صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


باب صلح الملوك والموادعة

(6/131)


( قال ) - رضي الله عنه - ( ملك من ملوك أهل الحرب له أرض واسعة فيها قوم من أهل مملكته هم عبيد له يبيع منهم ما شاء صالح المسلمين وصار ذمة لهم فإن أهل مملكته عبيد له كما كانوا يبيعهم إن شاء ) لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام في حكم الإحراز ولو أسلم كانوا عبيدا له لقوله - صلى الله عليه و سلم - ( من أسلم على مال فهو له ) فكذلك إذا صار ذميا وهذا لأنه كان مالكا لهم بيده القاهرة وقد استقرت يده وازدادت وكادة بعقد الذمة فإن ظهر عليهم عدو غيرهم ثم استنقذهم المسلمون من أيدي أولئك فإنهم يردون على هذا الملك بغير شيء قبل القسمة وبالقيمة بعد القسمة بمنزلة سائر أموال أهل الذمة وهذا لأن على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة كما عليهم ذلك في حق المسلمين وعلى هذا لو أسلم الملك وأهل أرضه أو أسلم أهل أرضه دونه فهم عبيد له كما كانوا لأنه كان محرزا لهم بعقد الذمة فيزداد ذلك قوة بإسلامه وإسلام مملوكه الذمي لا يبطل ملكه عنه وإن كان طلب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في دار الإسلام لم يجب إلى ذلك لأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فشرطه بخلاف موجب العقد باطل كما لو أسلم بشرط أن يرتكب شيئا من الفواحش كان الشرط باطلا والأصل فيه ما ( روى أن وفد تقيف جاؤا إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقالوا نؤمن بشرط أن لا ننحني للركوع والسجود فإنا نكره أن تعلونا استاهنا فقال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لا خير في دين لا صلاة فيه ولا خير في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود ) فإن أعطى الصلح والذمة على هذا بطل من شروطه ما لا يصلح في الإسلام لقوله - صلى الله عليه و سلم - ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) فإن رضى بما يوافق حكم الإسلام وإلا أبلغ مأمنه هو وأصحابه لأن عقد الذمة يعتمد الرضى وما تم رضاه بدون هذا الشرط وقد تعذر الوفاء بهذا الشرط فإذا أبى أن يرضى بدون هذا الشرط يبلغ مأمنه كغيره من المستأمنين فإن التحرز عن الغدر واجب قال - صلى الله عليه و سلم - ( في العهود وفاء لا غدر فيه )
بخلاف ما لو أسلم بشرط أن لا يصلي فإن الإسلام صحيح بدون تمام الرضى كما لو أسلم مكرها ولا يترك بعد صحة إسلامه ليرتد فيرجع إلى الكفر فإن صار ذمة ثم وقفت منه على أنه يخبر المشركين بعورة المسلمين ويقري عيونهم لم يكن هذا منه نقضا للعهد ولكن يعاقب على هذا ويحبس وقال مالك - رحمه الله تعالى - هو ناقض للعهد بما صنع فيقتل وكذلك إن كان لا يزال يغتال رجلا من المسلمين فيقتله أو يفعل ذلك أهل أرضه لم يكن هذا نقضا للعهد عندنا وقال مالك - رحمه الله تعالى - هو نقض لأنه خلاف موجب العقد فإن الذمي من ينقاد لحكم الإسلام في المعاملات ويكون مقهورا في دار الإسلام تحت يد المسلمين ومباشرة ما كان يخالف موجب العقد يكون نقضا للعهد ولكنا نقول لو فعل هذا مسلم لم يكن به ناقضا لإيمانه فكذلك إذا فعله ذمي لا يكون ناقضا لأمانه والأصل فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) وقصته فيما صنع معروفة في المغازي وقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ذلك وحديث أبي لبابة بن المنذر وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } ( الأنفال : 27 ) وقصته فيما أخبر به بني قريظة معروفة وقد سماه الله مؤمنا فعرفنا أن مثل هذا لا يكون نقضا للإيمان ولا للذمة ولكن من ثبت عليه القتل بالبينة يقتص منه فإن لم يعرف القاتل ووجد القتيل في قرية من قراهم ففيه القسامة والدية كما قضى به رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في القتيل الموجود بخيبر فيحلف الملك خمسين يمينا بالله ما قتلت ولا عرفت قاتله ثم يغرم الدية ولا يحلف بقية أهل مملكته لأنهم عبيده والعبيد لا يزاحمون الأحرار في القسامة والدية فإن كانوا أحرارا فعليهم القسامة والدية لأنهم يساوونه في الحرية والسكنى في القرية فيشاركونه في القسامة والدية وإذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين بغير شيء نظر الإمام في ذلك فإن رآه خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله لقوله تعالى { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ( الأنفال : 61 ) ولأن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ( صالح أهل مكة عام الحديبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين )
فكان ذلك نظرا للمسلمين لمواطئة كانت بين أهل مكة وأهل خيبر وهي معروفة ولأن الإمام نصب ناظرا ومن النظر حفظ قوة المسلمين أولا فربما يكون ذلك في الموادعة إذا كانت للمشركين شوكة أو احتاج إلى أن يمعن في دار الحرب ليتوصل إلى قوم لهم بأس شديد فلا يجد بدا من أن يوادع من على طريقه وإن لم تكن الموادعة خيرا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعهم لقوله تعالى { ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } ( محمد : 35 ) ولأن قتال المشركين فرض وترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز فإن رأى الموادعة خيرا فوادعهم ثم نظر فوجد موادعتهم شرا للمسلمين نبذ إليهم الموادعة وقاتلهم لأنه ظهر في الانتهاء ما لو كان موجودا في الابتداء منعه ذلك من الموادعة فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة وهذا لأن نقض الموادعة بالنبذ جائز ( قال - صلى الله عليه و سلم - يعقد عليهم أولاهم ويرد عليهم أقصاهم ولكن ينبغي أن ينبذ إليهم على سواء ) قال تعالى { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } ( الأنفال : 18 ) أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن وكان ذلك للتحرز عن الغدر فإن حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على أن يؤدي إليهم المسلمون شيئا معلوما كل سنة فلا ينبغي للإمام أن يجيبهم إلى ذلك لما فيه من الدينة والذلة بالمسلمين إلا عند الضرورة وهو أن يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم ويرى الإمام أن هذا الصلح خير لهم فحينئذ لا بأس بأن يفعله لما روى أن المشركين أحاطوا بالخندق وصار المسلمون كما قال الله تعالى { هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } ( الأحزاب : 11 ) ( بعث رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إلى عبيدة بن حصن وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فأبى إلا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قام سيد الأنصار سعد بن معاذ بن عبادة - رضي الله عنهما - وقالا يا رسول الله - إن كان هذا عن وحي فامض لما أمرت به وإن كان رأيا رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قري فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدينة لا نعطيهم إلا السيف فقال - صلى الله عليه و سلم - إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحد فأحببت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم ذلك فأنتم وأولئك اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف )
فقال مال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان - رضي الله عنهما - امتنع من ذلك ( وقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يعطي المؤلفة قلوبهم من الصدقة لدفع ضررهم عن المسلمين ) فدل على أنه لا بأس بذلك عند خوف الضرر وهذا لأنهم إن ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال وسبوا الذراري فدفع بعض المال ليسلم المسلمون في ذراريهم وسائر أموالهم أهون وأنفع وإن أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة سنين معلومة على أن يؤدي أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئا معلوما على أن لا تجري أحكام الإسلام عليهم في بلادهم لم يفعل ذلك إلا أن يكون في ذلك خير للمسلمين لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام ولا يخرجون من أن يكونوا أهل حرب وقد بينا أن ترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز إلا أن يكون خيرا للمسلمين فإذا رأى الإمام منفعة في ذلك فصالحهم فإن كان قد أحاط مع الجيش ببلادهم فما يأخذ منهم يكون غنيمة يخمسها ويقسم ما بقى بينهم لأنه توصل إليها بقوة الجيش فهو كما لو ظهر عليهم بالفتح فإن لم ينزل مع الجيش بساحتهم ولكنهم أرسلوا إليه وادعوه على هذا فما يأخذ منهم بمنزلة الجزية لا خمس فيها بل يصرف مصارف الجزية وإن وقع الصلح على أن يؤدوا إليهم كل سنة مائة رأس فإن كانت هذه المائة الرأس يؤدونها من أنفسهم وأولادهم لم يصح هذا لأن الصلح وقع على جماعتهم فكانوا جميعا مستأمنين واسترقاق المستأمن لا يجوز . ألا ترى أن واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصلح لم يجز وكذلك لا يجوز تمليك شيء من نفوسهم وأولادهم بحكم تلك الموادعة لأن حريتهم تأكدت بها وإن صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة وقالوا أمنونا على أن هؤلاء لكم ونصالحكم ثلاث سنين مستقبلة على أن نعطيكم كل سنة مائة رأس من رقيقنا فهذا جائز لأن المعينين في السنة الأولى لا تتناولهم الموادعة وباعتباره يثبت الأمان فإذا جعلوهم مستثنين من الموادعة بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا مماليك للمسلمين بالموادعة ثم شرطوا في السنين المستقبلة مائة رأس من رقيقهم في كل سنة ورقيقهم قابل للملك والتملك بالبيع فكذا بالموادعة
وهذا لأن الموادعة ليست بمال في نفسها واشتراط الحيوان دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال صحيح إذا كان معلوم الجنس كما في النكاح والخلع وإذا وقع الصلح على هذا ثم سرق منه مسلم شيئا لم يصح شراء ذلك منه لأنهم استفادوا الأمان في أنفسهم وأموالهم ومال المستأمن لا يملك بالسرقة وإذا لم يملكه السارق لم يحل شراؤه منه ولأن ما صنعه غدر يؤدبه الإمام علي ذلك إذا علمه منه وفي الشراء منه إغراء له على هذا الغدر وتقرير ذلك لا يحل فإن أغار عليهم قوم من أهل الحرب جاز أن يشتري منهم ما أخذوا من أموالهم ورقيقهم لأنهم تملكوها عليهم بالإحراز ولو تملكوا ذلك من أموال المسلمين جاز شراؤها منهم فمن أموال أهل الحرب أولى ثم لا يرد عليهم شيء من ذلك مجانا ولا بالثمن لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب حين لم ينقادوا لحكم الإسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم وبه فارق مال المسلمين وأهل الذمة ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع والسلاح والحديد لأنهم أهل حرب وإن كانوا موادعين
ألا ترى أنهم بعد مضي المدة يعودون حربا للمسلمين ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما خلا الكراع والسلاح فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم وكذلك الحديد فإنه أصل السلاح قال الله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ( الحديد : 25 ) ومن دخل منهم دار الإسلام بغير أمان جديد سوى الموادعة لم يتعرض له لأنه آمن بتلك الموادعة . ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الإسلام وقد دخل أبو سفيان - رضي الله عنه - المدينة في زمن الهدنة ولم يتعرض له أحد بشيء وكذلك لو دخل رجل منهم دار حرب أخرى فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له لأنه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمي يدخل دار الحرب ثم يظهر المسلمون على تلك الدار وإذا اشترى الحربي المستأمن في دار الإسلام عبدا مسلما أو ذميا أو أسلم بعض عبيده الذين أدخلهم لم يترك ليرده إلى دار الحرب لأنه مسلم ولا يترك في ملك الكافر ليستذله ولكن يجبر على بيعه من المسلمين بمنزلة الذمي يسلم عبده
( فإن قيل ) الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات والمستأمن غير ملتزم لذلك
( قلنا ) المستأمن ملتزم ترك الاستخفاف بالمسلمين فإنا ما أعطيناه الأمان ليستذل المسلم إذ لا يجوز إعطاء الأمان على هذا فلهذا يجبر على بيعه وإن رجع المستأمن إلى دار الحرب وقد أدان في دار الإسلام وأودع ودبر ثم أسر وظهر على تلك الدار وقتل فنقول أما مدبروه وأمهات أولاده فهم أحرار إن قتل فغير مشكل وكذلك إذا استرق لأنه صار مملوكا والرق إتلاف له حكما ولأنهم خرجوا من ملكه لوجود المنافي ولا يصيرون في ملك غيره لأن المدبر وأم الولد لا يحتمل ذلك فلهذا كان حرا وأما الدين فهو يسقط عمن عليه لخروجه من أن يكون أهلا للملك ولأن الدين لا يرد عليه القهر ليصير مملوكا للسابي إذ هو في ذمة من عليه ويده إلى ما في ذمته أسبق من يد غيره فصار محرزا له والودائع فيء لأنها تدخل تحت القهر ويد المودع كيد المودع ولو كانت في يده حين سبي كان ذلك فيئا فكذلك إن كان في يد مودعه . وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنها مملوكة للمودعين لأن أيديهم إليها أسبق حين سقط عنها يد الحربي بالأسر فصاروا محرزين لها دون الغانمين وهذا كله لأن بقاء حكم الأمان له في هذه الأموال ما لم يتقرر المنافي وقد تقرر ذلك حين أسر وظهر المسلمون على الدار وإن دخل بعبده المسلم الذي اشتراه أو أسلم في يده في دار الحرب عتق في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ولم يعتق في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - حتى يظهر المسلمون على الدار أو يخرج مراغما لمولاه لأنه كان قاهرا له في دارنا حكما بعقد الأمان وفي دار الحرب حسا بقوته فيبقى مملوكا له حتى يصير العبد قاهرا له وذلك بخروجه مراغما أو ظهور المسلمين عليه . ألا ترى أنه لو كان في دار الحرب حين أسلم عبده لم يعتق إلا بأحد هذين الوجهين فكذلك إذا أدخله دار الحرب وقد بينا طريق أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لهذه المسألة في كتاب العتاق وفيه طريق آخر نذكره ههنا وهو أنه حين انتهى به إلى آخر جزء من أجزاء دار الإسلام فقد ارتفع حكم الأمان الذي بيننا وبينه وبقاء ملكه بعد إسلام العبد كان بحكم الأمان فإذا ارتفع زال ذلك الملك وحصل العبد في يد نفسه فيعتق وهي يد محترمة فتكون دافعة لقهره وإن أدخله دار الحرب فلا يثبت له باعتبار هذا القهر الملك في دار الحرب
( فإن قيل ) بارتفاع الأمان زال صفة الحظر لا أصل الملك كمن أباح لغيره شيئا لا يزول أصل ملكه به فملكه المباح في دار الحرب إبقاء ما كان من الملك لا إثبات ملك له فيه ابتداء
( قلنا ) ما كان ملكه بعد إسلام العبد في دار الإسلام إلا باعتبار صفة الحظر فإنه لو لم يكن مستأمنا لكان العبد المسلم قاهرا له في دار الإسلام وكان حرا فإذا زال الحظر بزوال الأمان زال أصل الملك
( قال ) ( ألا ترى أنه في دار الحرب لو قتل مولاه وأخذ ماله وخرج إلينا كان حرا وكان ما خرج به من المال له ) وهذا إشارة إلى ما بينا أنه ظهرت يده في نفسه وهي يد محترمة وكذلك لو كان هذا العبد الذي اشتراه وأدخله ذميا لأن للذمي يدا محترمة في نفسه كما للمسلم ولو أسلم عبد الحربي في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فالعبد حر لإحرازه نفسه بمنعة المسلمين وإن أسلم مولاه قبل أن يظهر المسلمون عليه فهو عبد له على حاله لأن بإسلام العبد لم يزل ملكه عنه ومن أسلم على مال فهو له ولو كان حين أسلم عبده باعه من مسلم أو ذمي أو حربي فهو حر في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لأن العبد المسلم متى زال ملك الحربي عنه يزول إلى العتق كما لو خرج مراغما وكان أبو بكر الرازي يقول بمجرد البيع عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يعتق ما لم يخرجه من يده بالتسليم فإذا أخرجه ثم زال قهره عنه فحينئذ يعتق ولا يثبت عليه قهر المشتري لأنه مسلم في يد نفسه ويده دافعة للقهر عنه سواء كان من مسلم أو ذمي أو حربي وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يعتق لأن ملك المشتري ويده كملك البائع ويده وقبل البيع كان مملوكا للبائع باعتبار يده فكذلك بعد البيع وقد بينا هذه المسألة مع أخواتها في كتاب العتاق وإذا مات المستأمن في دار الإسلام عن مال وورثته في دار الحرب وقف ماله حتى يقدم ورثته لأنه وإن كان في دارنا صورة فهو في الحكم كأنه في دار الحرب فيخلفه ورثته في دار الحرب في إملاكه وبموته في دارنا لا يبطل حكم الأمان الذي كان ثبت له بل ذلك باق في ماله فيوقف لحقه حتى يقدم ورثته وإذا قدموا فلا بد من أن يقيموا البينة ليأخذوا المال لأنهم بمجرد الدعوى لا يستحقون شيئا فإن أقاموا بينة من أهل الذمة ففي القياس لا نقبل هذه البينة لأن المال في يد إمام المسلمين وحاجتهم إلى استحقاق اليد على المسلمين وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في الاستحقاق على المسلمين وفي الاستحسان تقبل شهادتهم ويدفع المال إليهم إذا شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا غيرهم لأنهم يستحقون المال على المستأمن فإن المال موقوف لحقه وشهادة أهل الذمة حجة على المستأمن
ولأنهم لا يجدون شهودا مسلمين على وراثتهم عادة فإن أنسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون فهو بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ويؤخذ منهم كفيل بما أدرك في المال من درك قيل هو قولهما دون قول أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - كما فيما بين المسلمين وقيل بل هذا قولهم جميعا لأن المال مدفوع إليهم بحجة ضعيفة فلا يدفع إلا بعد الاحتياط بكفيل ولا يقبل كتاب ملكهم في ذلك لأن ملكهم كافر لا أمان له ولو شهد لم تقبل شهادته فكيف يقبل كتابه وإن شهد على كتابه وختمه قوم من المسلمين فكذلك الجواب لأنه في حق المسلمين كواحد من العوام أو دونه وكتابه وختمه لا يكون حجة وإذا أراد الحربي المستأمن أن يرجع إلى دار الحرب لم يترك أن يخرج معه كراعا وسلاحا أو حديدا أو رقيقا اشتراهم في دار الإسلام مسلمين أو كفارا كما لا يترك تجار المسلمين ليحملوا إليهم هذه الأشياء وهذا لأنهم يتقوون بها على المسلمين ولا يجوز إعطاء الأمان له ليكتسب به ما يكون قوة لأهل الحرب على قتال المسلمين وفي العبيد لا إشكال لأنهم مسلمون وأهل الذمة فلا يترك أن يدخل بهم ليعودوا حربا للمسلمين ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء لأنه كان معه في دار الحرب فباعادته لا يزدادون قوة لم تكن لهم بخلاف ما اشتراه في دار الإسلام ولأنا أمناه على ما في يده من المال وكما لا يمنع هو من الرجوع للوفاء بذلك الأمان فكذلك لا يمنع من أن يرجع بما جاء به فإن كان جاء بسيف فباعه واشترى مكانه قوسا أو رمحا أو ترسا لم يترك أن يخرج به مكان سيفه لأن معنى القوة يختلف باختلاف الأسلحة فإنما قصد بما صنع أن يزداد قوة علينا ولأنه قد يكثر فيهم نوع من أنواع الأسلحة ويعز نوع آخر خير فيقصدون تحصيل ذلك لهم بهذا الطريق وكذلك إذا استبدل بسيفه سيفا آخر خيرا منه لأن بتلك الزيادة يزدادون قوة ولم يكن استحق ذلك حين أمناه فيمنع من تحصيل تلك الزيادة ولا يمكن منعه من ذلك إلا بأن يمنع من إدخاله هذا السيف بأثله دارهم وإن كان هذا السيف مثل الأول أو شرا منه لم يمنع أن يدخل به لأنه بمنزلة الأول إذ ليس فيه زيادة قوة لهم وجنس المنفعة واحد فكما لو أعاد الأول إلى دار الحرب لم يمنع منه
فكذلك إذا أعاد مثله وله أن يخرج بما شاء من الأمتعة سوى ما ذكرنا كما للتاجر المسلم أن يحمل إليهم ما شاء من سائر الأمتعة للتجارة وللشافعي - رحمه الله تعالى - قول أنه يمنع من ذلك أيضا لأنهم يزدادون قوة بما يحمل طعاما كان أو ثيابا أو سلاحا ولكنا نستدل ( بما روى أن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أهدى إلى أبي سفيان - رضي الله عنه - تمر عجوة حين كان بمكة حربيا واستهداه أدما وبعث بخمسمائة دينار إلى أهل مكة حين قحطوا لتفرق بين المحتاجين منهم ) ولأن بعض ما يحتاج إليه المسلمون من الأدوية وغيرها يحمل من دار الحرب فإذا منعنا تجار المسلمين من أن يحملوا إليهم ما سوى السلاح فهم يمنعون ذلك أيضا وفيه من الضرر ما لا يخفى وإذا بعث الحربي عبدا له تاجرا إلى دار الإسلام بأمان فأسلم العبد فيها بيع وكان ثمنه للحربي لأن الأمان يثبت له في مالية العبد حين خرج العبد بأمان منقادا له ولو كان المولى معه فأسلم أجبر على بيعه وكان ثمنه له فكذلك إذا لم يكن المولى معه
قلنا يباع لإزالة ذل الكفر عن المسلم ويكون ثمنه للحربي للأمان له في هذه المالية وإذا وجد الحربي في دار الإسلام فقال أنا رسول فإن أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان آمنا حتى يبلغ رسالته ويرجع لأن الرسل لم تزل آمنة في الجاهلية والإسلام وهذا لأن أمر القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل فلا بد من أمان الرسل ليتوصل إلى ما هو المقصود ( ولما تكلم رسول بين يدي النبي - صلى الله عليه و سلم - بما كرهه قال لولا أنك رسول لقتلتك ) . وفي هذا دليل أن الرسول آمن ثم لا يتمكن من إقامة البينة على أنه رسول فلو كلفناه ذلك أدى إلى الضيق والحرج وهذا مدفوع فلهذا يكتفي بالعلامة أن يكون معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم فإذا أخرج ذلك فالظاهر أنه صادق والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته وإن لم يخرج كتابا أو أخرج ولم يعلم أنه كتاب ملكهم فهو وما معه فيء لأن الكتاب قد يفتعل وإذا لم يعلم أنه كتاب ملكهم بختم وتوقيع معروف فالظاهر أنه افتعل ذلك وأنه لص مغير في دار الإسلام فحين أخذناه احتال بذلك ليتخلص من أيدينا ولهذا كان فيئا ما معه وإن ادعى أنه دخل بأمان لم يصدق وهو فيء لأن حق المسلمين قد ثبت فيه حين تمكنوا منه من غير أمان ظاهر له فلا يصدق هو في إبطال حقهم وإذا خرج قوم من أهل الحرب مستأمنين لم يعرض لهم فيما كان جرى بينهم في دار الحرب من المداينات لأنهم بالدخول بأمان ما صاروا من أهل دارنا وقد كانت هذه المعاملة بينهم حين لم يكونوا تحت يد الإمام فلا يسمع الإمام الخصومة في شيء من ذلك إلا أن يلتزموا حكم الإسلام وذلك يكون بعقد الذمة فإن كان ذلك جرى بينهم في دار الإسلام أخذوا به لأنهم كانوا تحت يد الإمام حين جرت هذه المعاملة بينهم وما أمناهم ليظلم بعضهم بعضا بل التزمنا لهم أن نمنع الظلم عنهم فلهذا تسمع الخصومة التي جرت بينهم في دارنا كما لو جرت بينهم وبين المسلمين ولو أن حربيا دخل دار الإسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين فهو فيء لجماعة المسلمين في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وهي رواية بشر عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى
وظاهر المذهب عند أبي يوسف وهو قول محمد - رحمهما الله تعالى - أنه لمن أخذه خاصة وحجتهما في ذلك أن يد الآخذ سبقت إليه وهو مباح في دارنا فمن سبقت يده إليه صار محرزا له فاختص بملكه كالصيد والحطب والركاز الذي يجده في دار الإسلام وهذا لأنه وإن دخل دارنا فلم يصر به مأخوذا مقهورا لعدم علم المسلمين به . ألا ترى أنه لو عاد إلى دار الحرب قبل أن يعلم به كان حرا فإنما صار مقهورا بالأخذ فكان للآخذ خاصة كما لو أخذه في دار الحرب وأخرجه ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه طريقان أحدهما أن نواحي دار الإسلام تحت يد إمام المسلمين ويده يد جماعة المسلمين فهو كما دخل الإسلام صار في يد المسلمين حكما فصار مأخوذا وثبت فيه حق جماعة المسلمين فمن أخذه بعد ذلك فإنما استولى على ما ثبت فيه حق المسلمين فلا يختص به كما إذا استولى على مال بيت المال ولكن هذا اليد حكمية فتظهر في حق المسلمين ولا تظهر في حق أهل الحرب فلهذا إذا عاد إلى دار الحرب قبل أن يعلم به كان حرا حربيا على حاله ولأن الحق الثابت فيه ضعيف فهو بمنزلة حق الغانمين في دار الحرب وهناك من عاد من الأسرى إلى منعة أهل الحرب قبل الإحراز يكون حرا فهنا من عاد قبل أن يعلم به يكون حرا ولكنه لا يختص به الآخذ لثبوت الحق للجماعة فيه والثاني أن الآخذ إنما تمكن منه بقوة المسلمين لأنه رقباني مثله يدفعه عن نفسه فإنما صار قاهرا له بقوة المسلمين فلهذا لا يختص به وهو نظير السرية مع الجيش في دار الحرب فإن السرية لا تختص بما أخذت لأن تمكنهم بقوة الجيش فهذا مثله والمسلمون بمنزلة المدد للآخذ وتأكد الحق بالأخذ والإحراز وقد شاركوه في الإحراز وإن اختص هو بالأخذ وقد بينا أن المدد يشاركون الجيش إلا أن الإحراز هناك بعد الأخذ وههنا الإحراز سبق الأخذ فإذا شاركوه بالمشاركة في الإحراز بعد الأخذ فلان يشاركوه بالإحراز منهم قبل أخذه أولى وبه فارق الصيد والحطب لأن تمكنه من هذه الأشياء لم يكن بقوة المسلمين إذ لا دفع في المال ولكن الطريق الأول أصح فإن على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو رقيق للمسلمين ومن أسلم قبل الأخذ فحريته تتأكد بإسلامه كما لو أسلم في دار الحرب فلولا أنه صار مأخوذا بالدار لكان حرا إذا أسلم قبل أن يؤخذ وعندهما إذا أسلم قبل أن يؤخذ فهو حر لا سبيل عليه لأن سبب الرق فيه الأخذ والمسلم لا يسترق فكان حرا ولو أسلم ثم رجع إلى دار الحرب قبل أن يؤخذ فهو حر بالاتفاق كما لو رجع قبل أن يسلم ثم في وجوب الخمس فيه إذا أخذ روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى
في إحدى الروايتين قال المأخوذ بمنعة الدار كالمأخوذ بمنعة الجيش يكون غنيمة يخمس وفي الرواية الأخرى قال الخمس فيما أوجف عليه المسلمون ولم يوجد ذلك ههنا فهو بمنزلة الجزية والخراج لا خمس فيها ولأن الحق فيه لجماعة المسلمين يصرف إلى بيت المال فلا فائدة في إيجاب الخمس فيه وكذلك عن محمد - رحمه الله تعالى - روايتان في إيجاب فيه في إحدى الروايتين جعله كالحطب والصيد فلا خمس فيه لأنه ما أصيب بطريق فيه إعزاز الدين وفي الرواية الأخرى قال فيه الخمس بمنزلة الركاز وهذا لأن الواجد إنما أخذه بقوة المسلمين وأذن الإمام له في ذلك فإن الإمام أذن في مثله لكل مسلم ولو أخذه في دار الحرب بهذا الطريق اختص به وكان فيه الخمس فكذلك إذا أخذه في دار الإسلام وإن دخل الحرم قبل أن يؤخذ فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يؤخذ ويكون فيئا للمسلمين لأن حقهم ثبت فيه قبل أن يدخل الحرم فهو كعبد من عبيد بيت المال دخل الحرم وهذا لأنه قبل أن يدخل الحرم كان يجوز قتله واسترقاقه فبدخوله الحرم استفاد الأمن من القتل فيبقى حكم الرق فيه للمسلمين كما لو أسلم فأما عندهما لا يتعرض له في الحرم لأنه لم يصر مأخوذا عندهما فهو حر مباح الدم التجأ إلى الحرم فلا يتعرض له في الحرم ولكن لا يطعم ولا يسقي ولا يؤوى حتى يخرج وقد بينا هذا في المناسك فإن أسلم الحربي في الحرم قبل أن يخرج فهو حر عندهما لأنه لم يصر مأخوذا بالدار فتتأكد حريته بالإسلام وليس لأحد أن يتعرض له بعد ذلك بشيء وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فداينهم أو داينوه أو غصبهم شيئا أو غصبوه لم يحكم فيما بينهم بذلك فإنهم فعلوا ذلك حيث لا تجري عليهم أحكام المسلمين أما إذا غصبهم فلأن أموالهم في حقنا على أصل الإباحة وإنما ضمن المستأمن لهم أن لا يخونهم وإنما غدر بأمان نفسه دون أمان الإمام فيفتي بالرد ولا يجبر عليه في الحكم وإن غصبوه فقد غدروا بأمانهم حين لم يكونوا ملتزمين لحكم الإسلام
ولو قتلوه لم يضمنوا فإذا أتلفوا ماله أو غصبوه شيئا أولى وهذا لأنه عرض نفسه لذلك حين فارق منعة المسلمين ودخل إليهم فأما في المداينة فهم وإن خرجوا بأمان لم يلتزموا أحكام المسلمين فلا تسمع الخصومة عليهم في مداينة كانت في دارهم ولا تسمع الخصومة على المسلم منهم أيضا لتحقيق معنى التسوية بين الخصمين إلا على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فإنه يقول تسمع الخصومة على المسلم لأنه ملتزم أحكام الإسلام حيث ما يكون وإن بايعهم المستأمن إليهم الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة أو بايعهم في الخمر والخنزير والميتة فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لأن المسلم ملتزم أحكام الإسلام حيثما يكون ومن حكم الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة
ألا ترى أنه لو فعله مع المستأمنين منهم في دارنا لم يجز فكذلك في دار الحرب وهما يقولان هذا أخذ مال الكافر بطيبة نفسه ومعنى هذا أن أموالهم على أصل الإباحة إلا أنه ضمن أن لا يخونهم فهو يسترضيهم بهذه الأسباب للتحرز عن الغدر ثم يأخذ أموالهم بأصل الإباحة لا باعتبار العقد وبه فارق المستأمنين في دارنا لأن أموالهم صارت معصومة بعقد الأمان فلا يمكنه أخذها بحكم الإباحة والأخذ بهذه العقود الباطلة حرام وتمام هذه الفصول في كتاب الصرف وإن قتل المسلم في دارنا حربيا مستأمنا عمدا أو خطأ أو قطع يده فلا قود عليه لبقاء شبهة الإباحة في دم المستأمن فإنه حربي حكما فلا يمكن المساواة بينه وبين من هو من أهل دارنا في العصمة والقصاص يعتمد المساواة ولكن عليه دية الحر المسلم لأن أصل العصمة تثبت موجبة للتقوم في نفسه حين استأمن إلينا . ألا ترى أن العصمة المتقومة تثبت في ماله بهذا القدر من الإحراز حتى يضمن بالإتلاف ففي نفسه أولى وصار حاله في قيمة نفسه كحال الذمي فكما يسوي بين دية الذمي والمسلم عندنا فكذلك يسوي بين دية المسلم والمستأمن والله أعلم بالصواب

(6/132)


باب نكاح أهل الحرب ودخول التجار اليهم بأمان

(6/133)


( قال ) - رضي الله عنه - ( حربي تزوج امرأة حربية لها زوج ثم أسلما وخرجا إلى دارنا لم تحل له إلا بنكاح جديد ) لأن العقد الذي كان بينهما في دار الحرب لغو فإنها كانت منكوحة الغير يومئذ ونكاح المنكوحة لا يحله أحد من أهل الأديان فكانا أجنبين حين أسلما فلا يحل له أن يطأها إلا بنكاح جديد كما لو لم يسبق بينهما ذلك العقد في دار الحرب وإذا تزوج الحر الحربي أربع نسوة ثم سبى وسبين معه فلا نكاح بينه وبينهن سواء تزوجهن في عقدة أو في عقد لأن الرق المعترض في الزوج ينافي نكاح الأربع بقاء وابتداء وليس بعضهن بأولى من البعض في التفريق بينه وبينها فتقع الفرقة بينه وبينهن كما لو تزوج رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما ولا فرق فالمنافي هناك عارض في المحل بعد صحة نكاحهما وهو الأختية وههنا عارض في الزوج بعد صحة نكاحهن فإن كانت قد ماتت امرأتان منهن فنكاح الباقيتين جائز لأنه حين استرق فليس في نكاحه إلا اثنتين ورقه لا ينافي نكاح اثنتين ابتداء ولا بقاء وقد تقدم بيان هذه الفصول في النكاح وذكرنا أنه يكره للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب ولا بأس له أن يتناول من ذبائح أهل الكتاب منهم وذلك منقول عن علي - رضي الله عنه - ثم كراهة النكاح لمعنى كراهة التوطن فيهم أو مخافة أن يبقى له نسل في دار الحرب أو ما فيه من تعريض ولده للرق إذا سبيت والولد في بطنها وذلك لا يوجد في الذبائح وإذا قتل المسلم المستأمن في دار الحرب إنسانا منهم أو استهلك ماله لم يلزمه غرم ذلك إذا خرجوا لأنهم لو فعلوا ذلك به لم يلزمهم غرم فكذلك إذا فعل بهم وهذا لأنهم غير ملتزمين أحكام الإسلام في دار الحرب حيث جرى ذلك بينهم وأكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم لأن الغدر حرام ( قال - صلى الله عليه و سلم - لكل غادر لواء يركز عند باب أسته يوم القيام يعرف به غدرته ) فإن غدر بهم وأخذ ما لهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك لأنه حصله بكسب خبيث وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا السبب وهو مكروه للمسلم والأصل فيه حديث الميغرة بن شعبة ( - رضي الله عنه - حين قتل أصحابه وجاء بمالهم إلى المدينة فأسلم وطلب من رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أن يخمس ماله فقال أما إسلامك فمقبول وأما مالك فمال غدر فلا حاجة لنا فيه )
فإن اشتراه أجزته لأنه صار مالكا للمال بالإحراز والنهي عن الشراء منه ليس لمعنى في عين الشراء فلا يمنع جوازه وإن كانت جارية كرهت للمشتري أن يطأها لأنه قائم فيها مقام البائع وكان يكره للبائع وطئها فكذلك للمشتري وهذا بخلاف المشتراة شراء فاسدا إذا باعها المشتري جاز للثاني وطئها بعد الاستبراء لأن الكراهة في حق الأول لبقاء حق البائع في الاسترداد وقد زال ذلك بالبيع الثاني وههنا الكراهة لمعنى الغدر وكونه مأمورا بردها عليهم دينا وهذا المعنى في حق الثاني كهو في حق الأول فإن أصاب أهل هذه الدار سبايا من غيرهم من أهل الحرب وسع هذا المسلم أن يشتريها منهم لأنهم ملكوا ذلك بالإحراز بمنعتهم فإنهم نهبة يملك بعضهم على بعض نفسه وماله بالإحراز فحل للمستأمن إليهم شراء ذلك منهم كسائر أموالهم وكذلك إن سبي أهل الدار التي هو فيها جاز له أن يشتريهم من السابين لأنهم ملكوهم بالإحراز وقد كانوا على أصل الإباحة في حقه إنما كان الواجب عليه أن لا يغدر بهم وليس ذلك من الغدر في شيء وكذلك لو أن المسلمين وادعوا قوما من أهل الحرب ثم أغار عليهم قوم آخرون أهل حرب لهم فلهذا المسلم أن يشتري السبي منهم لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب ولكن علينا أن لا نغدر بهم وقد صاروا مملوكين للسابي بالإحراز فيجوز شراؤه منهم كسائر الأموال وإن كان الذين سبوهم قوم من المسلمين غدروا بأهل الموادعة لم يسع المسلمون أن يشتروا من ذلك السبي وإن اشتروا رددت البيع لأنهم كانوا في أمان من المسلمين فإن أمان بعض المسلمين كأمان الجماعة ولا يملك المسلمون رقاب المستأمنين وأموالهم بالإحراز وهذا بخلاف ما لو كان دخل إليهم رجل بأمان ثم استولى عليهم المسلمون لأن هناك المسلم ما أمنهم ولكنهم أمنوه وكيف يقال قد أمنهم وهو مقهور غير ممتنع منهم فلهذا حل للمسلمين سبيهم وههنا هم في أمان من المسلمين لأنه أمنهم من له منعة من المسلمين وإذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم
لأن في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك إلا على وجه إعلاء كلمة الله عز و جل وإعزاز الدين وذلك لا يوجد ههنا لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم لا لإعلاء كلمة الشرك والأصل فيه حديث جعفر - رضي الله عنه - فإنه قاتل بالحبشة مع العدو الذي كان قصد النجاشى وإنما فعل ذلك لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنا عند النجاشى فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف وإن أغار أهل الحرب الذي فيهم المسلمون المستأمنون على دار من المسلمين فأسروا ذراري المسلمين إذا كانوا يطيقون القتال لأنهم ما ملكوا ذراري المسلمين بالإحراز فهم ظالمون في استرقاقهم والمستأمنون ما ضمنوا لهم التقرير على الظلم فلا يسعهم إلا قتالهم لاستنقاذ ذراري المسلمين من أيديهم بخلاف الأموال لأنهم ملكوها بالإحراز وقد ضمن المستأمنون أن لا يتعرضوا لهم في أموالهم وكذلك إن كانوا أغاروا على الخوارج وسبوا ذراريهم لأنهم مسلمون فلا تملك ذراريهم بالإحراز بدار الحرب وكذلك إن كان في بلاد الخوارج الذين أغار عليهم أهل الحرب قوم من أهل العدل لم يسعهم إلا أن يقاتلوا عن بيضة المسلمين وحريمهم لأن الخوارج مسلمون ففي القتال معهم إعزاز الدين ولأنهم بهذا القتال يدفعون أهل الحرب عن المسلمين ودفع أهل الحرب عن المسلمين واجب على كل من يقدر عليه فلهذا لا يسعهم إلا أن يقاتلوهم والله سبحانه وتعالى أعلم

(6/134)


باب المرتدين

(6/135)


( قال ) - رضي الله عنه - ( وإذا ارتد المسلم عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإذا طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ) والأصل في وجوب قتل المرتدين قوله تعالى { أو يسلمون } ( الفتح : 16 ) قيل الآية في المرتدين وقال - صلى الله عليه و سلم - ( من بدل دينه فاقتلوه ) وقتل المرتد على ردته مروى عن علي وابن مسعود ومعاذ وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - وهذا لأن المرتد بمنزلة مشركي العرب أو أغلظ منهم جناية فإنهم قرابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - والقرآن نزل بلغتهم ولم يراعوا حق ذلك حين أشركوا وهذا المرتد كان من أهل دين رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وقد عرف محاسن شريعته ثم لم يراع ذلك حين ارتد فكما لا يقبل من مشركي العرب إلا السيف أو الإسلام فكذلك من المرتدين إلا أنه إذا طلب التأجيل أجل ثلاثة أيام لأن الظاهر أنه دخل عليه شبهة ارتد لأجلها فعلينا إزالة تلك الشبهة أو هو يحتاج إلى التفكر ليتبين له الحق فلا يكون ذلك إلا بمهلة فإن استمهل كان على الإمام أن يمهله ومدة النظر مقدرة بثلاثة أيام في الشرع كما في الخيار فلهذا يمهله ثلاثة أيام لا يزيده على ذلك وإن لم يطلب التأجيل يقتل من ساعته في ظاهر الرواية وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أنه يستحب للإمام أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لما روى أن رجلا قدم على عمر - رضي الله عنه - ( فقال له هل من مغربة خبر فقال نعم رجل كفر بعد إيمانه فقال ماذا صنعتم به قال قدمناه فضربنا عنقه فقال هلا طينتم عليه الباب ثلاثة أيام ورميتم إليه كل يوم برغيف فلعله أن يتوب ويراجع الحق ثم رفع يديه وقال اللهم إني لم أشهد ولم أرض إذ بلغني ) وقد روى هذا الحديث بطريق آخر ( أن عمر - رضي الله عنه - قال لو وليت منه مثل الذي وليتم لاستتبته ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتلته ) فهذا دليل أنه يستحب الإمهال وتأويل اللفظ الأول أنه لعله كان طلب التأجيل إذ كان في ذلك الوقت فقد كان فيهم من هو حديث عهد بالإسلام فربما يظهر له شبهة ويتوب إذا رفعت شبهته فلهذا كره ترك الإمهال والاستتابة فأما في زماننا فقد استقر حكم الدين وتبين الحق فالإشراك بعد ذلك قد يكون تعنتا وقد يكون لشبهة دخلت عليه وعلامة ذلك طلب التأجيل
وإذا لم يطلب ذلك فالظاهر أنه متعنت في ذلك فلا بأس بقتله إلا أنه يستحب أن يستتاب لأنه بمنزلة كافر قد بلغته الدعوة وتجديد الدعوة في حق مثله مستحب وليس بواجب فهذا كذلك فإن استتيب فتاب خلى سبيله ولكن توبته أن يأتي بكلمة الشهادة ويتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام أو يتبرى عما كان انتقل إليه فإن تمام الإسلام من اليهودي التبرى عن اليهودية ومن النصراني التبرى عن النصرانية ومن المرتد التبرى عن كل ملة سوى الإسلام لأنه ليس للمرتد ملة منفعة وإن تبرأ عما انتقل إليه فقد حصل ما هو المقصود فإن ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يفعل به في كل مرة فإذا أسلم خلى سبيله لقوله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ( التوبة : 5 ) وكان ( علي وابن عمر - رضي الله عنهما - يقولان إذا ارتد رابعا لم تقبل توبته بعد ذلك ولكن يقتل على كل حال ) لأنه ظهر أنه مستخف مستهزأ وليس بتائب واستدلا بقوله عز و جل { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم } ( النساء : 137 ) ولكنا نقول الآية في حق من ازداد كفرا لا في حق من آمن وأظهر التوبة والخشوع فحاله في المرة الرابعة كحاله قبل ذلك وإذا أسلم يجب قبول ذلك منه لقوله تعالى { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) وروي ( أن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - حمل على رجل من المشركين فقال لا إله إلا الله فقتله فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقال أقتلت رجلا قال لا إله إلا الله من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة فقال إنما قالها تعوذا فقال هلا شققت عن قلبه فقال لو فعلت ذلك ما كان يتبين لي فقال - صلى الله عليه و سلم - فإنما يعبر عن قلبه لسانه ) إلا أنه ذكر في النوادر أنه إذا تكرر ذلك منه يضرب ضربا مبرحا لجنايته ثم يحبس إلى أن تظهر توبته وخشوعه وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه إذا فعل ذلك مرارا يقتل غيلة وهو أن ينتظر فإذا أظهر كلمة الشرك قتل قبل أن يستتاب لأنه قد ظهر منه الاستخفاف وقتل الكافر الذي بلغته الدعوة قبل الاستتابة جائز فإن أبى المرتد أن يسلم فقتل كان ميراثه بين ورثته المسلمين على فرائض الله تعالى في قول علمائنا
وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - ماله فيء يوضع في بيت مال المسلمين ( لقوله - صلى الله عليه و سلم - لا يرث المسلم الكافر والمرتد كافر فلا يرثه المسلم ) ولأن المرتد لا يرث أحدا فلا يرثه أحد كالرقيق يوضحه أنه لا يرثه من يوافقه في الملة والموافقة في الملة سبب التوريث والمخالفة في الملة سبب الحرمان فلما لم يرثه من يوافقه في الملة مع وجود سبب التوريث فلأن لا يرثه من يخالفه في الملة أولى وإذا انتفى التوريث عن ماله فهو في أحد الوجهين لأنه مال حربي لا أمان له فيكون فيئا للمسلمين وفي الوجه الآخر هو مال ضائع فمصيبه بيت المال كالذمي إذا مات ولا وارث له من الكفار يوضع ماله في بيت المال
( وحجتنا ) في ذلك ظاهر قوله تعالى { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } ( النساء : 176 ) والمرتد هالك لأنه ارتكب جريمة استحق بها نفسه فيكون هالكا ( ولما مات عبدالله بن أبي سلول جعل رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ماله لورثته المسلمين وهو كان مرتدا وإن كان منافقا فقد شهد الله بكفره بعد الإيمان ) وفيه نزل قوله تعالى { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ( النساء : 137 ) وإن عليا - رضي الله عنه - ( قتل المستورد العجلى على الردة وقسم ماله بين ورثته المسلمين ) وذلك مروي عن ابن مسعود ومعاذ - رضي الله تعالى عنهما - والمعنى فيه أنه كان مسلما مالكا لماله فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله كما لو مات المسلم وتحقيق هذا الكلام أن الردة هلاك فإنه يصير به حربا وأهل الحرب في حق المسلمين كالموتى إلا أن تمام هلاكه حقيقة بالقتل أو الموت فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة وقد كان مسلما عند ذلك فيخلفه وارثه المسلم في ماله ويكون هذا توريث المسلم من المسلم وهذا لأن الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب كالبيع بشرط الخيار إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعا فعلى هذا الطريق يكون فيه توريث المسلم من المسلم
( فإن قيل ) زوال ملكه إما أن يكون قبل الردة أو معها أو بعدها والحكم لا يسبق السبب ولا يقترن به بل يعقبه وبعد الردة هو كافر
( قلنا ) نعم المزيل للملك ردته كما أن المزيل للملك موت المسلم ثم الموت يزيل الملك عن الحي لا عن الميت فكذلك الردة تزيل الملك عن المسلم وكما أن الردة تزيل ملكه فكذلك تزيل عصمة نفسه وإنما تزيل العصمة عن معصوم لا عن غير معصوم فعرفنا أنه يتحقق بهذا الطريق توريث المسلم من المسلم ولهذا لا يرثه ورثته الكفار لأن التوريث من المسلم والكافر لا يرث المسلم وهو دليلنا فإنه كان تعلق بإسلامه حكمان حرمان ورثته الكفار وتوريث ورثته المسلمين ثم بقي أحد الحكمين بعد ردته باعتبار أنه مبقي على حكم الإسلام فكذلك الحكم الآخر وإنما لا يرث المرتد أحدا لجنايته فهو كالقاتل لا يرث المقتول لجنايته ويرثه المقتول لو مات القاتل قبله ولأنه لا وجه لجعل ماله فيئا فإن هذا المال كان محرزا بدار الإسلام ولم يبطل ذلك الإحراز بردته حتى لا يغنم في حياته والمال المحرز بدار الإسلام لا يكون فيئا وبهذا تبين ثبوت حق الورثة فيه لأنه إنما لا يغنم في حياته لا لحقه فإنه لا حرمة له بل لحق الورثة فكذلك بعد موته وإن قال يوضع في بيت المال ليكون للمسلمين باعتبار أنه مال ضائع
( قلنا ) المسلمون يستحقون ذلك بالإسلام وورثته ساووا المسلمين في الإسلام وترجحوا عليهم بالقرابة وذو السببين مقدم في الاستحقاق على ذي سبب واحد فكان الصرف إليهم أولى فأما ما اكتسب في حال ردته فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - هو فيء يوضع في بيت المال وعندهما هو ميراث لورثته المسلمين لأن كسبه يوقف على أن يسلم له بالإسلام فيخلفه وارثه فيه بعد موته ككسب الإسلام وما ذكرنا من المعاني يجمع الكسبين وليس في الردة أكثر من أنه صار به مشرفا على الهلاك فيكون كالمريض والمكتسب في مرض الموت كالمكتسب في الصحة في حكم الإرث وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول الوراثة خلافة في الملك والردة تنافي بقاء الملك فتنافي ابتداء الملك بطريق الأولى فما اكتسب في إسلامه كان مملوكا له فيخلفه وارثه فيه إذا تم انقطاع حقه عنه وكسب الردة لم يكن مملوكا له لقيام المنافي عند الاكتساب وإنما كان له حق أن يتملك أن لو أسلم والوارث لا يخلفه في مثل هذا الحق فبقي هذا مالا ضائعا بعد موته يوضع في بيت المال والأصح أن نقول إسناد التوريث إلى أول الردة في كسب الإسلام ممكن لأن السبب يعمل في المحل والمحل كان موجودا عند أول الردة فأما إسناد التوريث في كسب الردة غير ممكن لانعدام المحل عند السبب في هذا الكسب فلو ثبت فيه حكم التوريث ثبت مقصورا على الحال وهو كافر بعد الاكتساب والمسلم لا يرث الكافر فيبقى موقوفا على أن يسلم له بالإسلام فإذا زال ذلك بأن مات أو قتل فهذا كسب حربي لا أمان له فيكون فيئا للمسلمين يوضع في بيت مالهم ثم اختلفت الروايات عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيمن يرث المرتد فروي الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه من كان وارثا له وقت ردته وبقي إلى موت المرتد فإنه يرثه ومن حدث له صفة الوراثة بعد ذلك لا يرثه حتى لو أسلم بعض قرابته بعد ردته أو ولد له من علوق حادث بعد ردته فإنه لا يرثه على هذه الرواية لأن سبب التوريث الردة فمن لم يكن موجودا عند ذلك السبب لم ينعقد له سبب الاستحقاق ثم تمام الاستحقاق بالموت فإنما يتم في حق من انعقد له السبب لا في حق من لم ينعقد له السبب ثم في حق من انعقد له السبب يشترط بقاؤه إلى وقت تمام الاستحقاق فإذا مات قبل ذلك يبطل السبب في حقه كما في بيع الموقوف يتم الملك عند الإجازة من وقت السبب ولكن بشرط قيام المعقود عليه عند الإجازة حتى إذا هلك قبل ذلك بطل السبب وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - يعتبر وجود الوارث وقت الردة ثم لا يبطل استحقاقه بموته قبل موت المرتد لأن الردة في حكم التوريث كالموت ومن مات من الورثة بعد موت المورث قبل قسمة ميراثه لا يبطل استحقاقه ولكن يخلفه وارثه فيه فهذا مثله
وأما رواية محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - وهو الأصح أنه يعتبر من يكون وارثا له حين مات أو قتل سواء كان موجودا عند الردة أو حدث بعده لأن الحادث بعد انعقاد السبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب . ألا ترى أن الزيادة التي تحدث من المبيع قبل القبض تجعل كالموجود عند ابتداء العقد في أنه يصير معقودا عليه بالقبض ويكون له حصة من الثمن فههنا أيضا من يحدث قبل انعقاد السبب يجعل كالموجود عند ابتداء السبب ولو تصور بعد الموت الحقيقي ولد له من علوق حادث لكنا نجعله كذلك أيضا إلا أن ذلك لا يتصور فأما بعد الهلاك بالحكم بالردة يتصور فيجعل الحادث كالموجود عند ابتداء السبب وكذلك إن لحق بدار الحرب قسم الإمام ماله بين ورثته وكان لحاقه بدار الحرب بمنزلة موته وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يبقى ماله بعد لحاقه موقوفا كما كان قبل لحاقه لأن ذهابه إلى دار الحرب نوع غيبة فلا يتغير به حكم ماله كما لو كان مترددا في دار الإسلام ولكنا نقول أنه صار حربيا حقيقة وحكما لأنه قد أبطل حياة نفسه بدار الحرب حين عاد إلى دار الحرب حربا للمسلمين والحربي في دار الحرب كالميت في حق المسلمين قال الله تعالى { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) وقد قررنا هذا في النكاح في مسألة تباين الدارين ولأنه قد خرج من يد الإمام حقيقة وحكما ولو كان في يده لموته حقيقة بأن يقتله ويقسم ماله فإذا عجز عن ذلك بخروجه عن يده موته حكما فيقسم ماله بين ورثته وحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه وبحلول آجاله ثم قال أبو يوسف : يعتبر من يكون وارثا له وقت قضاء القاضي بلحاقه وعند محمد وقت لحاقه وهذا لأن عندهما ملكه لا يزول بالردة ولهذا ينفذ تصرف المرتد عندهما على ما نبينه فإنما زوال ملكه بسبب الردة عند لحاقه فيعتبر وارثه عند ذلك ولحاقه موت حكمي فهو كالموت الحقيقي بالقتل ولكن أبو يوسف يقول : اللحاق في الحقيقة غيبة وإنما يصير موتا حكما بقضاء القاضي فيعتبر من يكون وارثا له عند القضاء باللحاق في استحقاق ماله وكذلك ترث منه امرأته إن كانت في العدة لأن النكاح بينهما وإن ارتفع بنفس الردة لكنه فارعن ميراثها وامرأة الفار ترث إذا كانت في العدة عند موته وعلى رواية أبي يوسف : ترث وإن كانت منقضية العدة عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لأن سبب التوريث كان موجودا في حقها عند ردته وعلى تلك الرواية إنما يعتبر قيام السبب عند أول الردة وتبطل وصاياه لأن تنفيذ الوصايا لحق الموصى ولم يبق له حق بعدما قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وهذا بخلاف التدبير فإن حق العبد في العتق بالتدبير قد ثبت للمدبر فيكون عتقه كعتق أم الولد أو حقه كحق أصحاب الديون وفي الكتاب يقول ردته كرجوعه عن الوصية لأنه بالردة يبطل حقه وتنفيذ الوصية كان لحقه فرجوعه يعمل في إبطال وصاياه ولا يعمل في إبطال تدبيره فكذلك ردته وهو لا يفعل شيئا من ذلك ما دام المرتد مقيما في دار الإسلام لأنه في يده حقيقة وحكما فيموته بالقتل حقيقة إن لم يسلم أو لا ثم يقسم ماله وإن فعل ذلك بعد لحاقه بدار الحرب ثم رجع تائبا قد مضى جميع ما فعله الإمام غير أنه إذا وجد شيئا من ملكه بعينه في يد وارثه أخذه منه لأن الوراثة خلافة والخلف يسقط إعتباره إذا ظهر الأصل ولما جاء تائبا فقد صار حيا حكما وإنما كانت خلافة الوارث إياه في هذا الملك كموته حكما فإذا انعدم ذلك ظهر حكم الأصل ولهذا قلنا لو كان الوارث كاتب عبدا يعاد إليه ذلك العبد مكاتبا لأن الحكم لا يكون منتقلا من الخلف إلى الأصل وتأثير الكتابة في منع النقل ولكن ينعدم الخلف بظهور الأصل فيكون الملك لصاحب الأصل بطريق البقاء ولا يعاد إليه شيء مما باعه وارثه لأن الأصل والخلف في الحكم فلا بد من قيامه عند ظهور الأصل ليكون عاملا وما تصرف الوارث من بيع أو غيره فهو نافذ منه لمصادفته ملكه ولا ضمان عليه في شيء مما أتلفه لأن الملك كان خالصا له وفعله فيما خلص حقا له لا يكون سبب الضمان فلو لم يفعل الإمام شيئا من ذلك حتى رجع تائبا فجميع ذلك له كما كان قبل ردته لأن اللحاق قبل أن يتصل به القضاء بمنزلة الغيبة فهو والمتردد في دار الإسلام في الحكم سواء
( قال ) ( وجميع ما فعل المرتد في حال ردته من بيع أو شراء أو عتق أو تدبير أو كتابة باطل إن لحق بدار الحرب وقسم الإمام ماله ) والحاصل أن تصرفات المرتد أربعة أنواع : نوع منها نافذ بالاتفاق وهو الاستيلاد حتى إذا جاءت جاريته بولد فادعى نسبه ثبت النسب منه وورث هذا الولد مع ورثته وكانت الجارية أم ولد له لأن حقه في ملكه أقوى من حق الأب في جارية ولده واسيتلاد الأب صحيح فاستيلاد المرتد أولى لأنها موقوفة على حكم ملكه حتى إذا أسلم كانت مملوكة له وحقه فيها أقوى من حق المولى في كسب المكاتب وهناك يصح منه دعوة النسب فههنا أولى إلا أن هناك يحتاج إلى تصديق المكاتب لاختصاصه بملك اليد والتصرف وههنا لا يحتاج إلى تصديق الورثة لأنه لم يثبت لهم ملك اليد والتصرف في الحال ومنها ما هو بالاتفاق باطل في الحال كالنكاح والذبيحة لأن الحل بهما يعتمد الملة ولا ملة للمرتد فقد ترك ما كان عليه وهو غير مقر على ما اعتمده ومنها ما هو موقوف بالاتفاق وإن اختلفوا في توقف أصل الشركة ومنها ما هو مختلف فيه وهو سائر تصرفاته عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يتوقف بين أن ينفذ بالإسلام أو يبطل إذا مات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب وعندهما نافذ إلا أن أبا يوسف - رحمه الله تعالى - يقول : ينفذ كما ينفذ من الصحيح حتى يعتبر تبرعاته من جميع المال وعند محمد - رحمه الله تعالى - ينفذ كما ينفذ من المريض وحجتهما في ذلك أنه من أهل التصرف لاقى تصرفه ملكه فينفذ وبيان ذلك أن التصرف قول والأهلية له باعتبار قوله شرعا ولا ينعدم ذلك بالردة والمالكية باعتبار صفة الحرية ولا ينعدم ذلك بالردة إنما تأثير ردته في إباحة دمه وذلك لا يحصل بالمالكية كالمقضى عليه بالرجم والقصاص والدليل عليه أن تصرف المكاتب بعد الردة نافذ بالاتفاق وحال الحر في التصرف فوق حال المكاتب فإذا كانت الردة لا تنافي ملك اليد الذي ينبني عليه تصرف المكاتب حتى ينفذ تصرفه فلأن لا ينافي ملك الحر وتصرفه أولى إلا أن محمدا - رحمه الله تعالى - قال هو مشرف على الهلاك فيكون بمنزلة المريض في التصرف ألا ترى أن زوجته ترثه بحكم الفرار وذلك لا يتحقق إلا في المريض وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول هو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بسبب يستحق عليه مرغوب فيه
فلا يصير في حكم المريض كمن قصد أن يلقي نفسه من شاهق جبل . لا يصير به في حكم المريض يوضحه : أن المقضي عليه بالرجم والقصاص لا يصير كالمريض ما دام في السجن لتمكنه من دفع الهلاك عن نفسه بادعاء شبهة فالمرتد أولى وأبو حنيفة يقول بالردة يزول ملكه عن المال وكان موقوفا على العود إليه بالإسلام وتصرفه بحكم الملك فيتوقف بتوقف الملك ودليل الوصف أن المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء وإنما يكون ذلك حكما باعتبار العصمة ألا ترى أن الشرع جعل عصمة النفس والمال بسبب واحد ثم عصمة نفسه تزول بالردة حتى يقتل فكذلك عصمة ماله والدليل عليه أنه هالك حكما وإذا كان الهلاك حقيقة ينافي مالكية المال ولا ينافي توقف المال على حقه كالتركة المستغرقة بالدين فكذلك الهلاك الحكمي ولأن تأثير الردة في نفي المالكية فوق تأثير الرق فإن الرق ينافي مالكية المال ولا ينافي مالكية النكاح والردة تنافيهما وهذا بخلاف المقضي عليه بالقصاص والرجم فهناك لم يزل ما به عصمة المال والنفس وإنما استحق عليه نفسه بما هو من حقوق تلك العصمة فيبقى مالكا حقيقة لبقاء عصمة ماله وقد انعدم ههنا ما به كانت العصمة في حق النفس فكذلك في حق المال لأنها تابعة للنفس في العصمة وبخلاف المكاتب فإن تصرفه باعتبار عقد الكتابة والردة لا تؤثر فيه . ألا ترى أن الهلاك الحقيقي لا يمنع بقاء الكتابة فالهلاك الحكمي أولى ولهذا نفذ تصرف المكاتب بعد لحاقه بدار الحرب وههنا بالاتفاق لا ينفذ تصرفه في ماله بعد لحاقه بل يتوقف فكذلك قبل لحاقه لأن الهلاك بردته لا بلحاقه وكذلك التوريث باعتبار ردته على ما قررنا أنه يستند التوريث إلى أول الردة ليكون فيه توريث المسلم من المسلم والدليل عليه أنه بالردة صار حربيا ولهذا يقتل والحربي المقهور في أيدينا يتوقف تصرفه كالمأسورين إلا أن هناك توقف حالهم بين الاسترقاق والقتل والمن وههنا بين القتل والإسلام ثم توقف تصرفهم هناك لتوقف حالهم فكذلك ههنا وإذا أعتق المرتد عبده ثم أعتقه ابنه أيضا ولا وارث له غيره لم يجز عتق واحد منهما أما عتق المرتد فكان موقوفا فبموته يبطل وأما عتق الوارث فقد سبق ملكه لأن قبل موت المرتد لا ملك للوارث في ماله
بل الملك موقوف على حق المرتد فلا ينفذ تصرف الوارث وهذا بخلاف التركة المستغرقة بالدين إذا أعتق الوارث عبدا منها ثم سقط الدين لأن سبب التوريث هناك قد تم والتوقف لحق الغرماء والعتق بعد تمام سبب الملك لا يتوقف وههنا أصل السبب انعقد بالردة ولكن لا يتم لقيام الأصل حقيقة وحكما والخلافة تكون بعد فوات الأصل فلهذا لا تنفذ تصرفات لوارث وإن ملك بعد ذلك وإذا مات الابن وله معتق والأب مرتد ثم مات الأب وله معتق كان ميراث الأب لمعتقه دون معتق الابن لما بينا أن أصل السبب وإن انعقد بالردة فإذا مات الابن قبل وقت تمام السبب بطل ذلك لأن بقاءه إلى وقت تمام السبب شرط وقد بينا اختلاف الرواية في هذا الفصل وما اكتسبه في ردته فهو فيء عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وهما يستدلان على أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بكسب الردة أنه ينفذ تصرفه فيه حتى لو قضى دينه بكسب ردته أو رهنه بدين عليه . كان صحيحا فكذلك كسب الإسلام ومن أصحابنا من سلم واشتغل بالفرق فقال تصرفه في كسب الردة باعتبار أنه كسبه لا باعتبار أنه ملكه لأن الردة تنافي الملك فأما في كسب الإسلام تصرفه باعتبار ملكه وقد بينا توقف ملكه والأصح أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يتوقف تصرفه في الكسبين جميعا ويبطل ذلك بموته واختلفت الروايات عنه في قضاء ديونه فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه يقضي ديونه من كسب الردة فإن لم يف بذلك فحينئذ من كسب الإسلام لأن كسب الإسلام حق ورثته ولا حق لورثته في كسب ردته بل هو خالص حقه فلهذا كان فيئا إذا قتل فكان وفاء الدين من خالص حقه أولى فعلى هذا نقول عقد الرهن لقضاء الدين وإذا قضى دينه من كسب الردة أو رهنه بالدين فقد فعل عين ما كان يحق فعله فلهذا كان نافذا وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه يبدأ بكسب الإسلام في قضاء ديونه فإن لم تف بذلك فحينئذ من كسب الردة لأن قضاء الدين من ملك المديون
وكسب الإسلام كان مملوكا له ولهذا يخلفه الوارث فيه وخلافة الوارث بعد الفراغ من حقه فأما كسب الردة لم يكن مملوكا له فلا يقضي دينه منه إلا إذا تعذر قضاؤه من محل آخر فعلى هذا لا ينفذ تصرفه في الرهن وقضاء الدين من كسب الردة إذا كان في كسب الإسلام وفاء بذلك وروي زفر عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن ديون إسلامه تقضي من كسب الإسلام وما استدان في الردة يقضي من كسب الردة لأن المستحق للكسبين مختلف وحصول كل واحد من الكسبين باعتبار السبب الذي وجب به الدين فيقضي كل دين من الكسب المكتسب في تلك الحالة ليكون الغرم بمقابلة الغنم وبه أخذ زفر - رحمه الله تعالى - وإن جنى المرتد جناية لم يعقله العاقلة لأن تحمل العقل باعتبار معنى النصرة وهو أن تمكنه من الجناية بقوة العاقلة وأحد لا ينصر المرتد أو ذلك للتخفيف على الجاني لعذر الخطأ والمرتد غير مستحق للتخفيف فيكون الأرش في ماله وكذلك ما غصب وأتلف من أموال الناس فذلك كله دين عليه وإن لم يكن له مال إلا ما اكتسبه في ردته كان ذلك كله فيه لأنه كسبه فيكون مصروفا إلى دينه ككسب المكاتب والجناية على المرتد هدر لأن اعتبار الجناية عليه لعصمة نفسه وقد انعدمت العصمة بردته فكانت الجناية عليه هدرا مسلم قطع يد مسلم عمدا أو خطأ ثم ارتد المقطوعة يده عن الإسلام فمات أو قتل أو لحق بدار الحرب فعلى القاطع دية اليد في ماله إن كان عمدا وعلى عاقلته إن كان خطأ لأن قطع اليد كانت جناية موجبة للضمان وقد انقطعت السراية بزوال عصمة نفسه بالردة فصار كما لو انقطع بالبرء فيلزمه دية اليد فقط وإن أسلم قبل اللحوق بدار الحرب ثم مات من تلك الجناية فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - دية النفس استحسانا وعند محمد وزفر - رحمهما الله تعالى - ليس عليه إلا دية اليد قياسا لأن السراية قد انقطعت بزوال عصمة نفسه بالردة ثم بالإسلام بعد ذلك لا يتبين أن العصمة لم تكن زائلة فحكم السراية بعدما انقطع لا يعود
وكان موته من تلك الجناية وموته بسبب آخر سواء ألا ترى أنه لو لحق بدار الحرب ثم عاد ثانيا فمات من تلك الجناية لم يجب على القاطع إلا دية اليد فكذلك قبل اللحوق ولأن اعتبار الجناية والسراية لحقه بعد سقوط حقه بالردة فيصير هو كالمبرئ عن سراية تلك الجناية كما لو قطع يد عبد ثم أعتقه مولاه أو باعه صار مبرئا عن السراية بإزالة ملكه وبعدما صح الإبراء ليس له ولاية إعادة حقه في السراية فكان وجود إسلامه في حكم السراية كعدمه وهما يقولان حقه توقف بالردة على ما قررنا فإذا أسلم زال التوقف فصار ما اعترض كأن لم يكن بخلاف العبد إذا باعه أو أعتقه فقد تم زوال ملكه هناك واعتبار الجناية كان لملكه يوضح الفرق أن ضمان الجناية في المماليك باعتبار صفة المملوكية ولهذا يجب الضمان لتمكن النقصان في المالية شيئا فشيئا وقد انعدم ذلك بالعتق أصلا وبالبيع في حق من كان مستحقا له فأما وجوب ضمان الجزء باعتبار النفسية ولا ينعدم بالردة ولكن العصمة شرط فإنما يراعى وجوده عند ابتداء السبب لينعقد موجبا وعند تقرره بالموت لتقرر الحكم فلا يعتبر فيه بقاء العصمة وهو نظير ما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل الدار يعتق لهذا المعنى فأما إذا لحق بدار الحرب فإن كان القاضي قضى بلحاقه فقد صار ميتا حكما وبقاء حكم الجناية باعتبار بقاء النفسية وذلك لا يتحقق بعد موته حكما إذ لا تصور لبقاء الحكم بدون المحل وإذا لم يقض القاضي بلحاقه فالأصح أنه على الخلاف فمن أصحابنا من سلم وقال بنفس اللحاق صار حربيا والحربي في حق من هو في دار الإسلام كالميت ولهذا لو كانت امرأة تسترق كسائر الحربيات فيتم به انقطاع حكم السراية بخلاف ما قبل لحاقه بدار الحرب يوضحه أن الردة عارض فإذا زال قبل تقرره صار كأن لم يكن كالعصير المشترى إذا تخمر قبل القبض ثم تخلل بقى العقد صحيحا ولا يعتبر زواله بعد تقرره كما في العصير إذا تخمر فقضى القاضي بفسخ العقد ثم تخلل وباللحاق قد تقرر خصوصا إذا قضى به القاضي فلا يعتبر زواله بعد ذلك بخلاف ما قبل اللحاق
وإن كان القاطع هو الذي ارتد فقتل ومات المقطوعة يده من ذلك مسلما فإن كان عمدا فلا شيء له لأن الواجب في العمد القود وقد فات محله حين قتل على ردته أو مات وإن كان خطأ فعلى عاقلة القاطع دية النفس لأنه عند الجناية كان مسلما وجناية المسلم إذا كانت خطأ على عاقلته وتبين بالسراية أن جنايته كانت قتلا فلهذا كان على عاقلته دية النفس وإن كانت الجناية منه في حال ردته كانت الدية في الخطأ في ماله لما بينا أن المرتد لا يعقل جنايته أحد ولا تقتل المرتدة ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام عندنا وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - تقتل إن لم تسلم وهكذا كان يقول أبو يوسف - رحمه الله تعالى - في الابتداء ثم رجع وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنها تخرج في كل قليل وتعذر تسعة وثلاثين سوطا ثم تعاد إلى الحبس إلى أن تتوب أو تموت واستدل الشافعي بقوله - صلى الله عليه و سلم - ( من بدل دينه فاقتلوه ) وهذه الكلمة تعم الرجال والنساء كقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ( ( البقرة : 185 ) وتبين أن الموجب للقتل تبديل الدين لأن مثل هذا في لسان صاحب الشرع لبيان العلة وقد تحقق تبديل الدين منها وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه و سلم - قتل مرتدة يقال لها أم مروان وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قتل مرتدة يقال لها أم فرقة ولأنها اعتقدت دينا باطلا بعدما اعترفت ببطلانه . فتقتل كالرجل وهذا لأن القتل جزاء على الردة لأن الرجوع عن الإقرار بالحق من أعظم الجرائم ولهذا كان قتل المرتد من خالص حق الله تعالى وما يكون من خالص حق الله فهو جزاء وفي أجزية الجرائم الرجال والنساء سواء كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر وبهذا تبين أن الجناية بالردة أغلظ من الجناية بالكفر الأصلي فإن الإنكار بعد الإقرار أغلظ من الإصرار في الابتداء . على الإنكار كما في سائر الحقوق وبأن كانت لا تقتل إذا لم تتغلظ جنايتها فذلك لا يدل على أنها لا تقتل إذا تغلظت جنايتها ثم في الكفر الأصلي إذا تغلظت جنايتها بأن كانت مقاتلة أو ساحرة أو ملكة تحرض على القتال تقتل
فكذلك بعد الردة والدليل عليه أنها تحبس وتعزر وتجبر على الإسلام بعد الردة ولا يفعل ذلك بها في الكفر الأصلي وكذلك الشيوخ وأصحاب الصوامع والرهبان يقتلون بعد الردة ولا يقتلون في الكفر الأصلي وذوو الأعذار كالأعمى والزمن كذلك وكذلك الرق في الكفر الأصلي يمنع القتل وهو ما إذا استرق الأسير وفي الردة لا يمنع ثم في الكفر الأصلي لا تسلم لها نفسها حتى تسترق لينتفع المسلمون بها فكذلك بعد الردة وبالاتفاق لا تسترق في دار الإسلام فقلنا إنها تقتل . ( وحجتنا ) في ذلك نهى النبي - صلى الله عليه و سلم - عن قتل النساء وفيه حديثان أحدهما ما رواه رباح بن ربيعة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه و سلم - ( رأى في بعض الغزوات قوما مجتمعين على شيء فسأل عن ذلك فقالوا ينظرون إلى امرأة مقتولة فقال لواحد : أدرك خالدا وقل له لا يقتلن عسيفا ولا ذرية ) والثاني حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ( أن النبي - صلى الله عليه و سلم - رأى امرأة مقتولة فقال من قتل هذه قال رجل : أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأهوت إلى سيفي لتقتلني فقتلتها فقال : ما شأن قتل النساء وارها ولا تعد ) ولما رأى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يوم فتح مكة امرأة مقتولة فقال ( هاه ما كانت هذه تقاتل ) ففي هذا بيان أن استحقاق القتل بعلة القتال وأن النساء لا يقتلن لأنهن لا يقاتلن وفي هذا لا فرق بين الكفر الأصلي وبين الكفر الطارئ وما روى من الحديث غير مجرى على ظاهره فالتبديل يتحقق من الكافر إذا أسلم فعرفنا أنه عام لحقه خصوص فنخصه ونحمله على الرجال بدليل ما ذكرنا والمرتدة التي قتلت كانت مقاتلة فإن أم مروان كانت تقاتل وتحرض على القتال وكانت مطاعة فيهم وأم قرفة كان لها ثلاثون ابنا وكانت تحرضهم على قتال المسلمين ففي قتلها كسر شوكتهم ويحتمل أنه كان ذلك من الصديق - رضي الله عنه - بطريق المصلحة والسياسة كما أمر بقطع يد النساء اللاتي ضربن الدف لموت رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لإظهار الشماتة
والمعنى فيه أنها كافرة فلا تقتل كالأصلية وهذا لأن القتل ليس بجزاء على الردة بل هو مستحق باعتبار الإصرار على الكفر ألا ترى أنه لو أسلم يسقط لانعدام الإصرار وما يكون مستحقا جزاء لا يسقط بالتوبة كالحدود فإنه بعدما ظهر سببها عند الإمام لا تسقط بالتوبة وحد قطاع الطريق لا يسقط بالتوبة بل توبته برد المال قبل أن يقدر عليه فلا يظهر السبب عند الإمام بعد ذلك يقرره أن تبديل الدين وأصل الكفر من أعظم الجنايات ولكنها بين العبد وبين ربه فالجزاء عليها مؤخر إلى دار الجزاء وما عجل في الدنيا سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد كالقصاص لصيانة النفوس وحد الزنا لصيانة الأنساب والفرش وحد السرقة لصيانة الأموال وحد القذف لصيانة الأعراض وحد الخمر لصيانة العقول وبالإصرار على الكفر يكون محاربا للمسلمين فيقتل لدفع المحاربة إلا أن الله تعالى نص على العلة في بعض المواضيع بقوله تعالى { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) وعلى السبب الداعي إلى العلة في بعض المواضع وهو الشرك فإذا ثبت أن القتل باعتبار المحاربة وليس للمرأة بنية صالحة للمحاربة فلا تقتل في الكفر الأصلي ولا في الكفر الطارئ ولكنها تحبس فالحبس مشروع في حقها في الكفر الأصلي فإنها تسترق والاسترقاق حبس نفسها عنها ثم الحبس مشروع في حق كل من رجع عما أقربه كما في سائر الحقوق وليس ذلك باعتبار الكفر ولا باعتبار المحاربة وما يدعى من تغلظ الجناية لا يقوى فالرجوع عن الإقرار والإصرار على الإنكار بعد قيام الحجة في الجناية سواء مع أن الجناية في الإصرار أغلظ من وجه لأنه بعد الردة لا يقر على ما اعتقده والشيء قبل تقرره يكون أضعف منه بعد تقرره ولو سلمنا تغلظ الجناية فإنما يعتبر بمن يغلظ جنايتها في الكفر الأصلي المشركة العربية فكما لا تقتل تلك فكذلك لا تقتل هذه وإذا كانت مقاتلة أو ملكة أو ساحرة فقتلها للدفع وبدون القتل ههنا يحصل المقصود إذا حبست وأجبرت كما بينا على الإسلام وأما الرق لا يمنع القتل في الكفر الأصلي فإنه تقتل عبيدهم كأحرارهم
وإنما الاسترقاق بمنزلة إعطاء الأمان وبعقد الذمة ينتهي القتال في حق من يجوز أخذ الجزية منه لا في حق من لا يجوز أخذ الجزية منه كما في مشركي العرب والمرتدون لا تؤخذ منهم الجزية فلهذا لا ينتهي القتال في حقهم بعقد الذمة والشيخ إذا كان له رأي يقتل في الكفر الأصلي والردة لا تتصور إلا ممن له رأي والترهب لا يتحقق بعد الإسلام لأن القيام بنصرة دين الحق واجب على كل مسلم قال - صلى الله عليه و سلم - ( لا رهبانية في الإسلام ) وبدون تحقق السبب لا يثبت الحكم واختلف مشايخنا - رحمهم الله تعالى - في ذوي الأعذار من مشركي العرب فمنهم من يقول يقتلون في الكفر الأصلي لأن حلول الآفة كعقد الذمة فإنه ينعدم به القتال فمن لا يسقط القتال عنه بعقد الذمة في الكفر الأصلي فكذلك بحلول الآفة فعلى هذا القول ذوو الأعذار من المرتدين . يقتلون وقيل حلول الآفة بمنزلة الأنوثة لأنه تخرج به بنيته من أن تكون صالحة للقتال فعلى هذا القول لا يقتلون بعد الردة كما لا يقتلون في الكفر الأصلي وإذا ثبت أن المرتدة لا تقتل قلنا تسترق إذا لحقت بدار الحرب لاتفاق الصحابة - رضي الله عنهم - فإن بني حنيفة لما ارتدوا استرق أبو بكر - رضي الله عنه - نساءهم وأصاب علي - رضي الله عنه - جارية من ذلك السبي فولدت له محمد بن الحنيفة - رحمهما الله تعالى - وذكر عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في النساء إذا ارتددن يسبين ولا يقتلن وهذا لأنها كالحربية والاسترقاق مشروع في الحربيات وما دامت في دار الإسلام في ظاهر الرواية لا تسترق لأن حريتها المتأكدة بالإحراز لم تبطل بنفس الردة وهي دافعة للاسترقاق ولأن دار الإسلام ليست بدار الاسترقاق وفي النوادر عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إنها تسترق لأنا لما جعلنا المرتد بمنزلة حربي مقهور لا أمان له فكذلك المرتدة بمنزلة حربية مقهورة لا أمان لها فتسترق
وإن كانت في دارنا فإن تصرفت في مالها بعد الردة نفذ تصرفها ما دامت في دار الإسلام لأنها تصرفت في خالص ملكها بخلاف الرجل على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأشار إلى الفرق قال المرأة لا تقتل والرجل يقتل ومعنى هذا أن عصمة المال تبع لعصمة النفس فبالردة لا تزول عصمة نفسها حتى لا تقتل فكذلك عصمة ما لها بخلاف الرجل ولهذا استوت بالرجل في التصرف بعد اللحوق لأن عصمة نفسها تزول بلحاقها حتى تسترق والاسترقاق إتلاف حكما فكذلك عصمة مالها فإن ماتت في الحبس أو لحقت بدار الحرب قسم مالها بين ورثتها ويستوي في ذلك كسب إسلامها وكسب ردتها لما بينا أن العصمة باقية بعد ردتها فكان كل واحد من الكسبين ملكها فيكون ميراثا لورثتها ولا ميراث لزوجها منها لأنها بنفس الردة قد بانت منه ولم تصر مشرفة على الهلاك فلا تكون في حكم الفارة المريضة ولزوجها أن يتزوج بأختها بعد لحاقها قبل انقضاء عدتها لأنها صارت حربية فكانت كالميتة في حقه وبعد موتها له أن يتزوج أختها ولأنه لا عدة على الحربية من المسلم لأن العدة فيها حق الزوج وتباين الدارين مناف له فإن سبيت أو عادت مسلمة لم يضر ذلك نكاح الأخت لأنه بعدما سقطت العدة عنها لا تعود معتدة ثم إن جاءت مسلمة فلها أن تتزوج من ساعتها لأنها فارغة عن النكاح والعدة وإن سبيت أجبرت على الإسلام كما كانت تجبر عليه قبل لحاقها وإن ولدت بأرض الحرب ثم سبيت ومعها ولدها كان ولدها فيئا معها لأن ولدها بمنزلتها وهي حربية تسترق فكذلك ولدها وإذا رفعت المرتدة إلى الإمام فقالت ما ارتددت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذا توبة منها لما بينا أن توبة المرتد بالإقرار بكلمة الشهادتين والتبرأ عما كان انتقل إليه وقد حصل ذلك فإنه بالإنكار يحصل نهاية التبرأ فلهذا كان ذلك توبة من الرجل والمرأة جميعا ويقتل المملوك على الردة لأنه محارب كالحر وكسبه إذا قتل لمولاه لأنه بملك الرقبة يخلفه في ملك الكسب ولا تقتل المملوكة وتحبس لأنها ليس لها بنية صالحة للقتال كالحرة وإذا كان أهلها يحتاجون إلى خدمتها دفعتها إليهم وأمرتهم بإجبارها على الإسلام
لأن حق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى لحاجة العبد ولأن الجمع بين الحقين ممكن فإن حق الله تعالى في إجبارها على الإسلام ومولاها ينوب في ذلك عن الإمام فتدفع إليه ليستخدمها ويجبرها على الإسلام وجناية الأمة والمكاتب في الردة كجنايتهم في غيرة الردة لأن الملك فيهم باق بعد الردة والمكاتب أحق بكسبه بعد الردة والمكاتب أحق بكسبه بعد الردة يدا وتصرفا كما كان قبله فيكون موجب جنايته في كسبه والجناية على المماليك في الردة هدر أما في الذكور منهم فلاستحقاق قتلهم بالردة ومن استوفى قتلا مستحقا يكون محسنا لا جانيا وفي الإناث قتل المملوكة بعد الردة كقتل الحرة ومن قتل حرة مرتدة لم يضمن شيئا وإن ارتكب ما لا يحل ويؤدب على ذلك فكذلك الأمة قال لأ

(6/136)


باب الخوارج

(6/137)


( قال ) - رضي الله عنه - ( إعلم أن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته ) هكذا رواه الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لقوله - صلى الله عليه و سلم - ( من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النار ) وقال لواحد من أصحابه في الفتنة ( كن حلسا من أحلاس بيتك فإن دخل عليك فكن عبد الله المقتول ) أو قال ( عند الله معناه ) كن ساكنا في بيتك لا قاصدا فإن كان المسلمون مجتمعين على واحد وكانوا آمنين به والسبيل آمنة فخرج عليه طائفة من المسلمين فحينئذ يجب على من يقوى على القتال أن يقاتل مع إمام المسلمين الخارجين لقوله تعالى { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي } ( الحجرات : 9 ) والأمر حقيقة للوجوب ولأن الخارجين قصدوا أذى المسلمين وإماطة الأذى من أبواب الدين وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نهي عن المنكر وهو فرض ولأنهم يهيجون الفتنة قال - صلى الله عليه و سلم - ( الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ) فمن كان ملعونا على لسان صاحب الشرع - صلوات الله عليه - يقاتل معه والذي روى أن ابن عمر - رضي الله عنهما - وغيره لزم بيته تأويله أنه لم يكن له طاقة على القتال وهو فرض على من يطيقه والإمام فيه علي - رضي الله عنه - فقد قام بالقتال وأخبر أنه مأمور بذلك بقوله - رضي الله عنه - أمرت بقتال المارقين والناكثين والقاسطين ولهذا بدأ الباب بحديث كثير الحضرمي حيث قال : دخلت مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة فإذا نفر خمسة يشتمون عليا - رضي الله عنه - وفيهم رجل عليه برنس يقول : أعاهد الله لأقتلنه فتعلقت به وتفرق أصحابه فأتيت به عليا - رضي الله عنه - فقلت إني سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنك قال : ادن ويحك من أنت قال أنا سوار المنقري فقال علي - رضي الله عنه - خل عنه فقلت أخلي عنه وقد عاهد الله ليقتلنك فقال أفأقتله ولم يقتلني قلت : وأنه قد شتمك قال فاشتمه إن شئت أو دعه وفي هذا دليل على أن من لم يظهر منه خروج فليس للإمام أن يقتله وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم فإذا بلغه عزمهم على الخروج فحينئذ ينبغي له أن يأخذهم فيحبسهم قبل أن يتفاقم الأمر لعزمهم على المعصية وتهييج الفتنة وكان هؤلاء لم يكونوا مغلبين الخروج عليه ولم يعزموا على ذلك أو لم يصدقه علي - رضي الله تعالى عنه - فيما أخبره به من عزمه على قتله فلهذا أمره بأن يخلي عنه وليس مراده من قوله فاشتمه إن شئت أن ينسبه إلى ما ليس فيه فذلك كذب وبهتان لا رخصة فيه وإنما مراده أن ينسبه إلى ما علمه منه فيقول يا فتان يا شرير لقصده إلى الشر والفتنة وما أشبه ذلك من الكلام وهو معنى قوله تعالى { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 )
( قال ) ( وبلغنا عن علي - رضي الله عنه - أنه بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ حكمت الخوارج من ناحية المسجد فقال علي - رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل لن نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولن نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا ثم أخذ في خطبته ) ومعنى قوله إذ حكمت الخوارج أي نادوا الحكم لله وكانوا يتكلمون بذلك إذا أخذ علي - رضي الله عنه - في خطبته ليشوشوا خاطره فإنهم كانوا يقصدون بذلك نسبته إلى الكفر لرضاه بالحكمين وتفويضه الحكم إلى أبي موسى - رضي الله عنه - ولهذا قال علي - رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل يعني أن ظاهر قول المرء الحكم لله حق ولكنهم يقصدون به الباطل وهو نسبته إلى الكفر ثم فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل فإن المتكلمين بذلك ما كانوا عازمين على الخروج عند ذلك فلهذا قال لن نمنعكم مساجد الله ولن نمنعكم الفيء وفيه دليل على أن التعريض بالشتم لا يوجب التعزير فإنه لم يعزرهم وقد عرضوا بنسبته إلى الكفر والشتم بالكفر موجب للتعزير وفيه دليل على أن الخوارج إذا كانوا يقاتلون الكفار تحت راية أهل العدل فإنهم يستحقون من الغنيمة ما يستحقه غيرهم لأنهم مسلمون وفيه دليل على أنهم يقاتلون دفعا لقتالهم فإنه قال ( ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا ) معناه حتى تعزموا على القتال بالتجمع والتحيز عن أهل العدل
( قال ) ( وبلغنا عن علي - رضي الله عنه - أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تقتلوا أسيرا ولا تدففوا على جريح ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال ) وبهذا كله نأخذ فنقول : إذا قاتل أهل العدل أهل البغي فهزموهم فلا ينبغي لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا لأنا قاتلناهم لقطع بغيهم وقد اندفع حين ولوا مدبرين ولكن هذا إذا لم يبق لهم فئة يرجعون إليها فإن بقى لهم فئة فإنه يتبع مدبرهم لأنهم ما تركوا قصدهم لهذا حين ولوا منهم منهزمين بل تحيزوا إلى فئتهم ليعودوا فيتبعون لذلك ولهذا يتبع المدبر من المشركين لبقاء الفئة لأهل الحرب وكذلك لا يقتلون الأسير إذا لم يبق لهم فئة وقد كان علي - رضي الله عنه - يحلف من يؤسر منهم أن لا يخرج عليه قط ثم يخلي سبيله وإن كانت له فئة فلا بأس بأن يقتل أسيرهم لأنه ما اندفع شره ولكنه مقهور ولو تخلص إنحاز إلى فئته فإذا رأى الإمام المصلحة في قتله فلا بأس بأن يقتله وكذلك لا يجهزوا على جريحهم إذا لم يبق لهم فئة فإن كانت باقية فلا بأس بأن يجهز على جريحهم لأنه إذا برئ عاد إلى الفتنة والشر بقوة تلك الفئة ولأن في قتل الأسير والتجهيز على الجريح كسر شوكة أصحابه فإذا بقيت لهم فئة فهذا المقصود يحصل بذلك بخلاف ما إذا لم يبق لهم فئة وقوله لا يكشف ستر قيل معناه لا يسبي الذراري ولا يؤخذ مال على سبيل التملك بطريق الاغتنام وبه نقول لا تسبي نساؤهم وذراريهم لأنهم مسلمون ولا يتملك أموالهم لبقاء العصمة فيها بكونها محرزة بدار الإسلام فإن التملك بالقهر يخص بمحل ليس فيه عصمة الإحراز بدار الإسلام
( قال ) ( وما أصاب أهل العدل من كراع أهل البغي وسلاحهم فلا بأس باستعمال ذلك عليهم عند الحاجة ) لأنهم لو احتاجوا إلى سلاح أهل العدل كان لهم أن يأخذوه للحاجة والضرورة وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من صفوان دروعا في حرب هوازن وكان ذلك بغير رضاه حيث قال أغصبا يا محمد فإذا كان يجوز ذلك في سلاح من لا يقاتل ففي سلاح من يقاتل من أهل البغي أولى فإذا وضعت الحرب أوزارها رد جميع ذلك عليهم لزوال الحاجة وكذلك ما أصيب من أموالهم يرد إليهم لأنه لم يتملك ذلك المال عليهم لبقاء العصمة والإحراز فيه ولأن الملك بطريق القهر لا يثبت ما لم يتم وتمامه بالإحراز بدار تخالف دار المستولى عليه وذلك لا يوجد بين أهل البغي وأهل العدل لأن دار الفئتين واحدة
( قال ) ( وبلغنا عن علي - رضي الله عنه - أنه ألقى ما أصاب من عسكر أهل النهر وإن في الرحبة فمن عرف شيئا أخذه حتى كان آخر من عرف شيئا لإنسان قدر حديد فأخذها ولما قيل لعلي - رضي الله عنه - يوم الجمل ألا تقسم بيننا ما أفاء الله علينا قال فمن يأخذ منكم عائشة ) وإنما قال ذلك استبعادا لكلامهم واظهارا لخطأهم فيما طلبوا وإذا أخذت المرأة من أهل البغي فإن كانت تقاتل حبست حتى لا يبقى منهم أحد ولا تقتل لأن المرأة لا تقتل على ردتها فكيف تقتل إذا كانت باغية وفي حال اشتغالها بالقتال إنما جاز قتلها دفعا وقد اندفع ذلك حين أسرت كالولد يقتل والده دفعا إذا قصده وليس له ذلك بعدما اندفع قصده ولكنها تحبس لارتكابها المعصية ويمنعها من الشر والفتنة وإذا أخذ رجل حر أو عبد كان يقاتل وكان عسكر أهل البغي على حاله قتل لأنه ممن يقاتل عبدا كان أو حرا وقد بينا جواز قتل الأسير إذا بقيت له فئة وإن كان عبدا يخدم مولاه ولم يقاتل حبس حتى لا يبقى من أهل البغي أحد ولم يقتل لأنه ما كان مقاتلا والقتل في حق أهل البغي للدفع فمن لم يقاتل ولم يعزم على ذلك لا يقتل ولكنه مال الباغي وقد بينا أنه يوقف حتى لا يبقى أحد منهم وإنما يوقف العبد بحبسه لكيلا يهرب فيعود إلى مولاه وما أصاب المسلمون منهم من كراع أو سلاح وليس لهم إليه حاجة قال أما الكراع فيباع ويحبس الثمن لأنه يحتاج إلى النفقة فلا ينفق عليه الإمام من بيت المال لما فيه من الإحسان إلى صاحبه الباغي ولأن حبس الثمن أهون عليه من حبس الكراع فلهذا يبيعه ويحبس ثمنه حتى يتفرق جمعهم فيرد ذلك على صاحبه وأما السلاح فيمسكه ليرده على صاحبه إذا وضعت الحرب أوزارها وهذا لأن في الرد في الحال إعانة لهم على أهل العدل وذلك لا يجوز فلهذا يوقف لتفرق الجمع فإن طلب أهل البغي الموادعة أجيبوا إليها إن كان خيرا للمسلمين لما بينا أنهم قد يحتاجون إلى الموادعة لحفظ قوة أنفسهم إذا لم يقووا على قتالهم وكما يجوز ذلك في حق المرتدين يجوز في حق أهل البغي ولم يؤخذ منهم عليها شيء لأنهم مسلمون ولا يجوز أخذ الجزية من المسلمين وقد بينا مثله في حق المرتدين إلا أن هناك إذا أخذوا ملكوا لأنهم بعدما صاروا أهل حرب تغنم أموالهم وههنا إن أخذوا لا يملكون
لأن أموال الخوارج لا تغنم بحال وإذا تاب أهل البغي ودخلوا إلى أهل العدل لم يؤخذوا بشيء مما أصابوا يعني بضمان ما أتلفوا من النفوس والأموال ومراده إذا أصابوا ذلك بعدما تجمعوا وصاروا أهل منعة فأما ما أصابوا قبل ذلك فهم ضامنون لذلك لأنا أمرنا في حقهم بالمحاجة والإلزام بالدليل فلا يعتبر تأويلهم الباطل في إسقاط الضمان قبل أن يصيروا أهل منعة فأما بعدما صارت لهم منعة فقد انقطع ولاية الإلزام بالدليل حسا فيعتبر تأويلهم وإن كان باطلا في إسقاط الضمان عنهم كتأويل أهل الحرب بعدما أسلموا والأصل فيه حديث الزهري قال وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - كانوا متوافرين فاتفقوا على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو موضوع وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال أتلف بتأويل القرآن فهو موضوع وما كان قائما بعينه في أيديهم فهو مردود على صاحبه لأنهم لم يملكوا ذلك بالأخذ كما أنا لا نملك عليهم مالهم والتسوية بين الفئتين المتقاتلتين بتأويل الدين في الأحكام أصل وقد روى عن محمد قال افتيهم إذا تابوا بأن يضمنوا ما أتلفوا من النفوس والأموال ولا ألزمهم ذلك في الحكم وهذا صحيح فإنهم كانوا معتقدين الإسلام وقد ظهر لهم خطأهم في التأويل إلا أن ولاية الإلزام كان منقطعا للمنعة فلا يجبر على أداء الضمان في الحكم ولكن يفتي به فيما بينه وبين ربه ولا يفتي أهل العدل بمثله لأنهم محقون في قتالهم وقتلهم ممتثلون للأمر وإن كان أهل البغي قد استعانوا بقوم من أهل الذمة على حربهم فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضا للعهد ألا ترى أن هذا الفعل من أهل البغي ليس ينقض للإيمان فكذلك لا يكون من أهل الذمة نقضا للعهد وهذا لأن أهل البغي مسلمون فإن الله تعالى سمى الطائفتين باسم الايمان بقوله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) وقال علي - رضي الله عنه - اخواننا بغوا علينا فالذين انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات وأن يكونوا من أهل دار الإسلام فلهذا لا ينتقض عهدهم بذلك ولكنهم بمنزلة أهل البغي فيما أصابوا في الحرب لأنهم قاتلوا تحت راية البغاة فحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة وينبغي لأهل العدل إذا لقوا أهل البغي أن يدعوهم إلى العدل هكذا روى عن علي - رضي الله عنه - أنه بعث ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى أهل حرورا حتى ناظرهم ودعاهم إلى التوبة
ولأن المقصود ربما يحصل من غير قتال بالوعظ والإنذار فالأحسن أن يقدم ذلك على القتال لأن الكي آخر الدواء وإن لم يفعلوا فلا شيء عليهم لأنهم قد علموا ما يقاتلون عليه فحالهم في ذلك كحال المرتدين وأهل الحرب الذين بلغتهم الدعوة ولهذا يجوز قتالهم بكل ما يجوز القتال به من أهل الحرب كالرمي بالنبل والمنجنيق وارسال الماء والنار عليهم والبيات بالليل لأن قتالهم فرض كقتال أهل الحرب والمرتدين وإذا وقعت الموادعة بينهم فأعطى كل واحد من الفريقين رهنا على أنه أيهما غدر فقتل الرهن فدماء الآخرين لهم حلال فغدر أهل البغي وقتلوا الرهن الذين في أيديهم لم ينبغ لأهل العدل أن يقتلوا الرهن الذين في أيديهم ولكنهم يحبسونهم حتى يهلك أهل البغي أو يتوبوا لأنهم صاروا آمنين فينا إما بالموادعة أو بأن أعطيناهم الأمان حين أخذناهم رهنا وإنما كان الغدر من غيرهم فلا يؤاخذون بذنب الغير قال الله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الزمر : 7 ) ولكنه لا يخلي سبيلهم لأنه يخاف فتنتهم وأن يعودوا إلى فئتهم فيحاربون أهل العدل فلهذا حبسوا إلى أن يتفرق جمعهم وكذلك إن كان هذا الصلح بين المسلمين والمشركين فغدر المشركون حبس رهنهم في أيدي المسلمين حتى يسلموا وإن أبوا فهم ذمة المسلمين يوضع عليهم الجزية لأنهم حصلوا في أيدينا آمنين فلا يحل قتلهم بغدر كان من غيرهم ولكنهم احتبسوا في دارنا على التأبيد لأنهم كانوا راضين بالمقام في دارنا إلى أن يرد علينا رهننا وقد فات ذلك حين قتلوا رهننا . فقلنا إنهم يحتبسون في دارنا على التأبيد والكافر لا يترك في دارنا مقيما إلا بجزية فتوضع عليهم الجزية إن لم يسلموا ويحكي أن الدوانيقي كان ابتلى بهذا الصلح مع أهل الموصل ثم إنهم غدروا فقتلوا رهنه فجمع العلماء ليستشيرهم في رهنهم فقالوا يقتلون كما شرطوا على أنفسهم وفيهم أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - ساكت فقال له ما تقول قال : ليس ذلك فإنك شرطت لهم ما لا يحل وشرطوا لك ما لا يحل وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الزمر : 7 ) فأغلظ عليه القول
وأمر بإخراجه من عنده وقال ما دعوتك لشيء إلا أتيتني بما أكره ثم جمعهم من الغدو قال قد تبين لي أن الصواب ما قلت فماذا نصنع بهم قال سل العلماء فسألهم فقالوا لا علم لنا بذلك قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - توضع عليهم الجزية فقال لم وهم لا يرضون بذلك قال لأنهم رضوا بالمقام في دارنا إلى أن يرد علينا رهننا وقد تحقق فوات ذلك فكانوا راضين بالمقام في دارنا على التأبيد والكافر إذا رضى بذلك توضع عليه الجزية فاستحسن قوله . واعتذر إليه ورده إلى بيته بمحمل وإذا أمن الرجل من أهل العدل رجلا من أهل البغي جاز أمانه لأن وجوب قتل الباغي لا يكون أقوى من وجوب قتل المشرك ثم هناك يصح أمان واحد من المسلمين لقوله - صلى الله عليه و سلم - ( يسعى بذمتهم أدناهم ) فكذلك ههنا ولأنه ربما يحتاج إلى أن يناظره فعسى أن يتوب من غير قتال ولا يتأتى ذلك ما لم يأمن كل واحد منهما من صاحبه وكذا إن قال لا سبيل عليك أو أمنه بالفارسية أو النبطية هكذا روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أمراء الأجناد أيما مسلم قال لكافر مبرس أولا يذهل أولاده فهو أمان وكل من يصح أمانه للحربي يصح أمانه للباغي كالمرأة والعبد الذي يقاتل مع مولاه فإن كان العبد لا يقاتل مع مولاه فأمانه لأهل البغي على الخلاف ولا يجوز أمان الذمي وإن كان يقاتل مع أهل العدل كما لا يجوز أمانه للكفار وإذا قاتل النساء من أهل البغي أهل العدل وسعهم قتلهن دفعا لقتالهن فإذا لم يقاتلن لم يسعهم قتالهن كما في حق أهل الحرب بل أولى فهذا القتال دفع محض فإذا قاتلن قتلن للدفع وإذا لم يقاتلن فلا حاجة إلى دفعهن وإذا كان قوم من أهل العدل في يدي أهل البغي تجار أو أسرى فجني بعضهم على بعض ثم ظهر عليهم أهل العدل لم يقتص لبعضهم من بعض لأنهم فعلوا ذلك حيث لا تصل إليهم يد إمام أهل العدل ولا يجري عليهم حكمه فكأنهم فعلوا ذلك في دار الحرب ولا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضي أهل البغي لأن أهل البغي فسقة وما لم يخرجوا ففسقهم فسق اعتقاد فأما بعدما خرجوا ففسقهم فسق التعاطي فكما لا تقبل شهادة الفاسق فكذلك كتاب الفاسق ولأنهم يستحلون دماءنا وأموالنا فربما حكم قاضي أهل البغي بناء على هذا الاستحلال من غير حجة
وإن ظهر أهل البغي على مصر فاستعملوا عليه قاضيا من أهله وليس من أهل البغي فإنه يقيم الحدود والقصاص والأحكام بين الناس بالحق لا يسعه إلا ذلك لأن شريحا - رحمه الله تعالى - تقلد القضاء من جهة بعض بني أمية والحسن - رحمه الله تعالى - كذلك وعمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - بعدما استخلف لم يتعرض لقضاء القضاة الذين تقلدوا من جهة بني أمية والمعنى فيه أن الحكم بالعدل ودفع الظلم عن المظلوم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك فرض على كل مسلم إلا أن كل من كان من الرعية فهو غير متمكن من الزام ذلك فإذا تمكن من ذلك بقوة من قلده كان عليه أن يحكم بما هو فرض عليه سواء كان من قلده باغيا أو عادلا فإن شرط التقليد التمكن وقد حصل فإن كتب هذا القاضي كتابا إلى قاضي أهل العدل بحق لرجل من أهل المصر بشهادة من شهد عنده بذلك أجازه إذا كان هذا القاضي الذي أتاه الكتاب يعرف الشهود الذين شهدوا عند ذلك القاضي وليسوا من أهل البغي لأنهم لو شهدوا عنده بذلك كان عليه أن يقضي بشهادتهم فكذلك إذا نقل القاضي بكتابه شهادتهم إلى مجلسه وإن كانوا من أهل البغي لا يجيز كتابه كما لو شهدوا عنده بذلك لم يقض بشهادتهم على ما بينا وكذلك إن كان لا يعرفهم لأن الظاهر في منعة أهل البغي أن من يسكن فيهم فهو منهم فما لم يعلم خلافه وجب عليه الأخذ بالظاهر
( قال ) ( وما أصاب أهل البغي من القتل والأموال قبل أن يخرجوا ويحاربوا ثم صالحوا بعد الخروج على إبطال ذلك لم يجز وأخذوا بجميع ذلك من القصاص والأموال ) لأن ذلك حق لزمهم للعباد وليس للإمام ولاية إسقاط حقوق العباد فكان شرطهم إسقاط ذلك عنهم شرطا باطلا فلا يوفي به ويصنع بقتلى أهل العدل ما يصنع بالشهيد فلا يغسلون ويصلى عليهم هكذا فعل علي - رضي الله عنه - بمن قتل من أصحابه وبه أوصى عمار بن ياسر وحجر بن عدي وزيد بن صوحان - رضي الله عنهم - حين استشهدوا وقد رويناه في كتاب الصلاة ولا يصلى على قتلى أهل البغي ولا يغسلون أيضا ولكنهم يدفنون لإماطة الأذى هكذا روى عن علي - رضي الله عنه - أنه لم يصل على قتلى النهروان ولأن الصلاة عليهم للدعاء لهم والاستغفار . قال الله تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وقد منعنا من ذلك في حق أهل البغي ولأن القيام بغسلهم والصلاة عليهم نوع موالاة معهم والعادل ممنوع من الموالاة مع أهل البغي في حياة الباغي فكذلك بعد وفاته وكان الحسن بن زياد - رحمهما الله تعالى - يقول هذا إذا بقيت لهم فئة فإن لم يبق لهم فلا بأس للعادل بأن يغسل قريبه من أهل البغي ويصلى عليه وجعل ذلك بمنزلة قتل الأسير والتجهيز على الجريح لأن في القيام بذلك مراعاة حق القرابة ولا بأس بذلك إذا لم يبق لهم فئة
( قال ) ( وأكره أن تؤخذ رؤسهم فيطاف بها في الآفاق ) لأنه مثلة وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - عن المثلة ولو بالكلب العقور ولأنه لم يبلغنا أن عليا - رضي الله عنه - صنع ذلك في شيء من حروبه وهو المتبع في الباب ولما حمل رأس يباب البطريق إلى أبي بكر - رضي الله عنه - كرهه فقيل إن الفرس والروم يفعلون ذلك فقال لسنا من الفرس ولا الروم يكفينا الكتاب والخبر وقد جوز ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا إن كان فيه كسر شوكتهم أو طمأنينة قلب أهل العدل استدلالا بحديث ابن مسعود - رضي الله عنهم - حين حمل رأس أبي جهل إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فلم ينكر عليه وإذا قتل العادل في الحرب أباه الباغي ورثه لأنه قتل بحق فلا يحرمه الميراث كالقتل رجما أو في قصاص وهذا لأن حرمان الميراث عقوبة شرعت جزاء على قتل محظور فالقتل المأمور به لا يصلح أن يكون سببا له وكذلك الباغي إذا قتل مورثه العادل يرثه في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - ولا يرثه في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لأنه قتل بغير حق فيحرمه الميراث كما لو قتله ظلما من غير تأويل وهذا لأن اعتقاده تأويله لا يكون حجة على مورثه العادل ولا على سائر ورثته وإنما يعتبر ذلك في حقه خاصة يوضحه أن تأويل أهل البغي عند انضمان المنعة يعتبر على الوجه الذي يعتبر في حق أهل الحرب وتأثير ذلك في إسقاط ضمان النفس والمال لا في حكم التوريث إذ لا توارث بين المسلم والكافر فكذلك تأويل أهل البغي وهما يقولان المقاتلة بين الفئتين بتأويل الدين فيستويان في الأحكام وإن اختلفا في الآثام كما في سقوط الضمان وكما في حق أهل الحرب مع المسلمين وكما أن قتل الباغي مورثه بغير حق فقتل الحربي كذلك بغير حق ثم لا يتعلق به حرمان الميراث حتى إذا جرح الكافر مورثه ثم أسلم ثم مات من تلك الجراحة ورثه وكما أن إعتقاده لا يكون حجة على العادل في حكم التوريث فكذلك في حكم سقوط حقه في الضمان لا يكون حجة ولكن قيل لما انقطعت ولاية الإلزام بانضمام المنعة إلى التأويل جعل الفاسد من التأويل كالصحيح في ذلك الحكم فكذلك في حكم التوريث ويكره للعادل أن يلي قتل أخيه وأبيه من أهل البغي أما في حق الأب لا يشكل فإنه يكره له قتل أبيه المشرك كما قال تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } ( لقمان : 15 ) فالمراد في الأبوين المشركين كذلك تأول الآية وهو قوله تعالى { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } ولما استأذن حنظلة بن أبي عامر - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في قتل أبيه المشرك كره له ذلك وقال يكفيك ذلك غيرك وكذلك لما استأذن عبدالله بن عبدالله بن أبي سلول رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في قتل أبيه المشرك نهاه عن ذلك ولا بأس بقتل أخيه إذا كان مشركا ويكره إذا كان باغيا لأن في حق الباغي اجتمع حرمتان حرمة القرابة وحرمة الإسلام فيمنعه ذلك من القصد إلى قتله وفي حق الكافر إنما وجد حرمة واحدة وهو حرمة القرابة فذلك لا يمنعه من القتل كالحرمة في حق الدين في حق الأجانب من أهل البغي فإن قصده أبوه المشرك أو الباغي ليقتله كان للإبن أن يمتنع منه ويقتله لأنه يقصد بفعله الدفع عن نفسه لا قتل أبيه وكل واحد مأمور بأن يدفع قصد الغير عن نفسه وإن كان الرجل من أهل العدل في صف أهل البغي فقتله رجل لم يكن عليه فيه الدية كما لو كان في صف أهل الحرب لأنا أمرنا بقتال الفريقين فكل من كان واقفا في صفهم فقتاله حلال والقتال الحلال لا يوجب شيئا ولأنه أهدر دمه حين وقف في صف أهل البغي وإذا دخل الباغي عسكر أهل العدل بأمان فقتله رجل من أهل العدل فعليه الدية كما لو قتل المسلم مستأمنا في دارنا وهذا لبقاء شبهة الإباحة في دمه حين كان دخوله بأمان ألا ترى أنه يجب تبليغه مأمنه ليعود حربا فالقصاص يندرئ بالشبهات ووجوب الدية للعصمة والتقوم في دمه للحال
( قال ) ( وإذا حمل العادل على الباغي في المحاربة فقال قد تبت وألقى السلاح كف عنه ) لأنه إنما يقاتله ليتوب وقد حصل المقصود فهو كالحربي إذا أسلم ولأنه يقاتله دفعا لبغيه وقتاله وقد اندفع ذلك حين ألقى السلاح وكذلك لو قال كف عني حتى أنظر في أمري فلعلي أتابعك وألقي السلاح لأنه استأمن لينظر في أمره فعليه أن يجيبه إلى ذلك رجاء أن يحصل المقصود بدون القتال وفي حق أهل الحرب لا يلزمه إعطاء الأمان لأن الداعي إلى المحاربة هناك شركة ولا ينعدم ذلك بإلقاء السلاح وههنا أهل البغي مسلمون وإنما يقاتلون لدفع قتالهم فإذا ألقي السلاح واستمهله كان عليه أن يمهله ولو قال أنا على دينك ومعه السلاح لم يكف عنه بذلك لأنه صادق فيما قال وقد بينا أن البغاة مسلمون وقد كان العادل مأمورا بقتالهم مع علمه بذلك فلا يتغير ذلك بإخباره إياه بذلك وهذا لأنه مادام حاملا للسلاح فهو قاصد للقتال إن تمكن منه فيقتله دفعا لقتاله وإذا غلب قوم من أهل البغي على مدينة فقاتلهم قوم آخرون من أهل البغي فهزموهم فأرادوا أن يسبوا ذراري أهل المدينة لم يسع أهل المدينة إلا أن يقاتلوا دون الذراري لأن ذرارى المسلمين لا يسبون فإن البغاة ظالمون في سبيهم وعلى كل من يقوى على دفع الظلم عن المظلوم أن يقوم به كما قال - صلى الله عليه و سلم - ( لا حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا ) وإذا وادع أهل البغي قوما من أهل الحرب لم يسع لأهل العدل أن يغزوهم لأنهم من المسلمين وأمان المسلم إذا كان في فئة ممتنعة نافذ على جميع المسلمين فإن غدر بهم أهل البغي فسبوهم لم يشتر منهم أهل العدل شيئا من تلك السبايا لأنهم كانوا في موادعة وأمان من المسلمين فالذين غدروا بهم لا يملكونهم ولكنهم يؤمرون بإعادتهم إلى ما كانوا عليه حتى إذا تاب أهل البغي أمروا بردهم وكذلك إن كان أهل العدل هم الذين وادعوهم وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجؤهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي لأنه حكم أهل الشرك ظاهر عليهم ولا يحل لهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرا لأنهم يقاتلون لإعزاز الدين والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب وإذا لم يكن لأهل البغي منعة وإنما خرج رجل أو رجلان من أهل مصر على تأويل يقاتلان ثم يستأمنان أخذا بجميع الأحكام لأنهما بمنزلة اللصوص وقد بينا أن التأويل إذا تجرد عن المنعة لا يكون معتبرا لبقاء ولاية الإلزام بالمحاجة والدليل أنهما معتقدان الإسلام فيكونان كاللصين في جميع ما أصابا وإذا اشتد رجل على رجل في المصر بعصا أو حجر فقتله المشدود عليه بحديدة قتل به في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إذا اشتد عليه بشيء لو قتله به قتله فقتله المشدود عليه فدمه هدر وينبغي له أن يقتله وهذه المسألة تنبني على مسألة كتاب الديات أن القتل بالحجر والعصا لا يوجب القصاص عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعندهما ما لا يثبت من الحجر الكبير والعصا بمنزلة السلاح في أنه يجب القصاص به بخلاف العصا الصغير ثم المشدود عليه يتمكن من دفع شر القتل عن نفسه إذا صار مقصودا بالقتل وإقدامه على ما هو مباح له أو مستحق عليه شرعا لا يوجب عليه شيئا فإذا كان عندهما الحجر الكبير كالسلاح فنقول الشاد لو حقق مقصوده لزمه القصاص فبمجرد قصده يهدر دمه بل أولى لأن هدر الدم وإباحة القتل بمجرد القصد أسرع ثبوتا حتى كان للإبن أن يقتل أباه إذا قصده دفعا للضرر وإن كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القود وكذلك الصبي والمجنون إذا قصد قتل إنسان بالسلاح يباح قتله دفعا وإن كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص ثم ما لا يثبت عندهما آلة القتل كالسلاح فالمقصود بالقتل دفع شر القتل عن نفسه فلا يلزمه شيء وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - العصا والحجر ليس بآلة القتل فهو لا يدفع القتل عن نفسه وإنما يدفع الأذى عن نفسه وبالحاجة إلى دفع الأذى لا يباح له الإقدام على القتل ولأن الشاد لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص فبمجرد القصد أيضا لا يهدر دمه
( فإن قيل ) إن كان لا يخاف على نفسه من جهة القتل بخلاف الجرح وحرمة أطرافه لا تكون دون حرمة ماله ولو قصده ماله كان له أن يقتله دفعا فهنا أولى
( قلنا ) بناء هذا الحكم على قصده وقصده ههنا النفس لا الطرف والمشدود عليه لا يخاف القتل من جهة لأنه في المصر بالنهار فيلحقه الغوث قبل أن يأتي على نفسه فلهذا لا يباح الإقدام على قتله بخلاف ما إذا كان بالليل أو كان بالمفازة لأن الغوث بالبعد منه عادة فإلى أن ينتبه الناس ويخرجوا ربما يأتي على نفسه فكان هو دافعا شر القتل عن نفسه وبخلاف السلاح فإنه آلة القتل من حيث أنه جارح فالظاهر أنه يأتي على نفسه قبل أن يلحقه الغوث فيباح له أن يقتله دفعا فلا يلزمه به شيء ولا يفصل بين قصده إلى المال أو إلى النفس بل هو على التقسيم الذي قلنا سواء أراد نفسه أو ماله ومقصوده من ايراد هذه المسألة ههنا الفرق بين اللصوص وبين أهل البغي فإن في حق اللصوص المنعة تجردت عن تأويل وقد بينا أن في حق أهل البغي أن المغير للحكم اجتماع المنعة والتأويل وأنه إذا تجرد أحدهما عن الآخر لا يتغير الحكم في حق ضمان المصاب والعبد في جميع ما ذكرنا كالحر وعلى هذا لو أن لصوصا غير متأولين غلبوا على مدينة فقتلوا الأنفس واستهلكوا الأموال ثم ظهر عليهم أهل العدل أخذوا بجميع ذلك لتجرد المنعة عن التأويل وإذا غلب أهل البغي على مدينة فاستعملوا عليها قاضيا فقضى بأشياء ثم ظهر أهل العدل على تلك المدينة فرفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل فإنه ينفذ منها ما كان عدلا لأنه لو نقضها احتاج إلى إعادة مثلها والقاضي لا يشتغل بما لا يفيد ولا ينقض شيئا ليعيده وكذلك إن قضى بما رآه بعض الفقهاء لأن قضاء القاضي في المجتهدات نافذ فلا ينقض ذلك قاضي أهل العدل من قضايا من تقلد من أهل البغي وإن كان مخالفا لرأيه وإذا اجتمع عسكر أهل العدل والبغي على قتال أهل الحرب فغنموا غنيمة اشتركوا فيها لأنهم مسلمون اشتركوا في القتال لإعزاز الدين وفي إحراز الفيء بدار الإسلام وهو معنى قول علي - رضي الله عنه - ( لن نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا ) ويأخذ خمسها أهل العدل ليصرفوا ذلك إلى المصارف فإن أهل البغي لا يفعلون ذلك لأنهم يستحلون أموالنا فالظاهر أنهم لا يصرفون الخمس إلى مصارفه ولأن أهل العدل يؤمرون بأن يتكلفوا لتكون الراية لهم وإنما يظهر ذلك إذا كانوا هم الذين أخذوا الخمس وكذلك إن غنم أحد الفريقين دون الآخر اشتركوا فيها لأن بعضهم ردء البعض وقد اشتركوا في الإحراز وكذلك إذا غزا الإمام بجند المسلمين . فمات في أرض الحرب واختلف الجند فيمن يستخلفونه ثم غنموا أو غنمت طائفة منهم اشتركوا فيها لأنهم مع هذا الاختلاف يجتمعون على قتال أهل الحرب لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين فيشتركون في المصاب وقد بينا أن جيشا لهم منعة لو دخلوا دار الحرب من غير إذن الإمام خمس ما أصابوا وقسم ما بقي بينهم على سهام الغنيمة فكذلك حال الذين قاتلوا بعدما مات الإمام قبل أن يستخلفوا غيره وإذا استعان قوم من أهل البغي بقوم من أهل الحرب على قتال أهل العدل وقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل قال يسبي أهل الحرب وليست استعانة أهل البغي بهم بأمان لهم لأن المستأمن يدخل دار الإسلام تاركا للحرب وهؤلاء ما دخلوا دار الإسلام إلا ليقاتلوا المسلمين من أهل العدل فعرفنا أنهم غير مستأمنين ولأن المستأمنين لو تجمعوا وقصدوا قتال المسلمين وناجزوهم كان ذلك منهم نقضا للأمان فلأن يكون هذا المعنى مانعا ثبوت الأمان في الابتداء أولى وكذلك أهل البغي إذا دعوا قوما من أهل الحرب فأعان أولئك القوم من أهل الحرب على أهل العدل فقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل فإنهم يسبونهم لما بينا أن موادعة أهل البغي وإن كانت عاملة في حق أهل العدل فهم بالقصد إلى مال أهل العدل صاروا ناقضين لتلك الموادعة والتحقوا بمن لا موادعة لهم من أهل الحرب في حكم السبي من لحق بعسكر أهل البغي وحارب معهم لم يكن فيه حكم المرتد حتى لا يقسم ماله بين ورثته ولا تنقطع العصمة بينه وبين امرأته فإن عليا - رضي الله تعالى عنه - لم يفعل ذلك في حق أحد ممن التحق من أهل عسكره بمن خالف ولما قال للذي أتاه بعد ذلك يخاصم في زوجته : أنت الممالئ علينا عدونا قال أو يمنعني ذلك عدلك فقال لا وقضى له بزوجته ولأن الموت الحكمي إنما يثبت بتباين الدارين حقيقة وحكما وذلك لا يوجد ههنا فمنعة أهل البغي وأهل العدل كلها في دار الإسلام فلهذا لا يقسم ماله بين ورثته ولا تنقطع العصمة بينه وبين زوجته والله أعلم

(6/138)


باب آخر في الغنيمة

(6/139)


( قال ) قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - ( المقطوع في الحرب وصاحب الديون في الغنيمة سواء ) لأن النبي - صلى الله عليه و سلم - لما سئل عن الغنيمة قال ( لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم فقال السائل فهل أحدا أحق بشيء من غيره قال لا حتى لو رميت بسهم في جنبك فاستخرجته لم تكن أحق به من صاحبك ) ولأن السبب هو القهر على وجه يكون فيه إعزاز الدين والمتطوع في ذلك كصاحب الديون ومن دخل دار الحرب للتجارة وهو في عسكر المسلمين فلا حق له في الغنيمة إلا أن يلقى المسلمون العدو فيقاتل معهم فيشاركهم حينئذ لأن التاجر ما كان قصده عند الانفصال إلى دار الحرب القتال لاعزاز الدين وإنما كان قصده التجارة فلا يكون هو من الغزاة وإن كان فيهم إلا أن يقاتل فحينئذ يتبين بفعله أن مقصوده القتال ومعنى التجارة تبع فلا يحرمه ذلك سهمه وقيل نزل قوله عز و جل { ليس عليكم جناح أن يبتغوا فضلا من ربكم } يعني التجارة في طريق الحج فكذلك في طريق الغزو وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - سألت أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - عن قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير الذي لا يطيق القتال والذين بهم زمانة لا يطيقون القتال فنهى عن ذلك وكرهه والأصل فيه قول رسول الله - صلى الله عليه و سلم - حين رأى امرأة مقتولة ( ها ما كانت هذه تقاتل ) فهذا تنصيص على أنها لا تقتل والشيخ الكبير ومن به زمانة بهذه الصفة قالوا : وهذا إذا كان لا يقاتل برأيه وأما إذا كان يقاتل برأيه ففي قتله كسر شوكتهم فلا بأس بذلك فإن دريد بن الصمة قتل يوم حنين وكان ابن مائة وستين وقد عمى وكان ذا رأي في الحرب
( قال ) ( وسألته عن أصحاب الصوامع والرهبان فرأى قتلهم حسنا ) وفي السير الكبير مروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنهم لا يقتلون وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى - وقيل لا خلاف في الحقيقة فإنهم إن كانوا يخالطون الناس يقتلون عندهم جميعا لأن المقاتلة يصدرون عن رأيهم وهم الذين يحثونهم على قتال المسلمين وإن كانوا طينوا على أنفسهم الباب ولا يخالطون الناس أصلا فإنهم لا يقتلون لأنهم لا يقاتلون بالفعل ولا بالحث عليه وقيل بل في المسألة خلاف فهما استدلا بوصية أبي بكر - رضي الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان حيث قال ( وستلقى أقواما من أصحاب الصوامع والرهبان زعموا أنهم فرغوا أنفسهم للعبادة فدعهم وما فرغوا أنفسهم له ) والمعنى فيه أنهم لا يقاتلون والقتل لدفع القتال فكانوا هم في ذلك كالنساء والصبيان وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول هؤلاء من أئمة الكفر قال تعالى { فقاتلوا أئمة الكفر } ( التوبة : 12 ) فمعنى هذا الكلام أنهم فرغوا أنفسهم للإصرار على الكفر والاشتغال بما يمنع عنه في الإسلام والظاهر أن الناس يقتدون بهم فهم يحثون الناس على القتال فعلا وإن كانوا لا يحثونهم على ذلك قولا ولأنهم بما صنعوا لا تخرج بنيتهم من أن تكون صالحة للمحاربة وإن كانوا لا يشتغلون بالمحاربة كالمشغولين بالتجارة والحراثة منهم بخلاف النساء والصبيان
( قال ) ( وسألته عن الرجل يأسر الرجل من أهل العدو هل يقتله أو يأتي به الإمام قال أي ذلك فعل فحسن ) لأن بالأسر ما تسقط الإباحة من دمه حتى يباح للإمام أن يقتله فكذلك يباح لمن أسره كما قبل أخذه ولما قتل أمية بن خلف بعدما أسر يوم بدر لم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه و سلم - على من قتله وإن أتى به الإمام فهو أقرب إلى تعظيم حرمة الإمام والأول أقرب إلى إظهار الشدة على المشركين وكسر شوكتهم فينبغي أن يختار من ذلك ما يعلمه أنفع وأفضل للمسلمين
( قال ) ( وسألته عن الرجل من أهل الحرب يقتله المسلمون هل يبيعون جيفته من أهل الحرب قال لا بأس في ذلك بدار الحرب في غير عسكر المسلمين وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - أكره ذلك وأنهي عنه ) وأصل الخلاف في عقود الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد بيناه وأشار إلى المعنى ههنا فقال أموال أهل الحرب تحل للمسلمين بالغصب فبطيب أنفسهم أولى معناه أن في غير عسكر المسلمين لا أمان لهم في المال الذي جاؤا به فإن للمسلمين أن يأخذوه بأي طريق يتمكنون من ذلك ولا يكون هذا أخذا بسبب بيع الميتة والدم بل بطريق الغنيمة ولهذا يخمس ويقسم ما بقي بينهم على طريق الغنيمة وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر الغالب لأن قتالهم بهذه الصفة لإعزاز الدين والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب ولكن يرضخ لأولئك ولا يسهم لأن السهم للغزاة والمشرك ليس بغاز فإن الغزو عبادة والمشرك ليس من أهلها وأما الرضخ لتحريضهم على الإعانة إذا احتاج المسلمون إليهم بمنزلة الرضخ للعبيد والنساء
( قال ) ( وسألته عن الأسير يقتل أو يفادى قال لا يفادى ولكنه يقتل أو يجعل فيئا أي ذلك كان خيرا للمسلمين فعله الإمام ) والكلام ههنا في فصول :
( أحدها ) : مفاداة الأسير بمال يؤخذ من أهل الحرب فإن ذلك لا يجوز عنده
وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز بالمال العظيم وذكر محمد - رحمه الله تعالى - في السير الكبير أن ذلك يجوز إذا كان بالمسلمين حاجة إلى المال لقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء والمراد به الأسارى بدليل أول الآية فشدوا الوثاق ولما شاور رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - في الأسارى يوم بدر أشار أبو بكر - رضي الله عنه - بالمفاداة فمال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إلى ذلك لما رأى من حاجة أصحابه إلى المال في ذلك الوقت والمعنى فيه أن استرقاق الأسير جائز وفيه منفعة للمسلمين من حيث المال فإذا فادوه بمال عظيم فمنفعة المسلمين من حيث المال في ذلك أظهر فيجوز ذلك ولا يجوز قتله وفيه إبطال حق الغانمين عنه بغير عوض فلأن يجوز بعوض وهو المال الذي يفادى به كان أولى
( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ( التوبة : 5 ) فبهذا تبين أن قتل المشرك عند التمكن منه فرض محكم وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض وسورة براءة من آخر ما نزل فكانت هذه الآية قاضية على قوله تعالى { فإما منا بعد وإما فداء } ( محمد : 4 ) على ما فعله رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من مفاداة الأسارى يوم بدر كيف وقد قال تعالى { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } ( الأنفال : 68 ) وقال - صلى الله عليه و سلم - ( لو نزل العذاب ما نجى منه إلا عمر فإنه كان أشار بقتلهم واستقصى في ذلك ) وقال تعالى { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } ( البقرة : 85 ) فما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة على وجه الإنكار عليهم ففائدتنا أن لا نفعل مثل ما فعلوا و ( حديث أبي بكر - رضي الله عنه - في الأسير حيث قال لا تفادوه وإن أعطيتم به مدين من ذهب ) ولأنه صار من أهل دارنا فلا يجوز إعادته إلى دار الحرب ليكون حربا علينا بمال يؤخذ منه كأهل الذمة وبه فارق الاسترقاق لأن في ذلك تقرير كونه من أهل دارنا لا لمقصود المال كأخذ الجزية من أهل الذمة ولأن تخلية سبيل المشرك ليعود حربا للمسلمين معصية وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز وقتل المشرك فرض ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة إلى المال فكذلك لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة يوضحه : أن في هذا تقوية المشركين بمعنى يختص بالقتال وذلك لا يجوز لمنفعة المال كما لا يجوز بيع الكراع والسلاح منهم بل أولى لأن قوة القتال بالمقاتل أظهر منه بآلة القتال وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال لا يجوز المفاداة للشيخ الكبير الذي لا يرجي له نسل ولا رأي له في الحرب بالمال لأن مثله لا يقتل وليس في المفاداة ترك القتل المستحق ولا تقوية المشركين بإعادة المقاتل إليهم فهو كبيع الطعام وغيره من الأموال منهم فأما مفاداة الأسير بالأسير لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي رواية عنه أنه جوز ذلك وهو قولهما لأن في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين وذلك جائز كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح أو غير ذلك وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن قتل المشركين فرض محكم فلا يجوز تركه بالمفاداة وهذا لأنه إذا ابتلى الأسير المسلم بعذاب أو فتنة من جهتهم فذلك لا يكون مضافا إلى فعل المسلم وإذا خلينا سبيل المشرك ليعود حربا لنا فذلك بفعل مضاف إلينا فمراعاة هذا الجانب أولى وهذا لأنا أمرنا ببذل النفوس والأموال لنتوصل إلى قتلهم فبعد التمكن من ذلك لا يجوز تركه للخوف على الأسير المسلم ولأن أسيرهم صار من أهل دارنا بمنزلة الذمي فكما لا يجوز إعادة الذمي إليهم بطريق المفاداة بأسير المسلمين فكذلك بأسيرهم ويستوي إن طلب مفاداة أسير بأسير أو أسيرين بأسير منهم لأن الظاهر أنهم إنما يطلبون ذلك لقوة قتال ذلك الأسير وفي المفاداة تقويتهم على قتال المسلمين وقد بينا أن ذلك ممتنع شرعا ثم قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - تجوز المفاداة بالأسير قبل القسمة ولا يجوز بعد القسمة لأن قبل القسمة لم يتقرر كونه من أهل دارنا حتى كان للإمام أن يقتله وقد تقرر ذلك بعد القسمة حتى ليس للإمام أن يقتله فكان بمنزلة الذي بعد القسمة وجعل قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } ( محمد : 4 ) كناية عن القسمة لأن تحققه يكون عند ذلك ومحمد - رحمه الله تعالى - يجوز المفاداة بالأسير بعد القسمة لأن المعنى الذي لأجله جوزنا ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم وهذا موجود بعد القسمة وحقهم في الاسترقاق ثابت قبل القسمة وقد صار بذلك من أهل دارنا ثم تجوز المفاداة به لهذه الحاجة فكذلك بعد القسمة
وقال : لو انفلتت إليهم دابة مسلم فأخذوها في دارهم ثم ظهر المسلمون عليها أخذها صاحبها قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة لأنه لا يد للدابة في نفسها فتحقق إحراز المشركين إياها بالأخذ في دارهم بخلاف الآبق على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وقد بيناه وإن خرج رجل من المشركين بمال أصابه من المسلمين ليبيعه في دار الإسلام فلا سبيل للمالك القديم عليه كما لو أسلم أو صار ذميا لأنا أعطيناه الأمان فيما معه من المال وفي أخذ ذلك منه ترك الوفاء بالأمان إلا في العبد الآبق فإن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - قال يأخذه مولاه حيث ما وجده بغير شيء لأنهم لم يملكوه وإنما أعطيناه الأمان فيما هو مملوك له وإذا أسر المشركون جارية لمسلم فأحرزوها ثم اشتراها منهم مسلم فعميت عندهم لم يكن لمولاها أن يأخذها إلا بجميع الثمن في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - فيما أعلم لأن الثمن الذي يعطيه المالك القديم فداء وليس ببدل والفداء بمقابلة الأصل دون الوصف ألا ترى أن العبد الجاني إذا عمى عند مولاه واختار الفداء لزمه الفداء بجميع الدية ولأن المولى إذا اختار الأخذ بالثمن يصير المشتري كالمأمور من جهته بالشراء له ولو كان أمره بذلك فعميت عنده لم يسقط عنه شيء من الثمن فهذا مثله وكذلك لو قطعت يدها فأخذ المشتري أرشها فإن مولاها يأخذها دون الأرش بجميع الثمن لأن الأرش دراهم ودنانير وهي لا تفدى فإذا كان حق المولى في الأرض لا يثبت كان هذا في حقه وما لو سقطت اليد بآفة سواء فلا يسقط شيء من الفداء عن المولى بسلامة الأرش للمشتري ألا ترى أن المشتري لو كان هو الذي قطع يدها أو فقأ عينها لم ينتقص شيء من الفداء باعتباره فكذلك إذا فعل ذلك غيره لأن سلامة البدل كسلامة الأصل وبه يظهر الفرق بين هذا وبين الشفعة فإن هناك لو هدم المشتري شيئا من البناء سقط عن الشفيع حصته من الثمن فكذا إذا فعله غيره يسلم للمشتري بدله وهذا لأن ما يعطيه الشفيع بدل وما صار مقصودا من الأوصاف يكون له حصة من البدل كما لو فقأ البائع عين المبيعة قبل القبض وكذلك إن ولدت عند المشتري فأعتق المشتري الأم أو الولد أخذ الباقي منهما بجميع الثمن وكذلك لو قتل الولد فاختار الأخذ فله أن يأخذ الأم بجميع الثمن لأن الولد جزء من الأصل فإتلاف الولد كإتلاف جزء منها وإذا بقى الولد فبقاء الجزء في حكم الفداء كبقاء الأصل ولم يذكر الخلاف ههنا فيما إذا أتلف الأم وبقى الولد وفي ذلك اختلاف بين أبي يوسف ومحمد وقد قررنا ذلك فيما أمليناه من شرح الجامع ولو أن رجلا باع أمة من رجل فلم يقبضها المشتري ولم ينقد الثمن حتى أسرها أهل الحرب فاشتراها منهم رجل لم يكن للمشتري عليها سبيل حتى يأخذها البائع لأن قبل الأسر كان البائع أحق بها ليحبسها بالثمن فكذلك بعد الأسر هو أحق بأن يأخذها بالثمن ليعيد حقه في الحبس وإذا أخذها بالثمن كان للمشتري أن يأخذها بالثمنين جميعا الثمن الأول الذي اشتراها به والثاني الذي افتكها به لأن قصده بما أدى من الفداء إحياء حقه وكان لا يتوصل إلى إحياء حقه إلا بذلك فلم يكن متبرعا فيما أدى وكل حر أسره أهل الحرب ثم أسلموا عليه فهو حر لأنهم لم يملكوه بالأسر فكانوا ظالمين في حبسه فيؤمرون بعد الإسلام بتخلية سبيله وكذلك أم الولد والمدبر والمكاتب لأن أهل الحرب لم يملكوهم لما ثبت فيهم من حق الحرية أو اليد المحترمة للمكاتب في نفسه ولهذا لا يملكون بالبيع فكذلك بالأسر ولو أن الحر أمر تاجرا في دارهم فاشتراه منهم كان للمشتري أن يرجع عليه بالثمن لأنه أمره بأن يعطي مال نفسه في عمل يباشره له فيرجع عليه بذلك كما لو أمره بأن ينفق عليه أو على عياله والمكاتب كذلك لأن أحق بكسبه وأمره بالفداء صحيح في كسبه كأمر الحر وأما المدبر وأم الولد فإنه يرجع عليهما بالثمن إذا أعتقا لأن كسبهما ملك مولاهما وأمرهما غير معتبر في حق المولى ولكنه معتبر في حقهما فيكون هذا بمنزلة كفالة أو إقرار منهما بمال فيؤخذان به بعد العتق وإن اشتراهم بغير أمرهم لم يملكهم لأن البائع لم يكن مالكا فكذلك المشتري لا يملكهم وبطل ماله لأنه متبرع فيما فدى به غير مجبر على ذلك شرعا ولا مأمور به من جهة من حصلت له المنفعة فلا يرجع عليه بشيء كما لو انفق على عيال رجل بغير أمره ولو أن رجلا حرا أمر رجلا أن يشتري حرا من دار الحرب بعينه بمال سماه فاشتراه لم يكن له على الحر الذي اشتراه من ذلك شيء لأنه لم يأمره بما فعل وكان للمأمور أن يرجع على الذي أمره إن كان ضمن له الثمن أو قال اشتراه لي لأنه استعمله وضمن له ما يؤدي من مال نفسه وإن كان قال له اشتراه لنفسه واحتسب فيه لم يرجع عليه بشيء لأنه أشار عليه بما هو تبرع وإحسان ولم يستعمله ولا ضمن له شيئا والرجوع عليه بهذا الطريق يكون
وإذا اشترى من المشركين عبدا كانوا أسروه من المسلمين فرهنه المشتري ثم جاء مولاه الأول لم يكن له عليه سبيل حتى يفتكه الراهن لأن الراهن بعقد الرهن أوجب الحق للمرتهن في ماليته وصح ذلك منه بمصادفة تصرفه ملكه ولا يتمكن المولى من أخذه من المرتهن لأنه ليس بمالك له ولا من الراهن قبل الفكاك لقصور يده عنه بحق المرتهن فإن أراد أن يتطوع بأداء الدين ثم يعطى الراهن الثمن فذلك له لأنه أوصل إلى المرتهن حقه وهو متطوع في الدين الذي أدى لأنه متبرع بقضاء الدين عن الغير ولأنه فادى ملك الغير وهذا بخلاف البائع فإنه قبل التسليم هو بمنزلة المالك يدا وإنما فادى حقا له يوضحه أن هناك لا يطريق له في التوصل إلى إحياء حقه إلا بما أدى من الفداء فلا يجعل متبرعا فيه وههنا للمولى القديم طريق إلى ذلك بدون قضاء الدين وهو أن يصبر حتى يفتك الراهن فيأخذه حينئذ
( قال ) ( ولا يجبر الراهن على افتكاكه ) لأن الأحياء لحق ثابت في العين في الحال ولا حق للمولى القديم في الأخذ ما لم يسقط حق المرتهن فلهذا لا يجبر على افتكاكه ولو كان أجره المشتري إجارة كان لمولاه أن يأخذه بالثمن ويبطل الإجارة فيما بقي لأن الإجارة عقد ضعيف ينقض بالعذر ألا ترى أنها تنقض بالرد بسبب فساد البيع والرد بالعيب بخلاف الرهن فكذلك تنقض بالرد على المالك القديم بالثمن بخلاف الرهن وإذا غلب قوم من أهل الحرب على قوم آخرين من أهل الحرب فاتخذوهم عبيدا للملك ثم إن الملك وأهل أرضه أسلموا أو صاروا ذمة فأولئك المغلوبون عبيد له يصنع بهم ما شاء لما بينا نهبة فالمقهورون منهم صاروا مملوكين للقاهر بإحرازه إياهم بمنعته لأن قهره بالذين هم جنده يطيعونه كقهره بنفسه وأما جنده الذين غلب بهم فهم أحرار لأنه كان قاهرا بهم لا لهم فكانوا قبل الإسلام أحرارا وبالإسلام تتأكد حريتهم ولا تبطل وإن حضر الملك الموت فورث ماله بعض بنيه دون بعض أو جعل لكل واحد من بنيه موضعا ملعوما فإن كان صنع ذلك قبل أن يسلم أو يصير ذمة ثم أسلم ولده بعده فهو جائز على ما صنع لأن الولد الذي ملكه أبوه صار قاهرا مالكا لما أعطاه ولو فعل ذلك بعد موت أبيه بقوته بنفسه أو أتباعه كان يتم ملكه فكذلك إذا فعله بقوة أبيه ومنعته وما كان هو مالكا له قبل الإسلام فبالإسلام يتأكد ملكه فيه وكذلك إن كان فعله وهو موادع للمسلمين جاز أيضا لأن بالموادعة لا تخرج أمواله من أن تكون نهبة تملك بالقهر وإنما يحرم علينا أخذه لمعنى الغدر وهذا لأن بالموادعة لا يصير محرزا له فإن داره لا تصير دار الإسلام فكان ما فعله بعد الموادعة من تخصيص بعض الأولاد بتلميك المال منه كالمفعول قبل الموادعة ولأنه ما التزم أحكام الإسلام والمنع من ايثار بعض الأولاد على البعض من حكم الإسلام وإن كان جعله لابنه فظهر عليه ابن آخر له بعده فقتله أو نفاه وغلب على ما في يده ثم أسلم كان للابن القاهر ما غلب عليه من ذلك لما بينا أنه بالقهر يصير متملكا عليه ذلك المال لبقائه على الإباحة بعد الموادعة في حق ما بينهم فإن فعل ذلك هذا الابن بعدما أسلم الابن المقهور أو صار ذمة غلبه على جميع ذلك وأخرج منه أخاه فإن صنعه وهو محارب فجميع ما غلبه عليه له إن أسلم أو صار ذمة لأنه تم إحرازه لمال المسلم أو الذمي فيملكه ويتأكد ملكه بإسلامه وإن صنعه وهو مسلم أو ذمي أمر برد ذلك عليه لأنهم جميعا من أهل دار الإسلام فلا يملك بعضهم مال بعض بالقهر وإن صنع وهو محارب ثم ظهر المسلمون على ذلك فإن وجده الابن الأول قبل القسمة أخذه بغير شيء وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة وإن اشتراه مسلم منهم وسعه ذلك وكان للأول أن يأخذه منه بالثمن إن شاء كما هو الحكم في أهل الحرب إذا أحرزوا مال المسلمين وإن كان الابن القاهر صنع ذلك وهما مسلمان أو ذميان فلا ينبغي للمسلمين أن يشتروا منه شيئا من ذلك لأنه غاصب غير مالك وهو مأمور بالرد ولا يسع أحد أن يشتري منه شيئا من ذلك وإن اشتراه أخذه منه الأول بغير ثمن لأن البائع لم يكن مالكا فكذلك المشتري منه لا يكون مالكا بل يؤمر برده على المالك مجانا وإن ارتد هذا الابن القاهر بعد ذلك ومنع الدار وأجرى حكم الشرك في داره فقد تم إحرازه وصارت داره دار حرب عندهما بإجراء أحكام الشرك فيها وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - بالشرائط الثلاثة كما بينا فإن ظهر المسلمون على تلك الدار بعد ذلك أخذ الابن المقهور ما وجد من ماله قبل القسمة بغير شيء وما وجده بعد القسمة بالقيمة لأنه مال مسلم أحرزه أهل الحرب بدارهم ثم ظهر المسلمون عليه وقد بينا الحكم فيه - فيما سبق والله أعلم
انتهى شرح السير الصغير المشتمل على معنى أثير بإملاء المتكلم بالحق المنير المحصور لأجله شبه الأسير المنتظر للفرج من العالم القدير السميع البصير المصلى على البشير الشفيع لأمته النذير وعلى كل صاحب له ووزير والله هو اللطيف الخبير

(6/140)


باب الرجل يرى الرجل يقتل أباه أو يره

(6/141)


( قال ) ( وإذا رأى الرجل رجلا يقتل أباه متعمدا فأنكر القاتل أن يكون قتله أو قال لابنه فيما بينه وبينه أني قتلته ) لأنه قتل ولي فلانا عمدا أو لأنه ارتد عن الإسلام ولا يعلم الابن مما قال القاتل شيئا ولا وارث للمقتول غيره فالابن في سعة من قتل القاتل لأنه تيقن بالسبب الموجب لحل دمه للقاتل فكان له أن يقتص منه معتمدا على قوله تعالى { فقد جعلنا لوليه سلطانا } ( الإسراء : 33 ) وعلى قوله - صلى الله عليه و سلم - ( العمد قود ) وحاصل المسألة على أربعة أوجه : أحدها : إذا عاين قتله والثاني : إذا أقر عنده أنه قتله فهذا ومعاينة القتل سواء لأن الإقرار موجب بنفسه حتى لا يملك المقر الرجوع عن إقراره فهذا ومعاينة السبب سواء والثالث : أن يقيم البينة بأنه قتل أباه فيقضى له القاضي بالقود فهو في سعة من قتله لأن قضاء القاضي ملزم فيثبت به السبب المطلق لاستيفاء القود له والرابع : أن يشهد عنده شاهدا عدل أن هذا الرجل قتل أباه فليس له أن يقتله بشهادة لأن الشهادة لا توجب الحق ما لم ينضم إليه القضاء والذي بينا في الإبن كذلك في غيره إذا عاين القتل أو سمع إقرار القاتل به أو عاين قضاء القاضي به كان في سعة من أن يعين الإبن على قتله لأنه يعينه على استيفاء حقه وذلك من باب البر والتقوى ولو شهد عنده بذلك شاهدان لم يسعه أن يعينه على قتله بشهادتهما حتي يقضي القاضي له بذلك وإن أقام القاتل عند الابن شاهدين عدلين أن أباه كان قتل أبا هذا الرجل عمدا فقتله به لم ينبغ للابن أن يعجل بقتله حتى ينظر فيما شهدا به لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي حكم ببطلان حقه فكذلك إذا شهدا عنده وكذلك لا ينبغي لغيره أن يعينه على ذلك إذا شهد عنده عدلان لما قلنا أو بأنه كان مرتدا حتى يتثبت فيه وهذا لأن القتل إذا وقع فيه الغلط لا يمكن تداركه فيتثبت فيه حتى يكون إقدامه عليه عن بصيرة وإن شهد بذلك عنده محدودان في قذف أو عبدان أو نسوة عدول لا رجل معهن أو فاسقان فهو في سعة من قتله لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي لم يمنعه من قتله بل يعينه على ذلك فكذلك إذا شهدوا عنده وإن تثبت فيه فهو خير له
لأنه أقرب إلى الاحتياط فإن القتل لا يمكن تداركه إذا وقع فيه الغلط وفرق بين القصاص وحد القدف فقال القاذف إذا أقام أربعة من الفساق يشهدون على صدق مقالته لا يقام عليه حد القذف والقاتل إذا أقام فاسقين على العفو أو على أن قتله كان بحق لا يسقط القود عنه والفرق أن هناك السبب الموجب للحد لم يتقرر فإن نفس القذف ليس بموجب للحد لأنه خبر متمثل بين الصدق والكذب وإنما يصير موجبا بعجزه عن إقامة أربعة من الشهداء ولم يظهر ذلك العجز لأن للفساق شهادة وإن لم تكن مقبولة والموجب للقود هو القتل وقد تقرر ذلك فالعفو بعده مسقط وهذا المسقط لا يظهر إلا بقبول شهادته وليس للفاسق شهادة مقبولة وبيان هذا أن الله تعالى قال { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } ( النور : 4 ) والمعطوف على الشرط شرط وفي باب القتل أوجب القود بنفس القتل فقال تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) ثم قال فمن تصدق به فهو كفارة له فعرفنا أن العفو مسقط بعد الوجوب لا أن يكون عدم العفو مقررا سبب الوجوب وإن شهد بذلك عنده شاهد عدل ممن يجوز شهادته فقال القاتل عندي شاهد آخر مثله ففي القياس له أن يقتله لأن المانع لا يظهر بشهادة الواحد وفي الاستحسان لا يعجل بقتله حتى ينظر أيأتيه بآخر أم لأنه لو أقام شاهد عدل عند القاضي وادعى أن له شاهدا آخر حاضرا أمهله إلي آخر مجلسه فكذلك الولى يمهله حتى يأتي بشاهد آخر وإن قتله كان في سعة لأن السبب المثبت لحقه كقرر والمانع لم يظهر وعلى هذا مال في يدي رجل شهد عدلان عند رجل أن هذا المال كان لأبيك غصبه هذا الرجل منه ولا وارث للأب غيره فله أن يدعى بشهادتهم وليس له أن يأخذ ذلك المال ما لم تقم البينة عند القاضي ويقضي له بذلك لأن الشهادة لا تكون ملزمة بدون القضاء وفي الأخذ قصر يد الغير وليس في الدعوى إلزام أحد شيئا فيتمكن من الدعوى بشهادتهما
ولا يتمكن من الأخذ حتى يقضي له القاضي بذلك لأن ذا اليد مزاحم له بيده ولا تزول مزاحمته إلا بقضاء القاضي وكذلك لا يسع غير الوارث أن يعين الوارث على أخذه من أبيه وسعه أخذه منه وكذلك إن أقر الآخذ عنده بالأخذ لأن إقراره ملزم فهو كمعاينة السبب أو قضاء القاضي له به ويسعه أن يقاتله عليه وكذلك يسع من عاين ذلك إعانته عليه وإن أتى ذلك على نفسه إذا امتنع وهو في موضع لا يقدر فيه على سلطان يأخذ له بحقه لأنه يعلم أنه ملكه وكما أن له أن يقاتل دفعا عن ملكه إذا قصد الظالم أخذه منه فكذلك له أن يقاتل في استرداده والأصل فيه قوله - صلى الله عليه و سلم - ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) وإذا شهد عدلان عند امرأة أن زوجها طلقها ثلاثا وهو يجحد ذلك ثم ماتا أو غابا قبل أن يشهدا عند القاضي بذلك لم يسع امرأته أن تقيم عنده وكان ذلك بمنزلة سماعها لو سمعته يطلقها ثلاثا لأنهما لو شهدا بهذا عند القاضي حكم بحرمتها عليه فكذلك إذا شهدا بذلك عندها وهذا بخلاف ما تقدم لأن القتل وأخذ المال قد يكون بحق وقد يكون بغير حق فأما التطليقات الثلاث لا تكون إلا موجبة للحرمة
فإن قال قائل فقد يطلق الرجل غير امرأته ولا يكون ذلك طلاقا
( قلنا ) هذا على أحد وجهين : إما أن تكون امرأته فيكون الطلاق واقعا عليها أو تكون غير امرأته فليس لها أن تمكنه من نفسها وحاصل الفرق أن هناك الشبهة من وجهين : ( أحدهما ) احتمال الكذب في شهادتهما والآخر كون القتل بحق فيصير ذلك مانعا من الإقدام على ما لا يمكنه تداركه وهنا الشبهة من وجه واحد : وهو احتمال الكذب في شهادتهما فأما إذا كانا صادقين فلا مدفع للطلاق وبظهور عدالتهما عندها ينعدم هذا الاحتمال حكما كما ينعدم عند القاضي
( فإن قيل ) كما أن في شهادة شاهدين احتمال الكذب ففي إقرار المقر ذلك وقد قلتم يسعه أن يقتله إذا سمع إقراره
( قلنا ) هذا الاحتمال يدفعه عقل المقر فالإنسان لا يقر على نفسه بالسبب الموجب لسفك دمه كاذبا إذا كان عاقلا وإن لم يكن عاقلا فلا معتبر بإقراره وكذلك لو شهدا على رضاع بينهما لم يسعها المقام على ذلك النكاح لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي فرق بينهما فكذلك إذا شهدا عندها فإن مات الشاهدان وجحد الزوج وحلف ينبغي لها أن تفتدي بمالها أو تهرب منه ولا تمكنه من نفسها بوجه من الوجوه لأنه تمكين من الزنا وكان إسماعيل الزاهد - رحمه الله تعالى - يقول تسقيه ما تنكسر به شهوته فإن لم تقدر على ذلك قتلته إذا قصدها لأنه لو قصد أخذ مالها كان لها أن تقتله دفعا عن مالها فإذا قصد الزنا بها أولى أن يكون لها أن تقتله دفعا عن نفسها ولو هربت منه لم يسعها أن تعتد وتتزوج لأنها في الحكم زوجة الأول فلو تزوجت غيره كانت ممكنة من الحرام فعليها أن تكف عن ذلك قالوا وهذا في القضاء فأما فيما بينها وبين الله تعالى فلها أن تتزوج بعد انقضاء عدتها ولا يشتبه ما وصفت لك قضاء القاضي فيما يختلف فيه الفقهاء مما يرى الزوج فيه خلاف ما يرى القاضي وبيان هذا الفصل : أنه لو قال لامرأته اختارى فاختارت نفسها وهو يري أن ذلك تطليقة بائنة والمرأة لا ترى ذلك فاختصما في النفقة والقاضي يراه تطليقة رجعية فقضى القاضي بأنه يملك رجعتها جاز قضاؤه ووسع الرجل أن يراجعها فيمسكها وكذلك إن كانت المرأة هي التي تراه تطليقة بائنة فراجعها الزوج وحكم القاضي له بذلك وسعها المقام بذلك معه ولم يسعها أن تفارقه لأن قضاء القاضي هنا اعتمد دليلا شرعيا وفي الأول قضى بالنكاح لعدم ظهور الدليل الموجب للحرمة فكان إبقاء لما كان لا قضاء بالحل بينهما حقيقة ثم حاصل الكلام في المجتهدات أن المبتلى بالحادثة إذا كان غائبا لا رأي له فعليه أن يتبع قضاء القاضي سواء قضي القاضي له بالحل أو بالحرمة وإن كان عالما مجتهدا فقضى القاضي بخلاف اجتهاده فإن كان هو يعتقد الحل وقضى القاضي عليه بالحرمة فعليه أن يأخذ بقضاء القاضي ويدع رأي نفسه لأن القضاء ملزم للكافة ورأيه لا يعدوه
وإن قضى له بالحل وهو يعتقد الحرمة ففي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عليه أن يتبع رأى نفسه وفي قول محمد - رحمه الله تعالى - يأخذ بقضاء القاضي لأن الاجتهاد لا يعارض القضاء ألا ترى أن للقاضي ولاية نقض اجتهاد المجتهد والقضاء عليه بخلافه وليس له ولاية نقض القضاء في المجتهدات والقضاء بخلاف الأول والضعيف لا يظهر مع القوى وأبو يوسف يقول اجتهاده ملزم في حقه وقضاء القاضي يكون عن اجتهاد فمن حيث ولاية القضاء ما يقضي به القاضي أقوى ومن حيث حقيقة الاجتهاد يترجح ما عنده في حقه على ما عند غيره فتتحقق المعارضة بينهما فيغلب الموجب للحرمة عملا بقول صلى الله عليه و سلم ( ما اجتمع الحرام والحلال في شيء إلا غلب الحرام الحلال ) يوضحه أن عنده أن قضاء القاضي ليس بصواب ولو كان ما عنده غير القاضي لم يقض بالحل فكذلك إذا كان ذلك عنده لا يعتقد فيه الحل فإن الله تعالى قال { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } الآية ففي هذا بيان أن قضاء القاضي لا يحل للمرء ما يعتقد فيه الحرمة وعلى هذا الأموال فإن القاضي لو قضى بالميراث للجد دون الأخ والأخ فقيه يعتقد فيه قول زيد - رضي الله عنه - فعليه أن يتبع رأى القاضي - وإن قضى القاضي بالمقاسمة على قول زيد - رحمه الله تعالى - والأخ يعتقد مذهب الصديق - رضي الله عنه - فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ليس له أن يأخذ المال وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - له أن يأخذ المال وعلى هذا الطلاق المضاف إذا كان الزوج يعتقد وقوع الطلاق فقضى القاضي بخلافه فهو على الخلاف وإن كان الزوج غائبا أو كان يعتقد أن الطلاق غير واقع فعليه أن يتبع رأى القاضي أو قضي بخلاف اعتقاده وعلى هذا لو استفتى العامي أقوى الفقهاء عنده فأفتى له بشيء فذلك بمنزلة اجتهاده لأنه وسع مثله ثم فيما يقضي القاضي بعد ذلك بخلافه حكمه كحكم المجتهد في جميع ما بينا وكذلك لو حكمنا فقيها فحكمه كفتواه لأن سببه تراضيهما لا ولاية ثابتة له حكما
فكان تراضيهما على تحكيمه كسؤالهما إياه والفتوي لا تعارض قضاء القاضي فإذا قضي القاضي عليه بخلاف ذلك كان عليه أن يتبع رأى القاضي ألا ترى أن للقاضي أن يقضي بخلاف حكم الحكم في المجتهدات وليس له أن يقضي بخلاف ما قضي به غيره في المجتهدات ولو قضي به لم ينفذ قضاؤه فهذا معنى قولنا حكم الحكم في حقهما كفتواه وعلى هذا لو شهد عدلان عند جارية أن مولاها أعتقها أو أقر أنه أعتقها لم يسعها أن تدعه يجامعها إن قضي القاضي به أو لم يقض لأن حجة حرمتها عليه تمت عندها فهو والطلاق سواء ولا يسعها أن تتزوج إذا كان المولى يجحد العتق وكذلك إذا شهدا بعتق العبد والمولى يجحد لم يسع العبد أن يتزوج بشهادتهما حتى يقضي له القاضي بالعتق لأنهما مملوكان له في الحكم فلو تزوجا بغير إذنه كانا مرتكبين للحرام عند القاضي وعند الناس والتحرز عن ارتكاب الحرام فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

(6/142)