صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فنون العجائب لأبي سعيد النقاش
مصدر الكتاب : موقع جامع الحديث
http://www.alsunnah.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم بالخير أخبرنا الشيخ الإمام العالم العامل ، بقية السلف ، عماد الدين أبو علي الحسين بن محمود بن محمد الصالحاني - أبقاه الله - قراءة عليه وأنا أسمع بمسجد أخيه يحيى بباب السلام بمحروسة شيراز سنة تسع وخمسين وست مئة قال : أنا والدي الإمام العالم المتحقق المتبحر : سعد الدين ناصر السنة ذو البيانين أبو القاسم محمود بن محمد بن الحسين بروايته عن القاضي أبي رشيد عبد الله ، عن أبي العباس أحمد بن عبد الغفار بن أحمد بن علي أشنة قال : أنا الشيخ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش الحنبلي - رحمه الله - قرئ عليه في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وأربع مئة قال : الحمد لله الذي لم يجر في أرضه إلا ما قدر من عجائب صنعه ، وصلى الله على من اختار لنبوته من رسالته ، وعلى من نصره وآواه

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم بالخير أخبرنا الشيخ الإمام العالم العامل ، بقية السلف ، عماد الدين أبو علي الحسين بن محمود بن محمد الصالحاني - أبقاه الله - قراءة عليه وأنا أسمع بمسجد أخيه يحيى بباب السلام بمحروسة شيراز سنة تسع وخمسين وست مئة قال : أنا والدي الإمام العالم المتحقق المتبحر : سعد الدين ناصر السنة ذو البيانين أبو القاسم محمود بن محمد بن الحسين بروايته عن القاضي أبي رشيد عبد الله ، عن أبي العباس أحمد بن عبد الغفار بن أحمد بن علي أشنة قال : أنا الشيخ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش الحنبلي - رحمه الله - قرئ عليه في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وأربع مئة قال : الحمد لله الذي لم يجر في أرضه إلا ما قدر من عجائب صنعه ، وصلى الله على من اختار لنبوته من رسالته ، وعلى من نصره وآواه

(1/2)


حديث ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الذئب وفيه دلالة لنبوته عليه السلام

(1/3)


1 - أخبرنا يعقوب بن محمد بن صالح الكريزي ، حدثنا أبو سليمان محمد بن يحيى بن المنذر القزاز ، حدثنا سعيد بن عامر ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حدثوا عن بني إسرائيل ، ولا حرج »

(1/4)


2 - « بينا رجل يسوق بقرة ، إذا أعيى فركبها ، فالتفتت إليه ، فقالت : يا هذا إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا لحراثة الأرض » . فقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني آمنت بما قال الثور أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . رضي الله عنهما ، وليسا في القوم ، فقال الناس : آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/5)


3 - « وبينا رجل في غنم له ، إذ جاء الذئب فأخذ منها شاة ، فسعى خلفه حتى انتزعها منه ، فأقبل الذئب وأقعى على ذنبه (1) ، وقال : يا هذا ، أما تتقي الله ؟ تنزع مني رزقا رزقنيه الله ؟ » فقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . رضي الله عنهما ، وليسا في القوم ، فقال الناس : آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الذنب : الذيل

(1/6)


4 - أخبرنا محمد بن أحمد بن محرم ، حدثنا الحارث بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، ح وحدثنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، حدثنا مسدد بن قطن ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حدثوا عن بني إسرائيل ، ولا حرج »

(1/7)


5 - « بينا رجل يسوق بقرة فأعيى فركبها ، فالتفتت إليه ، فقالت : إني لم أخلق لهذا ، إنما خلقت لحراثة الأرض » . فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . وليسا في المجلس ، فقال القوم : فإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم «

(1/8)


6 - قال : « وبينما رجل يسوق غنما له عدا (1) الذئب عليه فأخذ شاة ، فاتبعه يطلبه ، فالتفت إليه الذئب فقال : من لها يوم السبع ، يوم لا راع لها غيري » . فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . وليسا في المجلس ، فقال القوم : وإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم « وأخبرنا أبو عمرو الحيري ، حدثنا أبو خبيب البرتي ، حدثنا عبد الحميد بن سان ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله
__________
(1) عدا : هجم واعتدى

(1/9)


7 - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا أبو شيخ محمد بن الحسين الأصبهاني ، حدثنا يحيى بن حبيب ، حدثنا حسان يعني ابن سياه ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج »

(1/10)


8 - « بينما رجل يسوق بقرة إذ أعيى فركبها ، فالتفتت إليه فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا لحراثة الأرض » . فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله سبحان الله فقال رسول الله : « فإني آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . وليسا في المجلس . فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/11)


9 - قال « وبينما رجل يسوق غنما عدا (1) الذئب فأخذ شاة منها ، فطلبه الرجل فقال : من لها يوم السبع ، يوم ليس لها راع غيري » . قال محمد بن عمرو يوم السبع : يوم القيامة ، فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله ، سبحان الله قال : « فإني آمنت به أنا وأبو بكر وعمر » ، وليسا في المجلس . فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) عدا : هجم واعتدى

(1/12)


10 - أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بينما رجل يسوق بقرة إذا أعيى فركبها ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا لحراثة الأرض » . فقال من حوله : سبحان الله سبحان الله فقال : « إني آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . وليسا في المجلس . قال من حوله : آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم «

(1/13)


11 - قال : « وبينما رجل يسوق شاة عدا (1) الذئب عليها ، فأخذها ، فطلبه ، فقال : فمن لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري » . فقال من حوله : سبحان الله قال : « فإني آمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . وليسا في المجلس . قال من حوله : آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم «
__________
(1) عدا : هجم واعتدى

(1/14)


12 - أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه ، فقالت : إني لم أخلق لهذا ، إنما خلقت للحراثة » . قال : « فآمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . رضي الله عنهما قال : « وأخذ الذئب شاة ، فتبعها الراعي ، فقال الذئب : من لها يوم السبع ، يوم لا راعي لها غيري ؟ فآمنت به أنا ، وأبو بكر ، وعمر » . رضي الله عنهما قال أبو سلمة : وما هما يومئذ في القوم وأخبرناه أبو سهل بشر بن أحمد ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا محمد بن محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه » . فذكر مثله سواء

(1/15)


13 - أخبرنا أبو سهل ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني ابن المسيب ، وأبو سلمة : أنهما سمعا أبا هريرة ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما راع في غنمه عدا (1) عليه الذئب ، فأخذ منها شاة ، فطلبه الراعي حتى استنقذها منه ، فالتفت إليه الذئب ، فقال له : فمن لها يوم السبع أو يوما ليس لها راع غيري » . فقال الناس : سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني أؤمن بذلك ، وأبو بكر ، وعمر »
__________
(1) عدا : هجم واعتدى

(1/16)


14 - أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أشعث بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : « جاء ذئب إلى راعي الغنم ، فأخذ منها شاة ، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه قال : فصعد الذئب على تل فأقعى (1) واستنفر ، وقال : عمدت إلى رزق رزقنيه الله ، انتزعته مني » . فقال الرجل : تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم فقال الذئب : أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى ، وبما هو كائن بعدكم ، وكان الرجل يهوديا ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم ، وخبره ، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة ، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه (2) ما أحدث أهله بعده »
__________
(1) الإقْعاء: أن يُلْصِقَ الرجُل ألْيَتَيه بالأرض، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه، ويَضَع يديه على الأرض كما يُقْعِي الكلْب.
(2) السوط : أداة جِلْدية تستخدم في الجَلْد والضرب

(1/17)


15 - أخبرنا أبو عمرو سعيد بن عبد الله بن أبي عثمان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الصوفي ، حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر ، حدثنا أبو داود الحفري ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل يسوق بقرة ، فأراد أن يركبها ، فالتفتت إليه ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا للحرث »

(1/18)


16 - أخبرنا إبراهيم بن عبد الله القصار ، حدثنا الحسن بن الصاحب ، حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا شعيب بن الليث ، حدثنا أبي ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة ، فأقبل على أصحابه ، قال : « بينما رجل يسوق بقرة بدا (1) له أن يركبها ، فأقبلت عليه فقالت : إنا لم نخلق لهذا »
__________
(1) بدا : وضح وظهر

(1/19)


17 - أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب ، حدثنا بكر بن سهل ، حدثنا عبد الله بن يوسف التنيسي ، حدثنا الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل يحمل على بقرة حملا إذ التفتت إليه فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا للحرث (1) » . فقال الناس : سبحان الله بقرة تتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر ، وليسا في القوم »
__________
(1) الحرث : الزرع والغرس

(1/20)


18 - أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس ، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد ، حدثنا أبي ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل في غنم عدا (1) عليه الذئب ، فأخذ منها شاة ، فطلبه الراعي حتى استنقذها منه ، فالتفت إليه الذئب فقال : من لها يوم السبع ، يوم لا راع لها غيري ؟ » فقال الناس : سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر »
__________
(1) عدا : هجم واعتدى

(1/21)


19 - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها ، فالتفتت إليه البقرة ، فقالت : إني لم أخلق لهذا ، إنما خلقت للحرث » فقال الناس : سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر »

(1/22)


20 - أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن أيوب ، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الأشعث بن عبد الله الحداني ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، قال : جاء ذئب إلى راعي غنم ، فأخذ منها شاة ، فطلبه الراعي ، فانتزعها منه ، فصعد الذئب على تل فأقعى (1) واستنفر ، وقال : عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته فانتزعته مني فقال الرجل : تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم فقال الذئب : أو أعجب من ذلك ، رجل بين النخلات بين الحرتين ، يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم . قال : وكان الرجل يهوديا ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأسلم ، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : « إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة ، قد أوشك الرجل أن يخرج ثم يرجع ، فيحدثه نعلاه وسوطه (2) بما أحدث بعده أهله »
__________
(1) الإقْعاء: أن يُلْصِقَ الرجُل ألْيَتَيه بالأرض، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه، ويَضَع يديه على الأرض كما يُقْعِي الكلْب.
(2) السوط : أداة جِلْدية تستخدم في الجَلْد والضرب

(1/23)


21 - أخبرنا أبو محمد ، حدثنا موسى بن إسحاق ، ومحمد بن عبد الله بن رستة ، واللفظ له قالا : حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا القاسم بن الفضل ، حدثنا أبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : « بينما راع يرعى بالحرة شاء (1) ، إذ انتفز ذئب شاة من شائه ، فحال الراعي بين الذئب والشاة ، فأقعى (2) الذئب على ذنبه (3) ، ثم قال للراعي : ألا أحدثك بأعجب شيء رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق ، فساق الراعي الشاء (4) حتى انتهى إلى المدينة ، فزواها في زاوية من زواياها ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحدثه بما قال الذئب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » صدق الراعي ، ألا من أشراط الساعة كلام السباع (5) الإنس ، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ، ويكلم الرجل شراك نعله (6) وعذبة سوطه ، وتخبره فخذه بما فعل أهله بعده «
__________
(1) الشاء : جمع شاة وهي الواحدة من الضأن أو الماعز
(2) الإقْعاء: أن يُلْصِقَ الرجُل ألْيَتَيه بالأرض، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه، ويَضَع يديه على الأرض كما يُقْعِي الكلْب.
(3) الذنب : الذيل
(4) الشاء : جمع الشاة وهي الواحدة من الغنم وقيل : الواحدة من الضأن والمَعز والظَّباءِ والبَقَر والنعامِ وحُمُرِ الوحش
(5) السبع : كل ما له ناب يعدو به
(6) الشراك : أحد السيور من الجلد والتي تمسك بالنعل على ظهر القدم

(1/24)


حديث مورق

(1/25)


22 - حدثنا أبو بكر الشافعي ، حدثني محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، وسليمان بن يزيد ، عن المفضل بن فضالة ، عن بكر بن عبد الله المزني ، حدثنا أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كان فيمن سلف (1) من الأمم رجل يقال له : مورق ، وكان متعبدا ، فبينما هو قائم في صلاته إذ ذكر النساء ، فاشتهاهن ، وانتشر حتى قطع صلاته ، فغضب فأخذ قوسه فقطع وترها (2) وعقده بخصيتيه ، وشده إلى عقبيه (3) ، ثم مد رجليه فانتزعهما ، ثم أخذ طمريه (4) ونعليه حتى أتى أرضا لا أنيس بها ولا وحش ، فاتخذ عريشا (5) ، ثم جعل يصلي ، فجعل كلما أصبح انصدعت (6) له الأرض ، فخرج له خارج منها معه طعام في إناء ، فأكله حتى شبع ، ثم يدخل فيخرج له خارج بإناء فيه شراب فيشرب حتى يروى ، ثم يدخل وتلتئم الأرض ، فإذا أمسى فعل مثل ذلك ، ومر أناس قريبا منه ، فأتاه رجلان من القوم ، فمرا عليه من تحت الليل ، فسألاه عن قصدهما ، فمد لهما بيده ، وقال : هذا قصدكما حيث تريدان ، فسارا غير بعيد ، ثم قالا أحدهما لصاحبه : ما يسكن هذا الرجل ها هنا أرضا لا أنيس بها ولا وحش ، لو رجعنا حتى نعلم علمه حقا له ، فقالا له : يا عبد الله ، ما يقيمك ها هنا بأرض لا أنيس بها ولا وحش ؟ قال : امضيا لشأنكما ودعاني . فأبيا وألحا عليه ، قال : فإني مخبركما على أن من كتمه منكما أكرمه الله في الدنيا والآخرة ، ومن أظهر علي منكما أهانه الله في الدنيا والآخرة . قالا : نعم . قال : انزلا . فلما أصبحا خرج من الأرض مثل الذي كان يخرج من الطعام ومثلاه معه ، حتى أكلوا وشبعوا ، ثم دخل فأخرج إليهم شرابا في إناء مثل الذي كان يخرج إليه كل يوم ومثليه معه ، فشربوا حتى رووا ، ثم دخل فالتأمت (7) الأرض ، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال : ما يعجلنا هذا الطعام والشراب ، وقد علمنا سمتنا في الأرض ، امكث إلى العشي (8) فمكثا ، فخرج إليهما بالعشي من الطعام والشراب مثل الذي خرج أول النهار ، فقال أحدهما لصاحبه : امكث بنا حتى نصبح ، فمكثا ، فلما أصبحا خرج إليهما مثل ذلك ، ثم ركبا فانطلقا ، فأما أحدهما فلزم باب الملك حتى كان من خاصته وسماره ، وأما الآخر فأقبل على تجارته وعمله ، وكان ذلك الملك لا يكذب أحد في زمانه من أهل مملكته كذبة فعرف إلا صلبه ، فبينا هو ليلة في السمر (9) يحدثونه مما رأوا من العجائب ، أنشأ ذلك الرجل ، فحدث الملك فقال : ما سمعت بأعجب منه قط (10) ، فحدث فقال : لأحدثنك أيها الملك ، فحدثه بحديث الرجل الذي رأى من أمره ، فقال الملك : ما سمعت بكذب قط أعظم من هذا ، والله لتأتين على ما قلت ببينة (11) أو لأصلبنك . قال : بينتي فلان . قال : رضا ، إيتوني به ، فلما أتاه ، فقال الملك : إن هذا حدثني أنكما مررتما برجل من أمره كذا وكذا ، فقال الرجل : أيها الملك ، ولست تعلم أن هذا كذب ، وهذا ما لا يكون لو حدثتك بهذا كان عليك في الحق أن تصلبني قال : صدقت وبررت (12) » قال النبي صلى الله عليه وسلم : « فأدخل الذي كتم عليه في خاصته وسمره ، وأمر بالآخر فصلب » فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فأما الذي كتم عليه منهما فأكرمه الله في الدنيا والآخرة « ثم نظر إلى ثمامة بن عبد الله بن أنس فقال : يا أبا المثنى ، سمعت جدك يحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم
__________
(1) سلف : مضى
(2) الوتر : الخيط يشد بين طرفين والمراد وتر قوس النبل
(3) العقب : عظم مؤخر القدم
(4) الطمر : الثوب الخلق الرث القديم
(5) العريش : كل ما يستظل به
(6) انصدع : انشق وانفرج
(7) التأم : اجتمع وانضم
(8) العشي : ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها
(9) المُسامرة : وهو الحديثُ بالليل
(10) قط : بمعنى أبدا ، وفيما مضى من الزمان
(11) البينة : الدليل والبرهان الواضح
(12) بر : صار ذا خير كثير

(1/26)


حديث آخر

(1/27)


23 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن بندار ، حدثنا أبو نصر الهيثم بن بشر ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا وكيع ، عن الربيع بن سعد ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب »

(1/28)


24 - قال : ثم أنشأ يحدث قال : « خرجت طائفة من بني إسرائيل فقالوا : لو أتينا مقبرتنا ، وصلينا ، ودعونا الله عز وجل يخرج إلينا رجلا ممن قد مات نسأله عن الموت قال : فصلوا ودعوا قال : فإذا رجل خلاسي بين عينيه أثر السجود ، وقد أطلع رأسه من قبره ، فقال : يا هؤلاء ، ما أردتم إلي ، لقد مت من مئة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن ، أدعو الله عز وجل أن يعيدني كما كنت »

(1/29)


25 - وأخبرنا أبو أحمد القاضي محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس ، حدثنا محمد بن النعمان ، حدثنا وكيع ، حدثنا الربيع بن سعد الجعفي ، حدثنا عبد الرحمن بن سابط ، حدثنا جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فإنه كانت فيهم الأعاجيب »

(1/30)


26 - « إن نفرا من بني إسرائيل خرجوا يمشون في الأرض ويذكرون ، حتى مروا على مقبرة ، فقال بعضهم لبعض : تعالوا ندع الله أن يخرج لنا رجلا من أهل القبور ، نسأله عن الموت ، فدعوا ، فخرج إليهم رجل خلاسي : بين عينيه أثر السجود ، فقال : يا قوم ، ما أردتم إلي ، لقد ركبتم مني أمرا عظيما ، قالوا : دعونا الله أن يخرج لنا رجلا من أهل القبور نسأله عن طعم الموت كيف هو ؟ فقال : لقد وجدت طعم الموت قال الربيع أو حر الموت مئة عام ، فدعوتم الله عز وجل وقد سكن عني ، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ، فدعوا الله فأعاده »

(1/31)


27 - أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني ، وأبو عمر بن حمدان ، قالا : حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا الترجماني بن إسماعيل ، حدثنا شعيب بن صفوان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن كلبة كانت في بني إسرائيل مجحا ، فضاف أهلها ضيفا ، فقالت : لا أنبح لضيفنا » . قال : « فعوى (1) جروها في بطنها » . قال : « فسألوا ، فأوحي إلى رجل منهم أن مثل هذه الكلبة مثل قوم يأتون من بعدكم يستعلي سفهاؤها (2) حلماءها (3) »
__________
(1) عوى : صاح صياحا ممدودا
(2) السَّفَه : الخفّة والطيشُ، وسَفِه رأيُه إذا كان مَضْطربا لا اسِتقامَةَ له، والسفيه : الجاهلُ
(3) الحلم : الأناة وضبط النفس

(1/32)


ذكر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمهاجرة البحر : « حدثوني بأعجب ما رأيتم »

(1/33)


28 - أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن أيوب النقاش ، حدثنا محمد بن أحمد بن البراء ، حدثنا سعيد بن سويد ، حدثنا يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لما رجعت مهاجرة البحر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا تحدثوني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة ؟ » قال فتية منهم : يا رسول الله ، بينما نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهبانيتهم (1) ، تحمل على رأسها قلة من ماء ، فمرت بفتى منهم ، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ، ثم دفعها فخرت (2) على ركبتيها ، فانكسرت قلتها ، فلما ارتفعت التفتت إليه ، فقالت : سوف تعلم يا غدر (3) إذا وضع الله عز وجل الكرسي ، وجمع الأولين والآخرين ، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون ، سوف تعلم كيف أمري وأمرك . قال : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صدقت ، ثم صدقت ، كيف يقدس الله عز وجل قوما لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ؟ » رواه مسلم بن خالد
__________
(1) الرهبانية : هي من رهْبَنَة النصارى. وأصلُها من الرَّهْبة : الخَوفِ، كانوا يترَهَّبون بالتَّخلّى من أشْغال الدُّنْيا، وتَرْكِ مَلاَذِّها، والزُّهْد فيها، والعُزْلة عن أهْلها، وتعمُّد مشاقِّها
(2) خر : سقط وهوى بسرعة
(3) غدر : كلمة معدولة عن غادر وهي للمبالغة في الغدر

(1/34)


29 - أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا أحمد بن محمد الشافعي ، حدثنا عمي إبراهيم بن محمد ، حدثنا مسلم بن خالد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لما رجعت مهاجرة البحر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا تحدثوني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة » . قالوا : بلى يا رسول الله ، بينا نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائزهم ، على رأسها قلة من ماء ، فمرت بفتى منهم ، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ، ثم رجعها إلى ركبتها ، فانكسرت قلتها ، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت : سوف تعلم أمري يا غدر (1) إذا وضع الله الكرسي ، وجمع الأولين والآخرين ، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون ، فسوف تعلم أمري وأمرك عنده غدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صدقت ، ثم صدقت ، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم » ورواه بريدة
__________
(1) غدر : كلمة معدولة عن غادر وهي للمبالغة في الغدر والمراد منها السب

(1/35)


30 - أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا معاذ بن المثنى ، ومحمد بن الفضل بن السقطي ، قالا : حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا منصور بن أبي الأسود ، عن عطاء بن السائب ، عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : لما قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أعجب ما رأيت » ، ثم قال : رأيت امرأة على رأسها مكتل (1) من طعام ، فمر فارس يركض (2) فأذراه ، فقعدت تجمعه ، ثم التفتت إليه ، فقالت : ويل لك يوم يضع الله كرسيه ؛ فيأخذ للمظلوم من الظالم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها : « لا قدست أمة لا تأخذ لضعيفها حقه من شديدها وهو غير متعتع (3) »
__________
(1) المكتل : الزنبيل أي السلة أو القفة الضخمة تصنع من الخوص
(2) يركض : يعدو
(3) غير متعتع : دون أن يصيبه أذى أو ضرر

(1/36)


حديث الحديقة التي سقاها الله عز وجل

(1/37)


31 - حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن وهب بن كيسان ، عن عبيد بن عمير الليثي ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « بينما رجل بفلاة (1) من الأرض فسمع صوتا في سحابة : اسق حديقة فلان ، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ (2) ماءه في حرة (3) ، فانتهى إلى الحرة ، فإذا هو في أذناب شراج ، وإذا شراجة من تلك الشراج (4) قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (5) ، فقال له : يا عبد الله ، ما اسمك ؟ قال : فلان . بالاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له : يا عبد الله ، لم سألتني عن اسمي ؟ قال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه ، يقول : اسق حديقة فلان باسمك ، فما تصنع فيها ؟ قال : أما إذا قلت هذا ؛ فإني أنظر إلى ما خرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثه ، وأرد ثلثه » رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب
__________
(1) الفلاة : الصحراء والمفازة ، والقفر من الأرض ، وقيل : التي لا ماء بها ولا أنيس
(2) الإفْرَاغ : يقال : أفْرَغْتُ الإناء إفْرَاغا، وفَرَّغْتُه تَفْرِيغا إذا قَلَبْتَ ما فيه وصَبَبْتَه وسكبته وأسلته
(3) الحرة : الأرض ذات الحجارة السود
(4) الشراج : مسيل ومجرى الماء
(5) المسحاة : الفأس أو الجاروف وهي مجرفة من حديد

(1/38)


32 - وأخبرنا أبو عبد الله بن أحمد الكسائي ، حدثنا هشام بن علي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، عن وهب بن كيسان ، عن عبيد بن عمير ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل في فلاة (1) إذ سمع رعدا في سحاب ، فسمع في السحاب كلاما : اسق حديقة فلان ، فتنحى ذلك السحاب إلى حرة (2) ، فأفرغ ما فيه ، فجاء الرجل فإذا ذلك الماء في أذناب شراج يعني سيولا صغارا وإذا شرجة (3) منها قد استوعبت الماء قال : فمشى معها حتى أتى الحديقة ، فإذا الرجل يحول الماء فسقاها قال : قلت : ما اسمك يا عبد الله ؟ قال : فلان ، فقلت : ما تصنع في حديقتك إذا صرمتها (4) يا عبد الله ؟ إني سمعت في هذا السحاب الذي هذا ماؤه : اسق حديقة فلان باسمك ، فقال الرجل : أما إذ قلت هذا ، فسأخبرك : إني إذا أصرمتها جعلتها أثلاثا أكلت أنا وأهلي ثلثا ، ورددت عليها ثلثا ، وتصدقت بثلث على المساكين ، والسائلين ، وابن السبيل »
__________
(1) الفلاة : الصحراء والأرض الواسعة التي لا ماء فيها
(2) الحرة : الأرض ذات الحجارة السود
(3) الشرجة : مسيل ومجرى الماء
(4) الصَّرام : قَطعُ الثَّمرة واجْتِناؤُها

(1/39)


حديث الطير الأكمه

(1/40)


33 - أخبرنا أبو الفضل نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب ، أخبرنا علي بن محمد بن جعفر الرازي ، ببيت المقدس ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الرازي ، بمكة ، حدثنا الحسن بن سلم ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن أبان ، عن أنس بن مالك ، قال : دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى شعب بالمدينة ومعي الطهور ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم واديا ، ثم رفع رأسه فأومأ إلي بيده أن أقبل ، فأتيته قال : « ضع الماء وادخل » فدخلت ، فإذا أنا بطائر أكمه ساقط على شجرة وهو يضرب منقاره ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « هل تدري ما يقول ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : « يقول : اللهم إنك العدل الذي لا تجور ولا تخفى عليك خافية ، خلقتني وسويت خلقي ، وحجبت عني بصري ، اللهم قد جعت فأطعمني » قال : فأقبلت جرادة فدخلت بين منقاره ، فأطبق عليها ، ثم جعل يضرب بمنقاره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « هل تدري ما يقول ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : « يقول : من توكل على الله فإن الله لا ينساه ، ومن نسيه خاطئ يائس بعد هذا اليوم ، الرزق أشد طلبا لصاحبه من صاحبه له »

(1/41)


حديث خالد بن سنان

(1/42)


34 - أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني ، حدثني محمد بن عمير الرازي الحافظ ، حدثني عمرو بن إسحاق بن العلاء ، حدثنا جدي إبراهيم بن العلاء ، حدثنا أبو محمد القرشي الهاشمي ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبي بن عمارة ، عن أبيه عمارة بن حزن بن الشيطان ، قال : « كانت لنا حرة يقال لها : حرة الحدثان ، وكان إذا كان الليل فهي نار تشتعل ، وإذا كان النهار فهي دخان يسطع ، وكانت طيئ تغشى إبلها (1) بضوء تلك النار من مسيرة سبع ليال ، فأتانا خالد بن سنان من مريطة ، فقال : إن الله عز وجل أمرني أن أطفي عنكم هذه النار ، فليقم معي منكم من كل بطن (2) رجل ، فقام معه عشرة رجال وكنت أحدهم ، حتى أتى القليب ، فخرج منه عنق من النار ، ثم استدار علينا حتى صرنا في مثل كفة الميزان ، فجعلنا نتقيها بالعصي حتى احترقت ، ثم بالنعال حتى احترقت ، ثم بالعمائم حتى احترقت ، فقلنا له : يا خالد أي أهلكتنا قال : كلا إنها مأمورة ، وإني مأمور ، ثم جعل يضربها بعصاه وهو يقول : بدا بدا ، كل حق لله مؤدى أنا عبد الله الأعلى . فلم يزل يضربها حتى ردها إلى القليب ، ثم تقدم خلفها وعليه قميصان له أبيضان ، فأبطأ علينا ، فقال ابن عم له : لا يخرج منها أبدا ، ثم خرج علينا وقميصاه ينطفان عرقا ، وهو يقول : بدا بدا كل حق هو لله مؤدى أنا عبد الله الأعلى ، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها أبدا قال : فأهل ذلك البيت يدعون ابن راعية المعزي إلى اليوم فقلنا له : يا خالد ، ما الذي رأيت ؟ قال : رأيت أخرى تحشها فشدختهن وقد طفأتها عنكم ، وكانت تضرنا في الكلأ (3) والمرعى »
__________
(1) الإبل : الجمال والنوق ليس له مفرد من لفظه
(2) البطن : الفرع من القبيلة
(3) الكلأ : النَّبات والعُشْب رطبا كان أو يابسا

(1/43)


35 - قال : « وكان من أعاجيبه ، أنه وقف علينا ، فقال : امضوا معي ، فمضينا معه ، حتى أتى مكانا من الأرض فقال : احفروا فاحتفروا ، فأبدانا عن صخرة فيها كتاب قد زبر زبرا وحفر حفرا : الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فاحتملناها ، فكانت إذا نزلت بنا شدة أبدأنا عنها ، فتكشف عنا ، وكنا إذا قحط (1) بنا المطر جللها ثوبا ثم قام يصلي ، ويدعو فتمطر ، حتى إذا روينا كشف الثوب ، فيمسك المطر »
__________
(1) القحط : الجدب والجفاف واحتباس المطر وعدم نزوله

(1/44)


36 - « وكان من أعاجيبه أنه قال : إن امرأتي حامل بغلام واسمه مرة ، وهو أحيمر كالدرة ، ولن يصيب المولى معه تضرة ، ولن تروا ما دام فيكم معرة ، ثم قال : إني ميت إلى سبع ، فادفنوني في هذه الأكمة (1) ، ثم اخرجوا إلى قبري بعد ثالثة ، فإذا رأيتم العير الأبتر يطوف حول قبري ويسوف بمنخره فانبشوني تجدوني حيا أخبركم بما يكون حتى تقوم الساعة ، فخرجوا بعد ثالثة إلى قبره ، فإذا نحن بالعير الأبتر يطوف حول قبره ، ويسوف بمنخره ، فأردنا أن ننبشه فمنعنا قومه من ذلك وقالوا : لا ندعكم تنبشونه فتعيرنا به العرب ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام أتته محياة بنت خالد فانتسبت له ، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه ، وقال : » بنت أخي نبيا ضيعه قومه «
__________
(1) الأكمة : ما ارتفع من الأرض دون الجبل

(1/45)


حديث خالد بن سنان من رواية ابن عباس

(1/46)


37 - أخبرنا أبو أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال ، حدثنا علي بن الحسين بن جنيد ، حدثنا معلى بن مهدي الموصلي ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي يونس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، : « أن رجلا ، من بني عبس ، يقال له : خالد بن سنان قال لقومه : إني أطفئ نار الحدثان ، فقال له رجل من قومه ، يقال له : عمارة بن زياد : والله يا خالد ، ما قلت لنا قط (1) إلا حقا ، فما شأنك ونار الحدثان ، تزعم أنك تطفئها ؟ فخرج خالد ومعه ناس من قومه ، فيهم عمارة بن زياد ، فخط لهم خالد خطا ، فأجلسهم فيها ، فإذا هي تخرج من شق جبل في حرة ، يقال لها : حرة أشجع ، فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا ، فاستقبلها خالد بعصاه ، فجعل يضربها ، ويقول : بدا بدا ، كل هدى مؤدى ، زعم ابن راعية المعزي أني لا أخرج منها ، وثيابي تبدى (2) ، وقد كان خالد قال لهم : إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمي ، فأبطأ عليهم ، فقال لهم عمارة بن زياد : إن صاحبكم والله إن كان حيا ، لقد خرج إليكم بعد فادعوه باسمه ، قالوا له : إنه قد نهى أن ندعوه باسمه ، فدعوه باسمه ، فخرج إليهم ، فقال لهم : ألم أنهكم أن تدعوني باسمي ، فقد والله قتلتموني ، احملوني ، فادفنوني ، فإذا مرت عليكم الحمر ، فيها حمار أبتر ، فانبشوني ، فإنكم ستجدوني حيا ، فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر ، فأرادوا نبشه ، فقال لهم عمارة بن زياد : لا تنبشوه ، لا والله لا تحدث مضر أنا ننبش موتانا ، وقد كان خالد قال لهم : إن في علم امرأته لوحين ، فإذا أشكل عليكم شيء ، فانظروا فيهما فإنكم ستجدوني بما تريدون ، ولا تمسها حائض ، فأتوا امرأته ، فسألوها عنهما ، فأخرجتهما إليهم ، وهي حائض ، فذهب ما كان فيهما من علم »
__________
(1) قط : بمعنى أبدا ، وفيما مضى من الزمان
(2) تبدى : ظهر

(1/47)


38 - قال أبو يونس : قال سماك ، : سئل عنه النبي صلى الله عليه ، فقال : « نبي أضاعه قومه »

(1/48)


39 - قال أبو يونس : قال سماك : إن ابن خالد بن سنان أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : « مرحبا يا ابن أخي »

(1/49)


حديث قس بن ساعدة وما ظهر من عجائبه

(1/50)


40 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، حدثني أبو الطيب أحمد بن روح ، حدثني حماد بن المؤمل ، وأبو الأحوص ، قالا : حدثنا محمد بن حسان السمتي ، حدثنا محمد بن الحجاج اللخمي ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي ؟ » فقالوا : كلنا نعرفه يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لست أنساه بسوق عكاظ ، واقف على جمل أحمر ، وهو ينادي ، ويقول : يا أيها الناس ، اجتمعوا واستمعوا ، وإذا سمعتم فعوا ، وإذا وعيتم فانتفعوا ، وإذا انتفعتم فقولوا ، وإذا قلتم فاصدقوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت ، مطر ، ونبات ، وأحياء ، وأموات ، إن في السماء خبرا ، وفي الأرض عبرا (1) يحار فيها البصر ، مهاد موضوع ، وسقف مرفوع ، ونجوم تمور ، وبحار لا تغور ، ومنايا دوان ، ودهر خوان ، كحذون الفسطاس ، ووزن القسطاس ، أقسم قس قسما حقا لا كاذبا فيه ، ولا إثما ، إن لله دينا هو أرضى له من الذي أنتم عليه » . وقال : « مالي أرى الناس يذهبون ، ولا يرجعون أرضوا فأقاموا ، أم تركوا فناموا » ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض أصحابه ، فقال : « أيكم يروي لنا شعره ؟ » فقال أبو بكر : أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي ومن الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر . فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخ من عبد القيس ، طويل القامة ، عظيم الهامة ، ضخم الدسيعة ، جهري الصوت قال : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، وأنا فقد رأيت من قس بن ساعدة عجبا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وما الذي رأيت منه يا أخا عبد القيس ؟ » فقال : خرجت في جاهليتي أبتغي بعيرا شرد (2) مني أقفو أثره ، في تنايق ذات ضغابيس ، وعرصات حثحاث بين صدور حرعاف ، وعمير حردان ، ومهمه ظلمان ، ورضيع أيهقان ، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول (3) سبسبها ، وأرمق فدفدها ، إذا أتاه بهضبة في تشوائها أراك (4) كباث مخضوضلة بأغصانها ، كأن بريرها حب فلفل من بواسق أقحوان ، وإذا أنا بعين خرارة ، وروضة مدهامة ، وشجرة عادية ، وإذا قس بن ساعدة جالس في أصل تلك الشجرة ، وبيده قضيب (5) فدنوت منه ، وقلت : أنعم صباحا . فقال : وأنت فنعم صباحك ووردت العين سباع كثيرة ، فكان كلما ذهب سبع من السباع يشرب من العين قبل السبع الذي ورد قبله ، ضربه قس بالقضيب الذي كان معه ، فقال : اصبر حتى يشرب الذي ورد قبلك . فذعرت لذلك ذعرا (6) شديدا ، فنظر إلي وقال : لا تخف ، وإذا قبران ، وبينهما مسجد ، فقلت : ما هذان القبران ؟ فقال : هذان قبرا أخوين كانا لي ، يعبدان الله عز وجل في هذا الموضع ، فأنا مقيم بين قبريهما أعبد الله حتى ألحق بهما ، فقلت : ألا تلحق بقومك ، فتكون معهم في خيرهم ، وتباينهم على شرهم ؟ فقال لي : ثكلتك أمك ، أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركوا دين أبيهم ، واتبعوا الأضداد ، وعظموا الأنداد ثم أقبل على القبرين يبكي ، ويقول : خليلي هبا طال ما قد رقدتما أجدكما ما تقضيان كراكما أرى النوم بين العظم والجلد منكما كأن الذي يسقي العقار سقاكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد وما لي فيه من حبيب سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا أذوب ذا الليالي أو يجيب صداكما كأنكما والموت أقرب غاية بروحي في قبريكما قد أتاكما أبكيكما طول الحياة ، وما الذي يرد على ذي عبرة (7) أن بكاكما فلو جعلت نفس لنفس فداءها لجدت بنفسي أن تكون فداكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده »
__________
(1) العبرة : العظة
(2) شرد : نفر وذهب في الأرض وهرب
(3) أجول : أمر وأطوف
(4) الأراك : هو شجر معروف له حَمْلٌ كعناقيد العنب، واسمه الكباث بفتح الكاف، وإذا نَضِج يسمى المرْدَ
(5) القضيب : العود
(6) الذعر : الفزع والخوف الشديد
(7) العبرة : الدمعة

(1/51)


41 - ورواه سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن أيوب النقاش ، حدثنا أحمد بن موسى بن إسحاق ، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد بن المخزومي ، حدثنا أبو حاتم السجستاني ، حدثنا وهب بن جرير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه قال : قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « ما فعل حليف لكم ، يقال له : قس بن ساعدة الإيادي » . قالوا : هلك يا رسول الله ، فتأوه النبي عليه السلام لموته تأوها شديدا ، ثم قال : « كأني به بالأمس في سوق عكاظ ، على جمل أفرق ، في إزارين (1) ، وهو يخطب الناس ، وهو يقول : يا أيها الناس اجتمعوا ، ثم اسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وما هو آت آت ، إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، بحار لا تفور ، ونجوم لا تمور ، وسقف مرفوع ، ومهاد موضوع ، ومطر ونبات ، وذاهب وآت ، وأحياء وأموات ، وعظام ورفات ، وليل ونهار ، وضياء وظلام ، ومسيء ومحسن ، وغني وفقير ، يا أرباب الغفلة ، ليصلح كل واحد منكم عمله ، تعالوا نعبد إلها واحدا ، ليس بمولود ولا والد ، أعاد وأباد ، وغدا إليه المعاد ، أقسم قس قسما بالله وما أثم ، لئن كان في الأرض ليكونن سخطا ، إن لله دينا ، هو أرضى من دينكم الذي أنتم عليه ، يا أهل إياد ، ما لي أرى الناس يذهبون ، فلا يرجعون ، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا » . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سمعته يتمثل (2) بأبيات شعر ، ولساني لا ينطلق بها » . فقام رإليه رل منهم ، فقال : يا رسول الله ، أنا سمعتها منه ، فهل علي فيه من إثم إن أنا قلته ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قل ، فإن الشعر كلام ، حسنه حسن ، وقبيحه قبيح » . فقال : سمعته يقول في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ورأيت ققوما نحوها يسعى الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا يبقى على الحدثان غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يزيد في إيمان قس بن ساعدة ؟ » فوثب رجل من القوم ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا نحن في ملاعبنا ، إذ أشرف علينا من حرة الجبل ، فرأيت طيرا كثيرا ، ووحشا كثيرا في بطن الوادي ، وإذا قس بن ساعدة مؤتزر بشملة (3) مرتد بأخرى ، وبيده هراوة (4) ، وهو واقف على عين من ماء ، وهو يقول : لا وإله السماء لا يشرب القوي قبل الضعيف ، بل يشرب الضعيف قبل القوي . فوالذي بعثك بالحق يا رسول الله ، لقد رأيت القوي من الطير يتأخر حتى يشرب الضعيف ، ولقد رأيت القوي من الوحش يتأخر حتى يشرب الضعيف ، فلما تتحامى حوله هبطت إليه من ثنية (5) الجبل ، فرأيته واقفا بين قبرين يصلي ، فقلت : أنعم صباحا ، ما هذه الصلاة التي لا تعرفها العرب ؟ قال : صليتها لإله السماء ، فقلت : وهل للسماء من إله سوى اللات (6) والعزى ؟ فانتفض وانتفخ لونه ، ثم قال : إليك عني يا أخا إياد ، إن في السماء إلها عظيم الشأن ، هو الذي خلقها فسواها ، وبالكواكب زينها ، وبالقمر المنير والشمس أشرقها ، أظلم ليلها ، وأضاء نهارها ؛ ليسلف بعضها في بعض ، ليس له كفوية ، ولا أينية ، ولا كيموسية ، فقلت له : فما أصبت موضعا تعبد إله السماء إلا في هذا المكان ؟ فقال : إني لم أصب في زمني غير صاحبي هذين القبرين ، وإني منتظر ما أصابهما ، وسيعمكم حق من هذا الوجه ، وأشار بيده نحو مكة ، فقلت له : وما هذا الحق ؟ قال : رجل أبلج (7) أحور ، من ولد لؤي بن غالب ، يعني محمدا عليه السلام ، يدعوكم إلى كلمة الإخلاص ، وعيش الأبد ، ونعيم لا ينفد فإن دعاكم فأجيبوه ، وإن استنصركم فانصروه ، قد وصف لي فيه علامات شتى ، وخلائق حسانا ، قال : إنه لا يأخذ على دعواه أجرا ، قلت : فما لك لا تصير إليه ؟ قال : إني لا أعيش إلى مبعثه ، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه ، لكنت أول من يسعى إليه ، فأضرب بصفقة كفي صفقة كفه ، فأقيم بين يديه لحكم ربي تبارك وتعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حسبك ، فإن القس بن ساعدة كان أمة ، يبعثه الله تبارك وتعالى يوم القيامة أمة وحده »
__________
(1) الإزار : ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن
(2) يتمثل : يستحضر كلاما ليستشهد به من شعر وغيره
(3) الشملة : كساء يُتَغَطَّى به ويُتَلفَّف فيه
(4) الهراوة : العصا ، وقيل : العصا الضخمة
(5) الثَّنِيَّة : الثنية في الجَبل كالعَقَبة فيه، وقيل هُو الطَّرِيق العالي فيه، وقيل أعلى المَسِيل في رأسه
(6) اللات : اسم صنم كان يعبد في الجاهلية
(7) الأبلج : الذي قد وَضَح ما بين حاجبيه فلم يَقْترنا

(1/52)


42 - ورواه أبو صالح ، عن ابن عباس أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال ، حدثني محمد بن أحمد الزهري ، حدثنا عبد الله بن محمد بن داود ، حدثنا محبوب بن الحسن ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم وفد إياد وعبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي ؟ » قالوا : كلنا نعرفه يا رسول الله قال : « فما فعل ؟ » قالوا : مات يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يرحم الله القس بن ساعدة ما أنساه ، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ ، في الشهر الحرام ، على جمل له أحمر أورق ، وهو يخطب الناس ، ويتكلم بكلام عليه حلاوة ، وهو يقول : أيها الناس اجتمعوا ، واسمعوا ، واحفظوا ، وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، كل ما هو آت آت ، إن الليل ليل داج ، والسماء ذات الأبراج ، بحار تزخر ، ونجوم تزهر ، ومطر ونبات ، وآباء وأمهات ، وذاهب وآت ، وضوء وظلام ، وبر (1) وآثام ، لباس ومركب ومشرب ، إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، مهاد موضوع ، وسقف مرفوع ، ونجوم تمور ، وبحار لا تغور ، أقسم قس قسما حقا ، لئن كان في الأرض رضا ، ليكونن سخطا ، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ما لي أرى القوم يذهبون ، ولا يرجعون أرضوا بالمقام هنالك فأقاموا أم تركوا فناموا ثم قال : أقسم قس قسما برا ، لا إثم فيه ، ما لله على الأرض دين هو أحب إليه من دين أظلكم زمانه ، وأدرككم أوانه ، طوبى لمن أدركه فاتبعه وويل لمن أدركه ففارقه ، ثم أنشأ ، يقول : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للمو ت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يرحم الله قس بن ساعدة إني لأرجو أن يأتي يوم القيامة وحده « . فقال رجل من القوم : يا رسول الله ، لقد رأيت من قس عجبا قال : » وما الذي رأيت منه ؟ « قال : بينا أنا بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان ، في يوم قايظ ، شديد الحر ، إذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين ماء ، وإذا حوله سباع كثيرة ، قد وردت ، وهي تشرب من الماء ، فإذا زأر سبع (2) منها على صاحبه ضربه بيده ، وقال : كف حتى يشرب الذي ورد قبلك ، فلما رأيته وما حوله من السباع هالني ذلك ، ودخلني رعب شديد ، فقال : لا تخف ، لا بأس عليك إن شاء الله ، وإذا أنا بقبرين بينهما مسجد ، فلما آنست به ، قلت : ما هذان القبران ؟ فقال : هذان القبران لأخوين لي ، كانا يعبدان الله في هذا الموضع ، واتخذت فيما بينهما مسجدا ، أعبد الله فيه ، حتى ألحق بهما ، ثم ذكر أيامهما ، وفعالهما ، فبكى ، ثم قال : خليلي هبا طال ما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد وما لي فيه من حبيب سواكما أقيم على قبريكما لست بارحا طوال الليالي أو يجيب صداكما سأبكيكما طول الحياة وما الذي يرد على ذي عولة إبكاكما كأنكما والموت أقرب غاية بروحي في قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية لجدت بنفسي أن تكون فداكما ورواه سعد بن أبي وقاص أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن البغوي الخراساني ، حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح ، حدثنا علي بن محمد المدائني ، حدثنا محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : قدم وفد ربيعة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألهم عن قس بن ساعدة ، وكان نازلا فيهم ، فذكر الحديث
__________
(1) البر : اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان والصدق والطاعة وحسن الصلة والمعاملة
(2) السبع : كل ما له ناب يعدو به

(1/53)


43 - ورواه أنس بن مالك أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد العمركي بسرخس ، حدثنا أبو لبابة محمد بن المهدي ، أخبرني أبي ، حدثنا أبو مالك سعيد بن هبيرة الكعبي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك ، قال : قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما فعل قس بن ساعدة الإيادي ؟ » قالوا : هلك . قال : « أما إني رأيته بسوق عكاظ ، يتكلم بكلام معجب ما أراني أحفظه » . فقال بعض القوم : نحن نحفظ يا رسول الله . فقال : « هاتوا » . فقالوا : إنه وقف بسوق عكاظ ، فقال : يا أيها الناس ، اجتمعوا ، واسمعوا ، وعوا ، كل من عاش مات ، وكل من مات فات ، وكل ما هو آت آت ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، ونجوم تزهر ، وبحار تزخر ، وجبال مرساة ، وأنهار مجراة ، إن في السماء لخبرا ، إن في الأرض لعبرا ، أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ، أرضوا بالمقام ، فأقاموا ، أم تركوا فناموا ، ثم أنشأ ، يقول : يقسم قس قسما بالله ، لا إثم فيه إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه ، ثم أنشأ يقول : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للمو ت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر

(1/54)


حديث آخر

(1/55)


44 - أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق ، حدثني أبو علقمة ، أخبرني أبي ، عن نصر بن علقمة ، عن أخيه محفوظ بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي ، حدثني سلمة بن نفيل التراغمي ، : أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حين جاءه رجل ، فقال : يا رسول الله ، والله لقد رأيت عجبا ما رآه رجل قبلي إني غدوت (1) من أهلي اليوم أضحي غنيمة لي ، فعدا (2) الذئب فأخذ منها حملا ، فاتبعته أطلبه ، أريد أن أستنفذ منه حملي إن استطعت ، فلما أدركته وضع الحمل ، وأقبل يكلمني ، فقال : أيها الرجل ، ارجع ، فوالله لا تستنقذه اليوم ، فقلت : والله ما رأيت في العجب كاليوم قط (3) ، إن الذئب يتكلم ، فقال : بل أنبئك بأعجب منه : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وراءك بالنخلات ، يحدثكم بالوحي من السماء ، فذاك أعجب من ذئب رزقه الله حملا فقال : والذي أنزل عليك الكتاب ، ما جلست منذ تكلم الذئب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صدقت ، يوشك أحدكم أن يحدثه فخذه وعصاه بما فعل أهله بعده ، فهي العجائب بين يدي الساعة »
__________
(1) الغُدُو : السير أول النهار
(2) عدا : هجم واعتدى
(3) قط : بمعنى أبدا ، وفيما مضى من الزمان

(1/56)


حديث

(1/57)


45 - أبو عبيدة ، عن جابر بن زيد ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني رأيت إخواني » قالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ؟ قال : « بل أنتم أصحابي ، وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي ، وأنا فرطهم على الحوض » قالوا : يا رسول الله ، كيف تعرف من يأتي بعدك ؟ قال : « أرأيتم لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ، ألا يعرف خيله ؟ » قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : « فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض ، وليذادن رجال عن حوضي كما يزاد البعير الضال فأناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ، فأقول : فسحقا فسحقا »

(1/58)


حديث

(1/59)


46 - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا عبيد بن شريك ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد بن عمرو المعافري ، أن أبا سلمى القتباني ، حدثه عن عقبة بن عامر الجهني ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا يرتادون (1) لأهليهم ، فأخذهم المطر ، فآووا تحت صخرة ، فانطبقت عليهم ، فنظر بعضهم إلى بعض ، فقالوا : لا ينجيكم من هذا إلا الصدق ، فليدع كل رجل منكم بأفضل عمل عمله ، فقال أحدهم : اللهم إنه لي ابنة عم ، حسناء جميلة ، فأردتها على نفسها ، فامتنعت علي ، ثم إنه أصابتها سنة ، فعرضت عليها أن أعطيها مئة دينار ، وتمكني من نفسها ، ففعلت ذلك ، فلما كنت بين رجليها ، أخذتها رعدة ، قلت : ما شأنك ؟ قالت : إني أخاف الله ، قال : فتركتها ، وتركت لها المئة دينار ، اللهم إن كنت تعلم أني إنما صنعت هذا ابتغاء (2) رضاك ، واتقاء (3) سخطك ، فافرج عنا ، فانفرجت الصخرة حتى رأوا منها الضوء ، ثم قال الآخر : اللهم ، إنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكانت لي غنم أرعاها عليهما ، فكنت إذا رحت بها ، جئتهما فبدأت بهما قبل ولدي وأهلي (4) ، فنأ بي الشجر يوما ، فجئت وقد ناما ، فحلبتها ، ثم أتيت بالإناء إليهما ، فوقفت عليهما ، وهما نائمان ، فكرهت أن أوقظهما ، وكرهت أن أبدأ بصبيتي قبلهما ، فلم أزل واقفا عليهما حتى انفجر الفجر ، اللهم ، إن كنت تعلم أني صنعت هذا ابتغاء رضاك ، واتقاء سخطك فافرج عنا ، فانصدعت (5) الصخرة صدعة (6) أخرى ، ثم قال الثالث : كنت في غنم أرعاها ، فحضرت الصلاة ، فقمت أصلي ، فجاء الذئب ، فدخل في الغنم ، فكرهت أن أقطع صلاتي ، فصبرت حتى فرغت من صلاتي ، اللهم إن كنت تعلم أني إنما صنعت هذا ابتغاء مرضاتك ، واتقاء سخطك ، فافرج عنا ، قال : فانفرجت الصخرة . قال عقبة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يحكيها حين انفرجت قالت : طاق ، فخرجوا منها »
__________
(1) يرتاد لأهله : يلتمس لهم كلأ وغيره
(2) الابتغاء : الاجتهاد في الطلب
(3) الاتقاء والتقوى : الخوف والحذر وتجنب ما تخافه وتحذره
(4) الإهلال : رفع الصوت بالتلبية
(5) انصدع : انشق وانفرج
(6) الصدع : الشق

(1/60)


47 - ورواه ابن عمر أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن أيوب النقاش ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن سلام ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري ، حدثنا عمر بن حمزة العمري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق (1) الأرز ، فليكن مثله » ، قالوا : يا رسول الله ، وما كان صاحب فرق الأرز ؟ قال : « خرج ثلاثة نفر يمشون ، فغيمت السماء عليهم ، فدخلوا في غار ، فجاءت صخرة ، فطبقت عليهم باب الغار ، فعالجوها ، فإذا صخرة ممتنعة ، فقال بعضهم لبعض : وقعنا في أمر عظيم يا قوم ، تعالوا ، فليدع كل واحد منا بأحسن ما كان يعمل ، لعل الله أن ينجينا فقال أحدهم : اللهم ، إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، فكنت أحلب حلابهما ، فأجيء به ، فوجدتهما قد ناما ، فكرهت أن أوقظهما من نومتهما ، أو أبدأ بأحد قبلهما ، وصبيتي يتضاغون (2) حولي ، فأكون كذلك حتى يسطع عمود الصبح ، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ، فافرج عنا فتحركت الصخرة ، قال : وقال الثاني : اللهم ، إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم ، ولم يكن شيء فيه الروح أحب إلي منها ، فسمتها نفسها ، فقالت : لا والله ، دون مئة دينار ، فجمعتها ، ثم جلست منها مجلس الرجل ، فقالت : اتق الله ، ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك فافرج عنا ، فراثت الصخرة حتى بدت لهم السماء ، وقال الثالث : اللهم ، إنك تعلم أني كنت استأجرت أجيرا بفرق من أرز حتى إذا كان عند المساء عرضت عليه أجره ، فلم يأخذه ، وانطلق وتركني ، فخرجت ، فاتجرت في أجره حتى اشتريت له بقرا وراعيها ، فلقيني بعد حين ، فقال : اتق الله ، وأعطني أجري ، فقلت : خذ هذا البقر وراعيها ، فقال : اتق الله وأعطنيه ، ولا تسخر بي ، فقلت : لست أسخر بك ، إنما هي أجرك ، فانطلق ، فاستقها ، وراعيها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ، فافرج عنا ، فتدحرجت الصخرة ، فخرجوا يمشون » وأخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن عمر بن حمزة حدثنا سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز ، فليكن مثله » . فذكر مثله
__________
(1) الفرق : مكيال يسع ستة عشر رطلا وهي اثنا عشر مدا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز
(2) يتضاغون : يرفعون أصواتهم بالصراخ والعويل

(1/61)


48 - ورواه موسى بن عقبة عن نافع أخبرنا أبو محمد عبد الله بن خالد بن رستم ، وعبد الله بن الحسن بن بندار ، قالا : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، حدثنا داود بن مهران الدباغ ، حدثنا داود العطار ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بينما نفر ثلاثة ، يمشون أخذهم المطر ، فآووا إلى غار في جبل ، فانحطت (1) عليهم في غارهم صخرة من الجبل ، فأطبقت عليهم ، فقال بعضهم : انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة ، فادعوا الله عز وجل بها ، فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وامرأتي وصبية صغار ، فكنت أرعى عليهم ، فإذا رحت عليهم فحلبت ، بدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني ، وأنه نأى الشجر ، فلم آت حتى أمسيت ، فوجدتهما قد ناما ، فحلبت كما كنت أحلب ، فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما ، وهم يتضاغون (2) عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبي (3) ودأبهم حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ، ففرج لهم فرجة ، فرأوا منها السماء ، وقال الآخر : إنه كانت لي ابنة عم ، فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فطلبت إليها نفسها ، فأبت حتى آتيها مئة دينار ، فسعيت حتى جمعت مئة ، فجئتها بها ، فلما قعدت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج لنا فرجة ، ففرج الله لهم ، وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه ، فتركه ورغب عنه ، حتى اشتريت له بقرا وراعيها ، فرعيتها له ، فجاءني ، فقال : اتق الله ، ولا تظلمني ، وأعطني حقي ، فقلت له : اذهب إلى تلك البقر وراعيها فخذه ، فأخذه فذهب ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما بقي ففرج الله عنهم ، فخرجوا »
__________
(1) انحط : هبط وسقط
(2) يتضاغون : يرفعون أصواتهم بالصراخ والعويل
(3) الدأب : الشأن والعادة

(1/62)


49 - ورواه ابن جريج عن موسى بن عقبة أخبرنا أبو الفيض أحمد بن محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن خزيم ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، أخبرني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بينما ثلاثة نفر يمشون إذ أخذهم المطر ، فآووا إلى غار في جبل ، فانحطت (1) في غارهم صخرة من الجبل ، فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله ، فادعوا الله بها ، لعله أن يفرجها ، فقال أحدهم : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، وامرأتي ، ولي صبية صغار ، فكنت أرعى عليهم ، حلبت فبدأت ، وكنت أبدأ بالوالدين أسقيهما قبل بني ، فلم آتهما حتى أمسيت ، فوجدتهما قد ناما ، فحلبت كما كنت أحلب ، فجئت بالحلاب ، فقمت عند رءوسهما ، أكره أن أوقظهما من نومهما ، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما ، والصبية يتضاغون (2) عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبي (3) ودأبهم حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ، ففرج الله منها فرجة ، فرأوا منها السماء ، فقال الآخر : اللهم إني كانت لي بنت عم ، أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء ، فطلبت إليها نفسها ، فأبت حتى آتيها بمائة دينار ، فسعيت حتى جمعت مئة دينار ، فجئتها بها ، فلما وقعت (4) بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ، ولا تفضض الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منه فرجة ، ففرج الله لهم فرجة ، وقال الآخر : اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه فرقه ، فتركه ، ورغب عنه ، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها ، فجاءني ، فقال : اتق الله ، ولا تظلمني ، أعطني حقي ، فقلت : اذهب إلى تلك البقر وراعيها ، فخذها قال : اتق الله ، لا تهزأ بي ، فقلت : إني لا أهزأ بك ، فخذ تلك البقر وراعيها ، فأخذها ، فذهب بها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرجها ففرجها عنهم » ورواه أبو هريرة وأنس أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، ح وأخبرنا عبد الله بن الحسن بن بندار ، حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، قالا : حدثنا عمران القطان ، عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم ، يرتادون لأهاليهم ، فأصابتهم السماء » . فذكر الحديث وأخبرنا أبو عمرو عبد الملك بن الحسن ، أخبرنا أبو مسلم الكشي ، أخبرنا عمرو بن مرزوق ، أخبرنا عمران ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لأهليهم »
__________
(1) انحط : هبط وسقط
(2) يتضاغون : يرفعون أصواتهم بالصراخ والعويل
(3) الدأب : الشأن والعادة
(4) وقعت : جلست

(1/63)


50 - وأخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، ح وأخبرنا عبد الله بن الحسن ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد بن مسرهد ، قالا : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خرج ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم ، يرتادون (1) لأهليهم فأصابتهم السماء ، فجاءوا إلى جبل ، فوقع عليهم الحجر ، فقال بعضهم لبعض : قد عفا الأثر ، ووقع الحجر ، ولا يعلم مكانكم إلا الله عز وجل ، فادعوا الله بأوثق (2) أعمالكم ، فقال أحدهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما ، فإذا أتيتهما وهما نائمان ، فقمت قائما حتى يستيقظان متى استيقظا ، وكرهت أن تدور سنتهما في رءوسهما ، فإذا استيقظا شربا ، فإن كنت تعلم إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك ، ففرج عنا قال : فزال ثلث الحجر ، وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنها كانت امرأة تعجبني ، فأبت أن تمكني من نفسها حتى جعلت لها جعلا (3) ، فلما أخذتها وفرت لها نفسها ، وجعلها ، فإن كنت تعلم إنما فعلت ذلك خشية عذابك ، ورجاء رحمتك ، ففرج عنا ، فزال ثلث آخر ، وقال الثالث : اللهم ، إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا يعمل لي يوما ، فعمل ، فلما كان الليل أعطيته أجره ، فسخطه ، فلم يأخذه ، فأخذت أجره ، فوفرت عليه حتى صار من كل المال ، ثم أتاني يطلب أجره ، فقلت : خذ هذا كله ، ولو شئت لم أعطه إلا أجره ، فإن كنت تعلم إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ، وخشية عذابك ، ففرج عنا ، فزال الثلث الآخر ، وخرجوا يتماشون » لفظ حديث أبي داود الطيالسي
__________
(1) يرتاد لأهله : يلتمس لهم كلأ وغيره
(2) أوثق : أفضل وأحسن
(3) الجعل : الأجْرة على الشيء فعْلاً أو قولا أو هو العطاء

(1/64)


51 - ورواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عبد الله بن الحسن بن بندار ، حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا حنش بن الحارث ، عن أبيه ، عن علي ، رضي الله عنه قال : حدثنا أبو جعفر الهمداني ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا أشعث بن شعبة ، عن حنش بن الحارث ، عن أبيه ، عن علي ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « انطلق قوم إلى حاجة لهم ، فآووا إلى كهف ، فسقط عليهم الكهف ، فقالوا : يا هؤلاء ، اتقوا ربكم بأحسن أعمالكم »

(1/65)


52 - ورواه النعمان بن بشير بلفظ آخر أخبرنا أبو بكر أحمد بن مالك القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه ، حدثني عبد الصمد بن معقل ، قال : سمعت وهبا ، يقول : حدثني النعمان بن بشير ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرقيم (1) ، قال : « هم ثلاثة نفر كانوا في كهف ، فوقع الجبل على باب الكهف ، فأوصد (2) عليهم ، فقال قائل منهم : تذكروا أيكم عمل حسنة ، لعل الله برحمته أن يرحمنا ، فقال رجل منهم : قد عملت حسنة مرة ، كان لي أجراء يعملون ، فجاءني عمال لي ، فاستأجرت كل واحد منهم بأجر معلوم ، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار ، فاستأجرته بشطر (3) أصحابه ، فعمل في بقية نهاره كما عمل كل رجل منهم في نهاره كله ، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه ؛ لما جهده في عمله ، فقال رجل منهم : أتعطي هذا مثلما أعطيتني ، ولم يعمل إلا نصف نهار ؟ فقلت : يا عبد الله ، لن أبخسك (4) شيئا من شرطك ، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت ، قال : فغضب ، وذهب ، وترك أجره قال : فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله ، ثم مرت بي بعد ذلك بقر ، فاشتريت به فصيلة (5) من البقر ، فبلغت ما شاء الله ، فمر بي بعد حين شيخ كان ضعيفا لا أعرفه ، فقال : إن لي عندك حقا فذكرنيه ، حتى عرفته ، فقلت : إياك أبغي ، هذا حقك ، فعرضتها عليه جميعها ، فقال : يا عبد الله لا تسخر بي ، إن لم تتصدق علي ، فأعطني حقي ، قلت : والله ما أسخر بك ، إنها لحقك ، ما لي منها شيء ، فدفعتها إليه جميعا ، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا قال : فانصدع (6) الجبل حتى رأوا منه وأبصروا قال الآخر : قد عملت حسنة مرة ، كان لي فضل ، فأصابت الناس شدة ، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا ، قال : فقلت : والله ما هو دون نفسك فأبت علي ، فذهبت ، ثم رجعت ، فذكرتني بالله ، فأبيت عليها ، وقلت : لا والله ، ما هو دون نفسك ، فأبت عليه ، وذهبت ، فذكرت لزوجها ، فقال لها : أعطيه نفسك ، وأغني عيالك ، فرجعت إلي ، فناشدتني بالله ، فأبيت ، وقلت : والله ما هو دون نفسك ، فلما رأت ذلك أسلمت إلي نفسها ، فلما تكشفتها ، وهممت لها ، ارتعدت (7) من تحتي ، فقلت لها : ما شأنك ؟ قالت : أخاف الله رب العالمين ، قلت لها : خفتيه في الشدة ، ولم أخفه في الرخاء فتركتها ، وأعطيتها ما يحق علي بما تكشفتها ، اللهم ، إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا قال : فانصدع حتى عرفوا ، وتبين لهم قال الآخر : قد عملت حسنة مرة ، كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكانت لي غنم ، فكنت أطعم أبوي وأسقيهما ، ثم رجعت إلى غنمي قال : فأصابني يوما غيث حبسني ، فلم أبرح (8) حتى أمسيت ، فأتيت أهلي ، فأخذت محلبي (9) ، فحلبت وغنمي قائمة ، فمضيت إلى أبوي ، فوجدتهما قد ناما ، فشق علي أن أوقظهما ، وشق علي أن أترك غنمي ، فما برحت جالسا ، ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح ، فسقيتهما ، اللهم إن كنت فعلت لوجهك فافرج عنا » . قال النعمان : لكأني أسمع هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الجبل طاق ، ففرج الله تعالى وتقدس عنهم ، فخرجوا » وأخبرنا أبو الفيض أحمد بن محمد بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن خزيم ، حدثنا عبد بن حميد ، ح وأخبرنا الوليد بن أحمد الزوزني أبو العباس ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ، حدثنا محمد بن عوف ، قالا : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، بإسناده نحوه
__________
(1) الرقيم : قرية أصحاب الكهف أو جبلهم أو كلبهم أو الوادي أو الصخرة أو لوح به قصتهم
(2) أوصد : أغلق
(3) الشطر : النصف
(4) الْبَخْسُ : النَّقْصُ
(5) الفصيل : ما فصل عن أمه
(6) انصدع : انشق وانفرج
(7) الارتعاد : الرجفة والاضطرب من الخوف
(8) برح المكان : زال عنه وغادره
(9) المحلب : إناء يحلب فيه

(1/66)


53 - ورواه عمرو بن شرحبيل ، عن النعمان بن بشير وأخبرنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الكرابيسي ، حدثنا أحمد بن نجدة بن العريان ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن أبي عبيدة ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كان ثلاثة يمشون في غب سماء ، إذ مروا بغار ، فقالوا : لو أويتم إلى هذا الغار فآووا إلى الغار ، فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنكم لن تجدوا شيئا خيرا من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله . فقال أحدهم : اللهم كنت رجلا زراعا ، وكان لي أجراء ، وكان رجل يعمل بعمل رجلين ، فأعطيته أجره كما أعطيته الأجراء ، فقال : أعمل بعمل رجلين ، فتعطيني أجر رجل ، فغضب ، فانطلق ، وترك أجره عندي ، فبذرته على حدة ، فأضعف ، ثم بذرته على حدة ، فأضعف حتى كثر الطعام ، فصار كداسا » وذكر الحديث وأخبرنا الطبراني ، إملاء ، حدثنا محمد بن عبدوس ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، مثله

(1/67)


54 - ورواه خلاس ، عن أبي هريرة أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عوفا ، قال : لا أعلم إلا أني سمعت خلاسا ، يقول : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ذهب ثلاثة نفر رادة لأهليهم ، فأخذهم مطر ، فلجؤوا إلى غار ، فوقع على فم الغار حجر ، فسد عليهم فم الغار ، ووقع متجاف عنهم قال : فقال النفر بعضهم لبعض : وقع المطر ، وعف الأثر ، ووقع الحجر ، ولا يعلم بمكانكم الآن إلا الله عز وجل ، فتعالوا فليدع كل رجل منكم بأوثق (1) عمل عمله قط لله عز وجل عسى أن يخرجكم من مكانكم قال : قالوا : خذ يا فلان ، قال أحدهم : اللهم إن كنت تعلم أني كنت برا (2) بوالدي ، وإني أرحت غنمي ليلة ، وكنت أحلب لأبوي ، فآتيهما وهما مضطجعان على فراشهما حتى أسقيهما بيدي ، وإني أتيتهما ليلة من تيك الليالي ، وجئت بشرابهما ، فوجدتهما قد ناما ، وإني جعلت أرغب لهما في نومهما ، وأكره أن أوقظهما ، وأكره أن أرجع بالشراب ، فيستيقظا ولا يجداني عندهما ، فقمت مكاني قائما على رؤوسهما لذلك حتى أصبحت ، اللهم إن كنت تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج عنا ، فانصدع (3) الحجر ، قال الثاني : اللهم إن كنت تعلم أني أحببت ابنة عم لي حبا شديدا ، وإني طلبتها إلى أهلها ، وإنهم منعونيها ، وإني لم أزل عنها حتى جعلت لها ما رضيت به بيني وبينها ، ثم دعوتها ، فخلوت بها ، فقعدت منها مقعد الرجل من المرأة ، فقالت لي : لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه قال : فانقبضت إلى نفسي ، ووفرت جعلها ونفسها ، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، قال : فازداد الحجر انفراجا . قال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أني عمل لي عامل على صاع (4) من طعام ، فانطلق العامل ، ولم يأخذ صاعه ، فاحتبس علي طويلا من الدهر ، وإني عمدت إلى صاعه فحرثته ، فزكى ، فمازلت أحرثه ويزكوا حتى اجتمع من ذلك الصاع بقر كثير ، وشاء كثير ، ومال كثير ، وإن ذلك العامل أتاني بعد زمان يطلب الصاع من الطعام ، وإني قلت له : إن صاعك ذاك من الطعام ، قد صار مالا كثيرا ، وشاء كثيرا ، وبقرا ، فخذها ، كله ، فإنه من ذلك الصاع قال : أتسخر ؟ قلت له : لا والله ، ولكنه الحق قال : فانطلق به يسوق ذلك المال أجمع قال : اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، فانفلق الحجر ، فوقع ، فخرجوا يتماشون »
__________
(1) أوثق : أفضل وأحسن
(2) بر الوالدين : التوسع في الإحسان إليهما ووصلهما
(3) انصدع : انشق وانفرج
(4) الصاع : مكيال المدينة تقدر به الحبوب وسعته أربعة أمداد ، والمد هو ما يملأ الكفين

(1/68)


حديث جريج

(1/69)


55 - أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم البزار ، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا أحمد بن أبي شعيب ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن محمد بن شرحبيل ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج الراهب ، كان جريج الراهب يصلي في صومعته (1) ، فأتته أمه ، فقالت : يا جريج ، فقال : أمي وصلاتي ، ثم أقبل على صلاته ، ثم قالت : يا جريج ، قال : أمي وصلاتي ، ثم أقبل على صلاته ، فقالت : يا جريج ، قال : أمي وصلاتي ، ثم أقبل على صلاته ، فقالت : اللهم لا تمته حتى ينظر في وجه المومسات قال : وكان يأوي (2) إلى صومعته راعي بقر وإبل ، وكانت تخرج إليه امرأة من القرية ، فيفجر ، فحملت ، فولدت غلاما ، فسئلت ممن حملت ؟ فقالت : من جريج الراهب ، فرفع ذلك إلى الملك ، فقال : انطلقوا إلى صومعته ، فاهدموها ، فلم يعلم ، حتى جيء ، فأخذ ، فجمعت يده إلى عنقه ، ثم انطلق به إلى الملك ، فلما سمع بذلك المومسات (3) صففن له على طريقه ، ينظرن إليه ، فلما رآهن تبسم ، فلما أتى الملك قال : أنت جريج الراهب ، يأتيك الناس يسألونك ، فتفتيهم ، وأنت تعمل بالفجور (4) قال : من يقول ذاك ؟ قال : هذه المرأة ، قال : ائتوني بابنها ، فأتي به ، فأخذه ، فوضعه في حجره ، وقال : يا صبي ، من أبوك ؟ قال : راعي البقر ، قال : أفرأيت تبسمك حين مررت بالمومسات ؟ قال : ذكرت دعوة أمي فتبسمت . قال : تريد أن نجعل إسطوانتك من ذهب ؟ قال : لا . قال : من فضة ؟ قال : لا . قال : فما تريد ؟ قال : أن تعيدها كما كانت . قال : فما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جريج الراهب »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) أوى وآوى : ضم وانضم ، وجمع ، حمى ، ورجع ، ورَدَّ ، ولجأ ، واعتصم ، ووَارَى ، وأسكن ، ويستخدم كل من الفعلين لازما ومتعديا ويعطي كل منهما معنى الآخر
(3) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها
(4) الفجور : الميل عن القصد والسداد والانبعاث في المعاصي ، وقيل هو الزنا

(1/70)


56 - وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد الصفار ، حدثنا محمد بن هارون الحضرمي ، حدثنا خالد بن يوسف ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كان رجل في بني إسرائيل تاجرا ، فكان ينقص مرة ، ويزيد مرة أخرى ، فقال : ما لي في هذه التجارة من خير ، لألتمس تجارة لا نقصان فيها ، فأتى صومعة (1) ، فترهب فيها ، فكان اسمه جريج ، فكان يريح إلى صومعته راعي ضأن ، وراعية معزى قال : وإن أم جريج أتته يوما ، فصرخت ، وهو قائم يصلي ، فقالت : جريج ، فقال جريج : أمي والصلاة ، ثم قالت : جريج ، فلم يجبها ، فقال : أمي والصلاة قال : فذهبت ، ثم أتته يوما آخر ، فقالت : جريج ، فقال : أمي والصلاة ، فلم يجبها ، فقال : أمي والصلاة . قال : فذهبت أمه ، وقالت : اللهم لا تمت جريجا حتى ينظر في وجوه المياميس قال : ووقع صاحب الضأن على صاحبة المعزى ، فأحبلها ، فقيل لها حين ولدت : ويحك ، ممن ولدت ؟ فقالت : من جريج قال : فذهبوا إلى الملك ، فأخبروه ، فقال : أنزلوه ، وائتوني به ، وكسروا صومعته ، فأنزلوه ، فقال : ويحك يا جريج كنا نراك خير الناس ، فاحتبلت هذه المرأة ، اذهبوا به ، واصلبوه . قال : فخرج إلى الناس ، وخرج الناس معه حتى أنشئ ، وبرز قال : أرأيتم هذا الذي تزعمون أنه ابني ، أروني أنظر إليه قال : فأتي بالمرأة ، والصبي ، فمه في ثديها ، فقال جريج : يا غلام ، من أبوك ؟ فقال الغلام ، ونزع فمه من الثدي : أبي راعي الضأن قال : فسبح الناس ، وعجبوا ، قال : فضحك ، فذهبوا إلى الملك ، فأخبروه ، فقال : ردوه ، فأتي به ، فقال : يا جريج ، فلنصنعها لك كيف شئت ، والله لئن شئت لنبنيها لك من ذهب وفضة ، قال : بل ردوها كما كانت . قال : فردوها ، ورجع في صومعته ، فقال له : بالله ، مم ضحكت ؟ قال : ما ضحكت إلا من دعوة دعتها أمي علي »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان

(1/71)


57 - ورواه عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد ، عن أبي هريرة أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبدويه ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثنا الحسن بن عمرو ، عن مجاهد ، قال : نزلت على عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد ، فاحتبس ذات ليلة ، ثم جاء ، فقال : عشيتم ضيفكم ؟ قالوا : انتظرناك ، قال : شغلني أبو هريرة ، قلت : وما حدثك أبو هريرة ؟ قال : حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم : « كان رجل في بني إسرائيل ، يقال له : جريج ، وكان في صومعته (1) ، وكانت راعية تأوي (2) إليه ، وكانت أمه تأتيه في الأيام ، فإذا سمع صوتها قطع صلاته ، وكلمها ، فجاءته مرة فدعته ، فقال : اللهم صلاتي ووالدتي ، فلم يجبها ، فقالت : اللهم إن كان يسمع صوتي ، ثم لا يجيبني فلا تمته حتى ينظر في أعين المومسات ، يعني الزواني ، وكان في قوم ينكرون الزنا ، فحملت الراعية ، فقيل لها : ممن ولدت ؟ قالت : من جريج الراهب ، فأتاه قومه ، فدعوه ، فقال : اللهم صلاتي وقومي ، فجعل لا يجيبهم ، فلم يدعوه حتى استنزلوه ، فقالوا : إن هذه تزعم أنها ولدت منك ؟ قال : فضحك ، ثم توضأ وصلى ركعتين ، ثم مشى قبل الصبي ، فوضع عليه يده ، فقال : من أبوك ؟ قال : فلان الراعي ، كان يأوي (3) الليل إلى الدير (4) معها ، فقال له قومه : إن شئت بنيناها لك من ذهب وفضة ، قال : لا حاجة لي بذلك ، قيل : فمم ضحكت ؟ قال : ضحكت أن والدتي دعت الله أن لا يميتني حتى أنظر في وجوه المومسات (5) » . قال : « والذي نفسي بيده ، لو دعت أن يخزيه لأخزاه ، ولكن دعت أن ينظر ، فنظر »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) تأوي : ترجع
(3) أوى وآوى : ضم وانضم ، وجمع ، حمى ، ورجع ، ورَدَّ ، ولجأ ، واعتصم ، ووَارَى ، وأسكن ، ويستخدم كل من الفعلين لازما ومتعديا ويعطي كل منهما معنى الآخر
(4) الدير : مكان ينقطع فيه الرهبان للعبادة
(5) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها

(1/72)


58 - ورواه محمد بن سيرين أخبرنا أبو الفضل الكرابيسي محمد بن عبد الله بن حمرويه ، بهراة ، حدثنا أبو علي الحسين بن إدريس الأنصاري ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا جرير بن حازم ، حدثنا محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج ، وكان جريج رجلا عابدا ، اتخذ صومعة (1) ، فكان فيها ، فأتته أمه ، وهو يصلي ، فقالت : يا جريج ، فقال : يا رب ، أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فانصرفت ، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي ، فقالت : يا جريج ، فقال : يا رب ، أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فانصرفت ، فلما كان من الغد أتته ، وهو يصلي ، فقالت : يا جريج ، فقال : يا رب ، أمي وصلاتي ، فأقبل على صلاته ، فقالت : اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات (2) ، فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته ، وكانت امرأة بغي (3) يتمثل (4) بحسنها ، فقالت : إن شئتم لأفتننه ، قال : فتعرضت له ، فلم يلتفت إليها ، فأتت راعيا كان يأوي (5) إلى صومعته ، فأمكنته من نفسها ، فوقع عليها ، فحملت ، فلما ولدت قالت : هو من جريج ، فأتوه ، فاستنزلوه ، وهدموا صومعته ، وجعلوا يضربونه ، قال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي فولدت منك غلاما ، قال : أين الصبي ؟ فجاءوا به قال : دعوني حتى أصلي ، فلما انصرف أتى الصبي ، فطعن في بطنه ، وقال : بالله يا غلام ، من أبوك ؟ قال : فلان الراعي ، قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به ، وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب قال : لا ، أعيدوها كما كانت ، ففعلوا وبينما صبي يرضع من أمه ، فمر رجل راكب على دابة فارهة (6) ، وشارة (7) حسنة ، فقالت أمه : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، فترك الثدي ، فأقبل إليه ، فنظر إليه ، فقال : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم أقبل على ثديه ، فجعل يرضع » . قال : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة (8) ، أدخلها في فيه ، فجعل يمصها قال : « فمر بجارية ، وهم يضربونها ، ويقولون : زنيت وسرقت ، وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل . قال : فقالت أمه : اللهم لا تجعل ابني مثلها ، فترك الرضاع ، ونظر إليها ، وقال : اللهم اجعلني مثلها ، وهنالك تراجعا الحديث ، فقالت : خالفتني من رجل حسن الشارة ، فقلت : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ، فمررنا بهذه ، وهم يضربونها ، ويقولون : سرقت ، زنيت ، فقلت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذا ، فقلت : اللهم اجعلني مثلها ، قال : إن ذلك الرجل كان جبارا ، فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ، وإن هذه يقولون لها : زنيت ولم تزن ، وسرقت ولم تسرق ، فقلت : اللهم اجعلني مثلها »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها
(3) البغي : الزانية التي تجاهر بالزنا وتتكسب منه
(4) يتمثل بحسنها : يضرب بها المثل في الحسن
(5) أوى وآوى : ضم وانضم ، وجمع ، حمى ، ورجع ، ورَدَّ ، ولجأ ، واعتصم ، ووَارَى ، وأسكن ، ويستخدم كل من الفعلين لازما ومتعديا ويعطي كل منهما معنى الآخر
(6) الفاره : الخفيف النشيط الماهر
(7) الشارة : الهيئة والملبس الحسن الذي يُتعجب منه ويُشار إليه
(8) السبابة : الأصبع التي تلي الإبهام ويشار بها في التشهد

(1/73)


59 - أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد الحافظ ، أنبأنا علي بن أحمد بن سليمان ، بمصر ، أن أبا الطاهر أحمد بن عمرو حدثهم ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « » نادت امرأة ابنها ، وهو في صومعة (1) ، فقالت : أي جريج ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، قالت : أي جريج ، فقال أمي وصلاتي ، قالت : أي جريج ، قال : أمي وصلاتي ، قالت : اللهم لا تمت جريجا حتى ينظر في وجوه المياميس ، وكانت تأوي (2) إلى صومعته راعية ترعى الغنم ، فولدت ، فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ قالت : من جريج ، فأنزل من صومعته ، قال جريج : أين هذه التي تزعم أن ولدها لي ؟ يا أبا بؤس ، من أبوك ؟ قال : راعي الغنم « » قال : وأخبرنيه عمرو بن الحارث ، عن أبي يونس ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) تأوي : ترجع

(1/74)


60 - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يونس ، حدثنا عبد الملك بن بشير القرشي ، حدثنا الأغلب بن تميم ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة ، قالت : « أهدت امرأة قدرة من لحم ورغيفا ، وقالت : هذه ليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غطيه عندك ، يأكل هذا الرغيف ، وهذا اللحم ، فقلت : يا فلانة : غطي هذه القدرة اللحم والرغيف . قالت : فغطيته ، وجاء سائل ، فقلت يرزقنا الله وإياك ، فلما أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم بعدما ذهب السائل ، قلت : يا فلانة ، أخرجي تلك القصعة (1) ، وما فيها قال : فجاءت بالقصعة ، فإذا فيها حجر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » ما هذا ؟ « ، قلت : والذي بعثك بالحق ، إن كانت لقدرة من لحم ورغيفا بعثت به فلانة قال : » جاءكم سائل فردتموه ، ولم تطعموه ؟ « ، قلت : نعم ، قال : » لا تردوا السائل ، ولو بشربة من ماء «
__________
(1) القصعة : وعاء يؤكل ويُثْرَدُ فيه وكان يتخذ من الخشب غالبا

(1/75)


61 - أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، أخبرنا عفان ، حدثنا حماد ، أنبأنا ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج ، كان يتعبد في صومعته (1) ، فأتته أمه ذات يوم ، فنادته ، فقالت : أي جريج ، أي بني ، أشرف (2) علي أكلمك ، أنا أمك ، أشرف علي ، فقال : أي رب صلاتي وأمي ، فأقبل على صلاته ، ثم عادت ، فنادته مرارا ، فقالت : أي جريج ، أي بني ، أشرف علي ، فقال : أي رب صلاتي وأمي ، فأقبل على صلاته ، فقالت : اللهم لا تمته حتى تراه المومسة (3) ، وكانت راعية ترعى غنما لأهلها ، ثم تأوي (4) إلى ظل صومعته ، فأصابت فاحشة (5) ، فحملت ، فأخذت ، وكان من زنى منهم قتل ، فقالوا : ممن ؟ قالت : من جريج صاحب الصومعة ، فجاءوا بالفؤوس والمرور ، فقالوا : أي جريج ، أي مرائي ، انزل ، فأبى (6) ، وأقبل على صلاته يصلي ، فأخذوا في هدم صومعته ، فلما رأى ذلك نزل ، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا ، فجعلوا يطوفون بهما في السكك ، فوضع إصبعه على بطنها ، فقال : أي غلام ، من أبوك ؟ قال : أبي فلان راعي الضأن ، فقالوا : إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة ، فقال : أعيدوها كما كانت »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) أشرف : أطل وأقبل واقترب وعلا ونظر وتطلع
(3) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها
(4) تأوي : ترجع
(5) الفاحشة : الزنا
(6) أبى : رفض وامتنع

(1/76)


62 - أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا إسماعيل القاضي ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن يوسف بن عبد الله ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : « تكلم من بني إسرائيل في المهد ثلاثة : عيسى ، وصاحب جريج ، وصاحب الحبشية . قال : بينما امرأة ترضع ولدها ، إذ رأت رجلا راكبا ، حسن الشارة ، فقالت : اللهم لا تمت ابني حتى تجعله مثل هذا ، فانتزع فمه من ثديها ، ثم قال : اللهم لا تجعلني مثل هذا ، ومر بحبشية تجر ، وقد قتلها أهلها ، قيل : هذه أمة بني فلان ، قتلها أهلها ، وزعموا أنها سرقت ، وزعموا أنها كذبت ، فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه ، فنزع فمه من ثديها ، وقال : اللهم اجعلني مثل هذه ، فقالت : دعوت الله أن يجعلك مثل الراكب الحسن الشارة ، فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ، ودعوت الله أن لا يجعلك مثل هذه الحبشية التي قتلها أهلها ، وزعموا أنها سرقت ، وأنها كذبت ، فقلت : اللهم اجعلني مثل هذه ، فقال : دعوت الله أن يجعلني مثل هذا المختال (1) ، فدعوت الله أن لا يجعلني مثله ، ودعوت الله أن لا يجعلني مثل هذه الأمة التي أدت حق مواليها ، فقتلوها ظالمين ، وزعموا أنها كذبت ، ولم تكذب ، وزعموا أنها سرقت ، ولم تسرق ، فقلت : اللهم اجعلني مثل هذه »
__________
(1) الاختيال : الكِبْرُ والعُجْبُ والزَّهْو

(1/77)


63 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، أنبأنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا شيبان ، وهدبة بن خالد ، وكل واحد منهما يزيد على صاحبه ، فذكرناه على أتمه ، أن سليمان بن المغيرة حدثهم ، عن حميد بن هلال ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان جريج يتعبد في صومعته ، فجاءته أمه ، فقالت : يا جريج ، أنا أكلمك ، كلمني . قال أبو هريرة رضي الله عنه : جعل يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفتها حتى قالت : هكذا ، ووصف يده اليمنى على جبينه . هذه رواية هدبة ، وأما شيبان ، فقال في حديث وصفه لنا أبو رافع صفة أبي هريرة ، يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه حين دعته ، كيف جعلت كفها فوق حاجبها ، ثم رفعت رأسها تدعوه ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، فكلمني ، فصادفته يصلي ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، فرجعت ، ثم عادت الثانية ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، فكلمني ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، زاد هدبة : فرجعت ، ثم جاءت الثالثة ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، فكلمني ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، إلى هاهنا زيادة هدبة . فقالت : اللهم إن هذا جريج ، وهو ابني ، وإني كلمته ، فأبى (1) أن يكلمني ، اللهم لا تمته حتى تريه المومسات (2) قال : ولو دعت عليه أن يفتن فتن قال : وكان راعي ضأن يأوي (3) إلى ديره (4) ذلك قال : فخرجت امرأة من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت ، فولدت غلاما ، فقيل لها : ما هذا ؟ قال : من صاحب هذا الدير (5) ، فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم ، فنادوه ، فصادفوه يصلي ، فلم يكلمهم ، فأخذوا يهدمون ديره ، فلما رأى ذلك نزل إليهم ، فقالوا : تفعل وتفعل . في رواية هدبة . وأما شيبان ، فقال في حديثه : فقالوا له : سل هذه ، فتبسم ، ثم مسح رأس الصبي ، فقال : من أبوك ؟ قال : فلان ، راعي الضأن ، فلما سمعوا ذلك منه ، ورأوا منه ما رأوا ، قالوا : نحن نبني لك ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال : لا ، ولكن أعيدوه ترابا كما كان » زاد شيبان في حديث : « ثم علاه »
__________
(1) أبى : رفض وامتنع
(2) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها
(3) أوى وآوى : ضم وانضم ، وجمع ، حمى ، ورجع ، ورَدَّ ، ولجأ ، واعتصم ، ووَارَى ، وأسكن ، ويستخدم كل من الفعلين لازما ومتعديا ويعطي كل منهما معنى الآخر
(4) الدير : بيت الرهبان والراهبات
(5) الدير : مكان ينقطع فيه الرهبان للعبادة

(1/78)


64 - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود ، حدثنا أحمد بن الخضر ، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا جامع بن زياد الكريزي ، حدثنا عمران بن خالد ، حدثنا محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تكلم في المهد ثلاثة : عيسى ، وصاحب جريج ، وشهد شاهد من أهلها »

(1/79)


65 - وأخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا الحسين بن جعفر القتات ، حدثنا عبيد بن يعيش ، حدثنا عروة بن محمد الأسدي ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تكلم في المهد ثلاثة : عيسى ، وصبي كان في حجر أمه يرضع منها ، فمر عليه فارس ، حسن الشارة ، فقالت : اللهم لا تمتني حتى ترني ابني مثل هذا ، قال : فنزع فمه من ثديها ، فقال : اللهم لا تجعلني مثله قال : ومر عليها بأمة سوداء ، تجر بحبل ، يقال : فجرت ، ولم تفجر ، فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه ، فقال : اللهم اجعلني مثل هذه ، فقالت : مر فارس ، فقلت : اللهم اجعل ابني مثل هذا ، فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ، ومر بسوداء ، فقلت : اللهم لا تجعل ابني مثلها ، فقلت : اللهم اجعلني مثلها ، فقال : يا أمه ، إن هذا جبار لا يؤمن بيوم الحساب ، وإن هذه الأمة مؤمنة ، يقال لها : فجرت ، ولم تفجر . وصاحب جريج : وكان جريج رجلا متعبدا في بني إسرائيل في صومعته (1) ، وكان الرعاة يبيتون في أصل صومعته ، فحملت جارية ممن كان يرعى ، فقيل لها : ممن هذا ؟ فقالت : من جريج ، فرفع ذلك إلى ملكهم ، فأتاه ، فقال له : انزل ، فأبى ، فأمر بصومعته أن تهدم ، فلما خاف أن يسقط نزل ، وكان من أمره : أن أمه جاءته ذات يوم ، وهو يصلي ، فنادت : يا جريج ، يا جريج ، فقال : يا رب أمي وصلاتي ، فصلى ، ولم يجبها ، ثم نادته الثانية ، فقال مثل ذلك ، ثم نادته الثالثة ، فقال مثل ذلك ، فقالت ، اللهم ، إن كان جريج سمع كلامي ، ولا يجيبني ، فلا تمته حتى تجمع بينه وبين المومسات (2) ، فلما أمر الملك أن يقتل قال : دعوني أصلي ركعتين ، قالوا : صل ما بدا لك ، فطالما غررت الناس بصلاتك قال : والناس إلى أهل الخير سراع ، قال : فصلى ركعتين ، ثم قال : اللهم ، تعلم أن أمي نادتني وأنا أصلي ، فآثرت (3) الصلاة لك على كلامها ، اللهم ، إن كنت تعلم أني صادق فخلصني من هذا ، فقيل له : ادع بالصبي ، فقال : أين الصبي ؟ قال : فأتي به ، فوضعه على فخذه ، ثم ضرب كتفه بيده اليمنى ، ثم قال : من أبوك يا غلام ؟ قال : فلان الراعي . قال : فقالوا : قد بهتناك يا جريج وضربناك ، دعنا حتى نبني لك صومعتك من ذهب قال : لا حاجة لي في ذلك ، أعيدوها كما كانت ، ففعلوا »
__________
(1) الصومعة : كل بناء متصمع الرأس ، أي : متلاصقه والمراد مكان العبادة للرهبان
(2) المومسة : الزانية الفاجرة التي تتكسب بزناها
(3) آثر : أعطى وأفرد وخص وفضل وقدم وميز

(1/80)


ذكر بيان النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى كان ينظر في عجائب البحر

(1/81)


66 - أخبرنا أبو بكر عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي ، حدثنا محمد بن أيوب بن يحيى الرازي ، أخبرنا عثمان بن مطيع السلمي الرازي ، حدثنا العلاء بن زيد ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خرج موسى نجي الله إلى البحر ، فجعل ينظر في عجائب البحر ، فإذا هو بصياد مشرك مجوسي خبيث ، أشرك بالله عز وجل ، وكفر به ، فألقى شبكته ، فطبعها سمكا ، ثم ألقاها الثانية فطبعها سمكا حتى ملأ سفينته ، ثم ولى وأشرك ، ثم جاء من بعده شيخ كبير مسلم ورع (1) ، فألقى الشبكة فلا شيء ، ثم ألقى الثانية ودعا ، فلا شيء ، ثم ألقى الثالثة ، وأمسى قال : يا رب ، عيالي وحاجتنا . قال : فإذا هو بسمكة قد وقعت في الشبكة قال : وموسى ينظر إليه ، فحمد الله ، وشكره ، وأثنى عليه ، وقال : هذا يبلغ عيالنا الليلة ، وانصرف حامدا لله شاكرا . قال موسى عليه السلام : يا رب ، عبد جاءك أشرك بك ، وكفر بك ، وجعل لك شركاء ، بسطت له رزقك ، وأوسعت عليه ، وأعطيته ، وجاءك عبدك المؤمن راضيا بك ، فقترت عليه ، وبسطت لهذا المشرك ، ويأكل رزقك ، ويمشي في أرضك ، ويعبد غيرك ؟ قال : يا موسى ، إن لي دارين ، فانظر إليهما قال : فأزلفت الجنة ، وقال : انظر داري هذه جعلتها لأوليائي ، وأهل طاعتي ، وأهل الصبر ، ثم قال : انظر إلى داري الأخرى ، فأخرج جهنم ، فزفرت ، فاستجار موسى عليه السلام منها بربه ، وقال : يا موسى ، ما ضر عبدي أياما معدودة ، قترت عليه معيشته ، فصبر ، ورضي بما رضيت له ، قدم علي ، وأنا عنه راض ، فأسكنته داري ، ما ضر ما كان فيه بالأمس ، وبسطت لعبدي هذا الذي أشرك بي في رزقي ، ويمشي في أرضي ، أسكنته داري هذه الأخرى ، ما نفعه ما كان فيه بالأمس ، ثم قال : ول وجهك يا موسى ، فولى وجهه ، قال : انظر إليهما ، الآن حفت (2) الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات قال : دخلوها وعزتك »
__________
(1) الورع : في الأصْل : الكَفُّ عن المَحارِم والتَّحَرُّج مِنْه، ثم اسْتُعِير للكفّ عن المُباح والحلال .
(2) الحف : الإحاطة

(1/82)


حديث سواد بن قارب

(1/83)


67 - أخبرنا أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن يوسف الضرير ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن النعمان التيمي ، حدثنا بشر بن حجر السامي ، حدثنا علي بن منصور الأبناوي ، عن عثمان بن عبد الرحمن ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : « بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، جالس في مسجد المدينة ، ومعه ناس ، إذ مر رجل في ناحية المسجد ، فقال له رجل من القوم : يا أمير المؤمنين ، أتعرف هذا ؟ قال : لا ، فمن هو ؟ قال : هذا رجل من أهل اليمن ، له فيهم شرف وموضع ، يقال له : سواد بن قارب ، وهو الذي أتاه رئيه بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر ، رضي الله عنه : علي به ، فدعي الرجل ، فقال له عمر : أنت سواد بن قارب ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : أنت الذي أتاك رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم قال : فأنت على ما كنت عليه من كهانتك ؟ قال : فغضب الرجل غضبا شديدا ، وقال : يا أمير المؤمنين ، ما استقبلني أحد بهذا منذ أسلمت ، فقال عمر : يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك ، أخبرني بإتيانك رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم يا أمير المؤمنين ، بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان ، إذ أتاني رئيي ، فضربني برجله ، وقال : قم يا سواد بن قارب ، فافهم واعقل إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من لؤي بن غالب ، يدعو إلى الله عز وجل ، وإلى عبادته ، ثم أنشأ الجني يقول عجبت للجن وتجساسها وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسها قال : فلم أرفع بقوله رأسا ، فقلت : دعني أنام ، فإني أمسيت ناعسا ، فلما أن كان الليلة الثانية أتاني ، فضربني برجله ، وقال : قم يا سواد بن قارب ، فافهم واعقل ، إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول ، من لؤي بن غالب ، يدعو إلى الله ، وإلى عبادته ، ثم أنشأ ، يقول : عجبت للجن وأخبارها وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمن الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم بين روابيها وأحجارها قال : فلم أرفع بقوله رأسا ، فقلت دعني ، فإني أمسيت ناعسا ، فلما كانت الليلة الثالثة ، أتاني ، فضربني برجله ، وقال : قم يا سواد بن قارب ، فافهم واعقل إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب ، يدعو إلى الله ، وإلى عبادته ، ثم أنشأ الجني يقول : عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ليس قداماها كأذنابها (1) قال : فوقع في قلبي حب الإسلام ، ورغبت فيه ، فلما أصبحت شددت على راحلتي (2) رحلها ، وانطلقت متوجها إلى مكة ، فلما كنت ببعض الطريق ، أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة ، فقدمت المدينة ، فسألت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هو في المسجد ، فانتهيت إلى المسجد ، فعقلت ناقتي ، ودخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس حوله ، فقلت : اسمع مقالتي يا رسول الله ، فقال : ادنه (3) ، فلم يزل يدنيني (4) ، حتى صرت بين يديه ، فقال : » هات فأخبرني بإتيانك رئيك « ، فقلت : أتاني نجيي بين هدء ورقدة ولم يك فيما قد بلوت (5) بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت من ذيل الإزار (6) ووسطت بي الذعلب الوجناء بين السباسب فأشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة يكون بمغن عن سواد بن قارب قال : ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا ، حتى رئي (7) ذلك في وجوههم قال : فوثب إليه عمر ، رضي الله عنه ، فالتزمه (8) ، وقال : لقد كنت أحب أن أسمع هذا الحديث منك ، فأخبرني عن رئيك ، هل يأتيك اليوم ؟ فقال : أما منذ قرأت كتاب الله عز وجل فلا ، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن »
__________
(1) الأذناب : جمع ذنب وهو الذيل
(2) الراحلة : البَعيرُ القويّ على الأسفار والأحمال، ويَقَعُ على الذكر والأنثى
(3) دنا : اقترب
(4) يدني : يقرب
(5) بلوت : اختبرت وامتحنت
(6) الذيل : طرف الثياب المقارب إلى الأرض
(7) رئي : شوهد
(8) التزمه : عانقه وضمه إليه

(1/84)


68 - أخبرنا جدي أحمد بن الحسن بن أيوب النقاش ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن النعمان ، حدثنا أبو بكر يعني محمد بن عيسى الطرسوسي ، حدثنا سليم بن منصور ، حدثنا الليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن شفي بن ماتع الأصبحي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : « العجائب التي وصفت في الدنيا أربعة : منارة الإسكندرية عليها مرآة من حديد ، يقعد القاعد تحتها قبل طلوع الشمس ، وبعد غروبها ، فيرى من باعد بالقسطنطينية والرومية ، وسوداني من نحاس على قضيب (1) من نحاس على باب الشرقي بالرومية ، فإذا كان أوان الزيتون صفر ذلك السوداني صفرة فلا يبقى سودانية فيه نظير ، إلا جاءت ومعها ثلاث زيتونات : زيتونتان في رجليها ، وزيتونة في منقارها ، فألقته على ذلك السوداني ، فجمعها الرومية ، فيعصرون ما يكفيهم لسرجهم وإدامهم إلى العام المقبل ، ورجل من نحاس على فرس من نحاس بأرض اليمن ، فيما بين الشجر والربايح ، يده إلى ورائه ، يقول : ليس ورائي مسلك ، وهي أرض رجراجة ، لا يقر عليها ، غزاها ذو القرنين ، في سبعين ألف فارس ، فخرج عليهم نملة كالتجاني ، وإن كانت النملة لتختطف الفارس عن فرسه ، وبطة من نحاس ، فيما بين الهند والصين ، بأرض يقال لها عياض ، فإذا كان يوم عاشوراء شربت البطة حاجتها ، ومدت منقارها ، فيفيض ما فيها من الماء ، ما يكفيهم لزروعهم ، ومواشيهم إلى العام المقبل »
__________
(1) القضيب : العود

(1/85)


69 - أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بن حمشاذ ، حدثنا أبو عمرو الزوزني ، حدثنا جدي ، حدثنا محمد بن المنذر شكر الهروي ، حدثني عبد الله بن القاسم البغدادي ، حدثني سليمان بن أحمد ، حدثنا هشام بن محمد ، أخبرني حفص بن عمر بن النعمان المحاربي ، حدثنا أبي ، عن جدي ، سمعت جبل بن دهقان ، وكان عمر رضي الله عنه فرض له ألفين في عدة من الدهاقين قال : « كان ببابل سبع مدائن ، في كل مدينة أعجوبة ، ليست في الأخرى : فكانت في المدينة التي فيها ملكها ، وهي الأولى ، تمثال الأرض جميعا ، فإن التوى (1) عليه بعض أهل مملكته بخراجهم ، خرق أنهارهم عليهم في التمثال ، فغرقت حيث كانت ، فلا يستطيعون سدا حتى يؤدوا خراجهم (2) ، فإذا سدها عليهم في تمثالهم انسدت عليهم في بلادهم ، وفي المدينة الثانية حوض ، فإذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه ، آتى من أحب منهم بما أحب من الأشربة ، فصب في ذلك الحوض ، فاختلط جميعا ، ثم يقوم السقاة ، فيأخذون الآنية (3) ، فمن صب في إنائه شيئا صار شاربه الذي جاء به ، وفي المدينة الثالثة طبل ، إذا غاب من أهلها غائب ، فأرادوا أن يعلموا أحي هو أم ميت ، ضربوا الطبل ، فإن كان حيا ، سمعوا صوت الطبل ، وإن كان ميتا لم يسمعوا له صوتا ، وفي المدينة الرابعة مرآة من حديد ، إذا غاب الرجل عن أهله ، فأحبوا أن يعلموا حالته أتوا المرآة ، فنظروا فيها ، فأبصروه على حالته التي هو عليها ، وفي المدينة الخامسة وزة من نحاس ، فإذا دخل المدينة غريب صوتت الوزة صوتا يسمعه أهل المدينة ، فيقولون : قد دخل المدينة غريب ، وفي المدينة السادسة قاضيان جالسان على الماء ، فيجيء المحق والمبطل ، فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضي ، ويرتمس المبطل ، وفي المدينة السابعة شجرة ضخمة ، لا تظل إلا ساقها ، فإن جلس تحتها رجل واحد أظلت إلى ألف رجل ، فإن زاد على الألف رجل واحد جلسوا كلهم في الشمس »
__________
(1) التوى : تثاقل وانثنى وتغير في معاملته
(2) الخراج : ما فرض من ضريبة على ما تخرجه الأرض
(3) الآنية : الوعاء للطعام والشراب

(1/86)


70 - حدثنا أبو منصور ، قال : سمعت أبا عبد الله الضبي ، أخبرنا أبو تراب الطوسي ، أخبرنا أبو محمد بن المنذر ، حدثنا جعفر بن أحمد ، سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ، سمعت الشافعي ، يقول : « عجائب الدنيا خمسة أشياء : أحدها : منارتكم هذه ، يعني منارة ذي القرنين ، والثاني : أصحاب الرقيم (1) الذين هم في الروم ، والثالث : مرآة ببلاد الأندلس ، معلقة على باب مدينتها الكبيرة ، فإذا غاب الرجل عن بلاده على مسافة مئة فرسخ في مئة فرسخ ، فإذا جاء أهلها إلى تلك المنارة ، فقعد تحتها ، ونظر في المرآة يرى صاحبه بمسافة مئة فرسخ في مئة فرسخ ، والرابع : مسجد دمشق ، وما يوصف من الإنفاق عليها ، والخامس : الرخام والفسيفساء ؛ فإنه لا يدرى له موضع ، ويقال : إن الرخام معجونة ، وإنها إذا وضعت على النار تذيبه »
__________
(1) الرقيم : قرية أصحاب الكهف أو جبلهم أو كلبهم أو الوادي أو الصخرة أو لوح به قصتهم

(1/87)


71 - أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا عبد العزيز بن سلام ، حدثنا سعيد بن الحكم ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « حاصر نبي من الأنبياء مدينة عليها سبعة أسوار ، فافتتح ستة ، وبقي سور منها ، ودنت الشمس أن تغرب ، فقال : اركدي يا شمس ، فإنك مأمورة ، وأنا مأمور ، فركدت حتى افتتحها ، وكان إذا افتتح قرية أخذ المغانم فوضعها ، فجاءته نار بيضاء ، فوجدته يؤم (1) إلى المغانم فوضعها ، فلم تأت النار ، فقال : فيكم غلول (2) : وكان معهم اثنا عشر سبطا (3) ، فبايع رءوسهم ، وقال : اذهبوا أنتم فبايعوا أصحابه ، فمن لصقت يده بيد أحد منكم ، فليأت به ، فذهبوا فبايعوا ، فألصقت يده بيد رجلين ، فاعترفا ، وقالا : عندنا رأس ثور من ذهب » قال : فقال كعب : يا أبا هريرة ، أفما أخبركم رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبي ؟ وأي المدينتين فتح ؟ قال أبو هريرة : قال كعب : صدق ، والذي نفسي بيده ، إن المدينة أريحا ، والنبي يوشع قال ابن عجلان : وهو صاحب موسى عليهما السلام
__________
(1) أم : أراد وقصد
(2) الغلول : الخيانة والسرقة
(3) السبط : الجماعة أو الأمة أو القبيلة

(1/88)


حديث الوهط

(1/89)


72 - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود ، حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي قال ، : سمعت مطرا الوراق ، يحدث عن عبد الله بن بريدة ، قال : « كانت الوهط (1) لرجل من ثقيف ، يقال له : ابن حباب ، وكان رجلا قويا لا يولد له ، فباع الوهط من عبد المطلب بكذا وكذا بعيرا (2) ، وكذا وكذا دينارا ، وكذا وكذا درهما ، وكذا وكذا قطيفة قال : فعد أصناف المال قال : فقالت ثقيف : إن عبد المطلب رجل شريف ، وإن دخل بلادكم غلبكم عليها قريش ، فجحدوه (3) قال : فنافروا (4) عبد المطلب إلى سطيح الذي كان من بني ذئب ، حي من غسان . قال : وكان أشرف من في العرب ، فلما قدموا عليه ، قالوا : أخبرنا عن مسيرنا ، أو قال : إن شئتم أخبرتكم عن مسيركم ، وساروا إليه سبعا ، فقالوا : قد شئنا ، فقال : سرتم مسير الزعزعة والوضع ، حتى نزل بكم النقع (5) صبح آخر السبع ، قالوا : صدقت ، وكان مسيرهم سبعا ، قالوا : إنا قد جئنا نتحاكم إليك ، فنخبأ لك شيئا ، فإن أخبرتنا به تحاكمنا إليك ، فخبئوا له عين جرادة (6) ، في عرقوة مزادة ، ثم علقوها في عنق كلب لعبد المطلب ، يقال له : سوار ، فقالوا له : قد خبأنا (7) لك خبئا (8) ، فما هو ؟ قال : خبأتم في سماء مسطح ، فترك الصعيد أبقع ، قالوا : لاذه ، أي : لم تصب ، قال : قد أصبت ، فلا تعنتوني قال : خبأتم لي حصرا ، قد خبئ في شن (9) قد بلي ، قالوا : لاذه ، أي : لم تصب ، قال : قد أصبت ، فلا تعنتوني قال : خبأتم لي ذا لون أحمر ، ولسان أحشر ، في مخلب (10) أسهر ، قالوا : لاذه ، أي : لم تصب قال : قد أصبت ، فلا تعنتوني ، خبأتم لي عين جرادة ، في عرقوة مزادة ، بين عنق سوار والقلادة ، قالوا : قد أصبت ، فاحكم بيننا قال : باع رجل منكم ، يقال له : ابن حباب الوهط من عبد المطلب ، فقلتم : إن عبد المطلب رجل شريف ، وإنه إن جاورنا غلبنا على أرضنا ، فاجحدوه ، وإني أحكم أن الأرض أرض عبد المطلب قال : فناشدته (11) ثقيف أن يقيلهم ، فأقالهم ، وردوا عليه أمواله »
__________
(1) الوهط : هُو مالٌ كان لعَمْرو بنْ العاص وقيل : الوَهْط : قَرْيةٌ بالطَّائف كانَ الكَرْمُ المّذْكُور بهَا.
(2) البعير : ما صلح للركوب والحمل من الإبل ، وذلك إذا استكمل أربع سنوات ، ويقال للجمل والناقة
(3) الجحود : الإنكار
(4) المنافرة : المفاخرة والمحاكمة
(5) النقع : رفع الصوت ، وقيل : شق الجيوب ، وقيل : وضع التراب على الرءوس ، من النقع وهو الغبار
(6) الجراد : حشرات طائرة تصيب الأشجار والنباتات
(7) خبأت : سترت وحفظت
(8) الخبء : المدخر المستور
(9) الشن : القِربة
(10) كل ذي مخلب : كالنسر والصقر والبازي ونحوها والمخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر من الإنسان
(11) ناشده : سأله وأقسم عليه

(1/90)


حديث سطيح حين قدم مكة ، وما سمع منه

(1/91)


73 - سمعت أبا القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، يقول : « إنه كان على دين إبراهيم عليه السلام ، وكان ملهما كما ألهم قس بن ساعدة ، وكان سبيله كسبيله ، وكسبيل ورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل »

(1/92)


74 - أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي ، بدمشق سنة سبع وسبعين ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني ، عن عبد الله بن الديلمي ، قال : « أتى رجل ابن عباس ، فقال : بلغنا أنك تذكر سطيحا ، تزعم أن الله عز وجل خلقه ، ولم يخلق من ولد آدم شيئا يشبهه ؟ قال : نعم ، إن الله عز وجل خلق سطيحا الغساني لحما على وضم ، والوضم : شراح من جريد ، وكان يحمل على وضمه ، فيؤتى به حيث يشاء ، ولم يكن فيه عظم ، ولا عصب إلا الجمجمة والكفين ، وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته (1) ، كما يطوى الثوب ، ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه ، فلما أراد الخروج إلى مكة ، حمل على وضمه ، فأتي به مكة ، فخرج إليه أربعة من قريش : عبد شمس ، وعبد مناف ابنا قصي ، والأحوص بن فهر ، وعقيل بن أبي وقاص ، انتموا إلى غير نسبهم ، وقالوا : نحن أناس من حج ، أتيناك لما بلغنا قدومك ، ورأينا أن إتياننا إياك حق لك ، واجب علينا ، وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية ، وصعدة ردينية ، فوضعت على باب البيت الحرام ؛ لينظروا هل يراهما سطيح أو لا ؟ فقال : يا عقيل ، ناولني يدك ، فناوله يده ، فقال : يا عقيل ، والعالم الخفية ، والغافر الخطية ، والذمة الوفية ، والكعبة المبنية ، إنك الجاي بالهدية ، الصفيحة الهندية ، والصعدة الردينية ، فقالوا : صدقت يا سطيح ، فقال : والآت الآت بالفرح ، وقوس قزح ، وسائر الفرح ، والحطيم المنبطح ، والنخل والرطب والبلح ، إن الغراب حيث مر سلح ، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح ، وإن نسبهم في قريش ذي البطح ، قالوا : صدقت يا سطيح ، نحن أهل البلد الحرام ، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك ، فأخبرنا عما يكون في زماننا ، وما يكون بعد إن يكن عندك في ذلك علم ، قال : الآن صدقتم ، خذوا مني من إلهام الله عز وجل إياي ، أنتم يا معشر العرب ، في زمان الهرم (2) ، سواء بصائركم ، وبصيرة العجم ، لا علم عندكم ، ولا فهم ، وينشأ من عقبكم (3) ذوو فهم ، يطلبون أنواع العلم ، يكسرون الصنم ، يبلغون الردم (4) ، يقتلون العجم ، يطلبون الغنم ، قالوا : يا سطيح ، ممن يكون أولئك ؟ فقال لهم : والبيت ذي الأركان ، والأمن والسكان ، لينشأن من عقبكم ولدان يكسرون الأوثان (5) ، وينكرون عبادة الشيطان ، ويوحدون الرحمن ، وينشرون دين الديان (6) ، يشرفون البنيان ، ويستفتون العميان ، قالوا : يا سطيح ، من نشوء من يكون أولئك ؟ قال : وأشراف الأشراف ، والمحصي لإسراف ، والمزعزع الأحقاف ، والمضعف الأضعاف ، لينشأن آلاف من عبد شمس ، ومناف ، نشوءا يكون فيهم اختلاف ، قالوا : يا سوأتاه ، يا سطيح ، مما تخبر من العلم بأمرهم ، ومن أي بلد يخرج أولئك ؟ فقال : والباقي الأبد ، والبالغ الأمد ، ليخرجن من ذي البلد نبي يهدي إلى الرشد ، يرفض يغوث والفند ، يبرأ من عبادة الصدد ، يعبد ربا انفرد ، ثم يتوفيه الله محمودا ، من الأرض مفقودا ، وفي السماء مشهودا ، ثم يلي أمره الصديق ، إذا قضى صدق ، في رد الحقوق لا خرق ، ولا ترق ، ثم يلي أمره الحنيف محرب غطريف ، يترك قول العنيف ، قد صاف المصيف ، وأحكم التجنيف ، ثم يلي أمره وازع لأمره مجرب ، فيجتمع له جموع وعصب ، فيقتلونه نقمة عليه ، وغضبا ، فيؤخذ الشيخ ، فيذبح إربا ، فيقوم به رجال خطبا ، يعني عثمان رضي الله عنه . ثم يلي أمره الناصر ، يخلط الرأي برأي باكر ، يظهر في الأرض العساكر ، يعني معاوية رضي الله عنه . ثم يأتي بعده ابنه يأخذ جمعه ، ويقل حمده ، ويأخذ المال ، ويأكل وحده ، ويكثر المال لعقبه من بعده ، ثم يلي بعده عدة ملوك ، الدم لا شك فيهم مسفوك ، ثم يلي من بعده الصعلوك (7) ، يطأهم كطية الدرنوك ، يعني أبا العباس ، ثم يلي من بعده عصفور يقصي ويدني نفرا ، يفتح الأرض افتتاحا منكرا ، يعني أبا جعفر ، ثم يلي قصير القامة ، بظهره علامة ، يموت موتا وسلامة ، يعني المهدي ، ثم يلي أمره قليل ماكر ، يترك الملك باكر ، ثم يلي أخوه بسنته سائر ، يختص بالأموال والمنابر ، ثم يلي أمره من بعده أهوج ، صاحب دنيا ، ونعيم محتلج ، شاوره تنادره ، ومعاشره ودودة ينهضون إليه يخلعونه ، يأخذون الملك ويقتلونه ، ثم يلي أمره من بعده السابع ، يترك الملك مخلا ضائعا ، يثور في ملكه كل مشوه جائع ، عند ذلك يطمع في الملك كل عرثان ، ويلي أمره الصبيان ، يرضي نزارا بجمع قحطان ، إذا التقى بدمشق جمعان ، بين بيسان ولبنان ، تصنف اليمن يومئذ صنفين : صنف المشوه ، وصنف المحذول ، لا يرى إلا خباء (8) محلولا ، وأسيرا مغلولا ، بين الفرات والجبول ، عند ذلك تخرب المنازل ، وتسلب الأرامل ، وتسقط الحوامل ، وتظهر الزلازل ، وتطلب الخلافة وائل ، فيغضب نزار ، ويدنى العبيد والأشرار ، ويقصى النساك والأخيار ، وتغلوا الأسعار في صفر الأسفار بقتل كل جبار ، ثم يسيرون إلى خنادق وأنهار ذات أسفال وأشجار ، يصمد لهم الأغمار ، يهزمهم أول النهار ، فيظهر الأخيار ، فلا ينفعهم نوم ولا قرار ، حتى يدخل مصرا (9) من الأمصار ، فيدركه القضاء والأقدار ، ثم يجيء الرماة ، تلف مشاة ، بقتل الكماة ، وأسر الحماة ، ومهلك الغواة ، هناك يدرك في أعلى المياه ، ثم يثور الدين ، وتتقلب الأمور ، ويكفر الزبور ، ويقطع الجسور ، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور ، ثم يثور الجريب ، ويظهر آلأعاريب ، ليس فيهم صعيب ، على أهل الفسق والمريب ، في زمان عصيب ، لو كان للقوم حيا ، وما يغني المنى ، قالوا ، ثم ماذا يا سطيح ؟ قال : يظهر رجل من أهل اليمن ، أبيض كالشطن ، يذهب الله عز وجل على رأسه الفتن »
__________
(1) التَرْقُوَة : عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان
(2) الهرم : كِبر السّن وضعفه
(3) العقب : ما يتركه الإنسان من ذرية من الأبناء والأحفاد
(4) الردم : السد والمانع والحاجز
(5) الأوثان : جمع وَثَن وهو الصنم، وقيل : الوَثَن كلُّ ما لَه جُثَّة مَعْمولة من جَواهِر الأرض أو من الخَشَب والحِجارة، كصُورة الآدَميّ تُعْمَل وتُنْصَب فتُعْبَد وقد يُطْلَق الوَثَن على غير الصُّورة، والصَّنَم : الصُّورة بِلا جُثَّة
(6) الدَّيَّان : من أسماء الله تعالى قيل هو القهَّارُ. وقيل هو الحاكمُ والقاضي، وهو فعَّالٌ، من دانَ الناس : أي قَهَرَهم على الطاعةِ، يقال دِنْتُهم فدانوا : أي قَهَرتُهم فأطاعُوا
(7) الصعلوك : الفقير
(8) الخباء : الخيمة
(9) المصر : البلد أو القرية

(1/93)