صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب
المؤلف : ابن المرزبان المحولي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وبه نستعين.
أنبأنا الفقيه أبو موسى عيسى بن أبي عيسى القابسي قال: أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قراءةً عليه قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيوية الخراز ولفظه علينا في يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة أن أبا بكر محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرهم قال: ذكرت أعزّك الله زماننا هذا وفساد مودة أهله وخسَّة أخلاقهم ولُؤم طباعهم وأن أبعد الناس سَفراً من كان سفره في طلب أخٍ صالحٍِ، ومن حاول صاحبا يأمن زلته ويدوم اغتباطه به كان كصاحب الطريق الحيران الذي لا يزداد لنفسه إتعابا إلا ازداد من غايته بُعداً فالأمر كما وصفتُ، وقد يروى عن أبي ذر الغفاري رضي اله عنه أنه قال: " كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكاً لا ورق فيه " ، وقال بعضهم: كنا نخاف على الإخوان كثرةَ المواعيد وشدة الاعتذار أن يخلطوا مواعيدهم بالكذب، واعتذارهم بالتزيُّد، فذهب اليوم، من يعتذر بالخير، ومات من كان يعتذرُ من الذنب، قال لبيد:
ذهب الذي يُعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلَفٍ كجلد الأجربِ
وأخبرنا أبو العباس المبرِّد قال: حدثني بعض مشايخنا قال: كنت عند بشر بن الحارث يوماً، فرأيته مغموما ما تكلّم حتى غربت الشمس، ثم رفع رأسه فقال:
ذهب الرجال المُقتدى بفعالِهم ... والمُنكرونَ لكلِّ أمرٍ مُنكرِ
وبقيتُ في خلَفٍ يزيِّن بعضُهم ... بعضاً ليدفع معوِرٌ عن مُعوِرِ
وأنشدنا لغيره:
ذهب الذين إذا رأوني مُقبلا ... سُرُّوا وقالوا مرحباً بالمُقبلِ
وبَقِي الذين إذا رأوني مُقبلا ... عبسوا وقالوا ليته لم يُقبِلِ
وقال آخر:
ذهب الناس واستقلوا وصرنا ... خلَفاً في أراذلِ النسناسِ
في أناسٍ تراهمُ العين ناساً ... فإذا خبِّروا فليسوا بناسِ
وقال آخر:
ذهب الملحُ من كثير من النا ... سِ ومات الذين كانوا مِلاحا
وبَقِي الأَسمجونَ من كل صنفٍٍ ... ليت ذا الموت منهم قد أراحا
وقال آخر:
ذهب الذين إذا مرضت تجهَّلوا ... وإذا جهلت عليهمُ لم يَجهلوا
وإذا أصبتُ غنيمةً فرحوا بها ... وإذا بخِلتُ عليهمُ لم يبخَلوا
وأنشدني أبو عبد الله السدوسي:
ذهب الذين هم الغياث المُسبَلُ ... وبقِي الذين هم العذاب المُنزلُ
وتقطَّعت أرحامُ أهل زماننا ... فكأنَّما خُلِقت لئلا توصَلُ
الناس مشتبهونَ من كشَّفتَهُ ... مِنهمْ كشفتَ عن الذي لا يُحملُ
أمّا الفقيرُ فحاسدٌ متفطرٌ ... حسداً وأمّا ذو الثراء فيبخَلُ
ويظنُّ أنَّ له بكثرةِ مالهِ ... فضلا عليك وغيرُهُ المتفضِّلُ
وقال آخر:
ذهب الكرام فأصبحوا أمواتا ... وَرَقاً تُطيِّرهُ الرياحُ رُفاتا
وتبدَّلت عرصاتُهم مِن بعدهم ... بسوى نبات الصالحين نباتا
وبقيتُ في دهرٍ أحاذرُ شرَّهُ ... وأخافُ فيهِ من الطريقِ بَياتا
وقال آخر:
وما الناس بالناس الذين عهدتُهم ... ولا الدارُ بالدارِ التي كنتَ تعرِفُ
وما كلُّ من تَهوى يحبَّكَ قلبُهُ ... ولا كلُّ مَن صاحبتَه لك مُنصفُ
وقال آخر:
ذهب الناس وانقضت دولة المج ... دِ فكلٌّ إلا القليلِ كلابُ
إنَّ من لم يكن على الناس ذئبا ... أكلتهُ في ذا الزمان الذئابُ
غير أنَّ الوجوه في صور النا ... س وأبدانُهم عليها الثيابُ
لستَ تَلقي إلا كَذوباً بخيلا ... بين عينيهِ للإياسِ كتابُ
وقال آخر:
ذهب الذين صلاتهم معلومةٌ ... ولهم إذا قحط الزمان حَنانُ
ذهبوا فليسَ لهم نظيرٌ واحدٌ ... أفلا تراهم لا أبالَكَ كانوا
لم يبقَ مِن أهل الفضائل والنُّهى ... إلا فلانٌ باسمِهِ وفُلانُ
وقال آخر:
ذهب الذين عليهمُ وجدِي ... وبقيتُ بعدَ فراقِهم وحدي
سلفٌ مضى وبقيتُ بعدهمُ ... وكذاك يذهبُ من أتى بعدي
تركوا الذي جمعوا لغيرهمُ ... وكذاك أتركهُ لِمن بعدي
وقال أبو تمام:

(1/1)


فلو رُفِعت سناتُ الدَّهرِ عنهُ ... وألقَى عن مناكِبِهِ الدِّثارُ
لعدَّلَ قسمةَ الأيام فينا ... ولكن دهرَنا هذا حمارُ
ولغيره:
ذهب المُفضِلونَ والسلفُ المو ... فون بالعهد منهمُ والعقودِ
ثم خُلِّفتُ في هباءٍ من النا ... س أقاسيهمُ ودهرٍ شديدِ
فيه سادَ الرعاعُ حبةَ القل ... بِ والسيِّدُ استوى بالمَسودِ
سُمَّعٌ للخَنى وصُمٌّ عن الخ ... ير ينادون من مكان بعيدِ
فَلَوَ اَنَّ الأمور كانت تُفادَى ... لفدينا المفقود بالموجودِ
أنشدنا لعليّ بن العبّاس الرومي:
ذهب الذين تهزُّهم مُدَّاحُهُم ... هزَّ الكماةِأعنةَ الفرسانِ
كانوا إذا مُدِحوا روىما فيهمُ ... فالأريحيّةُمنهمُ بمكانِ
والمدحُ يقدحُ قلبَ مَن هو أهلهُ ... قدحَ المواعظِ قلبَ ذي إيمانِ
فدعِ اللئامَ فما ثوابُ مديحِهِم ... إلا ثوابَ عبادةِ الأوثانِ
كم قائلٍ لي مِنهُمُ ومدحتُه ... بمدائحٍ مِثل الرياضِ حِسانِ
أحسنتَ ويحكَ ليسَ فيَّ وإنّما ... أستحسنُ الحسناتِ في ميزاني
قال ولقيت إسماعيل بن بلبل يوما وهو راجلفقلت: ما لي أرك راجلا فقال:
أرجلني قلةُ الكرامِ ... وكثرةُ المالِ في اللئامِ
وليس هذا عليَّ وحدي ... هذا شقاءٌ على الأنامِ
وسألتَني أعزك الله تعالى أن أجمعَ لك ما جاء في فضلِ الكلبِ على شِرار الإخوان، ومحمودِ خصاله في السرِّ والإعلان، فقد جمعت ما فيه كفاية وبيان، ولست أشكُّ أنَّك أعزَّك الله عارف بخبر عبد الله بن هلال الكوفي المجذوم، صاحب الخاتم وخبر جاره لمّا سأله أن يكتب كتابا إلى إبليس لعنهُ الله في حاجة له، فإن كان العقل يدفع ذلك الخبر فهو مثل حسن يعرف مثله في الناس، فكتب إليه الكتاب وأكَّده غاية التأكيد ومضى وأوصل الكتاب إلى إبليس فقرأه وقبَّله ووضعه على عينيه وقال: السمع والطاعة لأبي محمد فما حاجتك، قال: لي جار مُكرِم شديد الميل إلى شفوق علي وعلى أولادي إن كانت لي حاجة قضاها أو احتجت إلى قرضٍ أقرضني وأسعفني، وإن غبت خَلَفنيفي أهلي وولدي يبرُّهم بكلِّ ما يجدُ إليه السبيل، وإبليس كلّما سمع منه يقول: هذا حسن وهذا جميل، فلما فرغ من وصفه قال: فما تحب أن أفعل به، قال: أريد أن تزيل نعمته وتفقره، فقد أغاظني أمره وكثرة ماله وبقاؤه وطول سلامته، فصرخ إبليس صرخة لم يسمع مثلها منه قط فاجتمع إليه عفاريتُه وجندُه وقالوا: ما الخبر يا سيدهم ومولاهم فقال لهم: هل تعلمون أن الله عز وجل خلقَ خلقاً هم شرٌّ مني. ولو فتشت في دهرنا هذا لوجدت مثل صاحب الكتاب كثيراً ممن نعاشره إذا لقيكَ رحَّب بك وإذا غبتَ عنه أسرفَ في الغيبةِ وتلقَّاكَ بوجه المحبة ويضمرُ لك الغشَّ والمسبَّة، وقد علمت ما جاء في الغيبة قال صلى الله عليه وسلم: ) من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من النار(، وقال صلى الله عليه وسلم: )إياكم والغيبة فإنها شرٌّ من الزنا إنَّ الرجل ليزني ويتوب فيتوب الله عليه وصاحب الغيبةِ لا يغفرها الله له حتى يغفرها صاحبها(، وعن بِشر بن الحارث قال: قال الفضيل بن عياض: لا يكون الرجل من المتَّقين حتى يأمَنه عدوّه، ولا يخافُه صديقُه، فقال بعضهم ذهبَ زمنُ الأنسِ ومن كان يعارضُ فاحتفظ مِن صديقك كما تحتفِظ من عدوك، وقدِّم الحزم في كلِّ الأمور، وإيَّاكَ أن تكاشفه سرَّك فيجاهرك به في وقت الشَّر، أنشدني زيد بن علي:
احذر مودة ماذقٍ ... خلط المرارة بالحلاوةْ
يُحصى الذنوب عليك أي ... يامَ الصداقة للعداوةْ
وقيل لبعض الحكماء أيُّ الناس أحق أن يُتَّقَى قال عدوٌّ قويٌّ وسلطانٌ غشومٌ وصديقٌ مخادعٌ، وأنشد لدعبل بن علي الخز اعي:
عدوٌّ راح في ثوب الصديقِ ... كشُربِكَ في الصَّبوح وفي الغبوقِ
له وجهانِ ظاهرهُ ابن عمٍّ ... وباطنُه بن زانيةٍ عتيقِ
يسرُّكَ مُقبلاً ويسؤكغيباً ... كذاكَ تكونُ أولادُ الطريقِ
لكثير عزه:
أنت في معشرٍ إذا غبت عنهم ... جعلوا كلَّما يزينك شَيِنا
وإذا ما رأَوكَ قالوا جميعاً ... أنتَ مِن أكرمِ الرّجالِ علينا
أنشدني ابن أبي طاهر الكاتب:

(1/2)


حالَ عمَّا عَهِدتُ ريبَ الزمانِ ... واستحالت مودةُ الإخوانِ
اِستوى الناسُ في الخديعةِ والمك ... رِ فكلٌ لسانه اثنانِ
واعلم أعزَّكَ الله أن الكلب لِمن يقتنيه، أشفق من الوالد على ولده، والأخ الشقيق على أخيه، وذلك أنّه يَحرس ربَّه،ويحمي حريمه شاهدا وغائبا ونائما ويقظانا، لا يقصِّرُ عن ذلك وإن جَفوه، ولا يخذُلهم وإن خذلوه، ورُويَ لنا أنَّ رجلاً قال لبعض الحكماء أوصِني قال: ازهد في الدنيا ولا تُنازِع فيها أهلها، وانصح لله تعالى كنصح الكلب لأهله فإنّهم يُجيعونه ويضربونه ويأبى إلا أن يحوطهم نصحا، وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قتيلا، فقال: ما شأن هذا الرجل قتيلا، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليك وسلم: وثبَ على غنمِ أبي زهرة، فأخذ شاةً فوثب عليه كلبُ الماشية فقتَلَه، فقال صلى اله عليه وسلم: قتل نفسَه وأضاعَ دينَه، وعَصى ربَّه عز وجل، وخان أخاه، وكان الكلب خيراً من هذا الغادر، ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيعجز أحدكم أن يحفظ أخاهُ المسلمَ في نفسهِ وأهلهِ كحفظ هذا الكلبِ ماشيةَ أربابه " ، ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعرابيا يسوقُ كلباً فقال: ما هذا معك، فقال يا أمير المؤمنين: نِعم الصاحبُ إن أعطيته شَكَر، وإن منعته صبر، قال عمر: نِعم الصاحب فاستمسِك به، ورأى ابن عمر رضي الله عنه مع أعرابيٍ كلباً فقال له: ما هذا معك، قال: من يشكرني ويكتم سري، قال: فاحتفظ بصاحبك، قال الأحنف بن قيس إذا بصبص الكلبُ لك فثق بودٍّ منه ولا تثق ببصابصِ الناس، فرُبَّ مبصبصٍ خوَّان، قال الشعبي: خير خصلةٍ في الكلب أنّه لا ينافقُ في محبَّته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كلبٌ أمين خيرٌ من إنسانٍ خؤونٍ، حدثنا القاسم بن محمد الرّصديّ، حدثنا محرز بن عون عن رجل عن جعفر بن سليمان قال رأيت مالك بن دينار ومعه كلب، فقلت: ما هذا، قال: هذا خير من جليسِ سوء. أخبرنا أبو عمر ابن خيرة حدّثنا أبو القاسم بن بنت منبع حدثنا محرز بن عون بهذا الحديث، حدثني ابن أبي طاهر حدثني حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال قال أبي: أتيت يوما الفضل بن يحيى فصادفته بِشربٍ وبين يديه كلبٌ فقلت له: أتنادِمُكلباً، قال: نعم يمنعني أذاهُ ويكفّ عني أذى سواهُ، ويشكرُ قليلي ويحرس مبيتي ومقيلي، أنشدني الحسن بن عبد الوهاب لرجلٍ يذُّم صديقا له ويمدح كلبا:
تخيرتُ من الأخلا ... قِ ما يُنفي عن الكلب
فإن الكلب مجبولٌ ... على النصرةِ والذبِّ
وفيٌّ يحفظُ العهدا ... ويَحمي عَرصةَ الدربِ
ويعطيكَ على اللينِ ... ولا يُعطي علي الضَّربِ
ويشفيكَ من الغيظِ ... وينجيك من الكربِ
فلو أشبهته لم تَ ... كُ كانونا على القلبِ
وذكر بعض الرواة قال: كان للربيع بن بدر كلبٌ قد ربَّاه فلّما مات الربيع ودُفن جعل الكلب يضرب على قبره حتى مات.
وكان للعامر بن عنترة كلابُ صيدٍ وماشية وكان يحسنُ صُحبتها، فلما مات عامر لزمت الكلاب قبره حتى ماتت عنده، وتفرّق عنه الأهل والأقارب، وروى لنا عن شريك قال: كان للأعمشِ كلبٌ يتبعه في الطريق إذا مشى حتى يرجع فقيل له في ذلك فقال رأيتُ صبيانا يضربونه ففرقت بينهم وبينه، فعرف ذلك لي فشكره، فإذا رآني يبصبصُ لي ويتبعني، ولو عاش )أيَّدك الله( الأعمش إلى عصرنا ووقتنا هذا حتى يرى أهل زماننا هذا ويسمع خبر أبي سماعة المعيطي ونظائره، لازداد في كلبه رغبةً ومحبة، قال: هجا أبو سماعة المعيطي خالد بن مالك، وكان إليه محسناً فلّما ولِيَ يحيى الوزارة دخل إليه أبو سماعة فيمن دخل من المهنئين فقال: أنشدني الأبيات التي قلتها فقال ما هي، قال قولك:
زرت يحيى وخالدا مخلصا لل ... لَهِ ديني فاستصغر بعض شاني
فلَوَ اَني ألحدتُ في الله يوماً ... أولَوِ اَنِّي عبدتُ ما يعبدانِ
ما استخفَّا فيما أظن بشأني ... ولأصبحتُ منهما بمَكاني
إنَّ شكلي وشكلُ مَن جَحد الل ... هَ وآياتِهِ لمختلفان

(1/3)


قال أبو سماعة لم أعرف هذا الشعر ولا مَن قاله قال له يحيى ما تملك صدقة إن كنت تعرف من قالها فحلف فقال يحيى وامرأتك طالق فحلف فأقبل يحيى على الغساني ومنصور بن زياد والأشعثي ومحمد بن محمد العبدي، وكانوا حضوراً في المجلس فقال ما أحسبنا إلا وقد احتجنا إلى أن نجدِّد لأبي سماعة منزلا وآلة وحرماً ومتاعاً، يا غلام ادفع له عشرةَ آلافِ درهم، وتختا فيه عشرة أثواب فدفع إليه، فلما خرج تلقَّتهُ أصحابه يهنئونه ويسألونه عن أمره فقال: ما عسيتُ أن أقول إلا أنه ابن زانية أبى إلاّ كرماً، فبلَّغت يحيى كلمته من ساعته، فأمر به فحضر فقال له يا أبا سماعة لِمَ تغرقُ في هجائنا ولم تَغرف في شتمنا، قال له أبو سماعة: ما عرفته أيها الوزير افتراء وكذب عليّ، فنظر إلى يحيى مليا ثمّ أنشأ يقول:
إذا ما المرءُ لم يُخدش بطفرٍ ... ولم يُوجد له أن عضَّ نابُ
رمى فيه الغميزة مَن بغاها ... وذلَّلَ من قرائنه الصعابُ
قال أبو سماعة كلا أيها الوزير ولكنه كما قال:
لم يبلغ المجد أقوامٌ وإن شَرفوا ... حتى يذلُّوا وإن عزوا لأقوامِ
ويُشتَموا فَترى الألوان مسفرة ... لا صفحَ ذلٍّ ولكن صفحَ أحلامِ
فبسم يحيى وقال إنَّا عذرناك وعلمنا أنك لن تدع مساوي شتمك ولؤم طبعك فلا أعدمك الله ما جبلك عليه من مذموم أخلاقك ثم تمثل قائلا:
متى لم تتسع أخلاق قوم ... يضق بهم الفسيح من البلادِ
إذا ما المرء لم يُخلق لبيبا ... فليس اللبُّّ عن قدمِ الولادِ
ثم قال هو والله كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المؤمن لا يشفي غيظه، ثم أن أبا سماعة هجا بعد ذلك سليمان بن أبي جعفر وكان إليه محسنا فأمر به الرشيد فحلق رأسه ولحيته ومثلُ أبي سماعة كثير كرهنا أن نطول الكتاب بِذكرِهم وروي عن بعضهم أنه قال: الناس في هذا الزمان خنازير فإذا رأيتم كلبا فتمسكوا به فإنه خير من أناس هذا الزمان.
قال الشاعر:
اشدُد يديك بكلبٍ إن ظفرتَ بهِ ... فأكثرُ الناس قد صاروا خنازيرا
أنشدني أبو العباس الأزدي:
لكلبُ الناسِ إن فكَّرت فيهم ... أضرُّ عليك من كلب الكلابِ
لأنَّ الكلبَ تخسؤه فيخسا ... وكلبُ الناس يربضُ للعتابِ
وأنَّ الكلب لا يؤذي جليسا ... وأنتَ الدهرُ من ذا في عذابِ
حدّثنا أحمد بن منصور عن أبيه عن الأصمعي قال حضَرت بعض الأعراب الوفاة وكلبٌ في جانب خيمته فقال لأكبرِ ولده أوصيك خيراً به فإنّ له صنائع لا أزال أحمَدها، يدل ضيفي عليَّ في غسق الليل إذ النارُ نامَ مُوقدُها. أخبرني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر قال أخبرني بعض الأدباء قال كان لإبراهيم بن هرمة كلاب إذا أبصرت الأضياف بشَّت لهم ولم تنبح وبصبصت بأذنابها بين أيديهم فقال يمدحها:
ويدل ضيفي في الظلام إذا سرى ... إيقاد ناري أو نباحُ كلابِ
حتى إذا واجهته وعرفنه ... فدَّينَهُ ببصابصِ الأذنابِ
وجعلنَ ممّا قد عرفنَ يقدنَهُ ... ويَكدنَ أن ينطقن بالتّرحابِ
قال سمعت بعض الملوك وهو يركض خلف كلبٍ وقد دنا من ظبي وهو يقول: من الفرح إيه فدتك نفسي وقال أبو النواس:
مفدَّيات ومحمياتها ... مسميات ومُعلَّماتها
وله أيضا:
أتعب كلبا أهلَه في كدِّه ... قد سعدت جدودكم بجدِّه
فكلُّ خيرٍ عندهم من عندهِ ... يظلُّ مولاهُ له كعبدِهِ
يبيتُ أدنى صاحبً من مهدِهِ ... وإن غدا جلَّلهُ ببردِهِ
ذي غرّةٍ محجَّلٍ بزندِهِ ... تلذُّ منه العينُ حُسنَ قدِّهِ
يا حسن شدقيهِ وطول خدِّهِ ... تلقى الظباءُ عَنَتاً من طردِهِ
يا لك من كلبٍ نسيجُ وحدِهِ

(1/4)


وله في هذا المعنى أشياء حسان ومعانٍ مُختارة ومما يدلُّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة الناس بالخير والشر، والمدح والذم، حتى قد ذُكر في القرآن وفي الحديث وفي الأشعار والأمثال، حتى استعمل على طريق الفأل والطيرة والاشتقاقات للأسماء، فمن ذلك أكلب بن ربيعة وكلاب بن ربيعة ومكلب بن ربيعة ابن نزار، وكليب بن يروع ومكالب بن ربيعة بن قذار، وكلاب بن يربوع ومثل هذا كثير، والكلب أيدك الله منافعُه كثيرة فاضلة على مضاره، بل هي غامرة لها وغالبة عليها، ولم تزل القضاةُ والفقهاء والعباد والولاة والنسّاك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا ينكرون اتخاذها في دورهم، مع ذلك عندهم أنهم إذا قتلوا الكلب كان فيع عقوبة وأنّ من كان أمر بقتلها في قديم الزمان، إنما كان لمعنى ولعلة وأن هذه الكلاب بمعزل عن تلك.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من لا يعرف الأمور يقول أن الكلب من السباع ولو كان كذلك ما ألِفَ الناسَ واستوحش من السباع وكرِه الغياض وألِفَ الدور واستوحش من البراري وجانب القفار وألِف المجالس والديار وكيف لا يكون كذلك وهو لا يرضى لنفسه بالنوم والربوض على الأرض وهو لا يرى بساطا ولا وسادة إلا علاها وجلس عليها، وأيضا فهو لا يجد إلى كل موضع جليلٍ نظيفٍ سبيلا فيقصر عنه وتراه متخيّرا أبداً أرفع المواضع في المجلس وما يصونه صاحبه. قلت والكلب يعرف صاحبه والسنورويعرفان اسماهما ومواضع منازلِهما ويألفانِ موطنَهما وإذا طُردا رجعا، وإذا أُجيعا صبرا، وإذا أهينا احتملا، وللكلب أيضا من الفضائل إتيانه وجهَ صاحبِه، ونظره إليه في عينه وفي وجهه، وحبه له ودنوِّه منه حتى ربما لاعبه ولاعب صبيانه بالعض الذي لا يُؤلم ولا يؤثِّر، وله تلك الأنياب التي لو أنشبها في الشجر لأثَّرت.
قال بعض الشعراء:
أيها الشانئ الكلابَ أصِخْ لي ... منك سمعاً ولا تكوننَّ حبسا
إنّ في الكلبِ فاعلمنَّ خِصالاً ... من شريف الفعال يعددن خمسا
حِفظُ من كانَ مُحسناً ووفاءٌ ... للذي يتَّخِذهُ حرباً وحرسا
واتباعٌ لرحله وإذا ما ... صار نطقُ الشجاع للخوفِ همسا
وهو عونٌ لنابحٍ من بعيدٍ ... مستجيرا بقربِهِ حين أمسى
قال أبو بكر الصديق: إن الرجل في البادية إذا ضلَّ الطريق وهاله الليل نبح نباحَ الكلاب لتنبحَ كلابُ الحي فيتبع أصواتها حتى يصير إلى الحي.
وقال آخر:
إن قوما رأوك شِبها لكلبٍ ... لا رأوا للظلام صُبحاً مُضيّا
أنت لا تحفظُ الذِّمام لخلقٍ ... وهو يرعى الذِّمامَ رعياً وفيّا
يشكرُ النزرَمن كريمِ فعالٍ ... آخرَ الدهرِ لا تراهُ نسيّا
وتناديهِ من مكانٍ بعيدٍ ... فيوافيكَ طائعاً مُستحِيّا
إن سُؤلي وبُغْيتي ومناي ... أن أراك الغداةَ كلباً سويّا
قد أنشدني أبو عبيد لبعض الشعراء:
يعرِّج عنه جارَهُ وشقيقَهُ ... ويرغبُ فيه كلبُهُ وهو ضاربُه
قال أبو عبيدة: قيل هذا الشعر في رجلٍ من أهلِ البصرةِ خرج إلى الجبّانة ينتظرُ ركابه فاتبعه كلب له فطردَه وضربَه، وكرِه أن يتبعه ورماه بحجرٍ فأدماه، فأبى الكلب إلا أن يتبعه فلمّا صار إلى الموضع وثب به قوم كانت لهم عنده طائلة وكان معه جار له وأخ، فهربا عنه وتركاه وأسلماهُ فجُرح جرحات كثيرة ورُمي به في بئر وحَثوا عليه التراب حتى واروهُ، ولم يشكوا في موته والكلب مع هذا يهرُّعليهم ويرجمونه، فلما انصرفوا أتى الكلب إلى رأس البئر فلم يزل يعوي ويبحث في التراب بمخالبه، حتى ظهر رأس صاحبه وفيه نفس يتردد وقد كان أشرف على التلف ولم يبقى فيه إلا خشاشة نفسه ووصل إليه الروح فبينما هو كذلك، إذ مر أناس فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنه يحفر قبرا فجاؤا فإذا هم بالرجل على تلك الحال فاستخرجوه حيّا وحملوه إلى أهله، فزعم أبو عبيدة أن ذلك الموضع يدعى بئر الكلب وهذا الأمر يدل على وفاء طبعي وألِف غريزي ومحاباةٍ شديدة وعلى معرفة وصبر وكرم وغَناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع.

(1/5)


وحدّثني عبد الله بن محمد الكاتب قال: حدثني أبي عن محمد بن خلاد قال: قدم رجلٌ على بعض السلاطين وكان معه حاكم أرمينية منصرفا إلى منزله، فمر في طريقه بمقبرة، فإذا قبرٌ غليه قبةٌ مبنية مكتوب عليها، هذا قبر الكلب فمن أحب أن يعلم خبره فليمضِ إلى قرية كذا وكذا فإنّ فيها من يخبره، فسأل الرجلُ عن القرية فدلّوهُ عليها فقصدها وسأل أهلها، فدلّوه على الشيخ فبعث إليه وأحضره وإذا شيخ قد جاوز المائة سنة فسأله فقال: نعم كان في هذه الناحية ملِك عظيمُ الشأن وكان مشهورا بالنُزهةِ والصيد والسفر، وكان له كلب قد ربّاه وسمّاه باسم، وكان لا يُفارقه حيث كان، فإذا كان وقت غدائه وعشائه أطعمه مما يأكل فخرج يوما إلى بعض منتزهاته وقال لبعضِ غلمانه: قل للطباخ يصلح لنا ثريدةَ لبن فقد اشتهيتها، فأصلحوها، ومضى إلى مُتَنزَّهاته فوجد الطباخ فجاء بلبن وصنع له ثريدة عظيمة ونسيَ أن يغطّيها بشيء، واشتغل بطبخ شيءٍ آخر فخرج من بعض شقوق الغيطان أفعى فكَرعَمن ذلك اللبن ومجَّ في الثريدة من سمُّه والكلبُ رابضٌ يرى ذلك كلّه ولو كان في الأفعى حيلة لمنعها ولكن لا حيلة للكلب في الأفعى والحيّة، وكان عند الملك جارية خرساء زمنا قد رأت ما صنع الأفعى، ووافى الملك من الصيد في آخر النهار فقال يا غلمان أول ما تقدمون إلى الثريدة فلما قدموها بي يديه أومأت الخرساء إليهم فلم يفهموا ما تقول، ونبح الكلب وصاح فلم يلتفتوا إليه وألحّ في الصياح ليعلمهم مراده فيه، ثمّ رمى إليه بما كان يرمي إليه في كل يوم، فلم يقربه ولجَّ في الصياح فقال لغلمانه: نحُّوه عنّا فإن له قصة، ومدّ يده إلى اللبن فلما رآه الكلب يريد أن يأكل، وثب إلى وسط المائدة داخل فمه في اللبن وكرع منه فسقط ميِّتا وتناثر لحمه، وبقي الملك متعجّبا منه ومن فعله، فأومأت الخرساء إليهم فعرفوا مرادها بما صنع الكلب فقال الملك لندمائه وحاشيته أن شيئا قد فداني بنفسه لحقيقٌ بالمكافأة وما يحمله ويدفنه غيري، ودفنه بين أبيه وأمّه وبنى عليه قبة وكتب عليها ما قرأت، وهذا ما كان من خبره.
أخبرني أبو العلا بن يوسف القاضي قال: حدثني شيخ كان مُسِنّا صدوقاً أنه حجَّ سنة من السنين قال: وبرزنا أحمالنا إلى الياسرية وجلسنا على قراح نتغدّى وكلبٌ رابض بجوارنا فرمينا إليه من بعض ما نأكل ثم ارتحلنا ونزلنا بنهر الملك، فلما قدَّمنا السفرة إذ الكلب بعينه رابض بجوارنا كاليوم الأول فقلت للغلمان قد تبعنا هذا الكلب وقد وجب حقُّه علينا فتعهَّدوه، ونفض الغلمان السفرة بين يديه فأكل ولم يزل تابعاً لنا من منزل إلى منزل على تلك الحال لا يقدر أحد أن يقرب جِمالنا ولا مَحامِلنا إلا صاح ونبح، فكنّا قد أمنّا مِن " سلال " إلى مكة، وعزمنا على الخروج في عمل إلى اليمن فكان معنا إلى أرض قبا، ورجعنا إلى مدينة السلام وهو معنا.
ذكر أبو عبد الله عن أبي عبيدة النحوي وأبي اليقظان سحيم بن حفص وأبي الحسن علي بن محمد بن المدايني، عن محمد بن حفص بن سلمة بن محارب وقد حدثنا بهذا الحديث أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا بإسناد ذكره وهو حديث مشهور، أن الطاعون الجارف أتى على أهل دارٍ فلم يشكّ أحدٌ من أهل المحلة أنه لم يبق فيها صغير ولا كبير، وكان قد بقى في الدار صبيٌّ رضيع صغير يحبو ولا يقوم، فعمد مَن بقيَ من أهل تلك المحلة إلى باب الدار فسدوه، فلّما كان بعد ذلك بأشهرٍ تحوّل إليها بعض ورثةِ القوم، فلما فُتح الباب وأفضى إلى عرصة الدار، إذا هو بصبيٍّ يلعب مع جروِ كلبة كانت لأصحاب الدار، فلّما رآها الصبيُّ حَبَا إليها فأمكنته مِن لبنها فعلموا أن الصبي بقي في الدار وصار منسيّا، واشتد جوعه ورأى جرو الكلبة يرضع فعطف عليها، فلما سقته مرة أدامت له وأدام لها الطلب.

(1/6)


أخبرني علي بن محمد قال حدثني بن الحسين بن شداد قال ولّاني القاسم خلافة أحمد بن ميمون بنيسابور فنزلتُ في بعض منازلها فوجدت في جواري جندياً من أصحابه يعرف بنسيم، كان برسم تنظيف غلامه وإذا بكلب له يخرج بخروجه ويدخل بدخوله، وإذا جلس على بابه قرّبه وغطّاه بدواجكان عليه، فسألت الراسبي عن محل الغلام وكيف يقنع الأمير منه بدخول الكلب عليه ويرضى منه بذلك وليس بكلب صيد، قال أبو الوليد سَلْه عن حديثه فإنّه يخبرك بشأنه فأحضرتُ الغلام، وسأله عن السبب الذي استحقّ به هذه المنزلة منه فقال: هذا خلّصني بعد الله عزّ وجلَّ من أمرٍ عظيم، فاستبشعتُ هذا القول منه وأنكرتُه عليه فقال لي: اسمع حديثه فإنك تعذرني، كان يصحبني رجلٌ من أهل البصرة يقال له محمد بن بكر لا يفارقني يواكلني ويعاشرني علي النبيذ وغيره منذ سنين فخرجنا أهل الدينور، فلما رجعنا وقربنا من منزلنا كان في وسطى هميانفيه جملة دنانير ومعي متاع كثير أخذته من الغنيمة قد وقف عليه بأسره، فنزلنا إلى موضع فأكلنا وشربنا فلّما عمل الشراب عمد إلي فشدّ يديّ إلى رِجليَّ وأوثقني كِتافاً ورمى بي في واد، وأخذ كلّ ما معي وتركني ومضى، وآيستُ مِن الحياة وقعد هذا الكلب معي ثم تركني ومضى، فما كان بأسرع مِن أن وافاني ومعه رغيف فطرحه بين يديَّ فأكلته، ولم أزل أحبو إلى موضعٍ فيه ماءٌ فشربت منه، ولم يزل الكلب معي باقي ليلي يعوي إلى أن أصبحتُ فحملتني عينانيَ،وفقدت الكلب فما كان بأسرع من أن وافاني ومعه رغيف فأكلتُ وفعلتُ فِعلي في اليوم الأول، فلما كان في اليوم الثالث غاب عنِّي فقلت مضى يجيئني بالرغيف، فلم ألبث إلا أن جاء ومعه الرغيف، فرمى به إليَّ فما استتمَّ أكله إلا وابني على رأسي يبكي فقال وما تصنع ها هنا وما هي قصتك؟ ونزل فحل كتافي وأخرجني فقلتُ له من أين علمت بمكاني ومن دلَّك عليَّ؟ فقال يأتينا في كل يوم فنطرحُ له الرغيف على رسمه فلا يأكله، وقد كان معك فأنكرنا رجوعَه ولستَ أنت معه، فكان يحمل الرغيف بفيهِ ولا يذوقه ويخرج ويعود، فأنكرنا أمره فأتبعته حتى وقفت عليك، فهذا ما كان من خبري وخبر الكلب، فهو عندي أعظم مقدار من الأهل والقرابة، قال ورأيت أثر الكتاف في يده قد أثَّر أثرا قبيحا.
وحدثني أبو عبد الله قال حدثني أبو الحسين محمد بن الحسين بن شداد قال: قصدت دير مُخارق إلى عبد الله بن الطبري النصراني، الذي كان يأتي بالنَّزَل للمعتضد بالله، فسألته إحضار وكيل له يقال له إبراهيم بن داران وطالبته بإحضار الأدلاء لمسامحة قرية تعرف بباصيري السفلى فقال لي سيدي قد وجهت في ذلك، فقلت له أنا على الطريق جالس وما اجتاز بي أحد، فقال لي أما رأيت الكلب الذي كان بين أيدينا قد وجَّهتُ به، فغلظ ذلك من قوله، ونلت من عِرضه، وأمرت بما أنا أستغفر الله عزّ وجلَّ منه، فقال إن لم يحضرِ القوم الساعة، فأنت من دمي في حلٍّ، فما مكثُ بعد هذا القول إلا ساعة، حتى وافَى القومُ مسرعين، والكلب بين أيديهم، فسألته كيف تُحمِّله الرسالة، فقال: أشدُّ في عنُقه رقعةً بما أحتاج إليه وأطرحه على المحجَّة،فيقصد القوم وقد عرفوا الخبر، فيقرؤون الرقعة فيمتثلون ما فيها.

(1/7)


وحدثني لصٌ تائبٌ قال: دخلتُ مدينةً قد ذكروها إلي فجعلتُ أطلب شيئاً أسرقه، فلم أُصِب، ووقعَت عينيّ على صيرفيٍّ مُوسرٍ فما زلت أحتالُ حتى سرقت كيسا له، وانسللت فما جزتُ غير بعيد، إذا بعجوز معَها كلبٌ قد وقعت على صدري تبوسني وتلزمني وتقول يا بني فديتك والكلب يبصبص ويلوذ بي، ووقف الناس ينظرون إلينا وجعلت المرأة تقول بالله انظروا إلى الكلب كيف قد عرفه، فعجب الناس من ذلك وشككتُ أنا في نفسي وقلتُ لعلّها أرضعتني وأنا لا أعرفها وقالت: سِر معي إلى البيت أَقِم عندي فلا تفارقني حتى مضيت معها إلى بيتها، وإذا عندها جماعة أحداث يشربون وبين أيديهم من جميع الفواكه والرياحين فرحَّبوا بي وقرّبوني وأجلسوني معهم، ورأيت لهم بِزَّةً حسنة فوضعتُ عيني عليها وجعلت أسقيهم ويشربون، وارفق بنفسي إلى أن ناموا ونام كل من في الدار، فقمتُ وكوَّرتما عندهم وذهبتُ أخرج فوثبَ عليَّ الكلب وثبة الأسد وصاح وجعل يتراجع وينبح، إلى أن انتبه من كان نائما فخجلت واستحيت، فلما كان النهار فعلوا مِثل فِعلهم أمس وفعلت أنا أيضا بهم مثل ذلك وجعلت أوقع الحيلة في أمر الكلب إلى الليل، فما أمكنني فيه حيلة فلّما ناموا رُمت الذي رُمته فإذا الكلب قد عارضني مثل ما عارضني به، فجعلت أحتال ثلاث ليالٍ فلما أَيِست، طلبت الخلاص منهم بإذنهم وقلت أتأذنون لي أعزَّكم الله فإني على وِفاز فقالوا الأمر إلى العجوز، فاستأذنتُها فقالت هاتِ ما معك، الذي أخذته من الصيرفي وامض حيث شئت ولا تُقِم في هذه المدينة، لأنّه لا يتهيأ لأحد يعمل معي عملا، فأخذَتِ الكيس وأخرجتني ووجدتُ أنا أيضاً منأىً أن أسلم من يدها، فكان قصار القول أن أطلب منها نفقةً فدفعَت إليَّ نفقة وخرجت معي حتى أخرجتني عن المدينة، والكلب معها حتى جزت حدود المدينة ووقفت ومضيت والكلب يتبعني حتى بعُدت، ثم تراجع ينظر إلي ويلتفت وأنا أنظر إليه حتى غاب عني.
أخبرني بعض الشيوخ من أهل الحِيَل قال: كنت أنا مع جماعة خارجين إلى أصبهان، فلما صِرنا إلى بعض الطريق مررنا بخان قديم خراب ليس فيه أحد، وإذا صوتُ كلبٍ ينبح، وإذا حركة شديدة فدخلنا بأجمعنا الخان، فإذا نحن برجل من أصحابنا نعرفه من الفيوح كان معه كلب لا يفارقه حيث كان، وإذا بعض المبنِّج ينقد وقع عليه، فكان الفيح وطنا، فلما رأى أن حيلته ليست تنفد له عليه طرح في عنقه وترا ليخنقه به، فلما رأى الكلب ذلك ثار إلى المبنِّج فخمش وجهه وعضَّ قفاهُ وطرح منه قطعة لحم، فسقط المبنِّجُ مغشيّا عليه، فخلصنا من عنق صاحبنا الوتر وكان قد أشرف على التلف، وقبضنا على المبنج فكتَّفناه بوتره ودفعناه إلى السلطان.
وحدثني إبراهيم بن برقان قال: كان في جوارنا رجٌل من أهل أصبهان، يعرف الخطيب ومعه كلب له جاء به من الجبل، فوقع بينه وبين جاره خصومة إلى أن تواثبا، فلمّا رأى الكلب ذلك، وثب على الرجل الذي واثَب صاحبَه، فوضع مخاليبه في إحدى عينيه وعضَّ قفاه حتى رأيت الرجل قد غُشِيَ عليه ودماؤُه تجري على الأرض.
قال بعض من يذم الكلاب: الناس ينامون بالليل الذي جعلها الله تعالى نُسكنا ويتصرّفون ويبصرون في النهار الذي جعله الله عز وجل مسرحا، وهو على ضد ذلك فاحتجَّ من يرد عليه فقال إنّ سهرهم بالليل ونومهم بالنهار خصلة ملوكية ولو كان غير ذلك كان الملوك به أولى وإنّما انتباهها بالليل، لأن الليل ينتشر فيه اللصوص ويكثر التسلّق والنقوب والسرق ممّن إذا أفضى إلى منزلِ قومٍ لم يرضَّ إلا بالقتل، وركوب السوءة، ونهب المال فهي تحرس من هذه، وتنبِّهُ عليه صاحبه، أنشدني بعض الأدباء:
تاه قلبي وأينَ مِنِّيَ قلبُ ... إنَّ ردَّ السرور يا قومُ صعبُ
شرّدتني خيانةٌ من صديق ... أنا مستسلمٌ له وهو حربُ
مضمرٌ للنفاق والقلب فيهِ ... مبطنٌ بغضه وباديهِ حبُّ
قلت يوماً له وإن مضى مِن ... هُ فعال أتى بها أنتَ كلبُ
قال للمزح قلتُ ذا أم لثلبٍ ... قلت للثلبِ قال ما فيه ثلبُ
شيمةُ الكلب حفظه لوليٍّ ... وعن الحيِّ في دُجا الليل ذبُّ
يحفظُ الجار للجوار ويُمسي ... ساهِرَ المقلتين يحنوهُ سَغبُ
يرقدُ النائمون أمنا وبُمسي ... خائفا هلكهم يحاكيه صبُّ

(1/8)


وترى الكلب في المهامِهِ غوثا ... ويجيب اللهيف والنار تخبو
وتراه ينابحُ الكلب خوفا ... وإلى الصوت في دجا الليل يحبو
فلماذا أنحَستَه الحظّ قل لي ... لِمْ تُشِن حُسنَه وما فيه سبُّ
أنشدني بعض المدنيين يصف كلبا له بالشدة يقال له موق:
يا موق لا ذقت بُوس العيش يا موق ... ولا منيت بشربٍ فيه ترنيقُ
ذو هامة كرَحى بئرٍ مُلملمةٍ ... وبرثنٍفيه للإخوان تخريقُ
صُماتُه غضبٌ ونبحهُ كلبٌ ... وعنده سغبٌ ما فيه ترفيقُ
العقرنيَّته والموت كرَّته ... مجتازُ ساحتِهِ بالشرِّ مهروقُ
والسيف والرمحُ أدنى منه بادرةً ... والنبل أهونُ منهُ والمزاريقُ
والتركُ والديلمُ المحذور بأسهُما ... والزِّنجُ مِن بعدُ والرومُ البطاريقُ
جماعة القوم إن مرّوا بساحتهِ ... فعنده لاجتماعِ القوم تفريقُ
أو مرَّ جيشٌ عليه كلّهم بطلٌ ... إذا أناخت بهِم من خوفه النوقُ
قلت لصديق لي: تعرِفُ في هذا المعنى شيئا، قال نعم وأنشدني:
قال لي أحمد وأحمد كهل ... ليس في الناس مثله اثنان
حسنُ خلقٍ وحسنُ خلقٍ وعلمٌ ... بارعٌ زانه بِنطق لسانِ
هو في العين زينةٌ وجمالٌ ... ولدى الشرب زينةُ البستانِ
وإذا ما المرء ضاق بالهمِّ صدراً ... فرَّج الهم أحمد المرزبانِ
يا خليلي حفظتُ في الكلب شيئاً ... قلت في الذمِّ قال لي عظم شان
قال لي خذ أخي فأَظِهر مقالا ... قد حوى من ظريف المعانِ
في مديح الكلاب مع ذمِّ قومٍ ... فأراني العيانَ قبل العيانِ
قال إني أراه أوفى ذِماماً ... من كثير عرفت في الإخوانِ
وأمين المغيب يُلقي بوجهٍ ... ولقومٍ من الورى وجهانِ
شاكراً للقليل غير كفورٍ ... وكفورُ الكثيرِ للخلانِ
حارساً في الحريم يمنع في اللي ... لِ عن القومِ ساهر الأجفانِ
مثل ليثِ العرين تلقاهُ لمّا ... حلّ في جوف جيشه شِبلانِ
عارف بالجميل يغضي حياء ... حين تلقاه للفتى عينان
صابرٌ مانعٌ حفوظٌ أَلوفٌ ... دافعٌ مانعٌ بغيرِ امتنانِ
ألينُ الخلقِ مِعطفا لحميمٍ ... ولأعدائه كحدِّ السنانِ
وأرى الناس غير من أنتَ مِنهمْ ... خُلقوا كالذبابِ والثيرانِ
وممن أفسد الصديق بحرمته فأقام الكلب بنصرته، ما أخبرنا عن أبي الحسن المدايني يرفعه عن عمرو بن شمر قال: كان الحارث بن صعصعة ندمان لا يفارقهم، شديد المحبة لهم فبعث أحدهم بزوجته فراسلها، وكان للحارث كلبٌ ربّاه، فخرج الحارث في بعض متنزَّهاته ومعه ندماؤه، وتخلَّف عنهُ ذلك الرجل، فلما بعد الحارث عن منزله، جاء نديمه إلى زوجته فأقام عندها يأكل ويشرب فلما سكرا واضّطجعا ورأى الكلب أنه قد ثار على بطنها وثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله ونظر إليهما عرف القصة ووقف ندماؤه على ذلك وأنشأ يقول:
ومازال يرعى ذِمَّتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخونُ
فوا عجبا للخلِّ يهتك حُرمتي ... ويا عجباً للكلب كيف يصونُ
قال وهجر من كان يعاشره واتّخذ كلبه نديما وصاحباً فتحدث به العرب وأنشأ يقول:
فلَلكلبُ خيرٌ من خليل يخونني ... وينكِحُ عِرسي بعد وقتِ رحيلي
سأجعلُ كلبي ما حييتُ منادِمي ... وأمنحُه وُدِّي وصفوَ خليلي
وذكر ابن دأب قال كان للحسن بن مالك الغنوي أخوان وندمان فأفسد بعضهم محرما له، وكان على باب داره كلبٌ قد رباه، فجاء الرجل يوما إلى منزل الحسن فدخل إلى امرأته فقالت له قد بعد فهل لك في جلسة يُسرُّ بعضنا ببعض فيها، فقال: نعم، فأكلا وشربا ووقع عليها، فلما علاها وثب الكلب عليهما فقتلهما فلما جاء الحسن ورآهما على تلك الحال تبيّن ما فعلا فأنشأ يقول:
قد أضحى خليلي بعد صفو مودتي ... صريعا بدار الذلِّ أسلمه الغدرُ
يَطي حُرمتي بعد الإخاء وخانني ... فغادَره كلبي وقد ضَمَّه القبرُ

(1/9)


قال الأصمعي كان لمالك بن الوليد أصدقاء لا يفارقهم ولا يصبر عنهم، فأرسل أحدهم إلى زوجته فأجابته، وجاء ليلة واستخفي في بعض دور مالك عند امرأته ومالك لا يعلم بشيء من ذلك، فلما أخذ في شأنها وثب كلب لمالك عليهما فقتلهما ومالك لا يعقل من السكر، فلما أفاق وقف عليهما وأنشأ يقول:
كل كلب حفظته لك أرعى ... ما بقى لو بقي ليوم التنادِ
من خليل يخون في النفس والما ... لِ وفي العرس بعد صَفو الوِدادِ
وقال آخر:
وإذا قلت ويكَل لكلبِ إخسا ... لحظَتني عيناكَ لحظةَ تُهمَهْ
أترى أنني حسِبتك كلبا ... أنت عنه من أبعدِ الناس هِمَّهْ
ذكروا أن صعصعة بن خالد كان له صديق لا يفارقه، فجاءه يوما فرآه قتيلا على فراشه مع امرأته فأيقن بخيانتهما فقال:
الغدر شيمة كلِّ نذلٍ سِفلةٌ ... والكلب يحفظ عهدَك الدهرا
فدعِ اللئامَ وكن لِكلبكَ حافظاً ... فلْتأمنَنَّ الغدر والمَكرا
وحدثني بعض أصدقائي قال خرجتُ ليلةً وأنا سكران، فقصدت بعض البساتين لأمر من الأمور ومعي كلبان كنت ربيتهما ومعي عصا فحملتني عيني فإذا الكلبان ينبحان ويصيحان، فانتبهت بصياحهما فلم أرَ سيئا أنكِرُه، فضربتهما وطردتهما ونمتُ ثم عاودوا الصياح والنُّباح، فأنبهاني فلم أر سيئا أنكره أيضا فوثبت إليهما وطردتهما فما أحسستُ إلا وقد سقطا عليَّ يحرِّكاني بأيديهما وأرجلهما كما يحرك اليقظان النائم لأمرٍ هائل، فوثبت فإذا بأسود سابحقد قرُب مِنِّي فوثبتُ فقتلته وانصرفت إلى منزلي، فكان الكلبان بعد الله عز وجل سببا لخلاصي.
ويُروى أنه كان لميمونة زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلب يقال له مِسمار، وكانت إذا حجَّت خرجت به معها فليس يطمع أحد بالقرب من رحلِها مع مسمار، فإذا رجعت جعلته في بني جديلة وأنفقت عليه، فلما مات قيل لها مات مِسمار، فبكت وقالت فُجعتُ بمسمار.
وحدثني أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس بن زيد عن أبي رافع قال كان للزهري كلبةُ صيدٍ فكان يطلب لها الفحول يلتمس نسلها... قال وكان رجل يشرب عند قوم فرأى منهم رجلا يلاحظ امرأته فقال:
كلْ هَنيأً وما شرِبتَ مريئا ... ثم قُمْ صاغرا فغيرَ كريمِ
لا أحبُّ النديم يُومِضُ بالعَي ... نِ إذا ما خلى بعِرسِ النديمِ
وحدثني صديق لي أنه كان له صديق ماتت امرأته وخلّفت صبيّا وكان له كلب قد ربّاه، فترك يوما ولده في الدار مع الكب وخرج لبعض الحوائج وعاد بعد ساعة فرأى الكلب في الدهليز وهو ملوِّثٌ بالدم وجهه وبوزَه كلّه. فظنَّ الرجل أنه قد قَتل ابنه وأكله، فعمد إلى الكلب فقتله قبل أن يدخل الدار ثم دخل الدار فوجد الصبيَّ نائماً في مهده وإلى جانبه بقية أفعى قد قتله الكلب وأكل بعضه، فندم الرجل على قتله أشد ندامة ودفن الكلب والله أعلم.
وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في الرسالة والحمد لله أولاً وآخرا وباطناً وظاهراً وصلى الله عل سيدنا محمد وعلى آلِه وصحبه وسلم.

(1/10)