانب النمو لدى التلميذ . كما يتعرض لجميع جوانب العملية التربوية والعوامل المؤثرة فيها . فهو بذلك يمتد إلى الأهداف التربوية، المنهج (المقررات، الكتب، الطرق، الوسائل، الأنشطة، الامتحانات)، التلميذ، المعلم، التوجيه الإداري، أماكن الدراسة.. الخ .
أسس التقويم
لا بد أن يقوم التقويم على الأسس التالية:
1-الشمول .
2- الاستمرارية .
3- التعاون .
4- التناسق مع الأهداف .

(49/15)


5- أن يبنى على أساس علمي .
أولاً - الشمول
يعتبر التقويم شاملاً إذا انصب على جميع الجوانب . فإذا أردنا أن نقوم أثر المنهج على التلميذ فلا بد أن نقوم مدى نمو التلميذ في كافة الجوانب وهي :
- الجانب العقلي ويتضمن القدرة على الاستيعاب وتفتح مداركه .
- الجانب الشرعي .
- الجانب الثقافي العام ومعرفة الواقع .
- الجانب الاجتماعي وعلاقاته المختلفة مع الآخرين .
-الجانب القيادي .
- الجانب الانفعالي .
-الانضباط .
- الاهتمام بالآخرين .
- الحماس والغيرة .
- الجانب البدني .
إلى غير ذلك من الجوانب المختلفة.
والتقويم الشامل للمنهج يجب أن ينصب على النقاط التالية :
-أهداف المنهج .
-البرامج الدراسية .
- المقررات الدراسية .
- طرق التدريس .
- الكتب الدراسية .
- الوسائل التعليمية .
- الأنشطة التربوية .
- أساليب ووسائل التقويم نفسها .
والتقويم الشامل لا بد أن يتعرض للمعلم أيضاً . فلا بد من التعرض للنقاط التالية :
- إعداده .
- تدريبه .
- شخصيته.
- مادته العلمية .
- طريقة تدريسه .
- طريقة تقويمه للتلميذ .
- علاقته بالإدارة .
- علاقته بزملائه المدرسين .
- علاقته بالتلاميذ .
فسواء انصب التقويم على المعلم أو التلميذ أو على المنهج فلا بد أن ينصب على جميع الجوانب في كل مجال من هذه المجالات .
وتطبيق هذا المبدأ لا شك أنه أمر صعب يتطلب قدرة عالية من الشخص الذي يقوم بالتقويم.
ثانياً - الاستمرارية
لا بد أن تستمر عملية التقويم مع مدة الدراسة وذلك يعني أن التقويم يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع التربية . وبالتالي فإن عملية التقويم التي تجري في صورة امتحانات في آخر العام الدراسي فقط هي عملية غير سليمة فيها إخلال بهذا الأساس .

(49/16)


وحيث أن عملية التقويم تهدف إلى التشخيص والعلاج فمن الواجب إذا أن تبدأ عملية التقويم مع بداية العام الدراسي حتى يمكن تحديد نواحي الضعف ونواحي القوة في جميع الجوانب وحتى يمكن ملاحظة وتتبع عمليات النمو على مدار العام وبالتالي يكون هناك متسع من الوقت للعمل على تلافي نواحي الضعف والتغلب على الصعوبات . وملاحظة التلميذ لمعرفة سلوكه ومشكلاته واتجاهاته لا تتم من مرة واحدة وإنما يجب أن تستمر الملاحظة لفترة طويلة حتى تكون النتائج صادقة .
أما التقويم الذي يتم في فترات محدودة في آخر العام أو في خلال العام ولكن على مرات قليلة جداً فلا يمكن أن تؤدي إلى عملية تشخيص سليمة .
وحتى لو توصلنا إلى تشخيص صحيح فإن الوقت قد يكون متأخراً لتحسين الوضع وتفادي الأخطاء .
أما إذا كانت عملية التقويم مستمرة مع فترة الدراسة فإن ذلك يساعد على التالي :
- تغطية جميع الجوانب المراد تقويمها .
- تحديد نقاط القوة أو الضعف (عملية تشخيص) .
- الكشف عن المعوقات والمصاعب .
- علاج نقاط الضعف وتدعيم نقاط القوة (عملية علاج) أولاً بأول .
- إتاحة الفرصة لاستعمال الوسيلة أكثر من مرة لكي يتم التوصل إلى نتائج ثابتة (صدق النتائج) .
- إتاحة الفرص لإشراك عدد كبير من الأفراد في عملية التقويم .
وهكذا تتيح استمرارية التقويم الفرصة لتدعيم الأسس الأخرى التي تبنى عليها عملية التقويم مثل الشمول ، التنوع ، الثبات ، التعاون .
ثالثاً- التعاون
يجب أن يكون التقويم تعاونياً أي يقوم به مجموعة من الأفراد . فمفهوم المنهج هو مجموعة الخبرات المربية التي تهيأ للتلميذ بقصد مساعدته على النمو الشامل وبالتالي فإن لقويم التلميذ في ظل هذا المفهوم يتطلب استخدام مجموعة من الوسائل المتنوعة كما يتطلب مجموعة من الأفراد كل في مجال تخصصه وذلك لمعرفة مدى نمو التلميذ في جميع الجوانب . ومن هنا أخذ التقويم طابعه الجماعي والتعاوني .

(49/17)


إذا أردنا أن نقوّم تلميذاً بهذا المفهوم فلا بد أن يشترك في تقويمه:
-المعلم .
- الإدارة .
- بقية التلاميذ .
- التلميذ نفسه.
وإذا أردنا أن نقوم المعلم فلا بد أن يشترك في ذلك:
- المدير .
- بقية المعلمين .
- التلاميذ .
وإذا أردنا أن نقوم الكتاب المدرسي بهذا المفهوم فلا بد أن يشترك كل من :
- المعلمين .
- الموجهين .
- رجال التربية .
- التلاميذ .
وهكذا نجد أن عملية التقويم تأخذ طابعاً جماعياً يقوم بها العديد من الأفراد فلا ينبغي أن يعتمد على تقويم فرد واحد مهما بلغ من العلم والكفاءة .
رابعاً - التناسق مع الأهداف
لا بد أن يكون التقويم متمشياً مع المنهج وأهدافه فلا ينبغي الخروج عن الأهداف أو التناقض معها .
فإذا كان المنهج يهدف إلى تكوين الشخصية التي تعمل على تطوير نفسها وتساهم مساهمة فعالة في تطوير المجتمع الذي تعيش فيه فإن عملية التقويم في هذه الحالة عليها ان تكشف لنا عن الجوانب التالية :
- هل تكوّن لدى الشخص اتجاه سليم يقود إلى التغيير ؟
- هل اكتسب الشخص القدرة على الربط بين الأحداث ومن ثم الحكم عليها ؟
- هل اهتم المنهج بتنمية القدرة على الابتكار والإبداع ؟
- هل أتيحت للشخص الفرصة لممارسة النقد الهادف البناء ؟
- هل اتيحت له الفرص لحل المشكلات بأسلوب علمي ؟
- هل هناك اهتمام فعلي للتحصيل والرغبة في الاستزادة ؟
- هل تكونت لديه عادة القراءة وحب الاطلاع المستمر الذي يعتبر نواة للتعلم الذاتي والتعلم المستمر ؟
فاذا انصبت عملية التقويم على كل هذه الجوانب الموضوعة في صورة أسئلة ، كل سؤال يفتح مجالاً معيناً ، فمعنى ذلك أن عملية التقويم تتمشى مع مفهوم المنهج وأهدافه . ولا ينبغي أن نركز على جانب معين في التقويم ونغفل باقي الأهداف .
خامساً - أن يبنى التقويم على أساس علمي
الأسلوب العلمي في التقويم أساس من الأسس الهامة جداً وأهم خصائص الاسلوب العلمي هي :
- الصدق .
- الثبات .
- الموضوعية .

(49/18)


- التنوع .
- التمييز .
-التخطيط .
- مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ .
وهذه العناصر ترتكز على الوسائل التي يتبعها التقويم ، ومن ثم فإنها تنعكس على التقويم ذاته . وسنتكلم في العدد القادم عن هذه العناصر ببعض التفصيل .
"يتبع"

القواعد الفقهية
(2)
عبد العزيز الحويطان
لمحة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية
يمكن أن نقسم تاريخ نشأة وتدوين القواعد الفقهية إلى ثلاثة أقسام هي : نشأة القواعد ، وتدوينها ، وتنسيقها .
طور النشأة
النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق من نطق بالضاد ، وقد أوتي جوامع الكلم ، ولذا كان كلامه - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحاديث عبارة عن قواعد فقهية باقية إلى قيام الساعة ، انظر مثلاً قوله - صلى الله عليه وسلم - : "العجماء جرحها جبار"(1) أو قوله "لا ضرر ولا ضرار"(2) أو قوله : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"(3) أو قوله "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم"(4) أو قوله : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (5) وكثير كثير من الأحاديث التي هي قواعد ثابتة تجمع فروعاً شتى في أبواب الفقه .
كما أن لبعض الصحابة كلاماً منظوماً بمثابة قواعد فقهية ، مثل قول عمر -رضي الله عنه- : "مقاطع الحقوق عند الشروط"(6) وقول ابن عباس : "كل شيء في القرآن أو ، أو فهو مخير ، وكل شيء "فإن لم تجدوا" فهو الأوَّل فالأول"(7) .
كذلك أثر كلام عن التابعين بمثابة قواعد في أبواب الفقه ، انظر مثلاً إلى قول شريح (76 هـ): "من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه"(8) أو قوله : "من ضمن مالاً فله ربحه"(9) وهو يماثل القاعدة "الخراج بالضمان" .
ومن التابعين أيضاً خير بن نعيم فقد روي عنه الليث بن سعد المقولة التي كانت قاعدة فقهية فيما بعد : "من أقر عندنا بشيء ألزمناه إياه"(10) .

(49/19)


وإذا نظرنا إلى كتب التابعين وجدناها مليئة بالأقوال العامة التي تأتي على نسق القواعد الفقهية ، ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث هو (كتاب الخراج) لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (182 هـ) . ففيه عبارات تتسم بسمات وشارات تتسق بموضوع القواعد منها :
1- التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره (11) .
2- كل من مات من المسلمين لا وارث له ، فماله لبيت المال (12) .
3- ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف (13) وهذا نظير القاعدة المشهورة "القديم يترك على قدمه" .
4- ليس لأحد أن يحدث مرجأ في ملك غيره ، ولا يتخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا مزرعة،إلا بإذن صاحبه ، ولصاحبه أن يحدث ذلك كله (14) . وهذا نظير القاعدة "لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه" .
5- لا ينبغي لأحد أن يحدث شيئاً في طريق المسلمين مما يضرهم،ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً مما فيه الضرر عليهم، ولا يسعه ذلك (1) والشطر الأول يتعلق بقواعد رفع الضرر كما سيأتي والثاني يتعلق بالقاعد: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" .
إذاً نستطيع أن نقول أن القواعد كانت موجودة آنذاك ولكنها كانت متناثرة لا تعرف بأنها قواعد، تأتي عفوية من العلماء، ولا شك أن هذا أدى إلى أن تكون هذه المقولات مصدر إنطلاق للمتأخرين في هذا المجال .
طور التدوين
لم تظهر القواعد الفقهية كعلم مستقل إلا في القرن الرابع الهجري . وذلك أنه لما اضمحل الاجتهاد وظهر التقليد بدأ كل أناس بدراسة مذهبهم ، واستخراج الفنون من أمثال : الفروق والحيل والألغاز والقواعد الفقهية .
وما يشهد له التاريخ أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار ولعل ذلك يرجع لتوسعهم في الفروع(16) .

(49/20)


أما أقدم نص وصل إلينا في تدوين القواعد الفقهية كعلم، ما ذكره العلائي الشافعي والسيوطي وابن نجيم في كتبهم عن القواعد : "أن الإمام أبا طاهر الدباس من فقهاء القرن الرابع الهجري ، قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في تسع عشرة قاعدة كلية ، وكان أبو طاهر - رحمه الله - ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس ، وذكروا أن أبا سعد الهروي (488 هـ) - شافعي - قد رحل إلى أبي طاهر ، ونقل عنه بعض هذه القواعد ، ومن جملتها القواعد الأساسية المشهورة وهي:
1- الأمور بمقاصدها
2- اليقين لا يزول بالشك
3- المشقة تجلب التيسير
4- الضرر يزال
5- العادة محكمة(17،18) .
ولعل الإمام الكرخي (340 هـ) قد اقتبس بعض القواعد من الإمام الدباس وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على سبع وثلاثين قاعدة ، ولعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن (19) .
وجاء بعدهم الإمام أبو زيد الدبوسي (430 هـ) حيث ألف أول كتاباً في هذا الفن وهو يمثل بداية هذا العلم من ناحية التدوين ، واسم كتابه "تأسيس النظر"(20) . وفي القرن السادس عشر لم يحفل بمؤلفات في هذا الفن ما عدا كتاب السمرقندي (540 هـ) وهو (أيضاً في القواعد) ، أما القرن السابع فقد برز فيه هذا العلم بشكل واضح وخرج فيه كم من المؤلفات منها كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للعز بن عبد السلام (660 هـ) .
أما القرن الثامن فيعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية، ومن المؤلفات التي خرجت في هذا القرن: الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي كذلك القواعد في الفقه لابن رجب الحنبلي، والقواعد للمقري وغيرها كثير.
وفي القرن التاسع جدّت المؤلفات على المنهاج السابق مثل كتاب ابن عبد الهادي (880 هـ) (القواعد والضوابط) .

(49/21)


وفي القرن العاشر رقي فيه التدوين بخروج مؤلفات العلامة السيوطي (910 هـ) مثل الأشباه والنظائر ، كذلك كتاب ابن نجيم (970 هـ) (الأشباه والنظائر الذي ألفه بعد انقطاع للحنفية عن التأليف دام قروناً(21).
هذه لمحة عابرة عن مسار التأليف في هذا الفن منذ القرن الرابع إلى القرن العاشر الهجري. لكن السؤال الحري بالإجابة: من قعد في هذه الفترة هل قلد من سبقه ؟ أم أنه أتى بجديد في هذا العلم؟
والإجابة على هذا السؤال أن نقول أن الاحتمالين واردان ، فهناك بعض العلماء نقح في هذه القواعد وزاد في دقتها وقلل من مستثنياتها ، مثل الإمام النووي (676 هـ) . وفي نظرة عاجلة على كتابه المجموع نجد أنه ذكر قواعد منها :
1- أصَّل الفروع الكثيرة بناء على القاعدة المشهورة (اليقين لا يزول بالشك)(22) .
2- من القواعد الشهيرة "الأصل في الأبضاع التحريم" ذكر في فروع منها : "إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا خلاف ، سواء كن محصورات أو غير محصورات لأن الأصل التحريم ، والأبضاع يحتاط لها ، والاجتهاد خلاف الاحتياط" (23).
3- أشار إلى قاعدة ترجيح المحرم على المبيح عند اجتماعهما في قوله: "إن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية"(24) .
4- ما نقله عن الإمام الجويني : "أنه إذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى" كما جاء في النص التالي : "من فاته صلاة في زمن الجنون والحيض فإنه لا يقضي النوافل الراتبة التابعة للفرائض كما لا يقضي الفرائض... لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة مع إمكانه ، فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى…"(25) .
كذلك الإمام ابن القيم، له جهد وباع في تنقيح ودقة بعض القواعد الفقهية ، وفي نظرة عاجلة على كتابيه "إعلام الموقعين" و "بدائع الفوائد" يلمس المرء جهده الطيب في هذا المجال ، من ذلك:

(49/22)


1- (إذا زال الُموجِب زال الُموجَب) ذكرها في فصل عنوانه (طهارة الخمر باستحالتها توافق القياس)(26).
2- (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) قال : (إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه تعذر عليه الدخول في الصف ، ووقف معه فذاً ، صحت صلاته للحاجة) (27) .
3- (إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها ، حكمها حكم المنافع ، كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر) ذكرها تحت فصل عنوانه : إجارة الظئر توافق القياس (28) .
4- (المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف) (29) بناء على ذلك اتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه ، كما إذا باع مخزناً له فيه متاع كثير لا ينتقل في يوم ولا أيام ، فلا يجب عليه جمع دواب البلد ، ونقله في ساعة واحدة (30) .
5- (إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول ، مثل التراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين)(31) .
6- (ما حرّم سداً للذريعة ، أبيح للمصلحة الراجحة) كما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم (32) .
بهذا يتضح أن عصر التدوين كان تنسيقاً لما سبق وكان فيه استنتاج لبعض القواعد الفقهية بناء على دراسة الفروع المتشابهة .
مواد التنسيق
علمنا فيما مضى أن القواعد الفقهية دارت في أول نشأتها على ألسنة المتقدمين إلى أن جرى تدوينها واتضحت معالمها . لكن القواعد على الرغم من تلك الجهود ظلت متفرقة ومبددة في مدونات مختلفة تضمنت تلك المدونات بعض الفنون الفقهية الأخرى مثل الفروق والألغاز وأحياناً بعض القواعد الأصولية .
"ولم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت مجلة الأحكام العدلية على أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان عبد العزيز خان العثماني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ليعمل به في المحاكم التي كانت تعمل آنذاك (33) .

(49/23)


"وقد وضعت القواعد في صدر المجلة ، وهي قرابة مائة قاعدة ، أخذت من كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ومجامع الحقايق للخادمي"(34) .
هذه لمحة سريعة عن تطور علم القواعد الفقهية عبر القرون الماضية . ويلمس الإنسان عدة أمور أثناء تأمله في تاريخ القواعد الفقهية منها :
1- أن القواعد التي جاءت في كتب القواعد ليست كلها قواعد مذهبية .
2- أن بعضها اكتسب صياغة أدق وامتاز بالرصانة بعد المزاولة والمداولة . ولنأخذ على ذلك مثالاً : القاعدة المشهورة في كون الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر ولا يسري حكمه على غيره ، ترى نصها المتداول في كتب المتأخرين وفي المجلة بعنوان (الإقرار حجة قاصرة) في حين أننا نجد هذه القاعدة عند الإمام الكرخي بالنص التالي : "الأصل : أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به ، ولا يصدق على إبطال حق الغير ، ولا بإلزام الغير حقاً"(3) .
ومثال آخر : القاعدة المشهورة "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"(36) يوجد أصلها في كلام الشافعي -رحمه الله- بأن (منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم)(37) ، ثم اشتهر هذا القول عند كثير من الفقهاء باعتباره قاعدة تحت عنوان : "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"(38) .
هل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي ؟
هذه المسألة حساسة ومهمة وعليها تنبني كثير من الأحكام ، والراجح فيها -والله أعلم- أنه لا يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي . يقول الإمام الجويني في كتابه الغياثي بمناسبة إيراد قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة : "وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح.. ولست أقصد الاستدلال بهما"(39) .
ويقول ابن نجيم في هذه القضية : "إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد أو الضوابط ، لأنها ليست كلية بل أغلبية" (40) .

(49/24)


أما العلامة على حيدر فيقول في شرح المجلة "فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد"(41) .
إذاً وضع القاعدة كدليل شرعي الراجح أنه لا يصح وذلك أن القاعدة مستثناة وصفتها عدم الشمول ، ونحن مطالبون بأن نستدل بدليل ثابت صفته الشمول والدقة .
نعم لبعض القواعد صفة أخرى كأن تكون معبرة عن دليل أصولي أو كونها حديثاً ثابتاً مستقلاً فهنا نستند إلى صفتها كأن تكون دليلاً قرآنياً أو سنة نبوية أو قاعدة أصولية ، والله أعلم .
الهوامش :
1- اخرجه البخاري ، كتاب الديات ، باب : المعدن جبار والبئر جبار (6/2533) ترقيم البنا.
2- أخرجه الحاكم في المستدرك 2/57 وقال : صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
3- أخرجه مسلم 13/3 بشرح النووي ، والترمذي كتاب الأحكام والبيهقي وابن عساكر ، كما أخرجه الدار قطني .
4- أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب الديات ، باب إيقاء المسلم من الكافر ، والنسائي 8/18 وابن الحلبي
5- رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان ، قال الترمذي : حسن غريب ، قال ابن حجر : رواته ثقات وصححه الألباني .
6- صحيح البخاري باب : الشروط في المهر عند عقدة النكاح وباب : الشروط في النكاح .
7- رواه عبد الرزاق 4/395
8- صحيح البخاري بشرح الكرماني 12/55
9- أخبار القضاة 2/319
10- المصدر السابق 3/ 231
11- الخراخ لأبي يوسف ص 180
12- المصدر السابق ص 51
13- المصدر السابق ص 71
14- المصدر السابق ص 111
15- المصدر السابق ص 101
16- القواعد الفقهية ص 99
17- الأشباه والنظائر للسيوطي ص 7 وكذلك الأشباه والنظائر لابن بجيم ص 10- 11
18- وقد نظم بعض الشافعية هذه القواعد الخمس الأساسية في بعض الأبيات :
خمس مقررة قواعد مذهب ... للشافعي فكن بهن خبيراً
ضرر يزال وعادة قد حكمت ... وكذا المشقة تجلب التيسيرا
والشك لا ترفع به متيقناً ... والقصد أخلص إن أردت أجورا

(49/25)


19- القواعد الفقهية ص 100 ، وبالمناسبة فإن الإمام الكرخي هو القائل : إن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على الترجيح أو على التأويل من جهة التوفيق (شرح القواعد الفقهية للزرقا ص ، 39)
20- القواعد الفقهية ص 101
21- انظر في هذا التسلسل التاريخي القواعد الفقهية (ص 101 - ص 103)
22- المجموع 1/246
23- المصدر السابق 1/237
24- المصدر السابق 1/237
25- المصدر السابق 1/433
26- إعلام الموقعين 2/ 14
27- المصدر السابق 2/48
28- المصدر السابق 2/34
29- أظن القاعدة بالعكس أي أن المستثنى بالعرف أقوى من المستثنى بالشرط
30- إعلام الموقعين 2/ 30
31- المصدر السابق 3/399
32- المصدر السابق 2/161
33- القواعد الفقهية ص 121
34- المصدر السابق ص 121
35- كلام الكرخي ، انظر رسالة الكرخي ص 212
36- مجلة الأحكام العدلية 2/58
37- المنثور في القواعد ص 309
38- الأشباه والنظائر للسيوطي ص 121
39- الغياثي ص 499
40- غمز عيون البصائر 1/17
41- درة الأحكام شرح مجلة الأحكام 1/10

خواطر في الدعوة
أزمتنا الأخلاقية
محمد العبدة

(49/26)


خلل كبير نعاني منه في حياتنا الإسلامية المعاصرة أيما معاناة ، ذلك هو النقص في الأخلاق الأساسية التي يجب أن تتوفر في كال مسلم ، لأنها إن ضعفت أو نقصت فلن تقوم للأمة قائمة . هذه الأخلاق كانت موجودة أو كثير منها عند العرب عندما جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة والهداية . كان خلق الوفاء والصدق والشجاعة والتذمم للصديق والجار شائعاً، وكان العربي يجد غضاضة في أن يوصم بالكذب أو الغدر، ولذلك لم يتعب الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه في تأديب هؤلاء وتربيتهم على هذه الأخلاق والدعوة إلى ممارستها ، فالإشارة منه لهذه الأخلاق كانت تكفي لأنها ارتبطت بالتوحيد الذي جاءهم به ، وهو الذي كان ينقصهم فلما تمثلوا به وأصبحت العبودية تامة لله سبحانه ؛ كملت هداية الفطرة وهداية الوحي فكانوا كما قال تعالى : ((نُّورٌ عَلَى نُورٍ)) .
وفي هذه الأيام ابتلى المسلمون وابتليت الدعوة بمن تجرد من هذه الأخلاق ، فالكذب - وهو من أسوأ الأخلاق الرديّة - يقع فيه هؤلاء سواء في أحاديثهم العادية أم في تجريح إخوانهم من الدعاة ، ولا أدري بم يعللون هذه الفعلة الشنيعة ، هل بمصلحة الدعوة !؟ أما الحقيقة فهي أن معادنهم رخيصة ، وليس عندهم أخلاق الفطرة لأنها فسدت بسبب البيئة التي عاشوا فيها ، ولا أخلاق الإسلام لأنهم تربوا على الأنانية والحزبية الضيقة ، ويتبع هذه الخصلة السيئة قلة الإنصاف في الحكم على الآخرين ، فالتهم تكال كيلاً دون أدنى تحرٍ للعدل والإنصاف، ويتناقل هذه التهم المغفلون والسذج دون أي تحرج أو تأثم ، فكيف تستقيم حياتنا الإسلامية وفينا هذه الأخلاق، انظر إلى هذا الذي يقول عن إخوانه الذين يتصدون للظلم والقهر والإرهاب السافر ، يقول عنهم في لقائه مع رئيس مجلس الدولة: "جئنا لتهدئة الأوضاع والخروج من الأزمة التي سالت فيها الدماء ، فأصبح المقتول لا يعرف لماذا قتل ، والقاتل لا يعرف لماذا قتل"(1) .

(49/27)


أهكذا أيها الداعية ؟! المقتول لا يعرف لماذا قتل ؟ الذين يجاهدون الظلم ويدفعون عن أنفسهم العدوان لا يعرفون لماذا يجاهدون ؟ هل هذه أخلاق رجال ، هل الذي يشمت بما يفعل بإخوانه يملك الأخلاق الأساسية التي هي من مقومات نهضة الأمة ، وكان قد أظهر شماتته في أحداث سبقت وأيد نزول الجيش لإنهاء ما سماه (الفتنة) .
إنها مصيبة والله أن يكون بعض من لا يتبنى الإسلام عنده من الجرأة والرجولة أكثر من هذا الذي يملك نفساً أنانية ولا يريد إلا التسلق على حساب مصائب إخوانه ولذلك نقول: إن أزمتنا في بعض جوانبها أزمة أخلاقية .

عالم وكتاب
إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام
للعلامة أبي الحسنات اللكنوي
عرض وتقديم : محمد عبد الله آل شاكر
- 1 -
لعلماء الهند المسلمين جهود رائعة وعناية مخلصة بعلوم الشريعة الإسلامية بعامة وفي الحديث بخاصة . ومنذ أكثر من نصف قرن ، قال السيد محمد رشيد رضا، رحمه الله: "... ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر ، لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق . فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز ، منذ القرن العاشر للهجرة ، حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل هذا القرن الرابع عشر" .
ولئن بدأت علوم الحديث الشريف تأخذ مكانتها اللائقة في جامعاتنا اليوم : دراسة وفهماً والتزاماً فإن الوفاء يقتضي أن نشير إلى جهود الرواد والسابقين الذين كان لهم فضل في توجيه المسلمين إلى هذا الجانب،من خلال التعريف بعالم من هؤلاء العلماء، ودراسة واحد من كتبه التي يجمع فيها بين الدراسة الحديثية والفقهية ، على طريقة كثير من علمائنا رحمهم الله وهذا العالم هو العلامة أبو الحسنات اللكنوي (1264 - 1304 هـ)، وكتابه هو "إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام" .
-2-

(49/28)


مما بين أفغانستان والهند ، تنقلت أسرة اشتهرت بالعلم والعلماء والصلحاء ، واستقرت في مدينة "دهلي". وكان منها: محمد بن عبد الحليم بن محمد أكبر بن المفتي أحمد أبي الرّحم ، الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- . وفي عام 1264 هـ ، رزقه الله تعالى بولده "عبد الحي" وكنيته "أبو الحسنات" واشتهر بلقب "اللكنوي" ، نسبة إلى مدينة "لَكْنَوْ" أو "لكهنو" .
ومنحه الله تعالى -منذ نشأته- قوة الحفظ ، فحفظ القرآن الكريم وله من العمر خمس سنوات ، وكان يحفظ - كما يقول عن نفسه - جميع الوقائع التي تقع له كالعيان . وتنقل بين عدد من البلاد في الهند مع أبيه الذي كان مدرساً في "باندا" ثم انتقل إلى "جونفور" ، وفيها شرع في تحصيل العلم وعمره إحدى عشرة سنة حتى فرغ من قراءة الكتب المدرسية في علوم كثيرة . وتابع تعليمه بعد وفاة والده ، ونال إجازات علمية كثيرة ، وتصدر للتدريس ولازمه في "حيدر آباد" مدة من الزمن . وكان شغوفاً بذلك منذ عنفوان الشباب ، بل من زمن الصبا، فلم يقرأ كتاباً إلا درسه فيما بعد ، وجمع بين العلم والتعليم والتربية، وكتب له في تدريسه القبول والرضى .
وقد بلغ أبو الحسنات مكانة في العلم والخلق ألهجت الألسنة عليه بالثناء ، يشير إلى ذلك ما قاله العلامة الكبير عبد الحي اللكنوي في كتابه "نزهة الخواطر" :
"... تبحر في العلوم ، وتحرى في نقل الأحكام ، وحرر المسائل ، وانفرد في الهند بعلم الفتوى ، فسارت بذكراه الركبان ، بحيث أن ، علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته .

(49/29)