صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : غاية الوصول في شرح لب الأصول
المؤلف : شيخ الإسلام زكريا الأنصارى
المحقق :
عدد الأجزاء :
الطبعة :
اسم المؤلف كاملا : زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري أبو يحيى
سنة ولادة المؤلف : 823
سنة وفاة المؤلف : 926
الموضوع : الفقه الشافعي (أصول فقه)
الاسم الكامل للكتاب :
دار النشر :
مدينة النشر :
سنة النشر :

{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} وفي الوضوء {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}، وسببهما الحدث مع القيام إلى الصلاة أو نحوها واختلاف الحكم من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرفق ظاهر، إذ المسح خلاف الغسل. (أو) اختلف (سببهما) مع اتحاد حكمهما (ولم يكن ثم مقيد) في محلين (بمتنافيين) كما في قوله تعالى في كفارة الظهار {فتحرير رقبة} وفي كفارة القتل {فتحرير رقبة مؤمنة} (أو) كان ثم مقيد كذلك. و(كان) المطلق (أولى) بالتقييد (بأحدهما) من الآخر من حيث القياس كما في قوله تعالى في كفارة اليمين {فصيام ثلاثة أيام} وفي كفارة الظهار {فصيام شهرين متتابعين} وفي صوم التمتع {فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم} (قيد) المطلق بالقيد أي حمل عليه (قياسا في الأصح) فلا بد من جامع بينهما وهو في المثال الأول موجب الطهر، وفي الثاني حرمة سببهما من الظهار والقتل، وفي الثالث النهي عن اليمين والظهار، فحمل المطلق فيه على كفارة الظهار في التتابع أولى من حمله على صوم المتمتع في التفريق لاتحادهما في الجامع، والتمثيل به إنما هو على قول قديم، وقيل يحمل عليه في الأوليين لفظا أي بمجرد وجود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع، وقيل لا يحمل عليه في الثالثة بناء على أن الحمل لفظي. وقال الحنفي لا يحمل عليه لاختلاف الحكم أو السبب فيبقى المطلق على خلافه. أما إذا كان ثم مقيد في محلين بمتنافيين ولم يكن المطلق في ثالث أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس كما في قوله تعالى في قضاء رمضان {فعدة من أيام أخر} وفي كفارة الظهار {فصيام شهرين متتابعين} وفي صوم التمتع ما مرّ. فيبقى المطلق على إطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما وبواحد منهما لانتفاء مرجحه، فلا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق والترجيح من زيادتي، ولو اختلف سببهما وحكمهما كتقييد الشاهد بالعدالة وإطلاق الرقبة في الكفارة لم يحمل المطلق على المقيد اتفاقا، وقيل على الراجح.
---

(1/74)


الظاهر والمؤوّل
أي هذا مبحثهما. (الظاهر) لغة الواضح واصطلاحا. (ما دل) على المعنى (دلالة ظنية) أي راجحة بوضع اللغة أو الشرع أو العرف، يحتمل غير ذلك المعنى مرجوحا كما مر أوائل الكتاب الأول كالأسد راجح في الحيوان المفترس لغة مرجوح في الرجل الشجاع والصلاة راجحة في ذات الركوع والسجود شرعا مرجوحة في الدعاء الموضوعة له لغة، والغائط راجح في الخارج المستقذر عرفا مرجوح في المكان المطمئن الموضوع له لغة، وخرج المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لأنه مرجوح، والنص كزيد لأن دلالته قطعية. (والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حمل) عليه (دليل فصحيح) الحمل. (أو لما يظنّ دليلاً) وليس دليلاً في الواقع (ففاسد أو لا لشيء فلعب) لا تأويل.
(والأول) أي التأويل قسمان (قريب) يترجح على الظاهر بأدنى دليل نحو {إذا قمتم إلى الصلاة} أي عزمتم على القيام إليها و{إذا قرأت القرآن} أي أردت قراءته. (وبعيد) لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه. (كتأويل) الحنفية (أمسك) من قوله صلى الله عليه وسلّم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة «أمسك أربعا وفارق سائرهن». (بابتدىء) نكاح أربع منهن بقيد زدته بقولي (في المعية) أي فيما إذا نكحهن معا لبطلانه كالمسلم بخلاف نكاحهن مرتبا فيمسك الأربع الأوائل، ووجه بعده أن المخاطب بمحله وهو أمسك قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح منه ولا من غيره ممن أسلم مع كثرتهم وتوفر دواعي حملة الشرع على نقله لو وقع. (و) كتأويلهم (ستين مسكينا} من قوله تعالى {فإطعام ستين مسكينا} (بستين مدا) بتقدير مضاف أي طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز إعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوما كما يجوز إعطاؤه لستين مسكينا في يوم واحد، لأن القصد بإعطائه دفع الحاجة ودفع حاجة الواحد في ستين يوما كدفع حاجة الستين في يوم واحد، ووجه بعده أنه اعتبر فيه ما لم يذكر من المضاف وألغى فيه ما ذكر من عدد المساكين الظاهر قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن. (و) كتأويلهم خبر أبي داود وغيره (لا صيام لمن لم يبيت) أي الصيام من الليل. (بالقضاء والنذر) لصحة غيرهما بنية من النهار عندهم ووجه بعده أنه قصر للعام النص في العموم على نادر لندرة القضاء والنذر. (و) كتأويل أبي حنيفة خبر ابن حبان وغيره (ذكاة الجنين ذكاة أمه) بالرفع والنصب (بالتشبيه) أي مثل ذكاتها أو كذكاتها، فالمراد بالجنين الحي لحرمة الميت عنده وأحله صاحباه كالشافعي، ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه ووجه استغنائه عنه على رواية الرفع وهي المحفوظة أن يعرب ذكاة الجنين خبرا لما بعده أي ذكاة أم الجنين ذكاة له، وعلى رواية النصب إن
ثبتت أن يجعل على الظرفية أي ذكاة الجنين حاصلة وقت ذكاة أمه التي أحلتها، فالمراد الجنين الميت وأن ذكاة أمه أحلته تبعا لها.

(1/75)


المجمل ما لم تتضح دلالته
من قول أو فعل كقيامه صلى الله عليه وسلّم من الركعة الثانية بلا تشهد لاحتماله العمد والسهو، وخرج المهمل إذ لا دلالة له والمبين لإيضاح دلالته. (فلا إجمال في الأصحّ في آية السرقة) وهي {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} لا في اليد ولا في القطع، وقيل مجملة فيهما لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب، والقطع يطلق على الإبانة وعلى الجرح، ولا ظهور لواحد من ذلك وإبانة الشارع من الكوع مبينة، لذلك قلنا لا نسلم عدم ظهور واحد، لأن اليد ظاهرة في العضو إلى المنكب والقطع ظاهر في الإبانة، وإبانة الشارع من الكوع دليل على أن المراد من الكل البعض. (و) لا في نحو {حرمت عليكم الميتة} كحرمت عليكم أمهاتكم، وقيل مجمل. إذ لا يصح إسناد التحريم إلى العين لأنه إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملاً. قلنا المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض، بأن المراد في الأول تحريم الأكل ونحوه، وفي الثاني تحريم التمتع بوطء ونحوه (و) لا في قوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم} وقيل مجمل لتردده بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع الناصية مبين لذلك. قلنا لا نسلم تردده بين ذلك، وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم وبغيره ومسح الشارع الناصية من ذلك. (و) لا في خبر البيهقي وغيره «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وقيل مجمل، إذ لا يصح رفعها مع وجودها حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين أمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملاً. قلنا المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض بأن المراد منه رفع المؤاخذة. (و) لا في خبر الترمذي وغيره «لا نكاح إلا بولي». وقيل مجمل، إذ لا يصح النفي لنكاح بلا ولي مع وجوده حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين الصحة والكمال ولا مرجح لواحد منهما، فكان مجملاً. قلنا بتقدير تسليم ذلك المرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات إذ ما انتفت صحته لا يعتد به، فيكون كالمعدوم بخلاف ما انتفى كماله (لوضوح دلالة الكلّ) كما مرّ بيانه فلا إجمال في شيء منه (بل) الإجمال (وفي مثل القرء) لتردده بين الطهر والحيض لاشتراكه بينهما، وحمله الشافعي على الطهر، والحنفي على الحيض لما قام عندهما. (و) مثل (النور) لأنه صالح للعقل ونور الشمس مثلاً لتشابههما في الاهتداء بكل منهما. (و) مثل (الجسم) لأنه صالح للسماء والأرض مثلاً لتماثلهما سعة وعددا. (و) مثل (المختار) كمنقاد لتردده بين اسم الفاعل والمفعول بإعلاله بقلب يائه المسكورة أو المفتوحة ألفا. (و) مثل قوله تعالى (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) لتردده بين الزوج والولي وحمله الشافعي على الزوج ومالك على الولي لما قام عندهما (و) مثل قوله تعالى (إلا ما يتلى عليكم) للجهل بمعناه قبل نزول مبينه وهو {حرمت عليكم الميتة} الخ ويسري الإجمال إلى المستثنى منه وهو {أحلت لكم بهيمة الأنعام} (و) مثل قوله تعالى (الراسخون) من قوله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} لتردده بين العطف والابتداء وحمله الجمهور على الابتداء لما قام عندهم. (و) مثل (قوله عليه الصلاة والسلام) في خبر الصحيحين وغيرهما (لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره) لتردد ضمير جداره بين عوده إلى الجار أو إلى الأحد. وتردد الشافعي في المنع لذلك والجديد المنع لخبر الحاكم بإسناد صحيح في خطبة حجة الوداع «لا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس. وخشبه بلفظ الجمع والإضافة للضمير وروى خشبة بالإفراد والتنوين. (و) مثل (قولك زيد طبيب ماهر) لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد
(و) مثل قولك (الثلاثة زوج وفرد) لتردد الثلاثة فيه بين اتصافها بصفتيها واتصاف أجزائها بهما، وإن تعين الثاني نظرا إلى صدق المتكلم به، إذ حمله على الأول يوجب كذبه.
(

(1/76)


والأصح وقوعه) أي المجمل (في الكتاب والسنة) للأمثلة السابقة منهما ومنعه داود الظاهري، قيل ويمكن أن ينفصل عنها بأن الأول ظاهر في الزوج لأنه المالك للنكاح. والثاني مقترن بمفسره، والثالث ظاهر في الابتداء، والرابع ظاهر في عوده إلى الأحد لأنه محط الكلام. (و) الأصح (أن المسمى الشرعي) للفظ (أوضح من) المسمى (اللغوي) له في عرف الشرع لأن النبي بعث لبيان الشرعيات، فيحمل على الشرعي، وقيل لا في النهي فقيل هو مجمل، وقيل يحمل على اللغوي، والمراد بالشرعي ما أخذت تسميته من الشرع صحيحا كان أو فاسدا لا ما يكون صحيحا فقط. (وقد مرّ) ذلك في مسألة اللفظ إما حقيقة أو مجاز وذكر هنا توطئة لقولي (و) الأصح (أنه إن تعذر) أي المسمى الشرعي للفظ. (حقيقة رد إليه بتجوز) محافظة على الشرع ما أمكن، وقيل هو مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي، وقيل يحمل على اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز، والترجيح من زيادتي، وهو ما اختاره في شرح المختصر كغيره مثاله خبر الترمذي وغيره «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام» تعذر فيه مسمى الصلاة شرعا فيرد إليه بتجوّز بأن يقال كالصلاة في اعتبار الطهر والنية ونحوهما، وقيل يحمل على المسمى اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتمال الطواف عليه فلا يعتبر فيه ما ذكر، وقيل مجمل لتردّده بين الأمرين. (و) الأصح (أن اللفظ المستعمل لمعنى تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى أحدهما) تارة أخرى على السواء وقد أطلق (مجمل) لتردده بين المعنى والمعنيين، وقيل يترجح المعنيان لأنه أكثر فائدة. (فإن كان) ذلك المعنى (أحدهما عمل به) جزما لوجوده في الاستعمالين (ووقف الآخر) للتردد فيه، وقيل يعمل به أيضا
لأنه أكثر فائدة مثال الأول خبر مسلم «لا ينكح المحرم ولا ينكح» بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء، فإنه إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يطء ولا يوطىء أي لا يمكن غيره من وطئه أو على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك، وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، ومثال الثاني خبر مسلم «الثيب أحق بنفسها من وليها» أي بأن تعقد لنفسها أو بأن تعقد كذلك أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها، وقد قال تعقد لنفسها أبو حنيفة، وكذا بعض أصحابنا، لكن إذا كان في مكان لا وليّ فيه ولا حاكم.

(1/77)


البيان
بمعنى التبيين لغة الإظهار أو الفصل واصطلاحا. (إخراج الشيء من حيز الاشكال إلى حيز التجلي) أي الإيضاح، فالإتيان بالظاهر من غير سبق إشكال لا يسمى بيانا اصطلاحا. (وإنما يجب) البيان (لمن أريد فهمه) المشكل لحاجته إليه بأن يعمل به أو يفتى به بخلاف غيره. (والأصح أنه) أي البيان قد (يكون بالفعل) كالقول بل أولى، لأنه أدل بيانا لمشاهدته، وإن كان القول أدلّ حكما لما يأتي، وقيل لا لطول زمنه فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله بالقول وذلك ممتنع. قلنا لا نسلم امتناعه والبيان بالقول كقوله تعالى {صفراء فاقع لونها} بيان لقوله بقرة وبالفعل كخبر «صلوا كما رأيتموني أصلي». ففعله بيان لقوله تعالى {أقيموا الصلاة} وقوله صلوا الخ. ليس بيانا، وإنما دل على أن الفعل بيان ومن الفعل التقرير والإشارة والكتابة، وقد قال صاحب الواضح من الحنفية في الأخيرين لا أعلم خلافا في أن البيان يقع بهما. (و) الأصح أن (المظنون يبين المعلوم). وقيل لا لأنه دونه فكيف يبينه. قلنا لوضوحه. (و) الأصح أن (المتقدم) وإن جهلنا عينه. (من القول والفعل هو البيان) أي المبين والآخر تأكيد له وإن كان دونه قوّة، وقيل إن كان كذلك فهو البيان، لأن الشيء لا يؤكد بما هو دونه. قلنا هذا في التأكيد بغير المستقل أما بالمستقل فلا، ألا ترى أن الجملة تؤكد بجملة دونها. (هذا إن اتفقا) أي القول والفعل في البيان كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج المشتملة على الطواف طوافا واحدا أو أمر بطواف واحد. (وإلا) بأن زاد الفعل على مقتضى القول، كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج طوافين، وأمر بواحد، أو بأن نقص الفعل عن مقتضى القول كأن طاف واحدا وأمر باثنين. (فالقول) أي فالبيان القول لأنه يدل عليه بنفسه والفعل يدل عليه بواسطة القول (وفعله مندوب أو واجب) في حقه دون أمته وإن زاد على مقتضى قوله (أو تخفيف)في حقه أن نقص عنه سواء أكان القول
متقدما على الفعل أو متأخرا عنه جمعا بين الدليلين، وقيل البيان المتقدم منهما كما لو اتفقا، فإن كان المتقدم القول فحكم الفعل ما مر أو الفعل، فالقول ناسخ للزائد منه وطالب لما زاده عليه. قلت عدم النسخ بما قلناه أولى، والقول أقوى دلالة وذكر التخفيف من زيادتي.

(1/78)


(مسألة تأخير البيان) لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره بقرينة ما يأتي. (عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز) وقوعه عند أئمتنا المجوّزين تكليف ما لا يطاق. (و) تأخيره عن وقت الخطاب (إلى وقته) أي الفعل جائز (واقع في الأصحّ سواء أكان للمبين) ببنائه للمفعول. (ظاهر) وهو غير المجمل كعام يبين تخصيصه ومطلق يبين مقيده ودالّ على حكم يبين نسخه أم لا. وهو المجمل المشترك يبين أحد معنييه مثلاً ومتواطىء يبين أحد ما صدقاته مثلاً، وقيل يمتنع تأخيره مطلقا لإخلاله بفهم المراد عند الخطاب، وقيل يمتنع فيما له ظاهر لإيقاعه المخاطب في فهم غير المراد بخلافه في المجمل، وقيل يمتنع تأخير البيان الإجمالي دون التفصيلي فيما هو ظاهر مثل هذا العام مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم منسوخ لوجود المحذور قبله بخلاف المجمل، فيجوز تأخير بيانه الإجمالي كالتفصيلي، وقيل غير ذلك.
ومما يدل على الوقوع آية {واعلموا أنما غنمتم من شيء} فإنها عامة فيما يغنم مخصوصة عموما بخبر الصحيحين «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه». وبلا عموم بخبرهما أنه صلى الله عليه وسلّم قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وآية {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} فإنها مطلقة ثم بين تقييدها بما في أجوبة أسئلتهم. (و) يجوز (للرسول) صلى الله عليه وسلّم (تأخير التبليغ) لما أوحي إليه من قرآن أو غيره. (إلى الوقت) أي وقت العمل ولو على القول بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب لانتفاء المحذور السابق عنه، ولأن وجوب معرفته إنما هو للعمل ولا حاجة له قبل العمل، وقيل لا يجوز على القول بذلك لقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} أي فورا لأن وجوب التبليغ معلوم بالعقل فلا فائدة للأمر به إلى إلا الفور. قلنا لا نسلم أن وجوبه معلوم بالعقل بل بالشرع ولو سلم. قلنا ففائدته تأيد العقل بالنقل. (ويجوز أن لا يعلم) المكلف (الموجود) عند وجود المخصص (بالمخصص) بكسر الصاد. (ولا بأنه مخصص) أي يجوز أن لا يعلم قبل وقت العمل بذات المخصص ولا بوصف أنه مخصص مع علمه بذاته كأن يكون المخصص العقل بأن لا يسبب الله العلم بذلك. (ولو على المنع) أي على القول بامتناع تأخير البيان، وقيل لا يجوز على القول بذلك في المخصص السمعي لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان. قلنا المحذور إنما هو تأخير البيان وهو منتف هنا وعدم علم المكلف بالمخصص بأن لم يبحث عنه تقصير منه، أما العقلي فاتفقوا على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه بذات العقل بأن فقد ما يخصصه وكولا إلى نظره، وقد وقع أن بعض الصحابة لم يسمع المخصص السمعي إلا بعد حين منهم فاطمة بنت النبيّ صلى الله عليه وسلّم طلبت ميراثها مما تركه أبوها لعموم قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} فاحتج عليها أبو بكر رضي الله عنه بما رواه لها من خبر الصحيحين «لا نورث ما
تركناه صدقة». وبما تقرر علم أن قولي ولو على المنع راجع إلى المسألتين.

(1/79)


النسخ
لغة الإزالة كنسخت الشمس الظلّ أي أزالته والنقل مع بقاء الأول كنسخت الكتاب أي نقلته واصطلاحا. (رفع) تعلق (حكم شرعي) بفعل (بدليل شرعي)، والقول بأنه بيان لانتهاء أمد حكم شرعي يرجع إلى ذلك فلا خلاف في المعنى، وإن فرق بينهما بأنه في الأول زال به، وفي الثاني زال عنده وما فرق به من أن الأول يشمل النسخ قبل التمكن دون الثاني مردود كما بينته مع زيادة في الحاشية. قال البرماوي فإن قلت سيأتي أن من أقسام النسخ ما ينسخ لفظه دون حكمه ولا رفع فيه لحكم. قلت رفع اللفظ يتضمن رفع أحكام كثيرة كتعبد بتلاوته وإجراء حكم القرآن عليه من منع الجنب ونحوه من قراءته، ومسّ المحدث وحمله له وغير ذلك، وخرج بالشرعي أي المأخوذ من الشرع رفع البراءة الأصلية أي المأخوذة من العقل، وبدليل شرعي الرفع بالموت والجنون والغفلة والعقل والإجماع، لأنه إنما ينعقد بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلّم كما سيأتي. ومخالفة المجمعين للنص تتضمن ناسخا له وهو مستند إجماعهم، وأما جعل الإمام الرازي رفع غسل الرجلين بالعقل عن قطعهما نسخا فتسمح وتعبيري بذلك يشمل الكتاب والسنة قولاً وفعلاً، وبه صرّح التفتازاني فهو أولى من قول الأصل بخطاب لقصوره على القول، وشمل التعريف الإباحة الأصلية، فإنها عندنا ثابتة بالشرع فرفعها يكون نسخا كما ذكره التفتازاني.
(ويجوز في الأصح نسخ بعض القرآن) تلاوة وحكما أو أحدهما دون الآخر والثلاثة واقعة. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات». فهذا منسوخ التلاوة والحكم. وروى الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه «لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة». أي المحصنان. «إذا زنيا فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها». فهذا منسوخ التلاوة دون الحكم لأمره صلى الله عليه وسلّم برجم المحصن رواه الشيخان. وعكسه كثير كقوله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية} إلى آخره نسخ قوله {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن} إلى آخره لتأخره في النزول عن الأول وإن تقدمه في التلاوة، وقيل لا يجوز نسخ بعضه كما لا يجوز نسخ كله وقيل لا يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه، لأن الحكم مدلول اللفظ، فإذا قدّر انتفاء أحدهما لزم انتفاء الآخر، قلنا إنما يلزم إذا روعي وصف الدلالة وما نحن فيه لم يراع فيه ذلك.
(و) يجوز في الأصح نسخ (الفعل قبل التمكن) منه بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، وقيل لا لعدم استقرار التكليف، قلنا يكفي للنسخ وجود أصل التكليف فينقطع به، وقد وقع ذلك في قصة الذبيح فإن الخليل أمر بذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى حكاية عنه {يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك} إلى آخره ثم نسخ ذبحه قبل التمكن منه بقوله {وفديناه بذبح عظيم} واحتمال كونه بعد التمكن خلاف الظاهر من حال الأنبياء في امتثال الأمر من مبادرتهم إلى فعل المأمور به.
(و) يجوز في الأصح (نسخ السنة بالقرآن) كنسخ تخريم مباشرة الصائم أهله ليلاً بالسنة بقوله تعالى {أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وقيل لا يجوز نسخها به لقوله تعالى {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} جعله مبينا للقرآن فلا يكون القرآن مبينا لسنته. قلنا لا مانع لأنهما من عند الله قال تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ويدل للجواز قوله تعالى {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (كهو) أي كما يجوز نسخ القرآن (به) جزما كما مرّ التمثيل له بايتي عدّة الوفاة وتعبيري بذلك أولى مما عبر به لإيهامه أن الخلاف جار في النسخ بالقرآن لقرآن، وليس كذلك عند من جوّز نسخ بعضه. (و) يجوز في الأصح (نسخه) أي القرآن (بها) أي بالسنة متواترة أو آحادا قال تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} وقيل لا يجوز لقوله تعالى {قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي} والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه قلنا ممنوع. وما ينطق عن الهوى، وقيل لا يجوز نسخ القرآن بالآحاد لأن القرآن مقطوع والآحاد مظنون. قلنا محل النسخ الحكم ودلالة للقرآن عليه ظنية. (و) لكن نسخ القرآن بالسنة (لم يقع إلا بالمتواترة في الأصح). وقيل وقع بالآحاد كنسخ خبر الترمذي وغيره «لا وصية لوارث» لآية {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية}. قلنا لا نسلم عدم تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمن الوحي وسكت كالأصل عن نسخ السنة بها للعلم به من نسخ القرآن به، فيجوز نسخ المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها وبالمتواترة، وكذا المتواترة بالآحاد على الأصح كما مرّ من نسخ القرآن بالآحاد. (وحيث وقع) نسخ القرآن (بالسنة فمعها قرآن عاضد لها) على النسخ يبين توافقهما لتقوم الحجة على الناس بهما معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، إذ كل منهما من عند الله. (أو نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة) ب1>عاضدة له تبين توافقهما لما
---

(1/80)


مرّ، كما في نسخ التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس الثابت بفعله صلى الله عليه وسلّم بقوله تعالى {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} وقد فعله صلى الله عليه وسلّم.
(و) يجوز في الأصح (نسخ القياس) الموجود (في زمن النبي) صلى الله عليه وسلّم (بنص أو قياس أجلي) من القياس المنسوخ به، فالأول كأن يقول صلى الله عليه وسلّم «الفاضلة في البرّ حرام لأنه مطعوم». فيقاس به الأرز، ثم يقول «بيعوا الأرز بالأرز متفاضلاً». والثاني كأن يأتي بعد القياس المذكور نص بجواز بيع الذرة بالذرة متفاضلاً فيقاس به بيع الأرز بالأرز متفاضلاً، وقيل لا يجوز نسخه لأنه مستند إلى نص
فيدوم بدوامه. قلنا لا نسلم لزوم دوامه كما لا يلزم دوام حكم النص بأن ينسخ وخرج بالأجلي غيره، فلا يكفي الأدون لانتفاء المقاومة ولا الساري لانتفاء المرجح، وقيل يكفيان كالأجلي.
(و) يجوز في الأصح (نسخ الفحوى) أي مفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوي (دون أصله) أي المنطوق بقيد زدته بقولي (إن تعرض لبقائه) أي بقاء أصله (وعكسه) أي أصل الفحوى دونه إن تعرض لبقائه لأنهما مدلولان متغايران فجاز فيهما ذلك كنسخ تحريم الضرب دون تحريم التأفيف والعكس، وقيل لا فيهما لأن الفحوى لازم لأصله فلا ينسخ أحدهما دون الآخر لمنافاة ذلك اللزوم بينهما، وقيل يمتنع الأول لامتناع بقاء الملزوم مع نفي اللازم بخلاف الثاني لجواز بقاء اللازم مع نفي الملزوم، أما نسخهما معا فيجوز اتفاقا، فإن لم يتعرض للبقاء فعن الأكثر الامتناع بناء على أن نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر، لأن الفحوى لازم لأصله وتابع له، ورفع اللازم يستلزم رفع الملزوم، ورفع المتبوع يستلزم رفع التابع، وقيل لا يستلزم نسخ كل منهما ذلك، لأن رفع التابع لا يستلزم رفع الملزوم، ورفع المتبوع لا يستلزم رفع اللازم، وقيل نسخ الفحوى لا يستلزم بخلاف عكسه، وقيل عكسه لما عرف مما قبلهما وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به لإيهامه التنافي، وقد أوضحت لك مع الجواب عنه في الحاشية.
(و) يجوز في الأصح (النسخ به) أي بالفحوى كأصله، وقيل لا بناء على أنه قياس وأن القياس لا يكون ناسخا، وذكر الخلاف في هذه من زيادتي. (لا نسخ النص بالقياس) فلا يجوز في الأصح حذرا من تقديم القياس على النص الذي هو أصل له في الجملة، وعلى هذا جمهور أصحابنا. ونقله أبو إسحاق المروزي عن النصّ. وقال القاضي حسين إنه المذهب، وقيل وصححه الأصل يجوز لاستناده إلى النص، فكأنه الناسخ، وقيل يجوز بالقياس الجليّ دون الخفي، وقيل غير ذلك.
(ويجوز نسخ) مفهوم (المخالفة دون أصلها) كنسخ مفهوم خبر «إنما الماء من الماء» بخبر «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (لا عكسه) أي لا نسخ الأصل دونها، فلا يجوز في الأصح لأنها تابعة له فترتفع بارتفاعه ولا يرتفع هو بارتفاعها، وقيل يجوز وتبعيتها له من حيث دلالة اللفظ عليها معه لا من حيث ذاته أما نسخهما معا فجائز اتفاقا، كنسخ وجوب الزكاة في السائمة ونفيه في المعلوفة، ويرجع الأمر فيها إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام بعد الشرع من

(1/81)


تحريم الفعل إن كان مضرة، أو إباحته إن كان منفعة، ويرجع في السائمة إلى ما مرّ في مسألة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز. (ولا) يجوز (النسخ بها) أي بالمخالفة (في الأصح) لضعفها عن مقاومة النص، وقيل يجوز كالمنطوق وذكر الخلاف في هذه من زيادتي. (ويجوز نسخ الإنشاء) الذي الكلام فيه. (ولو) كان (بلفظ قضاء). وقيل لا بناء على أن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير نحو {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر. (أو بصيغة خبر) نحو {والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء} أي ليتربصن نظرا للمعنى وقيل لا يجوز نظرا للفظ. (أو قيد بتأبيد أو نحوه) كصوموا أبدا صوموا حتما صوموا دائما، الصوم واجب مستمر أبدا إذا قاله إنشاء، وقيل لا لمنافاة النسخ التقييد بذلك. قلنا لا نسلم ويتبين بورود الناسخ أن المراد افعلوا إلى وجوده كما يقال لازم غريمك أبدا أي إلى أن يعطي الحق.
(و) يجوز نسخ إيجاب (الاخبار بشيء ولو مما لا يتغير بإيجاب الاخبار بنقيضه) كأن يوجب الاخبار بقيام زيد ثم بعدم قيامه قبل الاخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه، ومنعت المعتزلة ذلك فيما لا يتغير كحدوث العالم لأنه تكليف بالكذب فينزه الباري عنه لقولهم بالتقبيح العقلي. قلنا لا نقول به وقد يدعو إلى الكذب غرض صحيح فلا يكون التكليف به قبيحا بل حسنا، كما لو طالبه ظالم بوديعة عنده أو بمظلوم خبأه عنده فيجب عليه إنكاره، ويجوز له الحلف عنه ويكفر عن يمينه، ولو أكره على الكذب وجب، والإشارة إلى هذا الخلاف بقولي ولو مما لا يتغير من زيادتي. (لا) نسخ (الخبر) أي مدلوله فلا يجوز (وإن كان مما يتغير) لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى، وقيل يجوز في المتغير إن كان خبرا عن مستقبل بناء على القول بأن الكذب لا يكون في المستقبل لجواز المحو لله فيما يقدّره. قال الله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت} والاخبار يتبعه بخلاف الخبر عن ماض، وقيل يجوز فيه عن الماضي أيضا لجواز أن يقول الله لبث نوح في قومه ألف سنة، ثم يقول لبث ألف سنة إلا خمسين عاما، وإلى الخلاف أشرت بقولي وإن إلى آخره.
(ويجوز عندنا النسخ ببدل أثقل) كما يجوز بمساوٍ وبأخف. وقال بعض المعتزلة لا إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. قلنا لا نسلم ذلك بعد تسليم رعاية المصلحة وقد وقع كنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى {ودع أذاهم} بقوله اقتلوا المشركين. (و) يجوز عندنا النسخ (بلا بدل) وقال بعض المعتزلة لا إذ لا مصلحة في ذلك. قلنا لا نسلم ذلك بعدما ذكر. (و) لكنه (لم يقع في الأصح) وقيل وقع كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبي الثابت بقوله {إذا ناجيتم الرسول} الآية. إذ لا بدل لوجوبه فيرجع الأمر إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام من تحريم الفعل إن كان مضرة أو إباحته إن كان منفعة. قلنا لا نسلم أنه لا بدل للوجوب بل بدله الجواز الصادق هنا بالإباحة أو الندب وقولي عندنا من زيادتي.
---

(1/82)


(مسألة النسخ) جائز. (واقع عند كل المسلمين). وخالفت اليهود غير العيسوية بعضهم في الجواز، وبعضهم في الوقوع، واعترف بهما العيسوية وهم أصحاب أبي عيسى الأصفهاني المعترفون ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام إلى بني إسماعيل خاصة وهم العرب. (وسماه أبو مسلم) الأصفهاني من المعتزلة (تخصيصا) وإن كان في الواقع نسخا لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان فهو تخصيص في الأزمان، كالتخصيص في الأشخاص حتى قيل إن هذا منه خلاف في وقوع النسخ. (فالخلف) في نفيه النسخ (لفظي) لأن تسميته له تخصيصا يتضمن اعترافه به إذ لا يليق به إنكاره كيف وشريعة نبينا مخالفة في كثير لشريعة من قبله فعنده ما كان مغبا في علم الله تعالى، فهو كالمغيا في اللفظ، ويسمى الكل تخصيصا فيسوّي بين قوله تعالى {وأتموا الصيام إلى الليل} وبين صوموا مطلقا مع علمه تعالى بأنه سينزل لا تصوموا ليلاً وعند غيره يسمى الأول تخصيصا والثاني نسخا. (والمختار أن نسخ حكم أصل لا يبقى معه حكم فرعه) لانتفاء العلة التي ثبت بها بانتفاء حكم الأصل، وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر له لا مثبت. (و) المختار (أن كل شرعي يقبل النسخ) فيجوز نسخ كل التكاليف وبعضها حتى وجوب معرفة الله تعالى، ومنعت المعتزلة والغزالي نسخ كل التكاليف لتوقف العلم به المقصود منه على معرفة النسخ والناسخ، وهي من التكاليف لا يتأتى نسخها. قلنا مسلم ذلك لكن بحصولها ينتهي التكليف بها فيصدق أنه لم يبق تكليف فلا خلاف في المعنى، ومنعت المعتزلة أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى، لأنها عندهم حسنة لذاتها لا تتغير بتغير الزمان فلا يقبل حكمها النسخ. قلنا الحسن الذاتي باطل كما مر.
(ولم يقع نسخ كل التكاليف ووجوب المعرفة) أي معرفة الله تعالى. (إجماعا) فعلم أن الخلاف السابق إنما هو في الجواز أي العقلي (و) المختار (أن الناسخ قبل تبليغ النبي) صلى الله عليه وسلّم. (الأمة) له وبعد بلوغه لجبريل (لا يثبت) حكمه (في حقهم) لعدم علمهم به، وقيل يثبت بمعنى استقراره في الذمة لا بمعنى الامتثال كما في النائم، أما بعد التبليغ فيثبت في حق من بلغه وكذا من لم يبلغه إن تمكن من علمه، وإلا فعلى الخلاف. (و) المختار وهو ما عليه الجمهور (أن زيادة جزء أو شرط أو صفة على النص) كزيادة ركعة أو ركوع أو غسل ساق أو عضد في الوضوء أو إيمان في رقبة الكفارة أو جلدات في جلد حدّ. (ليست بنسخ) للمزيد عليه، وقالت الحنفية إنها نسخ ومثار الخلاف أنها هل رفعت حكما شرعيا، فعندنا لا، وعندهم نعم. نظرا إلى أن الأمر بما دونها اقتضى تركها فهي رافعة لذلك المقتضى. قلنا لا نسلم اقتضاء تركها بل المقتضى له غيره، وبنوا على ذلك أنه لا يعمل بأخبار الآحاد في زيادتها على القرآن كزيادة التغريب على الجلد الثابتة بخبر الصحيحين «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. (وكذا نقصه) أي نقص جزء أو شرط أو صفة من مقتضى النص كنقص ركعة أو وضوء أو الإيمان في رقبة الكفارة، فقيل إنه نسخ لها إلى الناقص لجوازه أو وجوبه بعد تحريمه. وقال الجمهور لا. والنسخ إنما هو للجزء أو الشرط أو الصفة فقط، لأنه الذي يترك وقبل نقص الجزء نسخ بخلاف نقص الشرط والصفة والتصريح بذكرها من زيادتي، وبما تقرر علم أنه لا فرق في ذلك بين العبادة وغيرها، وخرج بزيادتي أولاً الجزء والشرط والصفة غيرها كعبادة مستقلة، سواء أكانت مجانسة كصلاة سادسة أملا. كزيادة الزكاة على الصلاة فليست نسخا في الثانية إجماعا ولا في الأولى عند الجمهور.
---

(1/83)


(خاتمة) للنسخ يعلم بها الناسخ من المنسوخ (يتعين الناسخ) لشيء (بتأخره) عنه (ويعلم) تأخره (بالإجماع) على أنه متأخر عنه أو أنه ناسخ له (وقول النبي) صلى الله عليه وسلّم (هذا ناسخ) لذاك (أو) هذا ( بعد ذاك) أو سابق عليه (أو كنت نهيتـ)ـكم (عن كذا فافعلوه أو نصه على خلاف النص الأول) أي أن يذكر الشيء على خلاف ما ذكره فيه أوّلاً (أو قول الراوي هذا متأخر) عن ذاك أو سابق عليه، وهو الذي ذكره الأصل، فيكون ذاك فيه متأخرا (لا بموافقة أحد النصين للأصل) أي البراءة الأصلية فلا يعلم التأخر بها في الأصح، وقيل يعلم لأن الأصل مخالفة الشرع لها، فيكون المخالف سابقا على الموافق. قلنا مسلم لكنه ليس بلازم لجواز العكس (و) لا (ثبوت إحدى آيتين في المصحف) بعد الأخرى، فلا يعلم التأخرية في الأصح، وقيل يعلم لأن الأصل موافقة الوضع للنزول. قلنا لكنه غير لازم لجواز المخالفة كما مر في آيتي عدة الوفاة. (و) لا (تأخر إسلام الراوي) لمرويه عن إسلام الراوي للآخر فلا يعلم التأخر به في الأصح، لجواز أن يسمع متقدّم الإسلام بعد متأخره، وقيل يعلم لأنه الظاهر. قلنا لكنه بتقدير تسليمه غير لازم لجواز العكس كما مر. (و) لا (قوله) أي الراوي (هذا ناسخ) فلا يكون ناسخا (في الأصح). وقيل يكون وعليه المحدّثون لأنه لعدالته لا يقول ذلك إلا إذا ثبت عنده. قلنا ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد لا يوافق عليه. (لا) بقوله هذا (الناسخ) لما علم أنه منسوخ وجهل ناسخه فيعلم به أنه ناسخ له لضعف احتمال كونه حينئذ عن اجتهاد.

(1/84)


الكتاب الثاني في السنة
(وهي أقوال النبي) صلى الله عليه وسلّم (وأفعاله) ومنها تقريره لأنه كف عن الإنكار والكف فعل كما مر، وتقدمت مباحث الأقوال التي تشرك فيها السنة الكتاب، من الأمر والنهي وغيرهما، والكلام هنا في غير ذلك ولتوقف حجية السنة على عصمة النبي بدأت كالأصل بها مع عصمة سائر الأنبياء زيادة للفائدة فقلت (الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام (معصومون حتى عن صغيرة سهوا) فلا يصدر عنهم ذنب لا كبيرة ولا صغيرة لا عمدا ولا سهوا.
فإن قلت يشكل بأنه صلى الله عليه وسلّم سها في صلاته حيث نسي فصلى الظهر خمسا وسلم في الظهر أو العصر عن ركعتين وتكلم. قلت لا إشكال على قول الأكثر الآتي، ويدل له خبر البخاري «إني أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» وأما على القول المذكور، فيجاب عنه بأن المنع من السهو معناه المنع من استدامته لا من ابتدائه، وبأن محله في القول مطلقا. وفي الفعل إذا لم يترتب عليه حكم شرعي بدليل الخبر المذكور، لأنه صلى الله عليه وسلّم بعث لبيان الشرعيات، ثم رأيت القاضي عياضا ذكر حاصل ذلك، ثم قال إن السهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلّم غير مضادّ للمعجزة ولا قادح في التصديق، والأكثر على جواز صدور الصغيرة عنهم سهوا، إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة، وينبهون عليها لو صدرت، وإذا تقرر أن نبينا معصوم كغيره من الأنبياء.
(فلا يقر نبينا) محمد صلى الله عليه وسلّم (أحدا على باطن فسكوته ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا) بأن علم به في الأصح وقيل إلا فعل من يغريه الإنكار بناء على سقوط الإنكار عليه، وقيل إلا الكافر بناء على أنه غير مكلف بالفروع، وقيل إلا الكافر غير المنافق. (دليل الجواز للفاعل) بمعنى الإذن له فيه، لأن سكوته صلى الله عليه وسلّم على الفعل تقرير له. (ولغيره في الأصح). وقيل لا لأن السكوت ليس بخطاب حتى يعمّ. قلنا هو كالخطاب فيعم. (وفعله) صلى الله عليه وسلّم (غير مكروه) بالمعنى الشامل للمحرم ولخلاف الأولى لعصمته، ولقلة وقوع المكروه وخلاف الأولى من التقى من أمته، فكيف يقع منه ولا ينافيه وقوع المكروه لنا منه بيانا لجوازه، لأنه ليس مكروها حينئذ، بل واجب. (وما كان) من أفعاله (جبليا) أي واقعا بجهة جبلة البشر أي خلقتهم كقيامه وقعوده وأكله وشربه. (أو مترددا) بين الجبلي والشرعي كحجه راكبا وجلسته للاستراحة. (أو بيانا) كقطعة السارق من الكوع بيانا لمحل القطع في آية السرقة (أو مخصصا به) كزيادته في النكاح على أربع نسوة (فواضح) أن الرابع لسنا متعبدين به على الوجه الذي تعبد هو به وأن غيره دليل في حقنا، لأنه صلى الله عليه وسلّم بعث لبيان الشرعيات فيباح لنا في الأول، وقيل يندب ويندب في الثاني، وقيل يباح ويندب أو يجب أو يباح بحسب المبين في الثالث. (وما سواه) أي سوى ما ذكر في فعله. (إن علمت صفته) من وجوب أو ندب أو إباحة (فأمته مثله) في ذلك. (في الأصح) عبادة كان أولا. وقيل مثله في العبادة فقط، وقيل لا مطلقا بل كمجهول الصفة وسيأتي. (وتعلم) صفة فعله أي من حيث هو لا بقيد كونه سوى ما ذكر، فلا يشكل بذكر البيان هنا مع ذكره قبل. (بنص) عليها كقوله هذا واجب مثلاً. (وتسوية بمعلوم الجهة) كقوله هذا الفعل مساوٍ لكذا في حكمه وقد علمت جهته. (ووقوعه بيانا أو امتثالاً لدال على وجوب أو ندب أو إباحة) فيكون حكمه
حكم المبين أو الممتثل. (ويخص الوجوب) عن غيره (أمارته كالصلاة بأذان) لأنه ثبت باستقراء الشريعة أن ما يؤذن لها واجبة بخلاف غيرها، كصلاة العيد والخسوف. (وكونه) أي الفعل (ممنوعا) منه، (لو لم يجب كالحدّ)، والختان إذ كل منهما عقوبة وقد يتخلف الوجوب عن هذه الأمارة لدليل كما في سجودي السهو والتلاوة في الصلاة (و) يخص (الندب) عن غيره (مجرد قصد القربة) بأن تدل قرينة على قصدها بذلك الفعل مجردا عن قيد الوجوب، والفعل المجرد قصدها كما صرح به الأصل كثير من صلاة وصوم وقراءة ونحوها من التطوعات (وإن جهلت) صفته، (فللوجوب في الأصح) في حقه وحقنا، لأنه الأحوط، وقيل للندب لأنه المتحقق بعد الطلب، وقيل للإباحة لأن الأصل عدم الطلب، وقيل بالوقف في الكل لتعارض الأدلة، وقيل في الأولين فقط مطلقا، لأنهما الغالب من فعل النبي، وقيل فيهما إن ظهر قصد القربة، وإلا فللإباحة. وسواء على غير هذا القول أظهر قصد القربة أم لا. ومجامعة القربة للإباحة بأن يقصد بفعل المباح بيان الجواز للأمة فيثاب على هذا القصد.
---

(1/85)


(وإذا تعارض الفعل والقول) أي تخالفا بتخالف مقتضيهما (ودل دليل على تكرر مقتضاه) أي القول. (فإن اختص) القول (به) صلى الله عليه وسلّم، كأن قال يجب عليّ صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة بعد القول أو قبله. (فالمتأخر) من الفعل، والقول بأن علم (ناسخ) للمتقدم منهما في حقه، فإن لم يدل دليل على تكرر ما ذكر في هذا القسم وقسيميه الاثنين، فلا نسخ لكن في تأخر الفعل لا في تقدمه لدلالته على الجواز المستمرّ. (فإن جهل) المتأخر منهما. (فالوقف) عن ترجيح أحدهما على الآخر في حقه إلى تبين التاريخ (في الأصح) لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر، وقيل يرجح القول، وعزى إلى الجمهور لأنه أقوى دلالة من الفعل لوضعه لها. والفعل إنما يدل بقرينة لأن له محامل، وقيل يرجح الفعل لأنه أقوى بيانا بدليل أنه يبين به القول. قلنا البيان بالقول أكثر، ولو سلم تساويهما، لكن البيان بالقول أقوى دلالة كما مر، ولأنه لا يختص بالموجود المحسوس، ولأن دلالته متفق عليها بخلاف الفعل في ذلك. (ولا تعارض) في حقنا حيث دل دليل على تأسينا به في الفعل لعدم تناول القول لنا. (وإن اختصّ) القول (بنا) كأن قال يجب عليكم صوم عاشوراء إلى آخر ما مرّ. (فلا تعارض فيه) أي في حقه صلى الله عليه وسلّم بين الفعل والقول لعدم تناوله له. (وفينا المتأخر) منهما بأن علم (ناسخ) للمتقدم. (إن دلّ دليل على تأسينا) به في الفعل (فإن جهل) المتأخر (عمل بالقول في الأصح) وقيل بالفعل، وقيل الوقف لما مرّ، وإنما اختلف التصحيح في المسألتين لأنا متعبدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه لنعمل به بخلاف ما يتعلق به، إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه، فإن لم يدل دليل على تأسينا به في الفعل فلا تعارض في حقنا لعدم ثبوت حكم الفعل في حقنا. (وإن عمنا وعمه) القول كأن قال يجب عليّ وعليكم صوم عاشوراء إلى آخر ما مرّ. (فحكمهما) أي الفعل والقول. (كما مرّ) من أن المتأخر منهما إن
علم ناسخ للمتقدم في حقه، وكذا في حقنا إن دلّ دليل على تأسينا به في الفعل، وإلا فلا تعارض في حقنا، وإن جهل المتأخر فالأصح في حقه الوقف، وفي حقنا تقدم القول. (إلا أن يكون) القول (العام ظاهرا فيه) صلى الله عليه وسلّم لا نصا، كأن قال يجب على كل مكلف صوم عاشوراء إلى آخر ما مرّ. (فالفعل مخصص) للقول في حقه تقدم عليه أو تأخر عنه أو جهل ذلك، ولا نسخ لأن التخصيص أهون منه لما فيه من إعمال الدليلين بخلاف النسخ، نعم لو تأخر الفعل عن العمل بمقتضى القول فهو ناسخ كما مرّ آخر التخصيص، ولو لم يكن القول ظاهرا في الخصوص ولا في العموم، كأن قال صوم عاشوراء واجب في كل سنة، فالظاهر أنه كالعام لأن الأصل عدم الخصوص، أما تعارض القولين فسيأتي في التعادل والترجيح، وأما الفعلان فلا يتعارضان كما جزم به ابن الحاجب وغيره لجاز أن يكون الفعل في ووقت واجبا وفي آخر بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها.

(1/86)


الكلام في الأخبار
بفتح الهمزة جمع خبر وهو يطلق على صيغته وعلى معناها، وهو المعنى القائم بالنفس، ولما كان الخبر مما يصدق به المركب بدأت كالأصل به تكثيرا للفائدة فقلت (المركب) من اللفظ (إما مهمل) بأن لا يكون له معنى. (وليس موضوعا) اتفاقا، (وهو موجود في الأصح)، كمدلول لفظ الهذيان فإنه لفظ مركب مهمل كضرب من الهوس أو غيره مما لا يقصد به الدلالة على شيء، ونفاه الإمام الرازي قائلاً إن التركيب إنما يصار إليه للإفادة، فحيث انتفت انتفى فمرجع خلافه إلى أن مثل ما ذكر لا يسمى مركبا. (أو مستعمل)، بأن يكون له معنى (والمختار أنه موضوع) أي بالنوع، وقيل لا. والموضوع مفرداته والمركب المستعمل المفيد يعبر عنه بالكلام. (والكلام اللساني لفظ تضمن إسنادا مفيدا مقصودا لذاته) فخرج الخط والرمز والعقد والإشارة والنصب والمفرد كزيد وغير المفيد كالنار حارّة، وتكلم رجل ورجل يتكلم، وغير المقصود كالصادر من نائم، والمقصود لغيره كصلة الموصول نحو جاء الذي قام أبوه، فإنها مفيدة بالضم إليه مع ما معه مقصودة لإيضاح معناه (و) الكلام (النفساني معنى في النفس) أي قام بها. (يعبر عنه باللساني) أي بما صدقاته، وهذا من زيادتي. (والأصح عندنا أنه) أي الكلام (مشترك) بين اللساني والنفساني، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الإمام الرازي وعليه المحققون منا. وقيل إنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، واختاره الأصل قال الأخطل
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقالت المعتزلة إنه حقيقة في اللساني لتبادره إلى الأذهان دون النفساني الذي أثبته الأشاعرة دون المعتزلة. ويجاب عما قاله الأخطل بأن مراده الكلام الأصلي، فالكلام اللساني ليس أصليا، وإن كان حقيقة، ودليلاً على الأصل، وعما قاله المعتزلة بأن تبادر الشيء وإن كان علامة للحقيقة لا بمنع كون ما انتفى فيه التبادر حقيقة أيضا، لأن العلامة لا يشترط فيها الانعكاس، والنفساني منسوب إلى النفس بزيادة ألف ونون للدلالة على العظمة، كما في قولهم شعراني لعظيم الشعر.
(والأصولي إنما يتكلم فيه) أي في اللساني لأن بحثه فيه لا في المعنى النفسي. (فإن أفاد) أي ما صدق اللساني (بالوضع طلبا فطلب ذكر الماهية) أي فاللفظ المفيد لطلب ذكرها أي ذاتا أو صفة. (استفهام) نحو ما هذا ومن ذا أزيد أم عمرو. (و) طلب (تحصيلها أو تحصيل الكف عنها) أي اللفظ المفيد لذلك. (أمر ونهي) نحو قم ولا تقم (ولو) كان تحصيل ذلك طلب (من ملتمس) أي مساوٍ لمطلوب منه رتبة. (وسائل)أي دون المطلوب منه رتبة فإن اللفظ المفيد لذلك منهما يسمى أمرا ونهيا، وقيل لا بل يسمى من الأول التماسا، ومن الثاني سؤالاً وإلى الخلاف أشرت بقولي ولو إلى آخره. (وإلا) أي وإن لم يفد بالوضع طلبا. (فما لا يحتمل) منه (صدقا وكذبا) في مدلوله (تنبيه وإنشاء) أي يسمى بكل منهما سواء أفاد طلبا باللازم كالتمني والترجي نحو ليت الشباب يعود لعلّ الله يعفو عني أم لم يفد طلبا نحو أنت طالق. (ومحتملهما) أي الصدق والكذب من حيث هو (خبر). وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجة عنه كما سيأتي، وأبى قوم كما قاله الأصل تعريف الخبر كما أبوا تعريف العلم والوجود والعدم. قيل لأن كلاً منها ضروري فلا حاجة إلى تعريفه، وقيل لعسر تعريفه. (وقد يقال) هو للبيانيين. (الإنشاء ما) أي كلام (يحصل به مدلوله في الخارج) كأنت طالق. وقم ولا تقم، فإن مدلولها من إيقاع الطلاق وطلب القيام وعدمه يحصل به لا بغيره، فالإنشاء بهذا المعنى أعم منه بالمعنى الأول لشموله الطلب بأقسامه السابقة بخلافه بالمعنى الأول، فإنه قسيم للطلب بالوضع وللخبر فلا يشمل الاستفهام والأمر والنهي. (والخبر خلافه) أي ما يحصل بغيره مدلوله في الخارج بأن يكون له خارج صدق أو كذب نحو قام زيد فإن مدلوله أي مضمونه من قيام زيد يحصل بغيره، وهو محتمل لأن يكون واقعا في الخارج فيكون هو صدقا وغير واقع فيكون هو كذبا. (ولا مخرج له) أي للخبر من حيث مضمونه (عن الصدق والكذب لأنه إما مطابق للخارج).
فالصدق (أولاً) فالكذب (فلا واسطة) بينهما (في الأصح) وقيل بها. وفي القول بها أقوال منها قول عمرو بن بحر الجاحظ الخبر إن طابق الخارج مع اعتقاد المخبر المطابقة فصدق أو لم يطابقه مع اعتقاد عدمها فكذب، وما سواهما واسطة بينهما وهو أربعة أن ينتفي اعتقاده المطابقة في المطابق بأن يعتقد عدمها أو لم يعتقد شيئا، وأن ينتفي اعتقاده عدمها في غير المطابق بأن يعتقدها أو لم يعتقد شيئا.

(1/87)


(ومدلول الخبر) في الإثبات أي مدلول ما صدقه (ثبوت النسبة) في الخارج كقيام زيد في قام زيد، وهذا ما رجحه السعد التفتازاني وردّ ما عداه. (إلا الحكم بها). وقيل هو الحكم بها ورجحه الأصل وفاقا للإمام الرازي مع مخالفته له في الكتاب الأول، حيث جعل ثم مدلول اللفظ المعنى الخارجي دون المعنى الذهني خلافا للإمام، إلا أن يقال ما ذكر ثمّ في غير لفظ الخبر ونحوه ويقاس بالخبر في الإثبات الخبر في النفي، فيقال مدلوله انتفاء النسبة لا الحكم به، ثم ما ذكر لا ينافي ما حققه المحققون من أن مدلول الخبر أي ما صدقه هو الصدق والكذب إنما هو احتمال عقلي. (ومورد الصدق والكذب) في الخبر (النسبة التي تضمنها فقط) أي دون غيرها. (كقيام زيد في قام زيد بن عمرو لا بنوّته) لعمرو أيضا، فمورد الصدق والكذب في الخبر المذكور النسبة، وهي قيام زيد لا بنوّته لعمرو فيه أيضا إذ لم يقصد به الاخبار بها. فالشهادة بتوكيل فلان بن فلان فلانا شهادة بالتوكيل فقط) أي دون نسب الموكل كما هو قول عندنا وقال به الإمام مالك. (و) لكن (الراجح) عندنا أنها شهادة (بالنسب) للموكل (ضمنا وبالتوكيل أصلاً) لتضمن ثبوت التوكيل المقصود لثبوت نسب الموكل لغيبته عن مجلس الحكم.
---

(1/88)


(مسألة الخبر) بالنظر لأمور خارجة عنه. (إما مقطوع بكذبه) إما (قطعا كالمعلوم خلافه) إما (ضرورة) نحو النقيضان يجتمعان أو يرتفعان. (أو استدلالاً) كقول الفلسفي العالم قديم وكبعض المنسوب للنبيّ صلى الله عليه وسلّم لأنه روى عنه أنه قال سيكذب عليّ فإن كان قاله فلا بدّ من وقوعه، وإلا وهو الواقع فإنه غير معروف فقد كذب به عليه، وهذا المثال جعل فيه الأصل خلافا وليس بمعروف، بل صرح الأسنوي فيه بالقطع.
(وكل خبر) عنه صلى الله عليه وسلّم (أوهم باطلاً) أي أوقعه في الوهم أي الذهن. (ولم يقبل تويلاً فـ)ـهو إما (موضوع) أي مكذوب عليه صلى الله عليه وسلّم لعصمته كما روي أنه تعالى خلق نفسه فهو كذب لإيهامه باطلاً وهو حدوثه، وقد دل العقل القاطع على أنه تعالى منزه عن الحدوث. (أو نقص منه) من جهة راويه (ما يزيل الوهم) الحاصل بالنقصان منه كما في خبر الصحيحين عن ابن عمر قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلّم صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال «أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد». قال ابن عمر فوهل الناس في مقالته أي غلطوا في فهم المراد منها حيث لم يسمعوا لفظة اليوم، ويوافقه فيها خبر مسلم عن أبي سعيد لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم». وقوله منفوسة أي موثوقة احترز به عن الملائكة (وسبب وضعه) أي الخبر (نسيان) من الراوي لمرويه، فيذكر غيره ظانا أنه مرويه. (أو تنفير) كوضع الزنادقة أخبارا تخالف العقول تنفيرا لعقلاء عن شريعته المطهرة، وقولي أو تنفير أولى من قوله أو افتراء، لأن الافتراء قسم من الوضع لا سبب له. (أو غلط) من الراوي بأن يسبق لسانه إلى غير مرويه، أو يضع مكانه ما يظنّ أنه يؤدّي معناه أو يروي ما يظنه حديثا. (أو غيرها) كما في وضع بعضهم أخبارا في الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية. (أو) مقطوع بكذبه (في الأصح كخبر مدّعي الرسالة)
أي أنه رسول عن الله إلى الناس. (بلا معجزة) تبين صدقه (و) لا (تصديق الصادق) له، لأن الرسالة عن الله على خلاف العادة والعادة تقضي بكذب من يدّعي ما يخالفها بلا دليل، وقيل لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه، أما مدّعي النبوة أي الإيحاء إليه فقط فلا يقطع بكذبه، كما قاله إمام الحرمين، وظاهر أن محله قبل نزول أنه صلى الله عليه وسلّم خاتم النبيين، أما بعده فيقطع بكذبه لقيام الدليل القاطع على أنه خاتم النبيين، وقولي وتصديق أولى من قوله أو تصديق لإيهامه أنه لا بد مع المعجزة من تصديق نبي له وليس كذلك. (وخبر نقب) بضم أوّله وتشديد ثانيه وكسره أي فتش (عنه) في كتب الحديث (ولم يوجد عند أهله) من الرواة لقضاء العادة بكذب ناقله، وقيل لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدق ناقله، وهذا بعد استقرار الأخبار، أما قبله كما في عصر الصحابة فلأحدهم أن يروي ما ليس عند غيره كما قاله الإمام الرازي.
(وما نقل آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله) تواترا، إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، أو لتعلقه بأصل ديني كالنص على إمامة علي رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلّم له «أنت الخليفة من بعدي» فعدم تواتره دليل على عدم صحته. وقالت الرافضة لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه. (وإما) مقطوع (بصدقه كخبر الصادق) أي الله تعالى لتنزهه عن الكذب ورسوله لعصمته عنه. (وبعض المنسوب للنبي) صلى الله عليه وسلّم وإن لم نعلم عينه (والمتواتر) معنى أو لفظا. (وهو) أي المتواتر (خبر جمع يمتنع) عادة (تواطؤهم) أي توافقهم (على الكذب عن محسوس) لا عن معقول لجواز الغلط فيه كخبر الفلاسفة بقدم العالم، فإن اتفق الجمع المذكور في اللفظ، والمعنى فهو لفظي، وإن اختلفوا فيهما مع وجود معنى كلي فهو معنوي، كما لو أخبر واحد عن حاتم بأنه أعطى دينارا وآخر بأنه أعطى فرسا وآخر بأنه أعطى بعيرا وهكذا. فقد اتفقوا على معنى كلي وهو الإعطاء. وعن محسوس متعلق بخبر (وحصول العلم) من خبر بمضمونه (آية) أي علامة (اجتماع شرائطه) أي المتواتر في ذلك الخبر. أي الأمور المحققة له، وهي كما يؤخذ من تعريفه كونه خبر جمع، وكونهم بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب وكونه عن محسوس. (ولا تكفي الأربعة) في عدد الجمع المذكور لاحتياجهم إلى التزكية فيما لو شهدوا بالزنا فلا يفيد قولهم العلم. (والأصح أن ما زاد عليها)(أن العلم فيه) أي في المتواتر (ضروري) أي يحصل عند سماعه من غير احتياج إلى نظر لحصوله لمن لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان، وقيل نظري بمعنى أنه متوقف على مقدّمات حاصلة عند السامع، وهي ما مر من الأمور المحققة لكون الخبر متواترا لا بمعنى الاحتياج إلى النظر عقب السماع، فلا خلاف في المعنى في أنه ضروري، إذ توقفه على تلك المقدّمات لا ينافي كونه ضروريا.
---

(1/89)


(ثم إن أخبروا) أي أهل الخبر المتواتر كلهم (عن محسوس لهم) بأن كانوا طبقة واحدة (فذاك) أي إخبارهم عن محسوس لهم واضح في حصول التواتر (وإلا) أي وإن لم يخبروا كلهم عن محسوس لهم بأن كانوا طبقات فلم يخبر عن محسوس إلا الطبقة الأولى منهم (كفى) في حصول التواتر (ذلك) أي إخبار الأولى عن محسوس لها مع كون كل طبقة من غيرهاجمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب كما علم مما مر، بخلاف ما لو لم يكونوا كذلك فلا يفيد خبرهم التواتر، وبهذا بان أن المتواتر في الطبقة الأولى قد يكون آحادا فيما بعدها كما في القراءات الشاذة، وتعبيري بثم إلى آخره أولى من تعبيره بما ذكره، كما لا يخفى على المتأمل، وقد أوضحت ذلك في الحاشية. (و) الأصح (أن علمه) أي المتواتر أي العلم الحاصل منه (لكثرة العدد) في راويه (متفق) للسامعين له فيجب حصوله لكل منهم. (وللقرائن) الزائدة على أقل العدد الصالح له بأن تكون لازمة له من أحواله المتعلقة به أو بالمخبر به أو بالمخبر عنه. (قد يختلف) فيحصل لزيد دون غيره من السامعين لأن القرائن قد تقوم عند شخص دون آخر، أما الخبر المفيد للعلم بالقرائن المنفصلة عنه فليس بمتواتر، وقيل يجب حصول العلم من المتواتر مطلقا، لأن القرائن في مثل ذلك ظاهرة لا تخفى على السامع، وقيل لا يجب ذلك مطلقا بل قد يحصل لكل منهم ولبعضهم فقط لجواز أن لا يحصل لبعض بكثرة العدد كالقرائن. (و) الأصح (أن الإجماع على وفق خبر) لا يدل على صدقه في نفس الأمر مطلقا لاحتمال أن يكون للإجماع مستند آخر، وقيل يدل عليه مطلقا لأن الظاهر استناد المجمعين إليه لعدم ظهور مستند غيره، وقيل يدل إن تلقوه بالقبول بأن تعرضوا للاستناد إليه، وإلا فلا يدل لجواز استنادهم إلى غيره. (و) الأصح أن (بقاء خبر تتتوفر الدواعي على إبطاله) بأن لم يبطله ذوو الدواعي مع سماعهم له آحادا لا يدل على صدقه، وقل يدل عليه للاتفاق على قبوله حينئذ. قلنا الاتفاق على قبوله إنما يدل
على ظنهم صدقه، ولا يلزم منه صدقه في نفس الأمر مثاله قوله صلى الله عليه وسلّم لعلي رضي الله عنه «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» رواه الشيخان. فإن دواعي بني أمية وقد سمعوه متوفرة على إبطاله لدلالته على خلافة علي رضي الله عنه كما قيل كخلافة هارون عن موسى بقوله اخلفني في قومي وإن مات قبله، ولم يبطلوه وأجوبة ذلك مذكورة في كتب أصول الدين.
(و) الأصح أن (افتراق العلماء) في خبر (بين مؤول) له (ومحتج) به (لا يدل على صدقه). وقيل يدلّ عليه للاتفاق على قبوله حينئذ. قلنا جوابه ما مر آنفا. (و) الأصح (أن المخبر) عن محسوس (بحضرة عدد التواتر ولم يكذبوه ولا حامل) لهم (على سكوتهم) عن تكذيبه من نحو خوف أو طمع في شيء منه أو عدم علم بخبره صادق فيما أخبر به، لأن سكوتهم تصديق له عادة فيكون الخبر صدقا. وقيل لا إذ لا يلزم من سكوتهم تصديقه لجواز سكوتهم عن تكذيبه لا لشيء والتصريح بعدد التواتر من زيادتي. (أو) أي والأصحّ أن المخبر عن محسوس (بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلّم) أي بمكان يسمعه منه النبيّ. (ولا حامل) له (على سكوته) عن تكذيبه (صادق) فيما أخبر به دينيا كان أو دنيويا، لأن النبي لا يقر أحدا على كذب، وقيل لا إذ لا يدل سكوته على صدق المخبر أما في الدين، فلجواز أن يكون النبي بينه أو أخر بيانه بما يخالف ما أخبر به المخبر. وأما في الدنيوي، فلجواز أن لا يكون النبي يعلم حاله كما في إلقاح النخل، روى مسلم عن أنس أنه صلى الله عليه وسلّم مرّ بقوم يلقحون فقال «لو لم تفعلوا لصلح». قال فخرج شيصا فمرّ بهم فقال «ما لنخلكم»؟ قالوا قلت كذا وكذا. قال «أنتم أعلم بأمر دنياكم». وقيل صادق في الدنيوي بخلاف الديني، وقيل عكسه وتوجيههما يعلم مما مرّ. وأجيب في الديني بأن سبق البيان أو تأخيره لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر لما فيه من إيهام تغير الحكم
في الأول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة في الثاني، وفي الدنيوي أنه إذا كان كذبا ولم يعلم به النبي يعلمه الله به عصمة له عن أن يقر أحدا على كذب، أما إذا وجد حامل على ما ذكر كأن كان المخبر ممن يعاند ولا ينفع فيه الإنكار فلا يكون صادقا قطعا.
(وأما مظنون الصدق فخبر الواحد وهو ما لم ينته إلى التواتر) سواء أكان راويه واحدا أم أكثر أفاد العلم بالقرائن المنفصلة أو لا. (ومنه) أي خبر الواحد (المستفيض وهو الشائع) بين الناس (عن أصل) بخلاف الشائع لا عن أصل (قد يسمى) المستفيض (مشهورا) فهما بمعنى، وقيل المشهور بمعنى المتواتر، وقيل قسم ثالث غير المتواتر والآحاد، وعند المحدّثين هو أعم من المتواتر. (وأقله) أي المستفيض أي أقلّ عدد راويه (اثنان) وهو قول الفقهاء. (وقيل ما زاد على ثلاثة) وهو قول الأصوليين، وقيل ثلاثة وهو قول المحدثين.
---

(1/90)


(مسألة الأصح أن خبر الواحد يفيد العلم بقرينة) كما في إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش، ولا يشترط في الواحدة العدالة تعويلاً على القرينة، وقيل لا يفيد العلم مطلقا، وعليه الأكثر. واختاره صاحب الأصل في شرح المختصر، وقيل يفيده مطلقا بشرط العدالة لأنه حينئذ يجب العمل به كما سيأتي، وإنما يجب العمل بما يفيد العلم لقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم}، {إن يتبعون إلا الظن} نهى عن اتباع غير العلم وذم على اتباع الظن. قلنا ذاك فيما المطلوب فيه العلم من أصول الدين كوحدانية الله تعالى لما ثبت من وجود العمل بالظن في الفروع، وقيل يفيد علما نظريا إن كان مستفيضا جعله قائله واسطة بين المتواتر المفيد للعلم الضروري والآحاد المفيد للظن. (ويجب العمل به) أي بخبر الواحد (في الفتوى والشهادة) أي ما يفتي به المفتي ويشهد به الشاهد بشرطه، وفي معنى الفتوى الحكم (إجماعا. وفي باقي الأمور الدينية والدنيوية في الأصحّ) وإن عارضه قياس كالإخبار بدخول وقت الصلاة أو بتنجس الماء وكإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء أو نفعه، وقيل يمتنع العمل به مطلقا لأنه إنما يفيد الظن، وقد نهى عن اتباعه كما مر. قلنا تقدم جوابه آنفا. وقيل يمتنع العمل به في الحدود لأنها تدرأ بالشبهة واحتمال الكذب في الآحاد شبهة. قلنا لا نسلم أنه شبهة على أنه موجود في الشهادة أيضا، وقيل يمتنع فيما تعم به البلوى أو خالفه راويه أو عارضه قياس، ولم يكن راويه فقيها وقيل غير ذلك، وإذا قلنا بأنه يجب العمل به فيجب. (سمعا) لأنه صلى الله عليه وسلّم كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة. (قيل وعقلاً) أيضا. وهو أنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد ولا سبيل إلى القول بذلك وترجيح الأول من زيادتي.
---

(1/91)


(مسألة المختار أن تكذيب الأصل الفرع) فيما رواه عنه. (وهو جازم) به. كأن قال رويت هذا عنه. فقال ما رويته له. (لا يسقط مرويه) عن القبول وقيل يسقطه، لأن أحدهما كاذب، ويحتمل أن يكون هو الفرع فلا يثبت مرويه، قلنا يحتمل نسيان الأصل له بعد روايته للفرع فلا يكون واحد منهما بتكذيب الآخر له مجروحا. (لأنهما لو اجتمعا في شهادة لم تردّ) لأن كلاً منهما يظن أنه صادق والكذب على النبي في ذلك بتقدير إنما يسقط العدالة إذا كان عمدا، وإذا لم يسقط مروي الفرع بتكذيب الأصل له فبشكه في أنه رواه له أو ظنه أنه ما رواه له أولى، وعليه الأكثر كما صرح به الأصل، وقيل يسقط به قياسا على نظيره في شهادة الفرع على شهادة الأصل. قلنا باب الشهادة أضيق إذ يعتبر فيه الحرية والذكورة وغيرهما ودخل بقيد وهو جازم ما لو جزم الأصل بنفي الرواية أو ظنه أو شك فيه، وخرج به ما لو شك الفرع في الرواية أو ظنها فيسقط مرويه إلا إن ظنها الفرع مع ظنّ الأصل نفيها أو شك فيه. وبما تقرر علم أن صور الجزم والظن والشك من الأصل والفرع تسع، وأن المروي يسقط في أربع منها دون البقية. (وزيادة العدل) فيما رواه على غيره من العدول (مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس بأن علم تعدده) لجواز أن يكون النبي ذكرها في مجلس وسكت عنها في آخر، أو لم يعلم تعدده ولا اتحاده، لأن الغالب في مثل ذلك التعدد. (وإلا) أي وإن علم اتحاده (فالمختار المنع) أي منع قبولها. (إن كان غيره) أي غير من زاد (لا يغفل) بضمّ الفاء أشهر من فتحها. (مثلهم عن مثلها عادة أو كانت الدواعي تتوفر على نقلها) وإلا قبلت، وقيل لا تقبل مطلقا لجواز خطأ من زاد فيها. وقيل تقبل مطلقا، وهو ما اشتهر عن الشافعي، ونقل عن جمهور الفقهاء والمحدثين لجواز غفلة من لم يزد عنها، وقيل إن كان غير من زاد لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم تقبل وإلا قبلت، وقيل بالوقف عن
قبولها وعدمه. (فإن كان الساكت) عنها فيما إذا علم اتحاد المجلس. (أضبط) ممن ذكرها. (أو سرّح بنفيها على وجه يقبل). كأن قال ما سمعتها (تعارضا) أي خبر الزيادة وخبر عدمها بخلاف ما إذا نفاها على وجه لا يقبل بأن محض النفي فقال لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلّم.، فإنه لا أثر لذلك.
(والأصح أنه لو رواها) الراوي (مرة وتركـ)ـها (أخرى أو انفرد) بها (واحد عن واحد) فيما روياه (قبلت). وإن علم اتحاد المجلس لجواز السهو في الترك في الأولى، ولأن مع راويها زيادة علم في الثانية، وقيل لا يقبل لجواز الخطأ فيها في الأولى ولمخالفة رفيقه في الثانية، وقيل بالوقف في الأولى وقياسه يأتي في الثانية. (و) الأصح (أنه إن غيرت) زيادة العدل (إعراب الباقي تعارضا) أي الخبران لاختلاف المعنى حينئذ كما لو روي في خبر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعا من تمر نصف صاع، وقيل تقبل الزيادة كما إذا لم يتغير الإعراب. (و) الأصح (أن حذف بعض الخبر جائز إلا أن يتعلق به الباقي). فلا يجوز حذفه اتفاقا لإخلاله بالمعنى المقصود كأن يكون غاية أو مستثنى بخلاف ما لا يتعلق به الباقي فيجوز حذفه، لأنه كخبر مستقلّ، وقيل لاحتمال أن يكون للضمّ فائدة تفوت بالتفريق مثاله. قوله صلى الله عليه وسلّم في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». إذ قوله الحل ميتته لا تعلق له بما قبله. (ولو أسند وأرسلوا) أي أسند الخبر إلى النبي واحد ووقف الباقون على الصحابي أو من دونه (فكالزيادة) أي فالإسناد أو الرفع كالزيادة فيما مرّ من التفصيل والخلاف وغيرهما. ومعلوم أن التفصيل بين ما تتوفر الدواعي على نقله، ولا تتوفر لا يمكن مجيئه هنا وتعدد مجلس السماع من الشيخ هنا كتعدد مجلس السماع من النبي ثمّ (وإذا حمل صحابي مرويه على أحد محمليه حمل عليه إن تنافيا) كالقرء يحمله على الطهر أو الحيض، لأن الظاهر أنه إنما حمله
---

(1/92)


عليه لقرينة، وتوقف الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقال فيه نظر أي لاحتمال أن يكون حمله لموافقة رأيه لا لقرينة وخرج بالصحابي غيره، وقيل مثله التابعي، والفرق على الأصح أن ظهور القرينة للصحابي أقرب. (وإلا) أي وإن لم يتنافيا (فكالمشترك في حمله على معنييه) وهو الأصح كما مرّ فيحمل المروي على محمليه ولا يختص بحمل الصحابي إلا على القول بمنع حمل المشترك على معنييه. (فإن حمله) أي حمل الصحابي مرويه فيما لو تنافى المحملان (على غير ظاهره) كأن حمل اللفظ على معناه المجازى دون الحقيقي (حمل على ظاهره في الأصح) اعتبارا بالظاهر، وفيه وفي أمثاله قال الشافعي كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته، وقيل يحمل على حمله مطلقا لأنه لم يفعله إلا لدليل. قلنا في ظنه وليس لغيره اتباعه فيه، وقيل يحمل عليه إن فعله لظنه أنه قصد النبي صلى الله عليه وسلّم من قرينة شاهدها. قلنا ظنه ذلك ليس لغيره اتباعه فيه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا فإن ذكر دليلاً عمل به، أما إذا لم يتنافيا فظاهر حمله على حقيقته ومجازه بناء على الراجح من استعمال اللفظ فيهما.
---

(1/93)


(مسألة لا يقبل) في الرواية (مختل) في عقله كجنون وإن تقطع جنونه وكمفيق من جنونه وأثر في زمن إفاقته إذ لا يمكنه التحرز عن الخلل، وتعبيري بمختل أعم من تعبيره بمجنون. (و) لا (كافر) وإن علم منه التدين والتحرز عن الكذب، إذ لا وثوق به في الجملة مع شرف منصب الرواية عنه. (وكذا صبيّ) يميزه (في الأصح). إذ لا وثوق به لأنه لعلمه بعدم تكليفه قد لا يحترز عن الكذب، وقيل يقبل إن علم منه التحرز عنه، أما غير المميز فلا يقبل قطعا كالمجنون. (والأصح أنه يقبل صبي) مميز (تحمل فبلغ فأدى) ما تحمله لانتفاء المحذور السابق، وقيل لا. إذ الصغر مظنة عدم الضبط ويستمر المحفوظ بحاله، ولو تحمل كافر فسلم فأدّى أو فاسق فتاب فأدى قبل. (و) الأصح أنه يقبل (مبتدع يحرم الكذب وليس بداعية ولا يكفر ببدعته) لأمنه من الكذب مع تأويله في الابتداع بخلاف من لا يحرم الكذب أو يكون داعية بأن يدعو الناس إلى بدعته أو يكفر ببدعته كمنكر حدوث العالم والبعث، وعلم الله بالمعدوم وبالجزئيات فلا يقبل واحد من الثلاثة، وممن رجحه في الثاني ابن الصلاح والنووي. وقال ابن حبان لا أعلم فيه اختلافا وقيل. يقبل ممن يحرم الكذب، وإن كان داعية لما مر وهو الذي رجحه الأصل، ومراده إذا لم يكفر ببدعته، وقيل يقبل ممن يحرم الكذب وإن كفر ببدعته، وقيل لا يقبل مطلقا لابتداعه المفسق له. (و) الأصح أنه يقبل (من ليس فقيها وإن خالف القياس) خلافا للحنفية فيما يخالفه، لأن مخالفته ترجح احتمال الكذب. قلنا لا نسلم. (و) الأصح أنه يقبل (متساهل في غير الحديث) بأن يتساهل في حديث الناس، ويتحرز في الحديث النبوي لأمن الخلل فيه بخلاف المتساهل فيه فيرد، وقيل لا يقبل المتساهل مطلقا لأن التساهل في غير الحديث النبوي يجرّ إلى التساهل فيه. (ويقبل مكثر) من الرواية (وإن ندرت مخالطته للمحدثين إن أمكن تحصيل ذلك القدر) الكثير الذي رواه (في ذلك الزمن) الذي خالطهم فيه فإن لم يمكن لم يقبل في شيء مما رواه لظهور كذبه في بعض لا نعلم عينه. (وشرط الراوي العدالة وهي) لغة التوسط وشرعا بالمعنى الشامل للمروءة (ملكة) أي هيئة راسخة في النفس. (تمنع اقتراف) أي ارتكاب (الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة) وتطفيف تمرة (والرذائل المباحة) أي الجائزة بالمعنى الأعم أي المأذون في فعلها لا بمعنى مستوية الطرفين. (كبول بطريق) وهو مكروه والأكل في السوق لغير سوقي وغيرهما. مما يخلّ بالمروءة. والمعنى يمنع اقتراف كل فرد من أفراد ما ذكر فباقتراف فرد منه تنتفي العدالة، أما صغائر غير الخسة ككذبة لا يتعلق بها ضرر ونظرة إلى أجنبية، فلا يشترط المنع من اقتراف كل فرد منها. فلا تنتفي العدالة باقتراف شيء منها إلا أن يصرّ عليه ولم تغلب طاعاته، وإذا تقرر أن العدالة شرط في الرواية. (فلا يقبل في الأصح مجهول باطنا وهو المستور، و) لا (مجهول مطلقا) أي باطنا وظاهرا (و) لا (مجهول العين) كأن يقال عن رجل لانتفاء تحقق العدالة وقيل يقبلون اكتفاء بظنّ حصولها في الأول وتحسينا للظنّ بالأخيرين وحكاية الأصل الإجماع على عدم قبولهما مردودة بنقل ابن الصلاح وغيره الخلاف فيهما. (فإن وصفه) أي الأخير (نحو الشافعي) من أئمة الحديث الراوي عنه (بالثقة أو بنفي التهمة) كقوله أخبرني الثقة أو من لا أتهمه. (قبل في الأصح). وإن كان الثاني دون الأوّل رتبة وذلك لأن واصفه من أئمة الحديث لا يصفه بذلك إلا وهو كذلك، وقيل لا يقبل لجواز أن أن يكون فيه جارح ولم يطلع عليه الواصف. قلنا يبعد ذلك جدا مع كون الواصف مثل الشافعي محتجا به على حكم في دين الله. (كمن أقدم معذورا) بنحو تأويل أو جهل خلا عن التدين بالكذب أو إكراه. (على) فعل (مفسق مظنون) كشرب نبيذ (أو مقطوع) كشرب خمر فيقبل في الأصح سواء اعتقد الإباحة أم لم يعتقد شيئا لعذره، وقيل لا يقبل لارتكابه المفسق، وإن اعتقد الإباحة، وقيل يقبل في المظنون دون المقطوع وخرج بالمعذور من أقدم
عالما بالتحريم باختياره أو متدينا بالكذب فلا يقبل قطعا، وبما تقرر علم أن قولي معذورا أولى من قوله جاهلاً.
(

(1/94)


والمختار أن الكبيرة ما توعد عليه) بنحو غضب أو لعن (بخصوصه) في الكتاب أو السنة. (غالبا). وقيل هي ما فيه حدّ. قال الرافعي وهم إلى ترجيح هذا أميل ولأول ما يوجد لأكثرهم وهو الأوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. أي لعدّهم منها أكل مال اليتيم والعقوق وغيرهما مما لا حدّ فيه، وذكر لأصل أن المختار قول إمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وإنما لم أختره لأنه يتناول صغائر الخسة مع أن الإمام إنما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي مطلقا، لا الكبيرة التي الكلام فيها والكبائر بعد أكبرها وهو الكفر كما هو معلوم. (كقتل) عمدا أو شبهه ظلما (وزنا) بالزاي لآية {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} (ولواط) لأنه مضيع لماء النسل بوطئه في فرج كالزنا. (وشرب خمر) وإن لم يسكر لقلتها وهي المشتد من ماء العنب. (ومسكر) ولو غير خمر كالمشتد من نقيع الزبيب المسمى بالنبيذ لخبر صحيح ورد فيه، أما شرب ما لا يسكر لقلته من غير الخمر فصغيرة حكما في حق من شربه معتقدا حله لقبول شهادته، وإلا فهو كبيرة حقيقة لإيجابه الحد وللتوعد عليه. وفي معنى ذلك ما اختلف في تحريمه من مطبوخ عصير العنب. (وسرقة) لربع مثقال أو ما قيمته ذلك لآية {والسارق والسارقة}، أما سرقة ما دون ذلك فصغيرة. قال الحليمي إلا إن كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عن ذلك فيكون كبيرة. (وغصب) لمال أو نحوه لخبر الصحيحين «مَنْ ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين». وقده العبادي وغيره بما يبلغ قيمته ربع مثقال كما يقطع به في السرقة. (وقذف) محرّم بزنا أو لواط لآية {إن الذين يرمون المحصنات}، نعم قال الحليمي قذف صغيرة ومملوكة وحرة متهتكة صغيرة لأن الإيذاء فيه دونه في الحرة الكبيرة
المستترة، أما القذف المباح كقذف الرجل زوجته إذا علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا فليس بكبيرة ولا صغيرة، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب. (ونميمة) وهي نقل كلام بعض الناس إلى بعض على وجه الإفساد بينهم لخبر الصحيحين «لا يدخل الجنة نمام». بخلاف نقل الكلام نصيحة للمنقول إليه كما في قوله تعالى حكاية {يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} فإنه واجب، أما الغيبة وهي ذكرك لإنسان بما تكرهه وإن كان فيه فصغيرة قاله صاحب العدة، وأقرّه الرافعي ومن تبعه لعموم البلوى بها. نعم قال القرطبي في تفسيره إنها كبيرة بلا خلاف، ويشملها تعريف الأكثر الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه قال تعالى {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} قال الزركشي وقد ظفرت بنص الشافعي في ذلك، فالقول بأنها صغيرة ضعيف أو باطل. قلت ليس كذلك لإمكان الجمع بحمل النص، وما ذكر على ما إذا أصر على الغيبة أو قرنت بما يصيرها كبيرة أو اغتاب عدلاً وقد أخرجتها بزيادتي غالبا وتباح الغيبة في ستة مواضع مذكورة في محلها، وقد نظمتها في بيتين فقلت
تباح غيبة لمستفت ومن
رام إعانة لرفع منكر
ومعرّف متظلم متكلم
في معلن فسقا مع المحذر
---

(1/95)


(وشهادة زور) ولو بما قلّ لأنه صلى الله عليه وسلّم عدها في خبر من الكبائر. وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان. (ويمين فاجرة) لخبر الصحيحين «من حلف على مال امرىء مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان». وخص المسلم جريا على الغالب وإلا فالكافر المعصوم كذلك. (وقطيعة رحم) لخبر الصحيحين «لا يدخل الجنة قاطع». قال سفيان أي ابن عيينة في رواية يعني قاطع رحم، والقطيعة فعيلة من القطع ضد الوصل والرحم القرابة. (وعقوق) للوالدين أو أحدهما، لأنه صلى الله عليه وسلّم عدّه في خبر من الكبائر وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان. وأما خبرهما «الخالة بمنزلة الأم». وخبر البخاري «عم الرجل صنو أبيه». أي مثله فلا يدلاّن على أنهما كالولدين في العقوق. (وفرار) من الزحف لآية {ومن يولهم يومئذ دبره} ولأنه صلى الله عليه وسلّم عدّه من السبع الموبقات أي المهلكات. رواه الشيخان. نعم يجب إذا علم أنه إذا ثبت يقتل من غير نكاية في العدو لانتفاء إعزاز الدين بثباته. (ومال يتيم) أي أخذه بلا حق وإن كان دون ربع مثقال لآية {إن الذين يأكلون أموال اليتامى} وقد عد أكلها صلى الله عليه وسلّم من السبع الموبقات في الخبر السابق، وقيس بالأكل غيره وإنما عبر به في الآية، والخبر، لأنه أعم وجوه الانتفاع. (وخيانة) في غير الشيء التافه بكيل أو غيره كوزن وغلول لآية {ويل للمطففين} ولقوله تعالى {إن الله لا يحب الخائنين} والغلول الخيانة من الغنيمة أو بيت المال أو الزكاة قاله الأزهري وغيره، وإن قصره أبو عبيد على الخيانة من الغنيمة أما في التافه فصغيرة كما مر. (وتقديم صلاة) على وقتها (وتأخيرها) عنه بلا عذر كسفر قال صلى الله عليه وسلّم «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر». رواه الترمذي وتركها أولى بذلك. (وكذب) عمدا (على نبي). قال صلى الله عليه وسلّم «من كذب عليَّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار». رواه
الشيخان وغيره من الأنبياء مثله في ذلك كما هو ظاهر قياسا عليه، وقد شمله تعبيري بنبي بخلاف تعبيره كغيره برسول الله صلى الله عليه وسلّم. وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية، أما الكذب على غير نبي فصغيرة إلا أن يقترن به ما يصيره كبيرة كأن يعلم أنه يقتل به قاله ابن عبد السلام، وعليه يحمل خبر الصحيحين «إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا». (وضرب مسلم) بلا حق لخبر مسلم «صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وخرج بالمسلم الكافر فليس ضربه كبيرة بل صغيرة، وزعم الزركشي أنه كبيرة. (وسب صحابي) لخبر الصحيحين «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه». وروى مسلم «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق» الخ. والخطاب للصحابة السابين نزلهم لسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علله بما ذكره، واستثنى من ذلك سبّ الصدّيق بنفي الصحبة فهو كفر لتكذيب القرآن، أما سب واحد من غير الصحابة فصغيرة، وخبر الصحيحين «سباب المسلم فسوق». معناه تكرار السب فهو إصرار على صغيرة فيكون كبيرة.
---

(1/96)


(وكتم شهادة). قال تعالى {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} أي ممسوخ وخص بالذكر لأنه محل الإيمان، ولأنه إذا أثم تبعه الباقي. (ورشوة) بتثليث الراء وهي أن يبذل مالاً ليحق باطلاً أو يبطل حقا لخبر الترمذي «لعنة الله على الراشي والمرتشي» زاد الحاكم «والرائش الذي يسعى بينهما». أما بذله للمتكلم في جائز مع سلطان مثلاً فجعلة جائزة فيجوز البذل والأخذ وبذله للمتكلم في واجب كتخليص من حبس ظلما وتولية قضاء طلبه من تعين عليه أو سن له جائز والأخذ فيه حرام. (ودياثة) بمثلثة قبل الهاء، وهي استحسان الرجل على أهله لخبر ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق والديه والديوث ورجلة النساء. قال الذهبي إسناده صالح. (وقيادة) قياسا على الدياثة، والمراد بها استحسان الرجل على غير أهله. وقد بسطت الكلام عليه في الحاشية. (وسعاية) وهي أن يذهب بشخص إلى ظالم ليؤذيه بما يقوله في حقه لخبر الساعي مثلث أي مهلك بسعايته نفسه والمسعى به، وإليه. (ومنع زكاة). لخبر الصحيحين «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليه في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره». إلى آخره. (ويأس رحمة) لخبر الدارقطني. لكنه صوّب وقفه «من الكبائر الإشراك بالله والاياس من روح الله». والمراد باليأس من رحمة الله استبعاد العفو عن الذنوب لاستعظامها لا إنكار سعة رحمته للذنوب، فإنه كفر لظاهر قوله تعالى {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} إلا أن يحمل اليأس فيه على الاستبعاد والكفر على معناه اللغوي وهو الستر. (وأمن مكر) بالاسترسال في المعاصي والاتكال على العفو. قال تعالى {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} (وظهار) كقوله لزوجته أنت عليّ كظهر أمي قال تعالى فيه {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} أي كذبا حيث شبهوا الزوجة بالأم في التحريم. (ولحم ميتة وخنزير) أي تناوله بلا ضرورة لآية {قل لا أجد
فيما أوحي إليّ محرمّا} وبمعنى الخنزير الكلب وفرع كل منهما مع غيره. (وفطر في رمضان) ولو يوما بلا عذر لخبر من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر، وهو وإن تكلم فيه فله شواهد تجبره، ولأن صومه من أركان الإسلام ففطره يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين، وتعبيري بذلك أولى من قوله وفطر رمضان. (وحرابة) وهي قطع الطريق على المارّين بإخافتهم لآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} (وسحر وربا) بموحدة لأنه صلى الله عليه وسلّم عدهما من السبع الموبقات في الخبر السابق. (وإدمان صغيرة) أي إصرار عليها من نوع أو أنواع بحيث لم تغلب طاعاته معاصيه وليست الكبائر منحصرة في المذكورات، كما أفهمه ذكر الكاف في أولها، وأما نحو خبر البخاري «الكبائر الإشراك بالله والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس». فمحمول على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره، وقد قال ابن عباس هي إلى السبعين أقرب. وسعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب يعني باعتبار أصناف أنواعها.
---

(1/97)


(مسألة الاخبار بعام) أي بشيء عام (رواية) كخصائص النبي صلى الله عليه وسلّم وغيره، إذ القصد منها اعتقاد خصوصيتها بمن اختصت به، وهو يعم الناس، وما في المروي من أمر ونهي ونحوهما يرجع إلى الخبر بتأويل. فتأويل أقيموا الصلاة، ولا تقربوا الزنا مثلاً الصلاة واجبة والزنا حرام. (و) الاخبار (بخاصّ عند حاكم شهادة) بقيد زدته بقولي (إن كان حقا لغير المخبر على غيره) فإن كان للمخبر على غيره فدعوى أو لغيره عليه وإن لم يكن عند حاكم فإقرار. (والمختار أن أشهد إنشاء تضمن إخبارا) بالمشهود به نظرا إلى وجود مضمونه في الخارج به، وإلى متعلقه. وقيل محض إخبار نظر إلى متعلقه فقط، وقيل محض إنشاء نظرا إلى اللفظ فقط. قال شيخنا العلامة المحلي وهو التحقيق فلم تتوارد الثلاثة على محل واحد، ولا منافاة بين كون أشهد إنشاء وكون معنى الشهادة إخبارا لأنه صيغة مؤدية لذلك المعنى بمتعلقه انتهى. (و) المختار (أن صيغ العقود والحلو كبعت) واشتريت (وأعتقت إنشاء) لوجود مضمونها في الخارج بها. وقال أبو حنيفة إنها إخبار على أصلها بأن يقدر وجود مضمونها في الخارج قبيل التلفظ بها، وذكر صيغ الحلول مع مثالها من زيادتي. (و) المختار (أنه يثبت الجرح والتعديل بواحد في الرواية فقط) أي بخلاف الشهادة لا يثبتان فيها إلا بعدد رعاية للتناسب فيهما، فإن قال الواحد يقبل في الرواية دون الشهادة، وقيل يثبتان إلا بعدد فيهما نظرا إلى أن ذلك شهادة، وقيل يكفي في ثبوتهما فيهما واحد نظرا إلى أن ذلك خبر، والترجيح من زيادتي. (و) المختار (أنه يشترط ذكر سبب الجرح فيهما) أي في الرواية والشهادة للاختلاف فيه بخلاف سبب التعديل. (و) لكن (يكفي إطلاقه) أي الجرح (في الرواية) كالتعديل كأن يقول الجارح فلان ضعيف أو ليس بشيء (إن عرف مذهب الجارح) من أنه لا يجرح إلا بقادح، فعلم أنه لا يكفي الإطلاق في الرواية إذا لم يعرف مذهب الجارح، ولا في الشهادة مطلقا لتعلق الحق فيها بالمشهود له، نعم يكفي ذلك فيهما لإفادة التوقف عن القبول إلى أن يبحث عن ذلك كما ذكره في الرواية، وظاهر أنه لا فرق بينها وبين الشهادة. وقيل يشترط ذكر سببهما في الرواية والشهادة ولو من العالم به، فلا يكفي إطلاقهما فيهما لاحتمال أن يجرح بما ليس بجارح، وأن يبادر إلى التعديل عملاً بالظاهر، وقيل يكفي ذلك اكتفاء بعلم الجارح والمعدل بسببهما، وقيل يشترط ذكر سبب التعديل دون سبب الجرح لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصلها لجواز الاعتماد فيه على الظاهر. (والجرح مقدم) عند التعارض على التعديل. (إن زاد عدد الجارح على) عدد (المعدل) إجماعا. (وكذا إن لم يزد عليه) بأن ساواه أو نقص عنه. (في الأصح) لاطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل، وقضيته أنه لو اطلع المعدل على السبب وعلم توبته منه قدم على الجارح وهو كذلك، وقيل يطلب الترجيح في صورة عدم الزائد كما هو حاصل في صورة الزائد بالزيادة وعلى وزانه قيل إن التعديل في صورة الناقص مقدم. (ومن التعديل) لشخص (حكم مشترط العدالة) في الشاهد. (بالشهادة) من ذلك الشخص، إذ لو لم يكن عدلاً عنده لما حكم بشهادته.
(وكذا عمل العالم) المشترط للعدالة في الراوي برواية شخص تعديل له في الأصح، وإلا لما عمل بروايته وقيل ليس تعديلاً، والعمل بروايته يجوز أن يكون احتياطا. (و) كذا (رواية من لا يروي إلا عن عدل) بأن صرح بذلك أو عرف من عادته عن شخص تعديل له. (في الأصح) كما لو قال هو عدل، وقيل يجوز أن يترك عادته وتأخيري في الأصح عن المسألتين قبله أولى من توسيط الأصل له بينهما. (وليس من الجرح) لشخص (ترك عمل بمرويه و) لا ترك (حكم بمشهوده). لجواز أن يكون الترك لمعارض. (ولا حدّ) له (في شهادة زنا) بأن لم يكمل نصابها لأنه لانتفاء النصاب لا لمعنى في الشاهد. (و) لا في (نحو شرب نبيذ) من المسائل الاجتهادية المختلف فيها كنكاح المتعة لجواز أن يعتقد إباحة ذلك. (ولا تدليس) فيمن روى عنه (بتسمية غير مشهورة) له حتى لا يعرف، إذ لا خلل في ذلك. (قيل) أي قال ابن السمعاني (إلا أن يكون بحيث لو سئل) عنه (لم يبينه) فإن صنيعه حينئذ جرح له لظهور الكذب فيه. وأجيب بمنع ذلك. (ولا) تدليس (بإعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقول) صاحب (الأصل) أخبرنا (أبو عبد الله الحافظ يعني) به (الذهبي تشبيها بالبيهقي) في قوله أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (يعني) به (الحاكم) لظهور المقصود وذلك صدق في نفس الأمر (ولا) تدليس (بإيهام اللقى والرحلة) الأول، ويسمى تدليس الإسناد كأن يقول من عاصر الزهري مثلاً ولم يلقه. قال الزهري أو عن الزهري موهما أنه سمعه، والثاني كأن يقول حدّثنا فلان وراء النهر موهما جيحون، والمراد نهر مصر كأن يكون بالجيزة لأن ذلك من المعاريض لا كذب فيه. (أما مدلس المتون) وهو من يدرج كلامه معها بحيث لا يتميزان. (فمجروح) لإيقاعه غيره في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم.
---

(1/98)


(مسألة الصحابي) أي صاحب النبي صلى الله عليه وسلّم. (من اجتمع مؤمنا) مميزا (بالنبي) في حياته (وإن لم يرو) عنه شيئا (ولم يطل) أي اجتماعه به أو كان أنثى أو أعمى كابن أم مكتوم، فخرج من اجتمع به كافرا أو غير مميز أو بعد وفاة النبي، لكن قال البرماوي في غير المميز إنه صحابي وإن اختار جماعة خلاف ذلك، وقيل يشترط في صدق اسم الصحابي الرواية ولو لحديث وإطالة الاجتماع نظرا في الإطالة إلى العرف، وفي الرواية إلى أنها المقصود الاعظم من صحبة النبي صلى الله عليه وسلّم لتبليغ الأحكام، وقيل يشترط الغزو معه ومضى على الاجتماع به لأن لصحبته شرفا عظيما فلا ينال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والعام المشتمل على الفصول الأربعة التي تختلف فيها الأمزجة، واعترض التعريف بأنه يصدق على من مات مرتدًّا كعبد الله بن خطل، ولا يسمى صحابيا بخلاف من مات بعد ردته مسلما كعبد الله بن سرح. وأجيب بأنه كان يسماه قبل الردة، ويكفي ذلك في صحة التعريف إذ لا يشترط فيه الاحتراز عن المنافي العارض. (كالتابعي معه) أي مع الصحابي فيكفي في صدق اسم التابعي على الشخص اجتماعه مؤمنا بالصحابي في حياته، وهذا ما رجحه ابن الصلاح والنووي وغيرهما. وقيل لا يكفي ذلك من غير إطالة للاجتماع به وبه جزم الأصل تبعا للخطيب البغدادي، وفرق بأن الاجتماع بالنبي يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار.
(والأصح أنه لو ادّعى معاصر) للنبي صلى الله عليه وسلّم (عدل صحبة قبل) لأن عدالته تمنعه من الكذب في ذلك، وقيل لا يقبل لادّعائه لنفسه رتبة هو فيها متهم كما لو قال أنا عدل. (و) الأصح (أن الصحابة عدول) فلا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة لأنهم خير الأمة لقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} فإن المراد بهم الصحابة، ولخبر الصحيحين «خير أمتي قرني» وقيل هم كغيرهم فيبحث عن عدالتهم في ذلك إلا من كان ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين رضي الله عنهما، وقيل هم عدول إلى حين قتل عثمان رضي الله عنه فيبحث عن عدالتهم بعده لوقوع الفتن بينهم من حينئذ مع إمساك بعضهم عن خوضها. وقيل هم عدول إلا من قاتل عليا رضي الله عنه فهم فسقة لخروجهم على الإمام الحق وردّ بأنهم مجتهدون في قتالهم له فلا يأثمون وإن أخطأوا بل يؤجرون كما سيأتي على كل قول من طرأ له منهم قادح كسرقة أو زنا عمل بمقتضاه، لأنهم وإن كانوا عدولاً غير معصومين.
---

(1/99)


(مسألة المرسل) المشهور عند الأصوليين والفقهاء وبعض المحدثين. (مرفوع غير صحابي) تابعيا كان أو من بعده (إلى النبي) صلى الله عليه وسلّم مسقطا لواسطة بينه وبين النبي، وعند أكثر المحدّثين مرفوع تابعي إلى النبي، وعندهم المعضل ما سقط منه راويان فأكثر، والمنقطع ما سقط منه من غير الصحابة راوٍ وقيل ما سقط منه راوٍ فأكثر. (والأصح أنه لا يقبل) أي لا يحتج به للجهل بعدالة الساقط وإن كان صحابيا لاحتمال أن يكون ممن طرأ له قادح. (إلا إن كان مرسله من كبار التابعين) كقيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي (وعضده كون مرسله لا يروي إلا عن عدل) كأن عرف ذلك من عادته كأبي سلمة بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة (وهو) حينئذ (مسند) حكما لأن إسقاط العدل كذكره. (أو عضده قول صحابي أو فعله أو قول الأكثر) من العلماء لأصحابي فيهم. (أو مسند) سواء أسنده المرسل أم غيره (أو مرسل) أن يرسله آخر يروي عن غير شوخ الأوّل. (أو انتشار) له من غير نكير (أو قياس أو عمل) أهل (العصر) على وفقه (أو نحوها) ككون مرسله إذا شارك الحفاظ في أحاديث وافقهم فيها ولم يخالفهم إلا بنقص لفظ من ألفاظهم بحيث لا يختل به المعنى، فإن المرسل حينئذ يقبل لانتقاء المحذور، وقيل يقبل مطلقا لأن العدل لا يسقط الواسطة إلا وهو عدل عنده، وإلا كان ذلك تلبيسا قادحا فيه، وقيل لا مطلقا لما مر، وقيل يقبل إن كان المرسل من أئمة النقل كسعيد بن المسيب والشعبي، بخلاف من لم يكن منهم فقد يظن من ليس بعدل عدلاً فيسقطه لظنه.
(والمجموع) من المرسل وعاضده (حجة) لا مجرد المرسل ولا مجرد عاضده لضعف كل منهما منفردا، ولا يلزم من ذلك ضعف المجموع، لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن هذا (إن لم يحتجّ بالعاضد) وحده، (وإلا) بأن كان يحتج به كمسند صحيح (فـ)ـهما (دليلان)، إذ العاضد حينئذ دليل برأسه والمرسل لما اعتضد به صار دليلاً آخر فيرجح بهما عند معارضة حديث واحد لهما والتقييد بكبار التابعين من زيادتي. (و) الأصح (أنه) أي المرسل بقيد زدته بقولي (باعتضاده) أي مع اعتضاده (بضعيف أضعف من المسند) المحتج به، وقيل أقوى منه لأن العدل لا يسقط إلا من يجزم بعدالته، بخلاف من يذكره فيحيل الأمر فيه على غيره. قلنا لا نسلم ذلك أما إذا اعتضد بصحيح، فلا يكون أضعف من مسند يعارضه بل هو أقوى منه، كما علم مما مر أما مرسل صغار التابعين كالزهري فباق على عدم قبوله مع عاضده لشدة ضعفه، وقيد القبول بكبار التابعين، لأن غالب رواياتهم عن الصحابة فيغلب على الظن أن الساقط صحابي، فإذا انضم إليه عاضد كان أقرب إلى القبول وعليه ينبغي ضبط الكبير بمن أكثر رواياته عن الصحابة والصغير بمن أكثر رواياته عن التابعين على أن ابن الصلاح والنووي لم يقيدا بالكبار وهو قوي، وهذا كله في مرسل غير صحابي كما عرفت، أما مرسله فمحكوم بصحته على المذهب لأن أكثر رواية الصحابة عن الصحابة وكلهم عدول كما مرّ. (فإن تجرد) هذا المرسل عن عاضد ( ولا دليل) في الباب (سواه) ومدلوله المنع من شيء، (فالأصح) أنه يجب (الانكفاف) عن ذلك الشيء (لأجله) أي المرسل احتياطا لأن ذلك يحدث شبهة توجب التوقف، وقيل لا يجب لأنه ليس بحجة حينئذ، أما إذا كان ثم دليل سواه فيجب الانكفاف قطعا إن وافقه وإلا عمل بمقتضى الدليل.
---

(1/100)


(مسألة الأصح جواز نقل الحديث بالمعنى لعارف) بمعاني الألفاظ ومواقع الكلام الذي أريد به إنشاء أو خبر بأن يأتي بلفظ بدل آخر مساو له في المراد والفهم، وإن لم ينس اللفظ الآخر أو لم يرادفه، لأن المقصود المعنى واللفظ آلة، وقيل لا يجوز إن لم ينس لفوت الفصاحة في كلام النبي، وقيل إنما يجوز بلفظ مرادف بخلاف غير المرادف، لأنه قد لا يوفي بالمقصود، وقيل لا يجوز مطلقا حذرا من التفاوت، وإن ظن الناقل عدمه فإن العلماء كثيرا ما يختلفون في معنى الحديث المراد. قلنا الكلام في المعنى الظاهر لا فيما يختلف فيه كما أنه ليس الكلام فيما نعبد بألفاظ كالأذان والتشهد والسلام والتكبير، وقيل غير ذلك أما غير العارف فلا يجوز له تغيير اللفظ قطعا. (و) الأصح (أنه يحتج بقول الصحابي قال النبي) صلى الله عليه وسلّم، لأنه ظاهر في سماعه منه، وقيل لا. لاحتمال أن يكون بينهما واسطة من تابعي أو صحابي، وقلنا نبحث عن عدالة الصحابة (فـ)ـبقوله (عنه) أي عن النبي لما مر، وقيل لا لظهوره في الواسطة. (فـ)ـبقوله (سمعته أمر ونهى) لظهوره في صدور أمر ونهي منه، وقيل لا لجواز أن يطلقهما الراوي على ما ليس بأمر ولا نهي تسمحا (أو) بقوله (أمرنا أو نحوه) مما بني للمفعول كنهينا أو أوجب أو حرّم علينا أو رخص لنا لظهور أن فاعلها النبي، وقيل لا. لاحتمال أن يكون الآمر والناهي بعض الولاة والإيجاب والتحريم والترخيص استنباط من قائله. (و) بقوله (من السنة) كذا لظهوره في سنة النبي، وقيل لا لجواز إرادة سنة البلد (فكنا معاشر الناس) نفعل في عهده صلى الله عليه وسلّم (وكان الناس يفعلون) في عهده صلى الله عليه وسلّم. (فكنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلّم) لظهوره في تقرير النبي عليه، وقيل لا لجواز ىن لا يعلم به. (فكان الناس يفعلون فكانوا لا يقطعون في) الشيء (التافه). قالته عائشة رضي الله عنها لظهور ذلك في جميع الناس الذي هو إجماع، وقيل لا لجواز إرادة ناس مخصوصين وعطف الصور بالفاء إشارة إلى أن كل صورة دون ما قبلها رتبة، ولهذا كان تعبيري في عنه، وسمعته بالفاء أولى من تعبيره فيهما بالواو، ووجه كون الأخيرتين دون ما قبلهما عدم التصريح بكون ذلك في عهده صلى الله عليه وسلّم، ووجه كون الأخيرة دون ما قبلها عدم التصريح بما يعود عليه ضمير كانوا.

(1/101)


(خاتمة) في مراتب التحمل. (مستند غير الصحابي) في الرواية إحدى عشرة (قراءة الشيخ) عليه (إملاء) من حفظه أو من كتابه. (فتحديثا) بلا إملاء. (فقراءته عليه) أي على الشيخ (فسماعه) بقراءة غيره على الشيخ ويسمى هذا والذي قبله بالعرض. (فمناولة أو مكاتبة مع إجازة) كأن يدفع له الشيخ أصل سماعه أو فرعا مقابلاً به أو يكتب شيئا من حديثه لحاضر عنده أو غائب عنه، ويقول له أجزت لك روايته عني. (فإجازة) بلا مناولة ولا مكاتبة (لخاص في خاص) كأجزت لك رواية البخاري. (فخاص في عام) كأجزت لك رواية جيع مسموعاتي. (فعام في خاص) كأجزت لمن أدركني رواية مسلم. (فـ)ـعام (في عام) كأجزت لمن عاصرني رواية جميع مروياتي. (فلفلان ومن يوجد من نسله) تبعا له (فمناولة أو مكاتبة) بلا إجازة إن قال معها هذا من سماعي (فإعلام) بلا إجازة كأن يقول هذا الكتاب من مسموعاتي على فلان. (فوصية) كأن يوصي بكتاب إلى غيره ليرويه عنه عند سفره أو موته. (فوجادة) كأن يجد حديثا أو كتابا بخط شيخ معروف.
(والمختار جواز الرواية بالمذكورات) التصريح بهذا من زيادتي والقول بامتناع الرواية بالأربعة التي قبل الوجادة مردود بأنها أرفع من الوجادة والرواية بها جائزة عند الشافعي وغيره، فالأربعة أولى. (لا إجازة من يوجد من نسل فلان)فلا يجوز، وقيل تجوز، وقيل لا تجوز الرواية بالإجازة بأقسامها، وقيل لا تجوز في العامة، أما إجازة من توجد من غير قيد فممنوعة كما فهم بالأولى وصرح به الأصل، ونقل في الإجماع. (وألفاظ الأداء من صناعة المحدثين) فلتطلب منهم ومنها على ترتيب ما مر أملى عليّ حدثني قرأت عليه قرىء عليه، وأنا أسمع أخبرني إجازة ومناولة أو مكاتبة أخبرني إجازة أنبأني مناولة أو مكاتبة، أخبرني إعلاما أوصى إليّ وجدت بخطه وقد أوضحت الكلام على ذلك مع مراتب التحمل في شرح ألفية العراقي، وقولي أو مكاتبة في الموضعين مع إفادة تأخر الحديث عن الإملاء من زيادتي.

(1/102)


الكتاب الثالث في الإجماع :
وهو اتفاق مجتهدي الأمة بالقول أو الفعل أو التقرير. (بعد وفاة محمد) صلى الله عليه وسلّم (في عصر على أي أمر) كان من ديني ودنيوي وعقلي ولغوي كما سيأتي بيانه. (ولو بلا إمام معصوم). وقالت الروافض لا بد منه ولا يخلو الزمان عنه وإن لم تعلم عينه والحجة في قوله فقط وغيره تبع له. (أو) بلا (بلوغ عدد تواتر) لصدق مجتهد الأمة بدونه، وقيل يشترط نظرا للعادة. (أو) بلا (عدول) بناء على أن العدالة ليست ركنا في المجتهد وهو الأصح، وقيل يعتبرون بناء على أنها ركن فيه فعليه لا يعتبر وفاق الفاسق، وقيل يعتبر في حق نفسه دون غيره، وقيل يعتبر إن بين مأخذه في مخالفته، بخلاف ما إذا لم يبينه إذ ليس عنده ما يمنعه أن يقول شيئا من غير دليل. (أو) كان المجتهد (غير صحابي) فلا يختصّ الإجماع بالصحابة لصدق مجتهدي الأمة في عصر بغيرهم. وقالت الظاهرية يختص بهم لكثرة غيرهم كثرة لا تنضبط فيبعد اتفاقهم على شيء. (أو قصر الزمن) كأن مات المجمعون عقب إجماعهم بخرور سقف عليهم، وقيل يشترط طوله في الإجماع الظني بخلاف القطعي. (فعلم) من الحد زيادة على ما مر. (اختصاصه) أي الإجماع (بالمجتهدين) بأن لا يتجاوزهم إلى غيرهم. (فلا عبرة باتفاق غيرهم قطعا ولا بوفاقه لهم في الأصح). وقيل يعتبر مطلقا، وقيل يعتبر في المشهور دون الخفيّ كدقائق الفقه، وقيل يعتبر وفاق الأصولي لهم في الفروع لتوقف استنباطها على الأصول. قلنا هو غير مجتهد بالنسبة إليها. (و) علم اختصاصه (بالمسلمين) لأن الإسلام شرط في المجتهد المأخوذ في حده فلا عبرة بوفاق الكافر ولو ببدعة ولا بخلافه. (و) علم (أنه لا بد من الكل) أي وفاقهم لأن إضافة مجتهد إلى الأمة تفيد العموم (وهو الأصح) فيضر مخالفة الواحد ولو تابعيا بأن كان مجتهدا وقت اتفاق الصحابة، وقيل يضر مخالفة الاثنين دون الواحد، وقيل مخالفة الثلاثة دون الأقل منهم، وقيل من بلغ عدد التواتر دون من لم يبلغه إذا كان غيرهم أكثر منه، وقيل يكفي اتفاق كل
من أهل مكة وأهل المدينة وأهل الحرمين، وقيل غير ذلك. فعلم أن اتفاق كل من هؤلاء ليس بحجة في الأصح وهو ما صرح به الأصل، لأنه اتفاق بعض مجتهدي الأمة لا كلهم. (و) علم (عدم انعقاده في حياة محمد) صلى الله عليه وسلّم، لأنه إن وافقهم فالحجة في قوله وإلا فلا اعتبار بقولهم دونه. (و) علم (أنه لو لم يكن) في العصر (إلا) مجتهد (واحد لم يكن قوله إجماعا) إذ أقل ما يصدق به اتفاق مجتهد الأمة اثنان. (وليس) قوله (حجة على المختار) لانتفاء الإجماع عن الواحد، وقيل حجة وإن لم يكن إجماعا لانحصار الاجتهاد فيه. (و) علم (أن انقراض) أهل (العصر) بموتهم (لا يشترط) في انعقاد الإجماع لصدق حده مع بقاء المجمعين ومعاصريهم وهو الأصح كما سيأتي، وقيل يشترط انقراضهم، وقيل غالبهم، وقيل علماؤهم، وقيل غير ذلك. (و) علم (أنه) أي الإجماع (قد يكون عن قياس) لأن الاجتهاد المأخوذ في حد لا بدّ له من مستند كما سيأتي، والقياس من جملته. (وهو الأصح). وقيل لا يجوز أن يكون عن قياس، وقيل يجوز في الجلي دون الخفي، وقيل يجوز لكنه لم يقع، وذلك لأن القياس لكونه ظنيا في الأغلب يجوز مخالفته لأرجح منه، فلو جاز الإجماع عنه لجاز مخالفة الإجماع. قلنا إنما يجوز مخالفة القياس إذا لم يجمع على ما ثبت به، وقد أجمع على تحريم أكل شحم الخنزير قياسا على لحمه. (فيهما) أي ما ذكر هو الأصح في المسألتين كما تقرر. (و) علم (أن اتفاق) الأمم (السابقين) على أمة محمد صلى الله عليه وسلّم (غير إجماع وليس حجة) في ملته (في الأصح) لاختصاص دليل حجية الإجماع بأمته لخبر ابن ماجة وغيره «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة». وقيل إنه حجة بناء على أن شرعهم شرع لنا وسيأتي بيانه. (و)علم (أن اتفاقهم) أي المجتهدين في عصر. (على أحد قولين) لهم (قبل استقرار الخلاف) بينهم بأن قصر الزمن بين الاختلاف والاتفاق (جائز ولو) كان الاتفاق (من الحادث بعد ذوي القولين) بأن ماتوا ونشأ غيرهم لصدق
حد الإجماع بكل من الاتفاقين، ولجواز أن يظهر مستند جلى يجتمعون عليه، وقد أجمعت الصحابة على دفنه صلى الله عليه وسلّم في بيت عائشة بعد اختلافهم الذي لم يستقر.
(

(1/103)


وكذا اتفاق هؤلاء) أي ذوي القولين (لا من بعدهم بعده) أي بعد استقرار الخلاف بأن طال زمنه فإنه جائز لا اتفاق من بعدهم. (في الأصح) أما الأول فلصدق حد الإجماع به وهذا ما صححه النووي في شرح مسلم، وقيل لا لأن استقرار الخلاف بينهم يتضمن اتفاقهم على جاز الأخذ بكل من شقي الخلاف باجتهاد أو تقليد، فيمتنع اتفاقهم على أحدهما. قلنا تضمن ما ذكر مشروط بعدم الاتفاق على أحدهما فإذا وجد فلا اتفاق قبله، وقيل يجوز إلا أن يكون مستندهم في الاختلاف قاطعا، فلا يجوز حذرا من إلغاء القاطع والخلاف مبني على أنه لا يشترط انقراض العصر، فإن اشترط جاز الاتفاق مطلقا قطعا والترجيح من زيادتي، وأما الثاني فلأنه لو انقدح وجه في سقوط الخلاف لظهر للمختلفين لطول زمنه، وقيل يجوز لجواز ظهور سقوطه لغير المختلفين دونهم. (و) علم (أن التمسك بأقل ما قيل) من أقوال العلماء حيث لا دليل سواه (حق) لأنه تمسك بما أجمع عليه مع كون الأصل عدم وجوب ما زاد عليه كاختلاف العلماء في دية الذمي الكتابي، فقيل كدية المسلم، وقيل كنصفها، وقيل كثلثها فأخذ به الشافعي لذلك، فإن دل دليل على وجوب الأكثر أخذ به كغسلات ولوغ الكلب قيل إنها ثلاث، وقيل سبع ودل عليه خير الصحيحين فأخذ به. (و) علم (أنه) أي الإجماع قد (يكون في ديني) كصلاة وزكاة (ودنيوي) كتدبير الجيوش وأمور الرعية. (وعقلي لا تتوقف صحته) أي الإجماع (عليه) كحدوث العالم ووحدة الصانع، فإن توقفت صحة الإجماع عليه كثبوت الباري والنبوة لم يحتج فيه بالاجماع وإلا لزم الدور. (ولغوي) من زيادتي ككون الفاء للتعقيب. (و) علم (أنه) أي الإجماع (لا بد له من مستند) أي دليل، وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد المأخوذ
في حده معنى. (وهو الأصح) لأن القول في الأحكام بلا مستند خطأ، وقيل يجوز حصوله بغير مستند بأن يلهموا الاتفاق على صواب هذا كله في الاجماع القولي. (أما السكوتي بأن يأتي بعضهم) أي بعض المجتهدين. (بحكم ويسكت الباقون عنه وقد علموا به وكان السكوت مجردا عن أمارة رضا وسخط) بضم السين وإسكان الخاء وبتفحهما خلاف الرضا. (والحكم اجتهادي تكليفي ومضى مهلة النظر عادة فإجماع وحجة في الأصح) لأن سكوت العلماء في مثل ذلك يظن منه الموافقة عادة، وقيل ليس بإجماع ولا حجة لاحتمال السكوت لغير الموافقة كالخوف والمهابة والتردد في الحكم، وعزى هذا للشافعي، وقيل ليس بإجماع بل حجة لاختصاص مطلق اسم الاجماع عند هذا القائل بالقطعي، أي المقطوع فيه بالموافقة وإن كان هو عنده إجماعا حقيقة كما يفيده كونه حجة عنده، وقيل حجة بشرط الانقراض، وقيل حجة إن كان فتيا لا حكما لأن الفتيا يبحث فيها عادة فالسكوت عنها رضا بخلاف الحكم، وقيل عكسه لصدور الحكم عادة بعد البحث مع العلماء واتفاقهم بخلاف الفتيا، وقيل حجة إن كان الساكتون أقل من القائلين، وقيل غير ذلك وخرج بما ذكر ما لو لم يعلم الساكتون بالحكم، فليس من محل الإجماع السكوتي وليس بحجة لاحتمال أن لا يكون خاضوا في الخلاف، وقيل حجة لعدم ظهور خلاف فيه، وقيل غير ذلك وترجيح عدم حجيته من زيادتي وهو ما عليه الأكثر، وإن اقتضى كلام الأصل ترجيح حجته، وخرج أيضا ما لو اقترن السكوت بأمارة الرضا فإجماع قطعا أو بأمارة السخط فليس بإجماع قطعا، وما لو كان الحكم قطعيا لا اجتهاديا أو لم يكن تكليفيا نحو عمار أفضل من حذيفة أو عكسه فالسكوت على القول، بخلاف المعلوم في الأولى وعلى ما قيل في الثانية لا يدل على شيء وما لم يمض زمن مهلة النظر عادة فلا يكون ذلك إجماعا.
---

(1/104)


(مسألة الأصح إمكانه) أي الإجماع، وقيل لا يمكن عادة كالإجماع على أكل طعام واحد، وقول كلمة واحدة في وقت واحد. قلنا هذا لا جامع لهم عليه لاختلاف شهواتهم ودواعيهم، بخلاف الحكم الشرعي، إذ يجمعهم عليه الدليل الذي يتفقون على مقتضاه. (و) الأصح (أنه) بعد إمكانه (حجة) شرعية (وإن نقل آحادا) قال تعالى {ومن يشاقق الرسول) الآية، توعد فيها على اتباع غير سبيل المؤمنين فيجب اتباع سبيلهم وهو قولهم أو فعلهم فيكون حجة وقيل لا لقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} اقتصر على الرد إلى الكتاب والسنة. قلنا وقد دل الكتاب على حجيته كما مر آنفا، وقيل لا إلا إن نقل آحادا لأنه قطعي فلا يثبت بخبر الواحد. (و) الأصح (أنه) بعد حجيته (قطعي) فيها (إن اتفق المعتبرون) على أنه إجماع (لا إن اختلفوا) في ذلك (كالسكوتي) فإنه ظني، وقيل ظني مطلقا، إذ المجمعون عن ظن لا يمتنع خطؤهم والإجماع عن قطع غير محقق (وخرقه) أي إجماع القطعي وكذا الظني عند من اعتبره بالمخالفة (حرام) للتوعد عليه بالتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين في الآية السابقة. (فعلم) من حرمة خرقه (تحريم إحداث) قول (ثالث) في مسألة اختلف أهل عصر فيها على قولين (و) إحداث (تفصيل) بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر. (إن خرقاه) أي إن خرق الثالث والتفصيل الإجماع بأن خالفا ما اتفق عليه أهل عصر، بخلاف ما إذا لم يخرقاه، وقيل هما خارقان مطلقا، لأن الاختلاف على قولين يستلزم الاتفاق على امتناع العدول عنهما وعدم التفصيل بين مسألتين يستلزم الاتفاق على امتناعه. قلنا الاستلزام ممنوع فيهما مثال الثالث خارقا ما قيل إن الأخ يسقط الجد، وقد اختلفت الصحابة فيه على قولين قيل يسقط بالجد، وقيل يشاركه كأخ فإسقاط الجدّ به خارق لما اتفق عليه القولان من أن له نصيبا، ومثاله غير خارق ما قيل إنه يحل متروك التسمية سهوآ لا عمدا، وعليه الحنفي، وقيل يحل مطلقا، وعليه الشافعي، وقيل يحرم مطلقا، فالفارق موافق لمن لم يفرق في بعض ما قاله، ومثال التفصيل خارقا ما لو قيل بتوريث العمة دون الخالة أو عكسه، وقد اختلفوا في توريثهما مع اتفاقهم على أن العلة فيه أو في عدمه كونهما من ذوي الأرحام، فتوريث إحداهما دون الأخرى خارق للاتفاق، ومثاله غير خارق ما. قلنا إنه تجب الزكاة في مال الصبي دون الحليّ المباح، وقيل تجب فيهما وقيل لا تجب فيهما فالمفصل موافق لمن لم يفصل في بعض ما قاله.
(و) علم (أنه يجوز إحداث) أي إظهار (دليل) لحكم (أو تأويل) لدليل ليوافق غيره (أو علة) لحكم غير ما ذكروه من الدليل والتأويل، والعلة لجواز تعدد المذكورات (إن لم يخرق) ما ذكروه بخلاف ما إذا خرقه بأن قالوا لا دليل ولا تأويل ولا علة غير ما ذكرناه، وقيل لا يجوز إحداث ذلك مطلقا لأنه من غير سبيل المؤمنين المتوعد على اتباعه في الآية. قلنا المتوعد عليه ما خالف سبيلهم لا ما لم يتعرضوا له كما نحن فيه (و) علم (أنه يمتنع ارتداد الأمة) في عصر (سمعا) لخرقه إجماع من قبلهم على وجوب استمرار الإيمان. وقيل لا يمتنع سمعا لا يمتنع عقلاً قطعا (لا اتفاقها) أي الأمة في عصر (على جهل ما) أي شيء (لم تكلف به) بأن لم تعلمه كالتفضيل بين عمار وحذيفة فلا يمتنع إذ لا خطأ فيه لعدم التكليف به، وقيل يمتنع وإلا لكان الجهل سبيلاً لها فيجب اتباعها فيه وهو باطل. قلنا يمنع أنه سبيل لها إذ سبيل الشخص ما يختاره من قول أو فعل لا ما لا يعلمه أما اتفاقها على جهل ما كلفت به فممتنع قطعا (ولا انقسامها) أي الأمة (فرقتين) في كل من مسألتين متشابهتين (كل) من الفرقتين (يخطىء في مسألة) من المسألتين كاتفاق إحدى الفرقتين على وجوب الترتيب في الوضوء وعلى عدم وجوبه في الصلاة الفائتة، والأخرى على العكس، فلا يمتنع نظرا في ذلك إلى أنه لم يخطىء إلا بعضها بالنظر إلى كل مسألة على حدتها، وقيل يمتنع نظرا إلى أنها أخطأت في مجموع المسألتين والخطأ منفي عنها بالخبر السابق، والتصحيح في هذه العلوم مما يأتي من زيادتي (و) علم (أن الإجماع لا يضاد إجماعا) أي لا يجوز انعقاده على ما يضاد ما انعقد عليه إجماع. (قبله) لاستلزامه تعارض قاطعين، وقيل يجوز إذ لا مانع من كون الأوّل مغيا بالثاني. (وهو الأصح في الكل) أي كل من المسائل الست كما تقرر. (ولا يعارضه) أي الإجماع بناء على الأصح أنه قطعيّ. (دليل) قطعي ولا ظني، إذ لا تعارض بين قاطعين لاستحالته، إذ
---

(1/105)


التعارض بين شيئين يقتضي خطأ أحدهما، ولا بين قاطع ومظنون لإلغاء المظنون في مقابلة القاطع، أما الإجماع الظني فيجوز معارضته بظني آخر. (وموافقته) أي الإجماع (خبرا لا تدل على أنه عنه) لجواز أن يكون عن غيره ولم ينقل لنا استغناء بنقل الإجماع عنه (لكنه) أي كونه عنه هو (الظاهر إن لم يوجد غيره) بمعناه، إذ لا بد له من مستند كما مر، فإن وجد فلا لجواز أن يكون الإجماع عن ذلك الغير، وقيل موافقته له تدل على أنه عنه قال بعضهم ومحل الخلاف في خبر الواحد أما المتواتر فهو عنه بلا خلاف وفيه نظر.

(1/106)


خاتمة .
(جاحد مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة) وهو ما يعرفه منه الخواص والعوام من غير قبول تشكيك كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر. (كافر) قطعا (إن كان فيه نص) لأن جحده يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وسلّم فيه وما أوهمه كلام الآمدي، ومن تبعه من أن فيه خلافا ليس بمراد لهم. (وكذا إن لم يكن) فيه نصّ جادحه كافر. (في الأصح) لما مر، وقيل لا لعدم النص وخرج بالمجمع عليه غيره، وإن كان فيه نص، وبالمعلوم ضرورة غيره كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وإن كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت لقضاء النبي صلى الله عليه وسلّم به، كما رواه البخاري وبالدين المجمع عليه المعلوم من غيره ضرورة كوجود بغداد، فلا يكفر جاحدها ولا جاحد شيء منها، وإن اشتهر بين الناس هذا حاصل ما في الروضة كأصلها في باب الردة وهو المعتمد، وإن خالفه ما في الأصل كما أوضحته في الحاشية.

(1/107)


الكتاب الرابع في القياس
من الأدلة الشرعية. (وهو) لغة التقدير والمساواة. واصطلاحا. (حمل معلوم على معلوم) بمعنى متصوّر أي إلحاقه به في حكمه. (لمساواته) له (في علة حكمه) بأن توجد بتمامها في المحمول (عند الحامل) وهو المجتهد مطلقا أو مقيدا وافق ما في نفس الأمر أو لا، بأن ظهر غلطه، فتناول الحد القياس الفاسد كالصحيح. (وإن خص) المحدود (بالصحيح حذف) من الحدّ (الأخير) وهو عند الحامل فلا يتناول حينئذ إلا الصحيح لانصراف المساواة المطلقة إلى ما في نفس الأمر والفاسد قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح. وحدّ شيخنا الكمال ابن الهمام القياس بأنه مساواة محل لآخر في علة حكم شرعي له، وهو لا يشمل غير الشرعي، لكنه أخصر من الحدّ الأوّل وأقرب إلى مدلول القياس اللغوي الذي مرّ بيانه وسالم مما أورد على الأوّل من أن الحمل فعل المجتهد فيكون القياس فعله مع أنه دليل نصبه الشرع نظر فيه المجتهد أو لا، كالنص لكن جواب الإيراد أنه لا تنافي بين كونه فعل المجتهد ونصب الشارع إياه دليلاً. (وهو) أي القياس (حجة في الأمور الدنيوية) كالأغذية. (وكذا في غيرها) كالشرعية (في الأصح) لعمل كثير من الصحابة به متكررا شائعا مع سكوت الباقين الذي هو في مثل ذلك من الأصول العامة وفاق عادة، ولقوله تعالى {فاعتبروا} والاعتبار قياس الشيء بالشيء فيجوز القياس في ذلك، وقيل يمتنع فيه عقلاً، وقيل شرعا، وقيل يمتنع فيه إن كان غير جليّ، وقيل يمتنع في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات، وقيل غير ذلك. والأصح الأوّل فو جائز فيما ذكر. (إلا في العادية والخلقية) أي التي ترجع إلى العادة والخلقة كأقل الحيض أو النفاس أو الحمل وأكثره فيمتنع ثبوتها بالقياس في الأصح، لأنها لا يدرك المعنى فيها، بل يرجع فيها إلى قول من يوثق به، وقيل يجوز لأنه قد يدرك المعنى فيها. (وإلا في كل الأحكام) فيمتنع ثبوتها بالقياس في الأصح، لأن منها ما لا يدرك معناه كوجوب الدية على العاقلة، وقيل يجوز
حتى إن كلاً من الأحكام صالح لأن يثبت بالقياس بأن يدرك معناه ووجوب الدية على العاقلة له معنى يدرك، وهو إعانة الجاني فيما هو معذور فيه، كما يعان الغارم لأصلاح ذات البين بما يصرف إليه من الزكاة.
(وإلا القياس على منسوخ فيمتنع) فيه. (في الأصح) لاكتفاء اعتبار الجامع بالنسخ وقيل يجوز فيه، لأن القياس مظهر لحكم الفرع الكمين ونسخ الأصل ليس نسخا للفرع، وقولي من زيادتي فيمتنع تنبيه على أن الخلاف، إنما هو في امتناع القياس لا في عدم حجيته. (وليس النص عل العلة) لحكم ولو في جانب الكف. (أمرا بالقياس) أي ليس أمرا به (في الأصح) لا في جانب الفعل غير الكف كأكرم زيدا لعلمه، ولا في جانب الكف نحو الخمر حرام لإسكارها، وقيل إنه أمر به في الجانبين، إذ لا فائدة لذكر العلة إلا ذلك. قلنا لا نسلم الحصر لجواز كون الفائدة بيان مدرك الحكم ليكون أوقع في النفس، وقيل إنه أمر به في جانب الكف دون غيره لأن العلة في الكف المفسدة، وإنما يحصل الغرض من انعدامها بالكف عن كل فرد مما تصدق عليه العلة والعلة في غيره المصلحة، ويحصل الغرض من حصولها بفرد. قلنا قوله عن كل فرد إلى آخره ممنوع، بل يكفي الكف عن كل فرد مما يصدق عليه محل المعلل.
---

(1/108)


(وأركانه) أي القياس (أربعة) مقيس عليه ومقيس ومعنى مشترك بينهما وحكم للمقيس عليه يتعدّى بواسطة المشترك إلى المقيس. (الأول) وهو المقيس عليه (الأصل) أي يسمى به كما يسمى المقيس بالفرع كما سيأتي، ولكون حكم الأصل غير حكم الفرع باعتبار المحل، وإن كان عينه بالحقيقة صح تفرع الثاني على الأول باعتبار دليلهما وعلم المجتهد بهما لا باعتبار ما في نقس الأمر، إذ الأحكام قديمة ولا تفرع في القديم. (والأصح أنه) أي الأصل المقيس عليه (محل الحكم المشبه به) بالرفع صفة المحل أي المقيس عليه، وقيل هو حكم المحل، وقيل دليل الحكم (و) الأصح (أنه لا يشترط) في الأصل المذكور (دال) أي دليل (على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه ولا الاتفاق على وجود العلة فيه) وقيل يشترطان فعلى اشتراط الأول لا يقاس في مسائل البيع مثلاً إلا إذا قام دليل على جواز القياس فيه بنوعه أو شخصه وعلى اشتراط الثاني لا يقاس فيما اختلف في وجود العلة فيه، بل لا بدّ من الاتفاق على ذلك بعد الاتفاق على أن حكم الأصل معلل، وكل منهما مردود بأنه لا دليل عليه.
---

(1/109)


(الثاني ) من أركان القياس (حكم الأصل وشرطه ثبوته بغير قياس ولو إجماعا) إذ لو ثبت بقياس كان القياس الثاني عند اتحاد العلة لغو للاستغناء عنه بقياس الفرع فيه على الأصل في الأول، وعند اختلافها غير منعقد لعدم اشتراك الأصل، والفرع فيه في علة الحكم، فالاتحاد كقياس التفاح على البرّ في الربوية بجامع الطعم ثم قياس السفرجل على التفاح، فيما ذكر. وهو لغو للاستغناء عنه بقياس السفرجل على البر والاختلاف كقياس الرتق، وهو انسداد محل الوطء على جب الذكر في فسخ النكاح بجامع فوات التمتع، ثم قياس الجذام على الرتق فيما ذكر وهو غير منعقد، لأن فوات التمتع غير موجود فيه، وقيل لا يثبت بإجماع أيضا لا أن يعلم أن مستنده نص ليستند القياس إليه، وردّ بأنه لا دليل عليه ولا يضر احتمال أن يكون الإجماع عن قياس، لأن كون حكم الأصل حينئذ عن قياس مانع من القياس، والأصل عدم المانع. (وكونه غير متعبد به بالقطع) أي اليقين (في قول) لأن ما تعبد فيه باليقين إنما يقاس على محله ما يطلب فيه اليقين كالعقائد والقياس لا يفيد اليقين، وردّ بأنه يفيده إذا علم حكم الأصل وما هو العلة فيه ووجودها في الفرع، وزدت في قول ليوافق ما رجحته كالأصل قبل من جواز القياس في العقليات. (وكونه من جنس الحكم الفرع) فيشترط كونه شرعيا إن كان المطلوب إثباته حكما شرعيا وكونه عقليا إن كان المطلوب إثباته حكما عقليا وكونه لغويا إن كان المطلوب إثباته حكما لغويا (وأن لا يعدل) أي حكم الأصل (عن سنن القياس) فما عدل عن سننه أي خرج عن طريقه لا يقاس على محله لتعذر التعدية حينئذ كشهادة خزيمة بن ثابت وحده، فلا يقاس به غيره، وإن فاته رتبة كالصديق رضي الله عنه وقصة شهادته رواها ابن خزيمة، وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلّم ابتاع فرسا من أعرابي فجحده البيع، وقال هلم شهيدا يشهد عليّ فشهد عليه خزيمة أي وحده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم ما حملك على هذا ولم
تكن حاضرا؟ فقال صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا، فقال صلى الله عليه وسلّم «من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه». ورواها أبو داود أيضا وقال فجعل النبي صلى الله عليه وسلّم شهادته بشهادة رجلين. (و) أن (لا يكون دليله) أي دليل حكم الأصل (شاملاً لحكم الفرع) للاستغناء به حينئذ عن القياس، مع أنه ليس جعل بعض الصور المشمولة أصلاً لبعضها أولى من العكس، كما لو استدل على ربوية البر بخبر مسلم «الطعام بالطعام مثلاً بمثل» ثم قيس عليه الذرة بجامع الطعم فإن الطعام يشمل الذرة كالبر سواء، وسيأتي أنه لا يشترط في العلة أن لا يشمل دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه في الأصح، وفارق ما هنا بما فهم من المعية السابقة. (وكونه) أي حكم الأصل (متفقا عليه جزما)، وإلا احتيج عند منعه إلى إثباته فينتقل إلى مسألة أخرى، وينتشر الكلام ويفوت المقصود، وذلك ممنوع منه إلا أن يروم المستدل إثباته فليس ممنوعا كما يعلم مما يأتي (بين الخصمين فقط في الأصح) لأن البحث لا يعدوهما وقيل بين كل الأمة حتى لا يتأتى المنع أصلاً.
(
---

(1/110)


والأصح أنه لا يشترط) مع اشتراط اتفاق الخصمين فقط (اختلاف الأمة) غيرهما في الحكم، بل يجوز اتفاقهم عليه كهما، وقيل يشترط اختلافهم فيه ليتأتى للخصم منعه، إذ لا يتأتى له منع المتفق عليه، ويجاب بأنه يتأتى له منعه من حيث العلة كما هو المراد، وإن لم يتأت له منعه من حيث هو (فإن اتفقا عليه مع منع الخصم أن علته كذا) كما في قياس حلى البالغة على حلى الصبية في عدم وجوب الزكاة، فإن عدمه في الأصل متفق عليه بيننا وبين الحنفي، والعلة فيه عندنا كونه حليا مباحا وعنده كونه مال صبية. (و) القياس المشتمل على الحكم المذكور (مركب الأصل). سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على علتي الأصل بالنظر للخصمين. (أو) اتفقا عليه مع منع الخصم (وجودها في الأصل) كما في قياس إن نكحت فلانة فهي طالق على فلانة التي أنكحها طالق في عدم وقوع الطلاق بعد النكاح، فإن عدمه في الأصل متفق عليه بيننا وبين الحنفي والعلة تعليق الطلاق قبل تملكه، والحنفي يمنع وجودها في الأصل ويقول هو تنجيز. (فـ)ـالقياس المشتمل على الحكم المذكور (مركب الوصف) سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على الوصف الذي منع الخصم وجوده في الأصل، وقول الأصل في الأوّل فإن كان متفقا بينهما، ولكن لعلتين، وفي الثاني لعلة يوهم أن الاتفاق لأجل العلتين أو العلة، وليس مرادا فتعبيري بما ذكر سالم من ذلك. (ولا يقبلان) أي القياسان المذكوران (في الأصح) لمنع الخصم وجود العلة في الفرع في الأوّل، وفي الأصل في الثاني، وقيل يقبلان نظر الاتفاق الخصمين على حكم الأصل. (ولو سلم) الخصم (العلة) للمستدل أي سلم أنها ما ذكره )فأثبت المستدل وجودها) حيث اختلفا فيه (أو سلمه) أي سلم وجودها. (الخصم انتهض الدليل) عليه لاعترافه بوجودها في الثاني، وقيام الدليل عليه في الأول. (وإن لم يتفقا) أي الخصمان (عليه و) لا (على علته ورام المستدل إثباته) بدليل. (ثم) إثبات (العلة) بطريق، (فالأصح قبوله) في
ذلك لأن إثباته كاعتراف الخصم به، وقيل لا يقبل بل لا بد من اتفاقهما عليهما صونا للكلام عن الانتشار (والأصح) أنه (لا يشترط) في القياس (الاتفاق) أي الاجماع (على أن حكم الأصل معلل أو النص على العلة) المستلزم لتعليله، إذ لا دليل على اشتراط ذلك بل يكفي إثبات التعليل بدليل، وقيل يشترط ذلك، وقد مر أنه لا يشترط الاتفاق على أن علة حكم الأصل كذا على الأصح، وإنما فرقت كالأصل بين المسألتين لمناسبة المحلين، وإنما لم أستغن بهذه عن تلك مع أنها تستلزمها لبيان المقابل للأصح فيهما لأنها لا تستلزم المقابل في تلك.
---

(1/111)


(الثالث) من أركان القياس. (الفرع وهو المحل المشبه) بالأصل (في الأصح). وقيل حكمه ولا يأتي قول كالأصل بأنه دليل الحكم لأن دليله القياس. (والمختار قبول المعارضة فيه) أي في الفرع (بمقتضى نقيض الحكم أو ضده). وقيل لا يقبل، وإلا لانقلب منصب المناظرة، إذ يصير المعترض مستدلاً وبالعكس، وذلك خروج عما قصد من معرفة صحة نظر المستدل في دليله إلى غيره. قلنا القصد من المعارضة هدم دليل المستدل لا إثبات مقتضاها المؤدي إلى ما مرّ. وصورتها في الفرع أن يقول المعترض للمستدل ما ذكرت من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه أو ضده، فالنقيض نحو المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيقول المعارض مسح في الوضوء، فلا يسنّ تثليثه كمسح الخف والضد نحو الوتر واظب عليه النبيّ صلى الله عليه وسلّم، فجب كالتشهد فيقول المعارض مؤقت بوقت صلاة من الخمس فيسن كالفجر، وخرج بالمقتضى لنقيض الحكم أو ضده المعارضة بالمقتضى لخلاف الحكم، فلا يقدح لعدم منافاتها لدليل المستدل كما يقال اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا يوجب الكفارة، كشهادة الزور، فيقول المعارض قول مؤكد للباطل يظن به حقيقته فيوجب التعزير كشهادة الزور. (و) المختار في دفع المعارضة المذكورة زيادة على دفعها بكل ما يعترض به على المستدل ابتداء (دفعها بالترجيح) لوصف المستدل على وصف المعارض بمرجح مما يأتي في محله لتعين العمل بالراجح. وقيل لا تدفع به لأن المعتبر فيها حصول أصل الظن لا مساواته لظن الأصل، وأصل الظن لا يندفع بالترجيح. وردّ بأنه لو صح ذلك لاقتضى منع قبول الترجيح مطلقا وهو خلاف الاجماع. (و) المختار بناء على الأول (أنه لا يجب الإيماء إليه) أي إلى الترجيح (في الدليل). ابتداء لأن ترجيح وصف المستدل على وصف معارضه خارج عن الدليل، وقيل يجب لأن الدليل لا يتم بدونه دفع المعارض. قلنا لا معارض حينئذ فلا حاجة إلى دفعه قبل وجوده.
(وشرطه) أي الفرع (وجود تمام العلة) التي في الأصل (فيه) بلا زيادة أو بها كالإسكار في قياس النبيذ بالخمر، والإيذاء في قياس الضرب بالتأفيف فيتعدّى الحكم إلى الفرع. (فإن كانت) أي العلة (قطعية) بأن قطع بكونها علة في الأصل وبوجودها في الفرع كالإسكار والإيذاء فيما مر. (فقطعي) قياسها حتى كأن الفرع فيه شمله دليل الأصل، فإن كان دليله ظنيا فحكم الفرع كذلك. (أو) كانت (ظنية) بأن ظن كونها علة في الأصل، وإن قطع بوجودها في الفرع (فظني وأدون) أي فقياسها ظني وهو قياس الأدون والتصريح بأنه ظني من زيادتي (كتفاح) أي كقياسه (ببرّ) في باب الربا (بجامع الطعم) فإنه العلة عندنا في الأصل مع احتمال ما قيل إنها الفوت أو الكيل، وليس في التفاح إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة، والأول الذي هو القطعي يشمل قياس الأولى والمساوي. (وأن) أي وشرط الفرع ما ذكر وأن (لا يعارض) أي معارضة لا يتأتى دفعها كما مرّ التلويح به، والتصريح بهذا من زيادتي. (و) أن (لا يقوم القاطع على خلافه) أي خلاف الفرع في الحكم، إذ لا صحة للقياس في شيء مع قيام دليل قاطع على خلافه. (وكذا خبر الواحد) أي وأن لا يقوم خبر الواحد على خلافه (في الأصح) لأنه مقدم على القياس في الأصح كما مرّ في بحث الخبر. (إلا لتجربة) أي تمرين (النظر) من المستدل، فيجوز القياس المخالف لأنه صحيح في نفسه ولم يعمل به لمعارضة ما ذكر له، ويدل لصحته قولهم إذا تعارض النص والقياس قدم النص. (و) أن (يتحد حكمه) أي الفرع (بحكم الأصل) في المعنى، كما أنه يشترط في الفرع وجود تمام العلة فيه كما مرّ، فإن لم يتحد به لم يصح القياس لانتفاء حكم الأصل عن الفرع، وجواب عدم الاتحاد فيما ذكر يكون ببيان الاتحاد فيه كما يعلم مما يأتي في محله كأن يقيس الشافعي ظهار الذمي بظهار المسلم في حرمة وطء الزوجة، فيقول الحنفي الحرمة في المسلم تنتهي
بالكفارة، والكافر ليس من أهلها إذ لا يمكنه الصوم منها لفساد نيته فلا تنتهي الحرمة في حقه، فاختلف الحكم، فلا يصح القياس فيقول الشافعي يمكنه الصوم بأن يسلم ثم يصوم ويصح إعتاقه وإطعامه مع الكفر اتفاقا، فهو من أهل الكفارة، فالحكم متحد، والقياس صحيح.
(

(1/112)


و) أن (لا يتقدم) حكم الفرع (على حكم الأصل) في الظهور للمكلف. (حيث لا دليل له) غير القياس على المختار، كقياس الوضوء بالتيمم في وجوب النية بتقدير أن لا دليل للوضوء غير القياس فإنه تعبد به قبل الهجرة، والتيمم إنما تعبد به بعدها إذ لو جاز تقدم حكم الفرع للزم ثبوته حال تقدمه بلا دليل، وهو ممتنع لأنه تكليف بما لا يعلم، نعم إن ذكر إلزاما للخصم جاز لقول الشافعي للحنفي القائل بوجوب النية في التيمم دون الوضوء طهارتان أنى يفترقان لاتحاد الأصل والفرع في المعنى، فإن كان له دليل آخر جاز تقدمه لانتفاء المحذور السابق، وبناء على جواز تعدّد الدليل، وقيل لا يجوز تقدمه. (لا ثبوته) أي حكم الفرع (بالنص جملة) فلا يشترط على المختار وقيل يشترط ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العلم بورود ميراث الجدّ جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة والأخوات، وردّ اشتراط ذلك بأن العلماء قاسوا أنت عليّ حرام بالطلق والظهار والإيلاء بحسب اختلافهم فيه، ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلاً. (ولا انتفاء نص أو إجماع يوافق) القياس في الحكم، فلا يشترط، بل يجوز القياس مع موافقتهما أو أحدهما له. (على المختار) بناء على جواز تعدّد الدليل، وقيل يشترط انتفاؤهما وإن جاز تعدّد الدليل نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس، إنما تدعو جواز تعدّد الدليل، وقيل يشترط انتفاؤهما وإن جاز تعدّد الدليل نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس، إنما تدعو عند فقد النص والإجماع، قلنا أدلة القياس مطلقة عن اشتراط ذلك، وعلى الأول جرى الأصل، لكنه خالفه قبل في النص فجرى فيه على
الثاني.

(1/113)


(الرابع) من أركان القياس (العلة) ويعبر عنها بالوصف الجامع بين الأصل والفرع، وفي معناها شرعا أقوال ينبني عليها مسائل تأتي. (الأصح أنها) أي العلة (المعرف) للحكم. فمعنى كون الإسكار مثلاً علة أنه معرف، أي علامة على حرمة المسكر. وقالت المعتزلة هي المؤثر بذاته في الحكم بناء على قاعدتهم من أنه يتبع المصلحة أو المفسدة، وقيل هي المؤثر فيه بجعله تعالى لا بالذات، وقيل هي الباعث عليه، وردّ بأنه تعالى لا يبعثه شيء ومن عبر من الفقهاء عنها بالباعث أراد كما قال السبكي أنها باعثة للمكلف على الامتثال. (و) الأصح (أن حكم الأصل) على القول بأنها المعرف (ثابت بها) لا بالنص. وقالت الحنفية ثابت بالنص، لأنه المفيد للحكم قلنا لم يفده بقيد كون محله أصلاً يقاس به الذي الكلام فيه، والمفيد له العلة لأنها منشأ التعدية المحققة للقياس، فالمراد بثبوت الحكم بها معرفته لأنها معرفة له. (وقد تكون) العلة (دافعة للحكم) أي لتعلقه كالعدة فإنها تدفع حل النكاح من غير صاحبها ولا ترفعه كأن كانت عن شبهة. (أو رافعة) له كالطلاق فإنه يرفع حل التمتع ولا يدفعه لجواز النكاح بعده. (أو فاعلة لهما) أي الدفع والرفع كالرضاع فإنه يدفع حل النكاح ويرفعه وتكون العلة. (وصفا حقيقيا) وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره. (ظاهرا منضبطا) لا خفيا أو مضطربا كالطعم في الربوي. (أو) وصفا (عرفيا مطردا) أي لا يختلف باختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة. (وكذا) تكون (في الأصح) وصفا (لغويا) كتعليل حرمة النبيذ بتسميته خمرا بناء على ثبوت اللغة بالقياس، وقيل لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي (أو حكما شرعيا) سواء أكان المعلول كذلك كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه أم أمرا حقيقيا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد، وقيل لا تكون حكما لأن شأن الحكم أن يكون معلولاً
لا علة، وردّ بأن العلة بمعنى المعرف، ولا يمتنع أن يعرف حكم حكما أو غيره، وقيل لا تكون حكما شرعيا إن كان المعلول أمرا حقيقيا. (أو) وصفا (مركبا) كتعليل وجود القود بالقتل العمد العدوان لمكافىء، وقيل لا يكون علة لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال إذ بانتفاء جزء منه تنتفي عليته فبانتفاء آخر يلزم تحصيل الحاصل، لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية. قلنا إنما يؤدي إلى ذلك في العلل العقلية لا المعرفات، وكل من الانتفاءات هنا معرف لعدم العلية ولا استحالة في اجتماع معرفات على شيء واحد، وقيل يكون علة ما لم يزد على خمسة أجزاء.
(وشرط للالحاق) بحكم الأصل (بها) أي بسبب العلة (أن تشتمل على حكمة) أي مصلحة مقصودة من شرع الحكم (تبعث) أي تحمل المكلف حيث يطلع عليها (على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم) بالعلة كحفظ النفوس فإنه حكمة ترتب وجود القود على علته السابقة، فإن من علم أن من قتل اقتص منه انكفّ عن القتل، وقد لا ينكف عنه توطينا لنفسه على تلفها، وهذه الحكمة تبعث المكلف من القاتل وولي الأمر على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القود بأن يمكن كل منهما وارث القتيل من القود، ويصلح شاهدا لإناطة وجوب القود بعلته، فيلحق حينئذ القتل بمثقل بالقتل بمحدد في وجوب القود لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة المذكورة، فمعنى اشتمالها عليها كونها ضابطا لها كالسفر في حل القصر مثلاً. (ومانعها) أي العلة (وصف وجودي يخل بحكمتها) كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة على المدين، فإنه وصف وجودي يخل بحكمة العلة لوجوب الزكاة المعلل بملك النصاب وهي الاستغناء بملكه، إذ المدين لا يستغني بملكه لاحتياجه إلى وفاء دينه به، ولا يضر خلو المثال عن الإلحاق الذي الكلام فيه، وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به لما بينته في الحاشية. (ولا يجوز في الأصح كونها الحكمة إن لم تنضبط) كالمشقة في السفر لعدم انضباطها، فإن انضبطت جاز كما رجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما لانتفاء المحذور، وقيل يجوز مطلقا لأنها المشروع لها الحكم، وقيل لا يجوز مطلقا. وقضية كلام الأصل ترجيحه، ومحل الخلاف إذا لم تحصل الحكمة من ترتيب الحكم على الوصف يقينا أو ظنا كما سيأتي إيضاحه في مبحث المناسبة. (و) لا يجوز في الأصح وفاقا لابن الحاجب وغيره. (كونها عدمية) ولو بعدمية جزئها أو بإضافتها بأن يتوقف تعقلها على تعقل غيرها كالأبوة (في) الحكم (الثبوتي)، فلا يجوز حكمت بكذا لعدم كذا أو للأبوة بناء على أن الاضافي عدمي كما سيأتي تصحيحه أواخر الكتاب، وذلك لأن العلة بمعنى العلامة يجب أن
---

(1/114)