صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدرر السنية في الكتب النجدية

ص -105- ... وقال أيضاً الشيخ: عبد اللطيف، في جواب له: والواجب على المكلفين في كل زمان ومكان: الأخذ بما صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره؛ ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه، فعليه بما كان عليه السلف الصالح، والصدر الأول، فإن لم يدر شيئاً من ذلك، وصح عنده عن أحد الأئمة الأربعة المقلدين الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغ حينئذ؛ فإن كان المكلف أنزل قدراً، وأقل علماً، وأنقص فهماً من أن يعرف شيئاً من ذلك، فليتق الله ما استطاع، وليقلد الأعلم من أهل زمانه، أو من قبلهم، خصوصاً من عُرف بمتابعة السنة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع، فهؤلاء أحرى الناس، وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم؛ فاعرف هذا، فإنه مهم جداً.
وقال الشيخ: عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، بعد كلام له: ولو كان هنا عناية بما استقر عليه الحال، في زمن الدعوة الإسلامية، وعلمائنا ومشايخنا، رحمهم الله، لكان بهم قدوة ولنا فيهم أسوة، خصوصاً بعدما فهموا من تقريرات شيخهم محمد، رحمه الله، وقوله في رسائله أكثر ما في الإقناع والمنتهى، مخالف لنص أحمد، فضلاً عن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعرف ذلك من عرفه.
وقال الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، رحمهما
...
الله: واختيار بعض المتأخرين لا يقضي بأولويته، ولا رجحانه؛ ولو ذهب المخالف إلى الأخذ بكل ما صححوه، وإلزام الناس بجميع ما رجحوه لأوقعهم في شباك، وأفضى بهم إلى مفاوز الهلاك؛ وهذا على سبيل التنبيه، والإشارة تكفي اللبيب.

(5/103)


وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: ونعتقد أن الله أكمل لنا الدين، وأتم نعمته على العالمين، ببعثة محمد الرسول الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلاة الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين؛ قال تعالى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً } [سورة المائدة آية: 3] - إلى أن قال- وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائناً من كان؛ بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد؛ فهذا الذي نعتقده وندين الله به.
وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمهم الله تعالى:

نور الشريعة يهدي قلب ملتمسٍ ... للحق من ساطع للأنوار مقتبسِ
والجهل والصدف عن نهج الهدى كفلا ... لا شك للشخص بالخذلان والفلسِ
وبالشقا والردى والبعد عن سبل ... تفضي إلى جنة المأوى بملتمسِ
فخذ بنص من التنزيل أو سنن ... جاءت عن المصطفى الهادي بلا لبسِ

...
وسنة الخلفاء الراشدين فهم ... أكرِمْ بم لمريد الحق من قبسِ
فإن خير الأمور السالفات على ... نهج الهدى والهدى يبدو لمقتبِسِ
والشر في بدع في الدين منكرة ... تحلو لدى كل أعمى القلب منتكسِ
فاصغ للحق واردد ما سواه على ... أربابه من أخي نطق وذي خرسِ

(5/104)


وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: فالواجب على من نصح نفسه، وأراد نجاتها، وكان من أهل العلم: أن ينظر القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة من الأقوال المتنازع فيها، اتباعاً لقوله تعالى:{ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [سورة النساء آية: 59]؛ فإن طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد في كل حال; وأقوال أهل الإجماع، والمفتين، والحكام وغيرهم، إنما اتبعت لكونها تدل على طاعة الله ورسوله، وإلا فلا تجب طاعة مخلوق لم يأمر الله بطاعته؛ وطاعة الرسول طاعة لله. وهذا حقيقة التوحيد الذي يكون كله لله؛ وإذا عرف أن القول قد قاله بعض أهل العلم، ومعه دلالة الكتاب والسنة، كان هو الراجح؛ وإن كان قد قال غيره ممن هو أكبر من قائل ذلك القول، فإن ذلك القول هو الذي ظهر أن فيه طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
سئل بعضهم: هل إجماع الصحابة حجة، أم لا؟
فأجاب: إجماعهم حجة قاطعة، يجب الأخذ بها بإجماع أهل العلم؛ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:{ وَمَنْ

(5/105)


ص -108- ... {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء آية: 115]، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [سورة التوبة آية: 100] ، وقوله في أعظم سورة في القرآن: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } [سورة الفاتحة آية: 6-7]، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضى الله عنهم.
وقول الواحد منهم، فهو حجة عند العلماء، يأخذ به الإمام أحمد وغيره، إذا لم يخالفه مثله؛ وأما إذا خالفه غيره من الصحابة، فليس قول أحدهما على الآخر حجة.
... فصل: في أصول الفقه

(5/106)


ص -108- ... فصل: في أصول الفقه
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله تعالى: عن صفة الواجب وحدّه، والمسنون وحَدِّه، والمكروه وحدّه، والحرام وحدّه؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الواجب في الشرع: ما ذم تاركه إذا تركه قصداً، وأثيب فاعله. وهو يرادف الفرض عند الحنابلة، والشافعية، وأكثر الفقهاء؛ وعن أحمد رواية: أن الفرض آكد من الواجب، وهو قول أبي حنيفة. وأما المسنون فهو: ما أثيب فاعله، ولم يذم تاركه؛ والسنة في اللغة: الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد

(5/107)


ص -109- ... بها: ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وندب إليه قولاً وفعلاً، ما لم ينطق به الكتاب العزيز.
وأما المكروه فهو: ضد المندوب، وهو لغة: ضد المحبوب، وشرعا: ما مدح تاركه ولم يعاقب فاعله؛ ومنه ما نهى عنه الشارع لرجحان تركه على فعله، كالصوم في السفر إذا وجدت المشقة في الصوم، ونحو ذلك. وأما المكروه، فهو في عرف المتأخرين: ما نهي عنه نهي تنْزيه، ويطلق على الحرام أيضاً، وهو كثير في كلام المتقدمين، كالإمام أحمد وغيره، كقول الإمام أحمد: أكره المتعة، والصلاة في المقابر، وهما محرمان؛ وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى:{ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } [سورة الإسراء آية: 38].
والحرام فهو: ضد الحلال، وهو: ما حرمه الله في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من ترك الواجبات، وفعل المحرمات. وأصل التحريم في اللغة: المنع، ومنه قوله تعالى:{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } [سورة القصص آية: 12]، وَحَدُّه شرعاً: ما ذم فاعله، ولو قولاً، كالغيبة والنميمة ونحوهما مما يحرم التلفظ به، أو عمل القلب، كالنفاق والحقد ونحوهما.
[ الفرق بين المندوب والمستحب والباطل والفاسد ]
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله: عن

(5/108)


ص -110- ... الفرق بين المندوب، والمستحب، والمباح، والجائز، والباطل، والفاسد، والصحيح، والمكروه؟
فأجاب: اعلم أن جميع الأحكام الشرعية لا تخلو، إما أن تكون واجبة، أو مستحبة، أو مباحة، أو مكروهة، أو محرمة؛ يعني: منها ما هو كذا، ومنها ما هو كذا... إلخ. وهذه هي الأحكام الخمسة المشهورة عند أهل العلم. فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه؛ وضده الحرام، وهو: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. والمستحب يرادف المندوب، والمسنون عند الأصوليين والفقهاء، ويقابل المكروه؛ فالمستحب وما يرادفه، هو: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. والخامس: المباح، وهو: ما لا يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه في الجملة؛ وقد يثاب على فعله مع النية الصالحة، إذا أراد به الاستعانة على الطاعة.
وأما الفرق بين الباطل والفاسد، فإن الذي عليه الأصوليون: أنهما مترادفان; وقال أبو حنيفة: الباطل ما نهي عنه لذاته، كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما نهي عنه لوصف فيه، ولولا ذلك الوصف لصح، كالربا، إنما حرم الفضل فيه، وهو الفضل فيما يحرم فيه الفضل، والنساء فيما يحرم بيع بعضه ببعض نسيئة مثلاً، والله أعلم.

(5/109)


ص -111- ... وإن كانت فاسدة، كالنكاح بغير ولي، ونحو ذلك، فالغالب أن الفقهاء يعبرون عن مثل هذا بالفاسد، لكون التعبير جارياً على القوانين، والذي يعبر منهم بالفاسد يقال باطل؛ فتدبر، والله أعلم.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: ما الفرق بين الباطل والفاسد عند الأصوليين... إلخ؟
فأجاب: هما مترادفان عند الأصوليين، والفقهاء من الحنابلة والشافعية. وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان؛ فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلية، كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد: ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعند الجمهور: كل ما كان منهياً عنه، إما لعينه أو وصفه، ففاسد وباطل؛ لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه، وما لم يجمع عليه، فعبروا عن الأول بالباطل، وعن الثاني بالفاسد، ليتميز هذا من هذا، لكون الثاني تترتب عليه أحكام الصحيح غالباً، أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير، لأن من عادة الفقهاء من أهل المذاهب مراعاة الخروج من الخلاف؛ وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه، مراعياً للأصل، ولعل من فرق بينهما في التعبير، لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلاً، فلا اختلاف، ومثل ذلك: خلافهم في الفرض والواجب.

(5/110)


ص -112- ... قال في القواعد الأصولية: إنهما مترادفان شرعاً في أصح الروايتين عن أحمد؛ اختارها جماعة منهم ابن عقيل، وقاله الشافعية. وعن أحمد: الفرض آكد؛ اختارها جماعة، وقاله الحنفية. فعلى هذه الرواية، الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، وذكره ابن عقيل عن أحمد، وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة؛ وفائدة الخلاف: أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون؛ ذكره القاضي وذكرهما ابن عقيل على الأول، وقال غير واحد: والنّزاع لفظي. وعلى هذا الخلاف: ذكر الأصحاب مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب.
تعارض الأصل والظاهر
مسألة: في تعارض الأصل والظاهر.
قال ابن رجب، رحمه الله، في قواعده: إذا تعارض معنا أصلان، عملنا بالأرجح منهما لاعتضاده بما يرجحه؛ فإن استويا خرج في المسألة وجهان غالباً. وإذا تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعاً، كالشهادة والرواية أو الأخبار، فهو مقدم على الأصل بغير خلاف، وإن لم يكن كذلك، بل كان مستنده العرف والعادة الغالبة والقرائن، أو غلبة الظن ونحو ذلك، فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى هذا الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة

(5/111)


ص -113- ... خلاف؛ فهذه أربعة أقسام.
ومن صور الأول: إخبار الثقة العدل بالكلب ولغ في هذا الإناء. ومن صور الثاني: إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن، وشك في زوالها، وكذلك في النكاح والطلاق، فإنه يبنى على الأصل، إلا أن يتبين زواله. ومن صور الثالث: النوم المستثقل ينقض الوضوء، لأنه مظنة خروج الحدث، وإن كان الأصل عدم الخروج وبقاء الطهارة. والرابع يكون غالباً عند تقاوم الظاهر والأصل وتساويهما؛ فمن صوره: لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء، وشك هل ولغ فيه أو لا، وكان فمه رطباً، فهل يحكم بنجاسة الماء لأن الظاهر ولوغه؟ أم بطهارته لأنها الأصل؟ على وجهين. انتهى ملخصاً، وفيه نوع تصرف من خط الشيخ عبد الرحمن بن حسن، نقله عنه الشيخ حمد بن عتيق.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: وأما القياس إذا صح، فهو أحد أدلة الأصول الخمسة، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب؛ فكل واحد من هذه الخمسة دليل مستقل بنفسه، إلا أنه وقع من بعض الأصوليين خلاف في الاستصحاب. وقال ابن عبد الهادي: ذكره المحققون إجماعاً، فالتحق بالأصول

(5/112)


ص -114- ... الأربعة. وقد عرف القياس اصطلاحاً بأنه: حمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما؛ قال ابن عبد الهادي: وأركانه أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع. انتهى. قال أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: لا تناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة. انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: القواعد جمع قاعدة، وهي: حكم كلي ينطبق على جزئيات لتعرف أحكامها 1. الواجب: ما يستحق الثواب بفعله، والعقاب بتركه. والحرام بالعكس، أي: ما يستحق العقاب بفعله، والثواب بتركه. والمندوب: ما يستحق الثواب بفعله، ولا عقاب بتركه. والمكروه بالعكس، أي: ما يستحق الثواب بتركه، ولا عقاب في فعله. والمباح: ما لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا تركه. والفرض، والواجب: مترادفان، خلافاً للحنفية.
وينقسم الواجب إلى: فرض عين، وفرض كفاية، وإلى معين ومخير، وإلى مطلق وموقت، والموقت إلى مضيق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل, ولعله سقط منه الفاء في قوله الواجب, وفي المصباح: القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط, وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته.

(5/113)


ص -115- ... وموسع. والمندوب والمستحب مترادفان. والمسنون أخص منهما. والجائز يطلق على: المباح وعلى الممكن، وعلى ما يستوي فعله وتركه عقلًا، وعلى المشكوك فيه. والرخصة: ما شرع لعذر مع بقاء مقتضى التحريم; والعزيمة بخلافها. والاعتقاد: هو الجزم بالشيء من دون سكون النفس؛ فإن طابق فصحيح كاعتقاد أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، والفاسد عكسه، لأنه اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه. وقد يطلق الجهل على عدم العلم. والدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير، وهو المدلول؛ وأما ما يحصل عنده الظن فهو ما قد يسمى دليلاً توسعاً.
والأصل: ما يبنى عليه غيره، والفرع عكسه. والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. والمسنون: ما لازمه النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر به، مع بيان كونه غير واجب؛ وقد تطلق السنة على الواجب، نحو: عشر من السنة. و المجاز: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لعلاقة مع قرينة، وهو نوعان: مرسل، كاليد للنعمة، والعين للرؤية، واستعارة كالأسد للرجل الشجاع؛ وقد يكون مركباً، كما يقال للمتردد في أمر: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى؛ وقد يقع في الإسناد، مثل جد جده، ولاستيفاء الكلام في إبدالك من آخر.

(5/114)


ص -116- ... والحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب. والتأويل: صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو قصره على بعض مدلولاته لقرينة اقتضتها؛ وقد يكون قريباً، فيكفي فيه أدنى مرجح، وبعيداً فيحتاج إلى الأقوى، ومتعسفاً فلا يقبل. و الاجتهاد: استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. والفقيه: من يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، وأماراتها التفصيلية؛ وإنما يتمكن من ذلك من حصل ما يحتاج إليه فنه من علوم الغريب، والأصول، والكتاب والسنة، ومسائل الإجماع. والتقليد: هو اتباع قول الغير من دون حجة ولا شبهة؛ ولا يجوز التقليد في الأصول ولا في العلميات، ويجب في العملية المحضة الظنية، والقطعية على غير المجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره مع تمكنه من الاجتهاد، ولو أعلم منه ولو صحابياً، ولا فيما يخصه، ويحرم بعد أن اجتهد اتفاقاً.
[ الرخصة والعزيمة ]
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى: عن قول الفقهاء في الرخصة: إنها ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، وضدها العزيمة؟
فأجاب: اعلم أن العزيمة شرعاً: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح؛ فقوله بدليل شرعي: احتراز عما ثبت بدليل عقلي، وقوله: خال عن معارض، احتراز عما ثبت بدليل شرعي، لكن لذلك الدليل معارض مساو، أو

(5/115)


ص -117- ... راجح، لأنه إن كان المعارض مساوياً لزم الوقوف، وانتفت العزيمة، ووجب طلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحاً لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة، وثبتت الرخصة، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة؛ فالتحريم فيها عزيمة، لأنه حكم ثبت بدليل شرعي خال عن معارض; فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم، وهو راجح عليه حفظاً للنفس؛ فجاز الأكل وحصلت الرخصة.
وأما الرخصة: فهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، فقوله: ما ثبت على خلاف دليل شرعي احتراز عما ثبت على وفق الدليل، فإنه لا يكون رخصة بل عزيمة، كالصوم في الحضر، وقوله: لمعارض راجح، احتراز عما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساوياً فيلزم الوقوف على حصول المرجح، أو قاصراً عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر وتبقى العزيمة بحالها. وعلى التعريف المذكور، يدخل في العزيمة الأحكام الخمسة الثابتة بالأدلة الشرعية، ويدخل في الرخصة ما عارض تلك الأحكام وخالفها لمعارض راجح عليها، كأكل الميتة عند المخمصة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: وأما الحديث إذا ذكره بعض المقبولين، ونسبه إلى الصحاح أو المسانيد، فقد ذكر أنه يجوز العمل به، ولو لم يوقف على الأصل، وأظن بعضهم حكى الإجماع على جواز العمل به.

(5/116)


ص -118- ... المسند، والمرسل، أيهما أقوى؟
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمه الله: عن المسند والمرسل، أيهما أقوى؟
فأجاب: المسند أقوى من المرسل، وذلك أن المسند: ما اتصل سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان السند كلهم ثقات، وليس فيهم شذوذ، فأجمع العلماء على الاحتجاج به إذا لم يعارضه مثله، أو أقوى منه. وأما المرسل: فهو ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، كقول الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وقول محمد بن شهاب الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول عطاء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسقط رجل بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكثير من أهل العلم لا يحتج بالمرسل إلا إذا اتصل وأسند من وجه صحيح. فإذا كان كذلك، تبين لك: أن المسند أقوى وأصح من المرسل بكثير. وقولك: ما معناهما؟ فيتبين لك ذلك من جواب المسألة قبلها. ومن أصح المراسيل عندهم، مراسيل سعيد بن المسيب القرشي المدني عالم المدينة؛ وقيل: إنه أعلم التابعين وأفضلهم.
إذا جاء خبران عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما يدل على الأمر،
والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
وسئل: إذا جاء خبران عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما يدل على الأمر، والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
فأجاب: الراجح ما صح سنده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدول الثقات الضابطين؛ فإن قدر اتحادهما في الصحة، فإن أمكن معرفة الآخر منهما أخذ بالآخر لأنه هو الناسخ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قوله؛ فإن لم

(5/117)


ص -119- ... يمكن معرفة ذلك، وأمكن الجمع بينهما فذاك؛ فإن لم يكن ذلك أخذ بالأحوط، والذي عليه الأكثرون من العلماء والفقهاء.
الغريب والمتصل
وسئل الشيخ أحمد بن ناصر: عن الغريب والمتصل؟
فأجاب: الغريب: الذي ليس له إلا سند واحد، كما يقول الترمذي في بعض الأحاديث: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وقد يكون صحيحاً إذا كان رواته موثقين، وقد يكون ضعيفاً؛ فعلى كل تقدير هو ضعف في الحديث. والمتصل: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً؛ فيخرج المرسل، والمنقطع، والمعضل.
الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل؟
فأجاب: اعلم أن المرفوع: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو حكماً؛ واشترط الخطيب البغدادي: كون المضيف صحابياً، والجمهور على خلافه. والمسند: هو المرفوع، فهو مرادف له؛ وقد يكون متصلاً، كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون منقطعاً، كمالك عن الزهري، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو مسند منقطع؛ وقد صرح ابن عبد البر بترادفهما؛ والانقطاع يدخل عليهما جميعاً.

(5/118)


ص -120- ... وقيل: إن المسند: ما وصل إسناده إلى الصحابي ولو موقوفاً عليه؛ فالمسند والمتصل سواء، إذ هذا بعينه هو تعريف المتصل، فعلى هذا يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفاً، فبينه وبين المرفوع على هذا القول عموم وخصوص وجهي، يجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف؛ والأكثر على التعريف الأول؛ والعموم والخصوص الوجهي كذلك يجري أيضاً بين المتصل والمرفوع، كما يعرف مما تقدم. وأما قولك: أيهما أصح؟ فاعلم: أن الصحة غير راجعة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها؛ وإنما الصحة والحسن والضعف أوصاف تدخل على كل من المرفوع والمسند والمتصل، فمتى وجدت، حكم بمقتضاها لموصوفها، لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع، ومن المسند على القول الثاني إذا لم يرفع أيضاً، لا من حيث الصحة، بل من حيث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأما الصحة فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام لا من حيث ذاته، والمرفوع إذا لم يبلغ درجة الصحة احتج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جمع، والله أعلم وصلى الله على محمد.
أصح الأسانيد
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: اختلف العلماء في أصح الأسانيد: فقال الإمام

(5/119)


ص -121- ... محمد بن إسماعيل البخاري أصح الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهم. القول الثاني: قول الإمام أحمد، رحمه الله: أصحها: الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، رضي الله عنهما. الثالث: قول عبد الرزاق بن همام اليماني: أصحها: ما رواه زين العابدين علي بن الحسين عن أبيه حسين عن علي، رضي الله عنهم. الرابع: قول عمرو بن علي الفلاس: أصحها: ما رواه محمد بن سيرين البصري عن عبيدة السلماني الكوفي عن علي رضي الله عنه. الخامس: قول يحيى بن معين: أصحها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن وقاص عن ابن مسعود، رضي الله عنهم أجمعين. قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصواب: عدم التعميم مطلقاً، بل يقال: أصح أسانيد ابن عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، رضي الله عنهم أجمعين، وأصح أسانيد المدنيين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصح أسانيد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، رضي الله عنهم، وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، رضي الله عنهم. قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السري بن إسماعيل

(5/120)


ص -122- ... عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة، وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس رضي الله عنه.
الفرق بين: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن الفرق بين حَدَّثَنا وأخبرنا وأنبأنا؟
فأجاب: بينهما فرق اصطلاحي عند المحدثين: فإذا قال المحدث: حدثنا، حمل على السماع من الشيخ، وإذا قال أخبرنا حمل على سماع الشيخ؛ فلفظ الإخبار أعم من التحديث، فكل تحديث إخبار ولا ينعكس، قاله ابن دقيق العيد. وأنبأنا من حيث اللغة واصطلاح المتقدمين بمعنى: أخبرنا، إلا في عرف المتأخرين، فهو للإجازة كعنه، فلما كثر واشتهر استغنى المتأخرون عن ذكره؛ قاله خاتمة المحدثين ابن حجر العسقلاني، والله أعلم.
قول من يقول من المصنفين: رواه الجماعة أو الخمسة... إلخ
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول مَن يقول من المصنِّفين: رواه الجماعة أو الخمسة... إلخ؟
فأجاب: المراد بالخمسة: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. والجماعة: هؤلاء الخمسة المذكورون مع البخاري ومسلم؛ هذا اصطلاح صاحب المنتقى. وإذا قالوا في الحديث مرفوعا،: فالمراد: أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، وضده الموقوف: وهو قول الصحابي

(5/121)


ص -123- ... نفسه. والحديث الغريب: الذي ما يروى إلا من طريق واحد. وإذا قالوا فيه: ليِّن، فهو ضد القوي. وإذا قالوا: على شرط الشيخين، فالمراد بالشيخين البخاري ومسلم، وشرطهما معروف. وإذا قالوا: على شرطهما، أو شرط البخاري، أو مسلم، فالمراد: أن رجال هذا السند يروي لهم البخاري، أو مسلم. وأما أصحاب الرأي، فهم عند المتقدمين: فقهاء الكوفة، كأبي حنيفة وأصحابه، سموا أصحاب الرأي لأنهم توسعوا في القياس، والسلف يسمون القياس رأياً؛ وجميع الأئمة يعتمدون القياس، لكن أهل الكوفة توسعوا فيه، فخصوا بهذا الاسم.
ومن جواب الشيخ سليمان بن علي بن مشرف، قال: وأما أصحاب الرأي فهم خمسة: أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن، وعثمان البتي، وربيعة؛ وسبب تسميتهم بذلك لأنهم إذا لم يجدوا في المسألة نصاً قاسوها، فإذا أجمعوا عليها بما يرون أثبتوها. انتهى.
هل ينسخ القرآن بعضه بعضاً
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: هل ينسخ القرآن بعضه بعضاً؟ وهل ينسخ السنة، والسنة تنسخه؟
فأجاب: الذي عليه أئمة أهل العلم أن القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وفيه آيات معروفة منسوخة، والآية التي نسختها معروفة؛ يعرف ذلك من طلبه من مظانه. وكذلك القرآن ينسخ

(5/122)


ص -124- ... لسنة. وأما نسخ القرآن بالسنة، فالذي عليه المحققون من العلماء، أن السنة لا تنسخ القرآن، لكن السنة تفسر القرآن، وتبينه، وتفصل مجمله، لأن الله امتن على أزواج نبيه بالكتاب والحكمة، فقال: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } [سورة الأحزاب آية: 34]؛ قال كثير من العلماء: كان جبرائيل ينْزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينْزل عليه بالقرآن، ولا يسمون ذلك نسخاً، بل تفسيراً له وتوضيحاً وتشريعاً للأمة، لأن الله ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم جمع القرآن في صدره وبيان معناه، كما قال تعالى:{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [سورة القيامة آية: 17-19].
الرواية بالمعنى للكتاب والسنة
وسئل: هل تجوز الرواية بالمعنى للكتاب والسنة؟
فأجاب: أما قراءة القرآن بالمعنى، فما علمت أحداً يجوز ذلك، وكيف يجوز تغيير كلام الله، وتغيير نظمه الذي أعجز الله به جميع الخلق، وجعله آية ودلالة باهرة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ هذا لا يقوله أحد. وأما رواية الحديث بالمعنى، فهذا مما اختلف فيه العلماء؛ فأجازه طائفة، ومنعه كثيرون من أهل الحديث، والفقهاء وغيرهم.
[ معنى الاشتقاق وما يراد به عند المحققين ]
قال الشيخ: عبد اللطيف، رحمه الله تعالى، في أثناء جواب له: فأما مسألة الاشتقاق فينبغي أولاً أن يسأل هذا: ما معنى

(5/123)


ص -125- ... الاشتقاق؟ وما يراد به عند المحققين؟ وإن زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا لا يرتضى عند المحققين من أئمة الهدى. فإن عرف ذلك، وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو، هل هو مشتق من السمو، أو من السمة؟ ذهب البصريون إلى الأول، والكوفيون إلى الثاني. وأصله عند البصريين: سمو على وزن فعل، فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفاً، ثم أتي بهمزة الوصل توصلاً بالنطق بالساكن، فصار اسماً. وعليه، فوزنه افع، ففيه إعلالات ثلاثة وهي: الحذف، ثم الإسكان، ثم الإتيان بهمزة الوصل. وأما على مذهب الكوفيين، فأصله: وسم على وزن فعل، حذفت فاء الكلمة وهي الواو اعتباطاً، ثم عوض عنها همزة الوصل. وعلى هذا، فوزنه اعل. ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير، وعن معنى الاشتقاق الأكبر، مع المباينة في أكثر الحروف ما معناه؟ فإذا أجابك عن هذا، فأجبه عن سؤاله، وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل.

(5/124)


ص -126- ... ثم قال، رحمه الله: وأما ما فيه من جهة اللسان العربي، فإن "هل" لا تقابل بـ"أم" لأن ما يقابل بـ"أم" همزة الاستفهام، كما يعلم من محله. وأما قوله: لا تثبت من الرسول، فإن الإثبات يتعدى بـ"عن" لا بـ"من". وكذلك قوله: ولا ممن يعتبر بهم، فإن الاعتبار نوع، والاعتداد نوع آخر، فيعتد بالصالحين وأهل العلم، والاعتبار لا يختص بهم، بل لما ذكر فعل بني النضير بأنفسهم وديارهم قال:{ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [سورة الحشر آية: 2].
[ الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد به عند أهل الفن ]
وأما قول السائل: سؤال عن الترشيح و الإطلاق أيهما أبلغ؟ وكذلك الإطلاق والتجريد، فينبغي ان يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد به عند أهل الفن؟ فإن عبارته تفيد عدم معرفته، إذ لا مقابلة بين الترشيح، والإطلاق، والتجريد، في الأبلغية؛ فسؤاله نص ظاهر في جهله. فإن الترشيح يراد به: تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به، بأن يذكر ما هو من خواص المشبه به، كقوله: انشبت المنية أظفارها؛ فإن هذا فيه ذكر التقوية بما هو من خواص المشبه به، وهي الأظفار، فالترشيح قوى المعنى المراد. وأما الإطلاق في الاستعارة، فيقابله التقييد. والتجريد معناه: أن يتجرد المتكلم من نفسه مخاطباً، كقول الشاعر:
...
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان بادِ
والبلاغة تختلف باختلاف الأحوال، فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم؛ وحقيقتها: مطابقة الكلام مقتضى الحال، فإن كان الحال يقتضي الترشيح فهو أبلغ، وإلا فلكل مقام مقال. وأما الإخبار عن الاسم بـ"الذي"، فهو كثير في القرآن وغيره، قال تعالى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } [سورة الأعراف آية: 54]، فأخبر بـ"الذي" عن اسمه الشريف الذي هو أعرف المعارف، و"الذي" اسم أيضاً، بخلاف ما يفيده السؤال. وأما الإخبار عن الاسم بـ"أل" فكقول الشاعر:

(5/125)


ما أنت بالحكم الّترضى حكومته ... ....................................
وكذا كل فعل مضارع دخلت عليه "أل". وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بـ"الذين"، فكقوله تعالى{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران آية: 172]. وأما الإخبار بـ"الذين"، فكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ } [سورة فصلت آية: 29]، وقال: {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } [سورة النساء آية: 16]. وأما الكل، والكلي، فالكل يراد به الجميع، كقوله: "كل المؤمنين يدخلون الجنة"، والكلي ما يقع على الأكثر والغالب، كقولك: "كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة".

(5/126)


ص -128- ... [ أما بالتخفيف تأتي على وجهين ]
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى، عن "أما" بالتخفيف؟ فأجاب: "أما" بالتخفيف تأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف تنبيه، كما في قوله: "أما إني لم أكن في صلاة". ويكثر ذلك قبل القسم كما في قوله:

أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعرُ
وقال الآخر:
أما والذي حجت له العيس وارتمى ... لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوماً أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا أقيلها
وقال الآخر:
أما يستفيق القلب أن ما بدا له ... توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن إطلالها العين أنه ... متى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشاً عليها براقع ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وهذا إذا قصد به تنبيه المخاطب لما بعدها، والإشارة إلى أن ما بعدها مما يهتم به ويلتفت إليه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا لعنة الله على اليهود والنصارى " 1، "ألا هل بلغت؟ " 2، "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب " 3، وكقول الشاعر:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... ....................................
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (436), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531), والنسائي: المساجد (703), وأحمد (6/80, 6/146, 6/252, 6/255), والدارمي: الصلاة (1403).
2 البخاري: العلم (105), ومسلم: القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679), وأحمد (5/37, 5/39, 5/49).
3 البخاري: العلم (105), ومسلم: القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679), وابن ماجة: المقدمة (233), وأحمد (5/37, 5/39, 5/49), والدارمي: المناسك (1916).
...
وكما في قوله:
ألا ليت حظي من عطاياك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانعُ

(5/127)


والثاني بمعنى: "حقاً" أو "أحق"، وزعم بعض الناس أنها تكون حرف عرض بمعنى "لولا"، فيختص بالفعل كما في قولك: أما يقوم، أما يقعد، ونحوه. و"أما" نحو: أما كان فيهم من يفهم؟ فالهمزة للاستفهام، وما: حرف نفي؛ وليست مما نحن فيه، فتنبه! وأما قولك: ما وجه نصب "عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"؟ فاعلم: أن نصب هذه المصادر على أنها نعت لـ"سبحان"، لأنه اسم محذوف العامل وجوباً، لكونه بدلاً من اللفظ بفعل مهمل، كقول الشاعر:

ثم قالوا تحبها قلت بهراً ... عدد الرمل والحصى والترابِ
فبهرا هنا: اسم منصوب على المفعولية المطلقة، لكونه هنا بمعنى "عجباً" لكن فعله مهمل غير مستعمل، فلذلك حذف وجوباً. وعدد الرمل في البيت: نعت له، ويحتمل أن عدداً وما عطف عليه نصب على المفعولية المطلقة. والعامل يقدر "سبحته" أو "نزهته"، فهو كقوله: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [سورة النور آية: 4]، لأن "سبحان": علم على معنى التنْزية والبراءة، أو على لفظه فلا يعمل في المفعول؛ ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا التقدير، لأن الاسم قد يعمل لما فيه من رائحة الفعل، ويكون النصب لسبحان، ويقويه قول ابن مالك:

(5/128)


ص -130- ...
بمثله أو فعل أو وصف نصبْ ... وكونه أصلاً لهذين انتخبْ
وأما "زنة" فمعناها الموازنة والثقل، بخلاف "ما" إذا كان من بعده الفعل مستعملاً، كقوله:

أذلاّ إذا شب العدى نار حربهم ... وزهواً إذا ما يجنحون إلى السلمِ
وقول الآخر:
خمولاً وإهمالاً وغيرك مولع ... بتثبيت أسباب السيادة والمجدِ
استعمال الماضي موضع المضارع
وسئل أيضاً: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن استعمال الماضي موضع المضارع؟
فأجاب: مسألة استعمال الماضي موضع المضارع لهم فيها وجهان: أحدهما: أن في استعمال الصيغة الماضية بدل المضارعية تنبيهاً وإشارة إلى تحقيق النفي في الحال والاستقبال، كتحقيق مضي الماضي من الأفعال والأحوال، وذلك باستعارة ما وضع للماضي لما قصد به الحال والاستقبال، تقوية وتأكيداً لمضمون الجملة المنفية؛ وذلك شائع في لسانهم، وفي التنْزيل: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } [سورة النحل آية: 1]، {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ}، والمعنى: يأتي، ويقول. ومنه استعمال المضارع بدل الماضي، إشارة إلى التجدد والاستمرار شيئاً فشيئاً، فقوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } [سورة الأنعام آية: 33]، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [سورة الحجر آية: 97]، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ

...
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ } [سورة الأحزاب آية: 18]، والمعنى: قد علمنا، ومنه قول الأعشى:

وأرى من عصاك أصبح محرو ... باً وكعب الذي يطيعك عالِ
ولقد أسبي الفتاة فتعصي ... وكل واش يريد جزم حبالِ

(5/129)


يريد: رأيت وسبيت. والوجه الثاني: أن الكلمة إن دلت على معنى في نفسها، واقترنت بزمان ففعل، فإن كان الزمان الذي دلت عليه ماضياً فالفعل ماض، وإن كان للحال والاستقبال فالفعل مضارع، وإن كان مستقبلاً فقط فالفعل أمر، كما هو مقرر في موضعه؛ فلو عبر بالمضارع وقال: لا ألبس، مثلاً، لاحتمل أنه قصد النفي في الحال فقط، أو فيما يستقبل فقط، لأن ذلك جرى في لسانهم، ومنه {لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } [سورة التوبة آية: 92]، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ } [سورة الأنبياء آية: 47]، واحتمل وقوع استثناء يعقبه، فلما عبر بالماضي زال الاحتمال، وانقطع التوقع، وقصد المعنى الأصلي، وهو النفي في الماضي، لئلا يتوهم النفي في الحال والاستقبال؛ تقول: لا لبست، لا ضربت، لا ظلمت، قاصداً الحال والاستقبال، بخلاف: ما ضربت، ما لبست، فإنها للنفي في الماضي. وقولك: ما معنى النفي في قولهم: لا قتلت الميت؟ فالذي في الحلف بالطلاق وتعلقه بالمستحيل: "لأقتلن" بلام التوكيد الموطئة للقسم، والفعل بعدها مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، ولا نفي فيها؛ فتنبه!

... كتاب الطهارة

(5/130)


ص -135- ... كتاب الطهارة أحكام المياه
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، بعد ذكره القواعد التي تدور الأحكام عليها مثلاً يحتذى عليه - وقد تقدمت - 1: باب المياه. فنقول: قال بعض أهل العلم: الماء كله طهور إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عنه اسم الماء، كماء ورد أو باقلا ونحوه. وقال آخرون: الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس؛ والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم " 2؛ فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه. ودليله من النظر: أنه لو وكله في شراء ماء، فاشترى ماء مستعملاً، أو متغيراً بطاهر، لم يلزمه قبوله؛ فدل على أنه لا يدخل في الماء المطلق.
قال الأولون: النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يغتسل الرجل في الماء الدائم " 3، وإن عصى وفعل فالقول في نجاسة الماء لا تعرض لها في الحديث بنفي ولا إثبات، وعدم قبول الموكل لا يدل؛ فلو اشترى له ماء من ماء البحر لم يلزمه قبوله، ولو اشترى له ماء متقذراً طهوراً لم يلزمه قبوله؛ فانتقض ما قلتموه. فإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: هذه القواعد, في صفحة: 5, 6, 7 مع الإشارة إلى التمثيل بهذا الباب.
2 مسلم: الطهارة (283), والنسائي: الطهارة (220) والغسل والتيمم (396), وابن ماجة: الطهارة وسننها (605).
3 مسلم: الطهارة (283), والنسائي: الطهارة (220) والغسل والتيمم (396), وأبو داود: الطهارة (70), وابن ماجة: الطهارة وسننها (605).

(5/131)


ص -136- ... كنتم معترفين أن هذه الأدلة لا تفيدكم إلا الظن، وقد ثبت أن"الظن أكذب الحديث "، فقد وقعتم في المحرم يقيناً أصبتم أم أخطأتم، لأنكم أتيتم بظن مجرد، فإن قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } [سورة النساء آية: 43] كلام عام من جوامع الكلم، فإن دخل فيه هذا خالفتم النص، وإن لم يدخل فيه وسكت عنه الشارع لم يحل الكلام فيه، وعصيتم قوله تعالى: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }الآية [سورة المائدة آية: 101]؛ وكذلك إذا حرفتم هذا اللفظ العام الجامع، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء " 1، وتركتم هذه الألفاظ الواضحة العامة، وزعمتم أن الماء ثلاثة أنواع بالأدلة التي ذكرتموها، وقعتم في طريق أهل الزيغ، في ترك المحكم واتباع المتشابه. فإن قلتم: لم يتبين لنا أنه طهور، وخفنا أن النهي يؤثر فيه، قلنا: قد جعل الله لنا منه مندوحة، وهو الوقف، وقول: لا ندري، وألحق بمسألة المتشابهات؛ وأما الجزم بأن الشرع جعل هذا طاهراً غير مطهر، فقد وقعتم في القول بلا علم، والبحث عن المسكوت عنه، واتباع المتشابه، وتركتم قوله: "وبينهما مشتبهات ".
المسألة الثانية: قولهم: إن الماء الكثير ينجسه البول والعذرة لنهيه عليه السلام عن البول فيه، فيقال لهم: الذي ذكر النهي عن البول إذا كان راكداً، وأما نجاسة الماء وطهارته فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).

(5/132)


ص -137- ... وهو قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } [سورة النساء آية: 43]، وهذا ماء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحيض وعذرة الناس: "الماء طهور لا ينجسه شيء " 1؛ فمن ترك هذا المحكم، وقع في القول بلا علم واتبع المتشابه، لأنه لا يجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد نجاسة الماء لما نهى عن البول فيه، وإنما غاية ما عنده الظن؛ فإن قدرنا أن هذا لا يدخل في العموم الذي ذكرنا، وتكلم فيه بالقياس، فقد خالف قوله: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ } [سورة المائدة آية: 101]؛ وإن تعلل بقوله: لم يبن لي دخوله في العموم، وأخاف لأجل النهي عن نجاسته، قيل لك مندوحة عن القول بلا علم، وهو إلحاقه بالمتشابهات، ولا تزعم أن الله شرع نجاسته وحرم شربه.
ومن ذلك: فضلة المرأة، زعم بعضهم أنه لا يرفع الحدث، وولدوا عليه من المسائل ما يشغل الإنسان، ويعذب الحيوان. وقال كثير من أهل العلم، أو أكثرهم: إنه مطهر رافع للحدث. فإن لم يصح الحديث فلا كلام، كما يقوله البخاري وغيره؛ وإن قلنا بصحة الحديث، فنقول: في صحيح مسلم حديث أصح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ واغتسل بفضل ميمونة " 2؛ وهذا داخل في قوله: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } [سورة النساء آية: 43] قطعاً، وداخل في قوله: "طهور لا ينجسه شيء " 3، وإنما نهي الرجل عن استعمال الماء نهي تنْزيه وتأديب إذا قدر على غيره، للأدلة القاطعة التي ذكرنا. فإذا قال من منع من استعماله: أخاف أن النهي إذا سلمتم صحته يفسد الوضوء، قلنا: إذا خفت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).
2 مسلم: الحيض (323), وأحمد (1/366).
3 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).

(5/133)


ص -138- ... ذلك فألحقه بالمتشابهات، ولا تقل على الله بلا علم، ولا تولد مسائل كثيرة سكت الشارع عنها في صفة الخلوة وغيرها.
ومن ذلك: الماء الذي دون القلتين، إذا وقعت فيه نجاسة، فكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه طهور، داخل في تلك القاعدة الجامعة: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } [سورة النساء آية: 43]؛ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء " 1، لكن حمله الآخرون على الكثير، لقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " 2؛ قال الأولون: إن سلكنا في الحديث مسلك من قدح فيه من أهل الحديث فلا كلام، ولكن نتكلم فيه على تقدير ثبوته، ونحن نقول بثبوته، لكن لا يدل على ما قلتموه، ومن زعم أن القليل ينجس فقد قال ما لا يعلم قطعاً، لأن اللفظ صرح أنه إن كثر لا يحمل الخبث، ولم يتكلم فيما دون، فيحتمل أنه ينجس على ما ذكرتم، ويحتمل أنه أراد إن كان دونهما فقد يحمل وقد لا يحمل؛ فإذا لم تقطع على مراده بالتحديد، فقد حرم الله القول عليه بلا علم، وإن زعمتم أن أدلتنا لا تشمل هذا فهو باطل، فإنها عامة، وعلى تقدير ذلك يكون من المسكوت عنه، الذي نهينا عن البحث عنه.
فلو أنكم قلتم كمن قال من كرهه من العلماء: أكرهه ولا أستحبه مع وجود غيره، ونحو هذه العبارة التي يقولها من شك في نجاسته، ولم يجزم بأن حكم الشرع نجاسة هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).
2 الترمذي: الطهارة (67), وابن ماجة: الطهارة وسننها (517), والدارمي: الطهارة (731).

(5/134)


ص -139- ... الماء، كنتم قد أصبتم وعملتم بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم، سواء كان في نفس الأمر طاهراً أم لا؛ فإن من شك في شيء وتورع عنه، فقد أصاب، ولو تبين بعد ذلك أنه حلال.
وعلى كل حال: فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم، أراد أن يشرع لأمته أن كل ماء دون القلتين بقلال هجر، إذا لاقى شيئاً نجساً أنه يتنجس، ويصير شربه حراماً، ولا يقبل صلاة من توضأ به، ولا من باشره شيء منه، حتى يغسله، ولم يبين ذلك لهم حتى أتاه أعرابي يسأل عن الماء بالفلاة ترده السباع التي تأكل الميتات، ويسيل فيه من ريقها ولعابها، فأجابه بقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " 1، أراد بهذا اللفط أن يبين لأمته، أنه إذا بلغ خمسمائة رطل بالعراقي لا ينجس إلا بالتغير، وما نقص نجس بالملاقاة، وصار كما وصفنا، فمن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وقال ما لا يعلم، وتكلم فيما سكت عنه، واتبع المتشابه، وجعل المتشابه من الحرام البين.
ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، ولا يجعله علينا ملتبساً فنضل؛ وهذه القواعد في جميع أنواع العلوم الدينية عامة، وفي علم الفقه من كتاب الطهارة إلى باب الإقرار خاصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (67), وابن ماجة: الطهارة وسننها (517), والدارمي: الطهارة (731).

(5/135)


ص -140- ... وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: عما إذا كان الماء دون القلتين، ووقعت فيه نجاسة، هل ينجس بمجرد وقوع النجاسة؟ أو بالتغير؟
فأجاب: إذا لم يتغير الماء بالنجاسة لم ينجس، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ وهو قول مالك وأهل المدينة، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه. وفي المسألة نحو خمسة أقوال، وهذا هو الذي نختار؛ والدليل عليه: ما رواه الترمذي وغيره عن أبي سعيد، فقال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل: له أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء " 1، صححه الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء " 2، وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه " 3، رواه ابن ماجة، وضعفه أبو حاتم؛ وللبيهقي: "الماء طهور، إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه ".
وسئل: عن الماء الذي يجوز الطهارة به ويرفع الحدث؟
فأجاب: هو كل ماء طاهر باق على ما خلقه الله عليه ولم يتغير، فإن تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه لم تجز الطهارة به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).
2 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).
3 ابن ماجة: الطهارة وسننها (521).

(5/136)


ص -141- ... وسئل أيضاً: عن ماء راكد فوق القلتين، بال فيه إنسان وحان وقت الصلاة واضطر إليه، هل يتوضأ منه؟
فأجاب: إذا بال الإنسان في ماء راكد، وحان وقت الصلاة، إذا اضطر إليه ولم يجد غيره وهو فوق القلتين ولم تغيره رائحة النجاسة، فالظاهر أنه يتوضأ منه ويرتفع به حدثه.
وسئل: إذا تردت بهيمة في بئر، وتغيرت رائحة الماء، هل يجوز استعماله؟
فأجاب: متى علم بتغير رائحة الماء، لم يجز له استعماله ولا تباح به الصلاة.
وسئل: عمن حضرته الصلاة، ولم يجد إلا ماء زمزم، فهل يجوز له استعماله... إلخ؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف، والظاهر أنه يجوز له استعماله من غير كراهة؛ وأما إذا وجد غيره، ففيه ثلاث روايات: الأولى: لا يكره، والثانية: يكره، والثالثة: يكره الغسل دون الوضوء، اختارها الشيخ.
وسئل بعضهم: عن الماء المتنجس بالتغير وهو كثير، إذا حوض وترك حتى صفا، هل يطهر؟
فأجاب: الذي ذكر الفقهاء أن الماء المتنجس بالنجاسة، إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه لا يطهر حتى يزول التغير بنَزحه، أو بمكاثرته بالماء، أو بزوال تغيره بنفسه

(5/137)


ص -142- ... إذا كان كثيراً؛ والكثير عند الحنابلة وغيرهم: ما كان قلتين فأكثر، وأما التراب: فالمشهور عندهم أنه لا يطهره، لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره أولى؛ قال في الفروع: وقيل بلى، وأطلق في الإيضاح روايتين، وللشافعي قولان؛ فعلى هذا، إذا زال عنه أثر النجاسة بالكلية، ولم يبق فيه لون، ولا طعم، ولا ريح، فإنه يطهر لزوال النجاسة منه، كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً، وكذلك النجاسة إذا استحالت.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا بلغ الماء قلتين، ووقع فيه بول آدمي، أو عذرته؟
فأجاب: وأما ما بلغ قلتين فأكثر، إذا وقع فيه بول آدمي أو عذرته، فعند أكثر العلماء أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته، وبين سائر النجاسات؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وعن أحمد رواية أخرى: أن الماء ينجس ببول الآدمي وعذرته، إلا أن يكون مثل المصانع التي بطريق مكة ونحوها، لحديث أبي هريرة "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " 1. والجمهور يخصون هذا الحديث بحديث القلتين، ويقوي ذلك: أن بول الآدمي لا يزيد على بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين؛ فيجمع بين الحديثين: بأن يحمل حديث أبي هريرة على ما دون القلتين، مع أن الحديث ليس فيه صراحة بأنه ينجس بالبول فيه؛ والقول بأن حكم بول الآدمي كغيره هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (239), ومسلم: الطهارة (282), والنسائي: الطهارة (58) والغسل والتيمم (397), وأبو داود: الطهارة (70), وأحمد (2/316, 2/346, 2/362, 2/433), والدارمي: الطهارة (730).

(5/138)


ص -143- ... وأما الفرق بين الجاري وغيره، ففيه خلاف؛ والمشهور في المذهب أنه لا فرق بين الجاري وغيره، فينجس القليل إذا لاقته النجاسة وإن كان جارياً؛ وعن أحمد رواية أخرى: أن الجاري لا ينجس إلا بالتغير، اختارها جماعة من الأصحاب، وهو مذهب أبي حنيفة. كما أن في أصل المسألة رواية مشهورة اختارها ابن عقيل والشيخ تقي الدين وغيرهما: أن الماء مطلقاً لا ينجس إلا بالتغير وفاقاً لمالك، وعلى القول بأنه لا فرق بين الجاري وغيره، إذا كان مجموع الجاري يبلغ قلتين لم ينجس إلا بالتغير على المذهب؛ وهذا أيضاً لو خالطه مستعمل كثير لم يؤثر، وإن كان مجموع الجاري لا يبلغ قلتين وخالطه مستعمل، لو قدرنا أن هذا المستعمل المخالط أحمر أو أصفر مثلاً، ولم يغير الطهور تغيراً كثيراً، لم يضره؛ وقد نص أحمد فيمن انتضح من وضوئه في إنائه لا بأس.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الماء إذا كان قدره أربعين صاعاً أو أكثر، ووجد فيه أثر كلب، هل يجوز الوضوء منه؟
فأجاب: يجوز الوضوء منه، لأن الصحيح من أقوال العلماء أن الماء لا ينجس إلا أن يتغير بالنجاسة؛ قال في الشرح: الرواية الثانية: لا ينجس الماء إلا بالتغير؛ روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس، ومالك وابن المنذر، وهو قول

(5/139)


ص -144- ... الشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بئر بضاعة: "الماء طهور لا ينجسه شيء " 1، رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وحسنه، وصححه أحمد، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى.
وسئل: عن الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم تغيره؟
فأجاب: الذي يترجح عندنا طهارته، وأنه لا ينجس إلا بالتغير؛ لكن الاحتياط حسن، نفعله خروجاً من الخلاف.
وسئل: عن تغير الماء بزبل ما يؤكل لحمه؟
فأجاب: هو طاهر عند جمهور العلماء، كمالك وأحمد بن حنبل؛ وقد دل على ذلك الأدلة الشرعية الكثيرة، كما قد بسط القول في ذلك، وذكر فيه بضعة عشر حجة؛ وإن تيقن أن تغيره بنجاسة فإنه ينجس، وإن شك هل الروث روث ما يؤكل لحمه، أو ما لا يؤكل لحمه، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
وسئل أيضاً: عن ماء وردت عليه إبل وغنم وهو كثير، وتغير بأبوالها، هل يسلب ذلك طهوريته؟
فأجاب: الماء إذا خالطه بول أو روث طاهر فلا يضره، إذا كان باقياً على إطلاقه، وما تلقيه الريح والسيول يعفى عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66), وأبو داود: الطهارة (66).

(5/140)


ص -145- ... وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الجثجاث أو غيره إذا وضع في اللزاء 1 أو غيره؟
فأجاب: لا بأس بالماء الذي يجعل فيه جثجاث، والذي يتغير، مثل ماء الألزية، من الظل الذي يجعل عليه إذا أصابه المطر.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله، عن البرك، هل يغتسل فيها... إلخ؟
فأجاب: والبرك الذي فيها ماء ساكن، لا يغتسل فيها من الجنابة؛ والأحسن أن يأخذ الماء ويغتسل به خارجاً، أو يستنجي به؛ وأما غسل الأعضاء فلا بأس به.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: ينبغي التنبيه على أمر مهم عمت به البلوى ويتعين إنكاره، وهو الاستنجاء في البرك ونحوها، وفيه خطر عظيم لا سيما على الرواية المشهورة في مذهب أحمد، اختارها أكثر المتقدمين والمتوسطين، وهي: أن الماء ينحس بملاقاة بول الآدمي، وعذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " 2؛ والنهي يقتضي الفساد. وعلى كلا الروايتين هو كالبول، لأنه في معنى البول؛ وقد نص العلماء أنه مثل البول، كالحافظ العراقي في التقريب وغيره، فيتعين لذلك أن تعلنوا بالنهي على رؤوس الأشهاد في مجامع الناس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهو: مصب ماء السواني.
2 البخاري: الوضوء (239), ومسلم: الطهارة (282), والنسائي: الطهارة (220, 221), وأبو داود: الطهارة (70), وابن ماجة: الطهارة وسننها (605), وأحمد (2/433), والدارمي: الطهارة (730).

(5/141)


ص -146- ... لما فيه من خطر التنجيس، والوقوع في المنهي عنه من تقذير الماء.
وسئل: عن غمس يد القائم من نوم الليل، هل يسلب الماء الطهورية؟
فأجاب: اعلم أن أحمد نص في رواية أخرى على أن غمسهما في الماء القليل لا يسلبه الطهورية، واختاره من أصحابه الخرقي، والموفق، وأبو البركات ابن تيمية، وابن أبي عمر في شرح المقنع، وجزم به في الوجيز وفاقاً لأكثر الفقهاء، وقال في شرح مسلم: الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهي تنْزيه، لا نهي تحريم؛ فلو خالف وغمس لم يفسد الماء، ولم يأثم الغامس؛ وأما الحديث فمحمول على التنْزيه.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى، عن قول شارح الزاد: غير تراب ونحوه، ما نحوه؟
فأجاب: اعلم أن نحو التراب هنا، ما كان من الأجزاء الأرضية، كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كل ما لا يدفع النجاسة عن نفسه، فإنه لو أضيف أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس لم يطهر بإضافته إليه، لكون المضاف لا يدفع عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين.
... باب الاستنجاء

(5/142)


ص -147- ... باب الاستنجاء
وسئل الشيخ عبد اللطيف عن قول شارح الزاد، نقلاً عن صاحب النظم: وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته؟
فأجاب: اعلم أن قوله: متوجه، من كلام صاحب الفروع، ومعناه: أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالساً على حاجته بهذا القيد؛ فافهم ذلك وتفطن؛ والكلام في التحريم والكراهة، وبيان المختار، يستدعي بسطاً طويلاً.
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن السلام على المتخلي؟
فأجاب: أما السلام على الذي فى الخلاء فمكروه، ولا يرد على المسلِّم.
وسئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن السلام على المستجمر ورده؟
فأجاب: الظاهر عدم كراهية ذلك، وإنما يكره ذلك في حق المتخلي. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: وأنا أضرب

(5/143)


ص -148- ... لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثاً فصاعدا من غير عظم ولا روث؛ وهو كاف مع وجود الماء، عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك، ومع هذا لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً، ولنهوا عن الصلاة خلفه وبدعوه، مع إقرارهم بذلك لأجل العادة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله: الاستجمار بثلاثة أحجار أو أكثر، إذا أزال الإنسان بذلك النجاسة وبلتها يكفي عن الاستنجاء باتفاق العلماء، لكن الاستنجاء بالماء مع الاستجمار أفضل وأكمل؛ والاستجمار لا يحتاج إلى نية للصلاة، لأنه من التروك، والتروك لا تحتاج إلى نية.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن كراهية بعض الناس الاستجمار في الأرض لأنه خلق منها؟ فأجاب: هذا وسواس شيطاني ما يلتفت إليه.
... باب السواك وسنن الفطرة

(5/144)


ص -149- ... باب السواك وسنن الفطرة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الختان؟
فأجاب: أما الختان فهو أخذ القلفة، ومن زاد على ذلك فقد خالف المشروع، فيؤدب ويضرب. وأجاب أيضاً: وأما مسألة بعض الناس، الذين ختانهم بالسلخ، فهذا لا يجوز في دين الإسلام؛ فأنتم انهوا الناس عن فعل هذا، وأغلظوا عليهم الكلام، وأخبروهم أن من فعل هذا يؤدب أدباً بليغاً. وأجاب أيضاً: وكذلك من اختتن غير ختان السنة، فإن كان فعله وهو جاهل فلا أدب عليه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن قص الشارب وحفه؟
فأجاب: قص الشارب وحفه سنة مؤكدة، ويكره تركه؛ وصرح بعضهم بوجوب القص، فيكون عدم القص محرماً، لحديث: "من لم يأخذ شاربه فليس منا " 1.
وأجاب أيضاً: وأما قصه على اختلاف بينهم في الأول،ى سوى ابن حزم، فإنه حكى الإجماع على أن قص الشارب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الأدب (2761), والنسائي: الطهارة (13) والزينة (5047).

(5/145)


ص -150- ... وإعفاء اللحية فرض، واستدل عليه بحديث زيد بن أرقم المرفوع: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا " 1؛ قال في الفروع: وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم، قال: وعبر أصحابنا وغيرهم بالاستحباب؛ وأما أمره صلى الله عليه وسلم بذلك مخالفة للمجوس والمشركين، فلا يلزم منه الوجوب، لأن مخالفتهم قد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم " 2، وكأمره بالصلاة في النعال والخفاف مخالفة لليهود.
وسئل: عن أخذ الرجل من طول لحيته إذا كانت دون القبضة؟
فأجاب: الظاهر الكراهة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعفوا اللحى " 3، وفي حديث آخر: "أرخوا اللحى "؛ والسنة عدم الأخذ من طولها مطلقاً، وإنما رخص بعض العلماء في أخذ ما زاد عن القبضة لفعل ابن عمر رضي الله عنه، وبعض العلماء يكره ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعفوا اللحى ". وأما حلق ما على الخدين من الشعر فلا شك في كراهته، لمخالفة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعفوا اللحى "؛ واللحية في اللغة: اسم للشعر النابت على الخدين والذقن؛ ومعنى قوله: "أعفوا اللحى " أي: وفروها واتركوها على حالها، مع أنه ورد حديث في النهي عن ذلك، فروى الطبراني عن ابن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الأدب (2761), والنسائي: الطهارة (13) والزينة (5047).
2 البخاري: اللباس (5899), ومسلم: اللباس والزينة (2103), والنسائي: الزينة (5069, 5071, 5072), وأبو داود: الترجل (4203), وابن ماجة: اللباس (3621), وأحمد (2/240, 2/309, 2/401).
3 البخاري: اللباس (5888, 5893), ومسلم: الطهارة (259), والترمذي: الأدب (2763, 2764), والنسائي: الزينة (5046), وأبو داود: الترجل (4199), وأحمد (2/16, 2/52, 2/156), ومالك: الجامع (1764).

(5/146)


ص -151- ... عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق " 1؛ قال الزمخشري، معناه: صيره مثلة بأن نتفه، أو حلقه من الخدود، أو غيره بسواد، وقال في النهاية، مثل بالشعر: حلقه من الخدود، وقيل نتفه أو تغييره بسواد؛ فهذا الحديث ظاهر في تحريم هذا الفعل، والله أعلم.
وقال أصحابنا: يباح للمرأة حلق وجهها وحفه، ونص أحمد على كراهة حف الرجل شعر وجهه، والحف أخذه بالمقراض، والحلق بالموسى؛ فإذا كره الحف فالحلق أولى بالكراهة، ويكفي في ذلك أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "أعفوا اللحى "، وفي الحديث: "وفروا اللحى، خالفوا المشركين " 2.
وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن معنى عقد اللحية في حديث: "إن من عقد لحيته... " 3... إلخ؟
فأجاب: عقد اللحية لا أعلمه، لكن ذكر في الآداب كلاماً يقتضي أنه شيء يفعله بعض الناس في الحرب على وجه التكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5/147)


1 صحيح البخاري: كتاب الشهادات (2685) وكتاب الجهاد والسير (2795) وكتاب المناقب (3895) وكتاب المغازي (4418) وكتاب النكاح (5078, 5125) وكتاب الأيمان والنذور (6625) وكتاب التعبير (7011 ,7012) وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (7363) وكتاب التوحيد (7523) , وصحيح مسلم: كتاب الأيمان (1655) وكتاب اللباس والزينة (2069) وكتاب فضائل الصحابة (2438) وكتاب التوبة (2769), وسنن الترمذي: كتاب فضائل الجهاد (1643) وكتاب تفسير القرآن (3102), وسنن النسائي: كتاب الصلاة (461) وكتاب الزينة (5312), وسنن أبي داود: كتاب الصلاة (1420) وكتاب السنة (4643), وسنن ابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (1401) وكتاب الكفارات (2114) وكتاب الزهد (4268), ومسند أحمد (1/36, 2/278, 2/317, 3/456, 4/267, 4/268, 4/271, 4/380, 5/315, 5/317, 5/414, 6/25, 6/41, 6/128, 6/139, 6/161, 6/387), وموطأ مالك: كتاب النداء للصلاة (270), وسنن الدارمي: كتاب الصلاة (1577).
2 البخاري: اللباس (5892), ومسلم: الطهارة (259).
3 النسائي: الزينة (5067), وأبو داود: الطهارة (36), وأحمد (4/109).

(5/148)


ص -152- ... سئل أبناء الشيخ محمد، وحمد بن ناصر: عن حلق بعض شعر الرأس، وترك بعضه؟
فأجابوا: الذي تدل عليه الأحاديث: النهي عن حلق بعضه وترك بعضه؛ فأما تركه كله فلا بأس إذا أكرمه الإنسان، كما دلت عليه السنة الصحيحة. وأما حديث كليب فهو يدل على الأمر بالحلق عند دخوله في الإسلام، إن صح الحديث، ولا يدل على أن استمرار الحلق سنة. وأما تعزير من لم يحلق وأخذ ماله فلا يجوز، وينهى فاعله عن ذلك، لأن ترك الحلق ليس منهياً عنه، وإنما نهى عنه ولي الأمر، لأن الحلق هو العادة عندنا، ولا يتركه عندنا إلا السفهاء، فنهي عن ذلك نهي تنْزيه، لا نهي تحريم، سداً للذريعة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحناء إذا اختضب به الرجل؟
فأجاب: الحناء لا بأس به إذا اختضب به الرجل في يديه، ورجليه، غير قاصد للتشبه بالنساء، ولا يريد به الزينة.
وسئل: عن الوشم؟
فأجاب: أما الوشم فهو حرام فعله، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم "لعن الواشمة والمستوشمة " 1؛ فالمرأة التي تفعل الوشم تؤدب وتضرب إلى أن تنتهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الطلاق (5347), وأحمد (4/308).

(5/149)


ص -153- ... سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد: عن قولهم: إذا استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوؤه، وفسد الماء... إلخ؟
فأجاب: فساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثاً بنية من نوم ليل فسد وإن لم يدخلها الإناء، هذا معنى ما جزم به في الإقناع والمنتهى وشرح الزاد. وقال الشيخ عثمان في حاشية المنتهى: ومعنى قوله: وفسد الماء، أي: الذي حصل في يده، وهو مبني فيما يظهر على القول بأن حصوله في بعضها كحصوله في كلها، كما اختاره جمع؛ أما على الصحيح فينبغي صحة الوضوء ونحوه، حيث لم يحصل في جميع اليد. انتهى؛ وهو مفرع على ما هو الصحيح من المذهب أن غسلهما لمعنى فيهما. وقال في الشرح: وذكر أبو الحسن رواية أنه لأجل إدخالها الإناء، فيصح وضوؤه، ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال.
وسئل: هل يكفي غسل إحدى اليدين؟
فأجاب: الذي مشى عليه العلماء، رحمهم الله، أن هذا الحكم يتعلق باليدين معاً، فلا تختص به اليمنى دون الشمال، مع أن الوارد في الحديث الإفراد؛ فلنذكر الحديث ببعض ألفاظه، منسوباً إلى مخرجيه إن شاء الله تعالى،

(5/150)


ص -154- ... فأقول: أخرجه الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأهل السنن وغيرهم، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " 1، هذا لفظ مالك، والبخاري، وللشافعي نحوه؛ وللنسائي: "فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً " 2، وله والدارقطني: "فإنه لا يدري أين باتت يده منه " 3. وللدارمي في الوضوء، ولأبي داود: "إذا استيقظ أحدكم من الليل " 4، وكذا للترمذي، وفي الباب عن جابر وابن عمر، رضي الله عنهم. ووجه تعميم اليدين بهذا الحكم - والله أعلم - لكونه مفرداً مضافاً، وهو يعم، وهو ظاهر على ما ذهب إليه الإمام أحمد تبعاً لعلي وابن عباس، والمحكي عن الشافعية والحنفية خلافه، ذكره في القواعد الأصولية؛ فعلى قولهم، لا يظهر لي وجهه، والله أعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (162).
2 مسلم: الطهارة (278), والنسائي: الطهارة (1), وأبو داود: الطهارة (103, 105), وأحمد (2/241, 2/253, 2/259), والدارمي: الطهارة (766).
3 البخاري: الوضوء (162).
4 البخاري: الوضوء (162), ومسلم: الطهارة (278), والترمذي: الطهارة (24), والنسائي: الطهارة (1) والغسل والتيمم (441), وأبو داود: الطهارة (105), وابن ماجة: الطهارة وسننها (393), وأحمد (2/253, 2/348, 2/382), ومالك: الطهارة (40), والدارمي: الطهارة (766).
... باب الوضوء

(5/151)


ص -155- ... باب الوضوء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط الرابع - يعني من شروط الصلاة -: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف؛ و موجبه الحدث؛ و شروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية الماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه.
وأما فروضه فستة: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق، وحدّه طولاً من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً إلى فروع الأذنين، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة؛ والدليل: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } الآية [سورة المائدة آية: 6]. ودليل الترتيب: الحديث: "ابدؤوا بما بدأ الله به ". ودليل الموالاة: حديث صاحب اللمعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء،

(5/152)


ص -156- ... فأمره بالإعادة. وواجبه التسمية مع الذكر.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الحناء في مواضع الوضوء؟
فأجاب: وأما الحناء، فيغسل إذا دخل وقت الصلاة.
سئل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمهم الله: إذا غسل يديه ثم استنجى، ثم أراد أن يتوضأ، فهل يغسل يديه بعد الاستنجاء وقبل الوضوء؟
فأجاب: هذه المسألة لم أرها في كلام أحد من الأصحاب، وإنما ذكروا استحباب غسلهما عند الوضوء، وإن تيقن طهارتهما، لعموم الأدلة؛ قاله في الإنصاف، وقيل: لا يغسلهما إذا تيقن طهارتهما، بل يكره، ذكره في الرعاية. وقال القاضي: إن شك فيهما غسلهما، وإن تحقق طهارتهما خُيِّر. انتهى. والأول هو قول أكثر أهل العلم، لأن عثمان وعلياً وعبد الله بن زيد، وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثاً؛ لكن يقال: إذا غسل الإنسان كفيه عند الاستنجاء، ثم استنجى وتوضأ في الحين من غير فصل، وهو الصورة المسؤول عنها، فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء؛ والفقهاء عللوا الأمر بغسلهما بإرادة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وهذا حاصل بغسلهما قبل الاستنجاء.

(5/153)


ص -157- ... ويدل على هذا: أن عائشة وميمونة، رضي الله عنهما، وصفتا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرتا أنه يغسل يديه قبل أن يستنجي، ولم يذكرا ذلك عند إرادته الوضوء، وفي لفظ حديث عائشة، رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يده، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوء الصلاة " 1، وحديث ميمونة: "أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه فغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم أفرغ على رأسه " 2، وذكر تمام غسله في كلا الحديثين، ولم يذكر أنه غسل كفيه بعد الغسل الأول؛ وهو دليل على ما ذكرنا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول الشيخ، رحمه الله: فإن الله أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو.
فأجاب: مراده أن الأمر بالمسح بالعضو، أبلغ من مسح العضو، وأن الباء تقتضي أن يكون هناك شيء يمسح به العضو، بخلاف إذا لم تذكر الباء، وهذه الباء تسمى: باء الإلصاق، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، إذ المسح إلصاق ماسح بممسوح، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم، أي: المسح بالماء في الوضوء، وبالصعيد في التيمم، وهذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الحيض (316).
2 البخاري: الغسل (265), ومسلم: الحيض (317), والترمذي: الطهارة (103), والنسائي: الغسل والتيمم (419), وأبو داود: الطهارة (245), وابن ماجة: الطهارة وسننها (573), وأحمد (6/329).

(5/154)


ص -158- ... بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤوسكم، فإنه لا يدل على أن ثم شيئاً ملصقاً كما يقال: مسحت رأس اليتيم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن توضأ لنافلة، هل يصلى به الفرض؟ فأجاب: يصلي به ما شاء، فرضاً أو نفلاً؛ قال في الشرح الكبير: ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً.
وسئل: عن الأذكار التي تقولها العامة عند الوضوء على كل عضو؟
فأجاب: لا يجوز، لأنه بدعة؛ قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: الأذكار التي تقولها العامة عند غسل كل عضو، لا أصل لها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يقرأ سورة القدر بعد الوضوء؟
فأجاب: أما قراءة سورة القدر بعد الوضوء، فلا أصل له.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن السلام على الذي يتوضأ، أو يستنجي؟
فأجاب: أما السلام على الذي يتوضأ، فلا أعلم فيه كراهة، فإذا سلم عليه، رد عليه السلام؛ وأما السلام على الذي يستنجي بالماء في المطهرة، فلا أعلم.
... باب المسح على الخفين

(5/155)


ص -159- ... باب المسح على الخفين
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يشترط تقدم الطهارة للجبيرة؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف، والأظهر: أنه لا يشترط تقدم الطهارة للجبيرة؛ والمسح يكفي عن التيمم، والجمع بينهما أحسن، خروجا من الخلاف.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: دليلهم في اشتراط ذلك: القياس على الخف والعمامة، بجامع الحائل؛ فننظر: هل هذا القياس صحيح باجتماع أركان القياس الصحيح فيه، أو لا؟ وإنما يتضح ذلك بنقل عبارة أهل الأصول المحررة، وتمهيد قواعدهم المقررة؛ ولو ذهبنا لنقلها في هذا الموضع، لأدى بنا ذلك إلى التزام ما لا يلزم. إذا علمت ذلك، فما اعتمده متأخرو الأصحاب من هذا الاشتراط، هو إحدى الروايتين عن أحمد؛ والثانية: لا يشترط لمسح الجبيرة تقدم الطهارة، اختارها الخلال، وابن عقيل، وأبو عبد الله ابن تيمية في التلخيص، والموفق، وجزم به في الوجيز، للأخبار، والمشقة، لكون الجرح قد يقع في

(5/156)


ص -160- ... حال يتضرر منها; ففي اشتراط تقدم الطهارة لها، إفضاء إلى الحرج الموضوع.
وسئل: إذا سقطت الجبيرة بنفسها من غير برء، هل تنتقض الطهارة بذلك؟
فأجاب: قال في الفروع: إذا زالت الجبيرة فكالخف؛ وقيل: طهارته باقية قبل البرء، واختاره شيخنا مطلقاً، كإزالة شعر. انتهى. وعني بشيخه: أبا العباس ابن تيمية. قال العسكري: فلو خلع الجبيرة على طهارة، لم ينتقض وضوؤه بمجرد خلعها، وقال في الإقناع، والمنتهى، وشرح المفردات: وزوال جبيرة كخف. انتهى. وكذا عبر غيرهم بلفظ: زلت، وزوال، وكلا اللفظين أعم من أن يكون بفعل؛ فعلى هذا، إن كان سقوطها على طهارة، لم تنتقض الطهارة به، وإن كان بعد حدث، انتقضت؛ وعلى الثانية، هي باقية مطلقاً، ما لم يبرأ.
سئل الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد: إذا شك هل مسح قبل الظهر، أو بعده، وقلنا ابتداء المدة من المسح؟
فأجاب: إذا شك هل مسح قبل الظهر أو بعده، لم تلزمه الإعادة، لأن الأصل المسح. وقيل: يلزمه إعادة الظهر، ويخلع من الغد قبل الظهر، فيرد كل شيء إلى أصله.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن نسي المسح على خفيه؟
فأجاب: إذا نسي المسح على خفيه، فعليه الإعادة، لأنه ترك عضوين.
... باب نواقض الوضوء

(5/157)


ص -161- ... باب نواقض الوضوء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش النجس من الجسد، وزوال العقل، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد، قُبلاً كان أو دبراً، وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت، والردة عن الإسلام، أعاذنا الله من ذلك.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن نقض الوضوء بالقيء؟
فأجاب: وأما نقض الوضوء بالقيء، ففيه خلاف؛ والمشهور عن أحمد: أنه ينقض إذا كان كثيراً، ولا ينقض اليسير منه; وذهب مالك، والشافعي، وغيرهما، إلى أنه لا ينقض الوضوء، ولو كثر، لكن يستحب الوضوء منه، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله. وأما الخروج من الصلاة لأجل الخارج اليسير من القيء أو الدم، فإن كان يسيراً صلى ولم يقطع الصلاة، ولا إعادة عليه، لأنه روي عن الصحابة نحو ذلك؛ "فابن أبي أوفى بزق دماً، ثم قام فصلى "، "وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ "، وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه.
وأجاب الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله: القيء

(5/158)


ص -162- ... والرعاف لا ينقض إذا كان خفيفاً، ولا ينفتل من صلاته إذا كان يسيراً.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل ينقض النظر، أو مس المرأة بشهوة؟
فأجاب: النظر ليس بناقض، وأما المس فينقض الوضوء؛ وفرقوا، هل ينقض الماس والممسوس؟ أم الماس فقط؟ على روايتين؛ والأظهر من ذلك أنه ينقض الكل.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل ينقض مس فرج الحيوان؟
فأجاب: لمس فرج الحيوان غير الآدمي لا ينقض الوضوء، حياً ولا ميتاً، باتفاق الأئمة، وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين؛ وإنما تنازعوا في مس فرج الإنسان خاصة، بظهر الكف وباطنه كله، الأصابع والراحة ; ومنهم من يقول: لا ينقض، كأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث... إلخ.
فأجاب: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، بنى على ما تيقنه.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل يمكن الصبي من اللوح... إلخ؟
فأجاب: أما مس الصبي المكتوب من القرآن في اللوح فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز، لكن لا يمكن التحرز من ذلك؟ وفيه رواية عن أحمد بالجواز.
... باب الغسل

(5/159)


ص -163- ... باب الغسل
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: هل يكفي غسل اليد بنية القيام من نوم الليل، أو من الجنابة أو الأعلى يرتفع به الأدنى... إلخ؟
فأجاب: النية هنا ليست مرادة للقيام، وإنما تراد لأجل النوم، فافهم. ولا يكفي نية غسلها من نوم الليل عن الجنابة كالعكس، على الأصح فيه، لأنهما أمران مختلفان، فيعتبر لكل منهما نية؛ أما على الوجه الثاني، وهو: أن غسلهما من النوم لا يفتقر إلى نية، فيجزي عنه نية الحدث الأكبر، وكذا على قول الجمهور، أنه لا يجب غسلهما من نوم الليل بل يستحب.
وقوله: أو الأعلى يرتفع به الأدنى، جوابه يظهر مما قبله. وقوله: وما الأعلى منهما؟ أقول: اتفقوا على أن ما يوجب الوضوء وحده يسمى أصغر، وما يوجب الغسل يسمى أكبر، ونصوا على أن الحدث الأصغر يقوم بالبدن كله، ويرتفع بغسل الأعضاء الأربعة بشرطه، فكيف يقال: إن غسل اليدين من نوم الليل أكبر، مع كونه خاصاً بالكفين، على أنه

(5/160)


ص -164- ... مختلف في وجوبه، والقائلون بالوجوب لم يسموه حدثاً، فافهم.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، رحمهم الله: إذا قلنا بما اعتمده المتأخرون من الروايات في هذه المسألة، واشترطنا النية لغسلهما، كما هو مقطوع به عندهم، فإن غسلهما بنية القيام من نوم الليل لا يرفع الحدث عنهما، لأنهم صرحوا بأن غسلهما من نوم الليل طهارة مفردة، يجوز تقديمها على الوضوء والغسل بالزمن الطويل، لكن وجوب غسلهما منه تعبدي غير معقول لنا، لاحتمال ورود النجاسة عليهما، وغسلهما لمعنى فيهما، لا كما يقوله بعضهم؛ وحكاه أبو الحسين ابن القاضي رواية عن أحمد، من أن غسلهما لإدخالهما في الإناء، فقد عرفت أنه لا بد لرفع الحدث عنهما من نية وفعل، على المذهب خاصة.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الوضوء للجنابة قبل الغسل، هل يجب؟
فأجاب: لا يجب، بل هو سنة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمه الله: هل يجوز غسل شعر رأس الرجل والمرأة مضفوراً لم ينقضاه؟
فأجاب: وأما غسل الجنابة فيجوز للرجل والمرأة أن يغسلا رؤوسهما من الجنابة وهو معقود، إذا وصل الماء إلى

(5/161)


ص -165- ... أصول الشعر، ويحثوا على رؤوسهما ثلاث حثيات من الماء، ويجوز لهما أن يغتسلا من إناء واحد.
وسئل: عن المرأة المجدورة، إذا عجزت عن الغسل... إلخ؟
فأجاب: المرأة إذا حاضت وهي مجدورة، فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك، أو خافت الضرر، تيممت ثم صلت وصامت؛ ولا يلزمها إعادة إذا برأت من مرضها، بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا نوى الغسل هل يرتفع ما دونه... إلخ؟
فأجاب: نية الغسل لا يرتفع بها الحدث، لأنها ليست من الصور المعتبرة في الطهارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. وقول السائل: أم لا بد من التخصيص بالفعل، أو بالنية، أو بهما؟ أقول: لا معنى للتخصيص بالفعل هنا دون نية أصلاً؛ والصور المعتبرة في الغسل ست: نية رفع الحدث الأكبر، نية رفع الحدثين، نية فعل الحدث ويطلق، نية استباحة أمر يتوقف على الوضوء والغسل معاً، نية أمر يتوقف على الغسل وحده، نية ما يسن له الغسل ناسياً للواجب؛ ففي هذه كلها يرتفع الأكبر، ويرتفع الأصغر أيضاً فيما عدا الأولى والأخيرتين، أفاده الشيخ عثمان.

(5/162)


ص -166- ... قلت: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أنه يرتفع الأصغر في الأولى أيضاً. وهذه الست يتأتى نظيرها في الأصغر، ويزيد بأنه يرتفع إذا قصد بطهارته ما تسن له الطهارة ذاكراً الحدث، فافهم الفرق بين البابين، فإنه مهم جداً، قاله الشيخ عثمان. انتهى ملخصاً.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن محمد، رحمهم الله: إذا نوى من عليه موجب أكبر رفعه بغسله، فإنه يرتفع المنوي وما كان من جنسه، ووصفه، كما إذا نوت من عليها غسل حيض وجنابة رفع الحدثين، فيرتفعان معاً بنية رفع أحدهما بالغسل، لتداخلهما وتساويهما موجباً وحكماً، وكما إذا نوى رفع الحدث وأطلق، ونوى الصلاة ونحوها، مما يحتاج لوضوء وغسل، ويسقط الترتيب والموالاة، لكون البدن فيه بمنْزلة العضو الواحد. وأما الحدث الأصغر، فلا يرتفع بنية الأكبر فقط، لما بينهما من تباين الأوصاف، واختلاف الأصناف التي لا يجامعها تداخل؛ هذا منصوص أحمد، والمعتمد عند أكثر أصحابه، وهو من مفردات مذهبه. قال ناظمها:

والغسل للكبرى فقط لا يرفع ... صغرى وإن نوى ففيه ينفع
قال في شرحه: وإن نوى بالغسل الطهارة الكبرى، أي: رفع الحدث الأكبر، لم يرتفع حدثه الأصغر، لقول

(5/163)


ص -167- ... رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكل امرئ ما نوى " 1، وهذا لم ينو الوضوء؛ هذا الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. انتهى. وحكى في الفروع والمبدع والإنصاف، عن الأزجي وأبي العباس ابن تيمية: الأصغر يرتفع بنية الأكبر، وجزم به ابن اللحام في الاختيارات، لأنه أدرج الأصغر في الأكبر، فيدخل فيه ويضمحل معه، ومبنى الطهارة على التداخل، فماهية الأصغر انعدمت بانعدام أجزائها، وسواء تقدم الأصغر الأكبر أو تأخر عنه. وروى البيهقي عن عمر أنه كان يقول: "وأي وضوء أتم من الغسل إذا أجنب الفرج ، وعن يحيى بن سعيد قال: "سئل سعيد بن المسيب: عن الرجل يغتسل من الجنابة، يكفيه ذلك من الوضوء؟ قال: نعم "، واستأنسوا - أعني القائلين بدخوله في الأكبر - بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "أن أهل الطائف قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا باردة، فما يجزينا من غسل الجنابة؟ فقال: أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثاً "، وبقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة، رضي الله عنها: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " 2، أو قال: "فإذا أنت قد طهرت " 3، رواهما مسلم؛ لكن الدلالة من هذين الحديثين ليست بصريحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: بدء الوحي (1), ومسلم: الإمارة (1907), والترمذي: فضائل الجهاد (1647), والنسائي: الطهارة (75) والطلاق (3437) والأيمان والنذور (3794), وأبو داود: الطلاق (2201), وابن ماجة: الزهد (4227), وأحمد (1/43).
2 مسلم: الحيض (330), والترمذي: الطهارة (105), والنسائي: الطهارة (241), وأبو داود: الطهارة (251), وابن ماجة: الطهارة وسننها (603).
3 الترمذي: الطهارة (105), وأبو داود: الطهارة (251), وابن ماجة: الطهارة وسننها (603).

(5/164)


ص -168- ... سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الجنب إذا أصابه المطر حتى غسل بدنه وأنقاه، هل يرتفع حدثه؟
فأجاب: نعم يرتفع إذا نوى رفع الحدث عند إصابة المطر، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات " 1.
سئل الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: عن الجنب الذي يأتي الخبرا الكبيرة من الماء، والثغب، ويجلس على جاله، ثم يغرف على جسده، وينفصل ماؤه في الثغب الذي هو يغتسل فيه، هل ذلك جائز، أم لا؟
فأجاب: الجنب الذي يتناول الماء من الثغب إن كان يقدر على الاغتسال، من غير رجوع المنفصل إلى الثغب، بأن يحفر له حفيرة، أو يجعل بينه وبين الماء حداداً، فيفعل ذلك؛ فإن لم يقدر، فلا عليه إلا ما يقدر عليه، و { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [سورة البقرة آية: 286]، و { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [سورة التغابن آية: 16]؛ هذا إذا كان الماء كثيراً، وأما إذا كان دون القلتين، فلا.
وسئل: ما صفة غسل الجنب في البير، والثغب؟ هل له أن يغمس جميع بدنه في وسطه، ويغتسل فيه؟ أم يكون خارج الماء؟ أم غير ذلك؟ وهل إذا فعل ذلك إنسان أجزأه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: بدء الوحي (1), والترمذي: فضائل الجهاد (1647), والنسائي: الطهارة (75) والطلاق (3437) والأيمان والنذور (3794), وأبو داود: الطلاق (2201), وابن ماجة: الزهد (4227), وأحمد (1/25, 1/43).

(5/165)


ص -169- ... وهل ينهى عن ذلك من فعله؟ أو مما يؤمر به؟ أم هذا جائز؟
فأجاب: الجنب إذا انغمس في ماء دائم: ثغب، أو ركية، أو غيرهما، مذهب الحنابلة: أن الماء يكون مستعملاً، ولا يرتفع الحدث؛ هذا إذا كان دون القلتين. ومذهب الشافعي: أنه يرتفع حدثه، ويكون الماء مستعملاً. ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: ارتفاع حدثه، أما إذا كان الماء كثيراً، فهو كما ذكرنا لك في المسألة قبلها.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إذا احتلم الرجل في المنام، ووجب عليه الغسل، وأراد أن يجامع قبل الاغتسال لأجل أنه يريد أن يغتسل، هل يجامع على هذه الحال قبل الاغتسال؟
فأجاب: الرجل إذا أراد معاودة الجماع قبل الاغتسال، فله المعاودة قبل الاغتسال، قل أو كثر، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بغسل واحد.
وسئل: إذا وطئ الرجل امرأته، ووجب عليه الغسل، أو احتلم، هل له أن يجامع مرتين، أو أكثر قبل الاغتسال، ويجعل ذلك بغسل واحد؟ وكذلك إذا جامع في البيت، ثم خرج، ثم رجع وأراد المعاودة قبل الاغتسال، هل له ذلك، أم لا؟ وهل يفرق بين الخارج، وعدمه؟

(5/166)


ص -170- ... فأجاب: أما الجماع بعد الاحتلام وقبل الغسل، فحكمه عند أهل العلم حكم الوطء، وأما من جهة الطب فأنا قد سمعت أن الأطباء يكرهونه، ويذكرون فيه بعض الضرر; وأما الذي يجامع ثم يخرج من البيت، ثم يعود فيجامع، فهذا أمر جائز، وسواء فيه من خرج ومن لم يخرج.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يمنعه الحياء من الغسل... إلخ؟
فأجاب: وأما الجنب الذي عنده ماء، ويمنعه الحياء من الغسل، فإنه يستر عورته ويغتسل، وحياؤه مذموم في الشرع في مثل هذا، ويحرم عليه تأخير الغسل إذا خاف خروج الوقت; ولو كان عزباً ويخاف من ظنهم، فإنه يحصل له أجر من جهتين، من فعل المأمور به، ومن غيبتهم له.
وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن اغتسل عرياناً بين الناس؟
فأجاب: ومن اغتسل عرياناً بين الناس لم يجز، وإن كان وحده جاز; وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستتراً، لأن للماء سكاناً.
... باب التيمم

(5/167)


ص -171- ... باب التيمم
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يجوز التيمم مع وجود الماء؟
فأجاب: التيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء، قال الله تعالى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً }الآية [سورة النساء آية: 43].
وسئل: هل التراب بدل لكل ما يفعل بالماء؟
فأجاب: أما التراب فهو بدل لكل ما يفعل بالماء؛ فمن عجز عن استعمال الماء، أو عدم الماء، فالصعيد الطيب له طهور.
وسئل: هل التيمم عند عدم الماء مبيح أو رافع؟
فأجاب: الذي عليه الأكثر أنه مبيح.
سئل بعضهم: إذا خاف برد الماء، هل يتيمم... إلخ؟
فأجاب: نعم، يتيمم، لحديث عمرو بن العاص، لما بعث في غزوة ذات السلاسل، وصلى بأصحابه وهو جنب بسبب البرد، ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم؛ قال في الشرح الكبير: وإن خاف البرد، ولم يمكنه استعمال الماء على وجه يأمن الضرر،

(5/168)


ص -172- ... تيمم في قول أكثر العلماء. انتهى. ومما يستدل به لذلك: قوله تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [سورة النساء آية: 29]، وحديث عمرو بن العاص.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما الرجل إذا احتلم أو جامع وخشي برد الماء، فإن أمكنه تسخينه والاغتسال به لزمه ذلك؛ فإن خاف الضرر باستعماله غسل ما لا يتضرر به، وتيمم للباقي وصلى، ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريط منه ولا عدوان.
سئل الشيخ سعيد بن حجي، رحمه الله: عمن أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة، وعدم الماء، هل يتيمم؟
فأجاب: قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: أما التيمم للنجاسة على الثوب، فلا نعلم به قائلاً من العلماء؛ وإن كانت النجاسة في البدن، فهل يتيمم لها؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا يتيمم لها، وهذا قول جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة والشافعي - إلى أن قال - لما كان عاجزاً عن إزالة النجاسة سقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم. انتهى ملخصاً. وقال في الكافي: في وجوب الإعادة روايتان: إحداهما: لا تجب، لقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء " 1، قياساً على التيمم، والأخرى: تجب الإعادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (5/146).

(5/169)


ص -173- ... وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الرجل يكون معه ماء قليل، وفي بدنه أو ثوبه نجاسة، والماء لا يكفي لغسل الجميع؟
فأجاب: يغسل به النجاسة، ويتيمم للباقي.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: هل يشترط الترتيب والموالاة بين الوضوء والتيمم؟
فأجاب: قال في المبدع: وإن كان حدث الجريح أصغر، راعى الترتيب والموالاة، ويعيد غسل الصحيح عند كل تيمم في وجه، وفي الآخر: لا ترتيب ولا موالاة؛ فعلى هذا، لا يعيد الغسل إلا إذا أحدث. انتهى. والأول هو الذي اعتمده المتأخرون، فأوجبوا الترتيب والموالاة بين الوضوء والتيمم، لاشتراط الترتيب في الوضوء، فلا ينقله عن عضو حتى يكمله غسلاً وتيمماً، عملاً بقضية الترتيب؛ فعلى هذا: لا يضر نداوة التراب في يديه، كما هو ظاهر كلامهم، وصرح به الشافعية. وحكى في الفروع عن المجد: أن قياس المذهب أن الترتيب سنة، وحكى في الإنصاف وغيره عن أبي العباس: ينبغي أن لا يرتب.
وقال غيره: لا تلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، قال: والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة، وجزم به ابن اللحام في الاختيارات، والنفس تميل إلى ما قال، لا سيما وقد حكى هو وغيره من فقهاء الحديث: أن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما

(5/170)


ص -174- ... شرعه الله، اللهم إلا أن يكون بين إيجاب الترتيب والموالاة من الأدلة الشرعية رابط خفى علينا، ففوق كل ذي علم عليم.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله: وأما اشتراط الترتيب بين الوضوء والتيمم، إذا كان في بعض أعضاء الوضوء جرح مما يتيمم له، فالذي يظهر لي عدم وجوب الموالاة، فيعيد التيمم إذا خرج الوقت الذي تيمم فيه لبعض أعضاء الوضوء فقط، والله أعلم.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التيمم بالرمل؟
فأجاب: أما التيمم بالرمل وتراب المسجد، فلا بأس به. وأجاب الشيخ حمد بن عتيق: التيمم بالرمل لا بأس به، للحديث: "أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره " 1.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قول شارح الزاد: أو عدل شعير، 2 ونحوه.
فأجاب: هو ما كان له غبار يعلق باليد.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهم الله: هل يتيمم لكل صلاة؟
فأجاب: وأما التيمم، فيصلي به ما لم يحدث كما يصلي بالماء؛ والاحتياط أن يتيمم لكل صلاة.
وسئل: إذا مر إنسان بالماء في الوقت، فلم يستعمله وصلى بالتيمم، هل يعيد؟
فأجاب: إذا مر المسافر بالماء في الوقت، فلم يستعمله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: التيمم (335), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (521), والنسائي: الغسل والتيمم (432) والمساجد (736), وأحمد (3/304), والدارمي: الصلاة (1389).
2 العدل هنا: وعاء له عرى يعلق على الدابة.

(5/171)


ص -175- ... وصلى بالتيمم، فالمسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها وجهان للأصحاب؛ والمذهب: أنه لا إعادة عليه، لأنه في تلك الحالة عادم للماء.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمهما الله: إذا وجد الجنب الماء في غير وقت الصلاة وقد نسي حدثه، ثم جاوز الماء، فلما دخل وقت الصلاة إذا هو عادم للماء، هل تصح صلاته بالتيمم؟
فأجاب: نعم، تصح صلاته بالتيمم.
وسئل بعضهم: عن رجل في سفر، ودخل وقت الظهر وهو عادم الماء، فأخر الظهر ناوياً التأخير إلى العصر، فوجد الماء في وقت الظهر ولم يستعمله، وعدم الماء وقت العصر، هل يعيد؟
فأجاب: المشهور عند الحنابلة أن مثل هذا لا إعادة عليه، لأنه يجوز له تأخير صلاة الظهر إلى وقت العصر إذا كان ناوياً الجمع؛ قال في الشرح الكبير: وإذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة، وهو قول الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت كقولنا، وإلا صلى بالتيمم وعليه الإعادة، لأنه مفرط؛ ولنا أنه لم يجب عليه استعماله، أشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت.
وفي شرح منصور على المنتهى: ومن في الوقت أراقه،

(5/172)


ص -176- ... أي: الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه ولم يفعل، وهو يعلم أنه لا يجد غيره، أو باعه، أو وهبه في الوقت لغير من يلزمه بذله له، حرم عليه ذلك، ولم يصح العقد من بيع أو هبة لتعلق حق الله تعالى بالمعقود عليه، فلم يصح نقل الملك فيه كأضحية معينة؛ ثم إن تيمم لعدم غيره، ولم يقدر على رد المبيع والموهوب، وصلى، لم يعد، لأنه عادم للماء حال التيمم، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. انتهى. فإذا كان لا يعيد إذا مر به في الوقت ولم ينو الجمع، فكيف إذا كان ناوياً للجمع؟ والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن قوله صلى الله عليه وسلم في شأن الرجل الذي صلى بالتيمم ولم يعد لما وصل إلى الماء: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك " 1، وقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين " 2... إلخ؟
فأجاب: لا شك أن الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشرعي، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك " 3؛ وأما الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل، يثاب على الصلاة الأولى والثانية، وهي كونه صلى الثانية مجتهداً، فأثيب على اجتهاده للصلاة الثانية كما أثيب الأول؛ ومن المعلوم أن الفريضة أفضل من التطوع من جنسه وغير جنسه، إلا في أربعة أشياء ليس هذا محل ذكرها 4.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الغسل والتيمم (433), وأبو داود: الطهارة (338), والدارمي: الطهارة (744).
2 أبو داود: الطهارة (338), والدارمي: الطهارة (744).
3 النسائي: الغسل والتيمم (433), وأبو داود: الطهارة (338), والدارمي: الطهارة (744).
4 أي: الطهر قبل الوقت, والابتداء بالسلام, وإبراء المعسر, والختان قبل البلوغ.

(5/173)


ص -177- ... سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن عدم الماء والتراب... إلخ؟
فأجاب: إذا عدم الجميع، فإنه يصلي على حسب حاله.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا دخل الوقت على عادم الماء، فهل الأفضل التأخير؟
فأجاب: إذا دخل الوقت على عادم الماء، فمال في الشرح: يستحب تأخير التيمم لآخر الوقت لمن يرجو وجود الماء؛ روي ذلك عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي. وقال الشافعي - في أحد قوليه -: التقديم أفضل.
وأجاب الشيخ حمد بن عتيق: يستحب تأخير التيمم آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء؛ وروي عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي، وقال الشافعي - في أحد قوليه -: التقديم أفضل.
وسئل أيضاً: الرجل يتيمم وهو يدرك الماء في آخر الوقت؟
فأجاب: هو مخير.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا تحقق وجود الماء آخر الوقت، هل يتيمم أول الوقت ويصلي أو لا؟
فأجاب: يتيمم ويصلي أول الوقت.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: الحاقن أيما أفضل: يصلي بوضوء، أو يحدث ثم يتيمم؟

(5/174)


ص -178- ... فأجاب: صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان؛ فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهي عنها، وأما صلاة المتيمم فصحيحة بلا كراهة بالاتفاق.
وسئل أيضاً: عن صفة تيمم مقطوع اليد؟
فأجاب: مقطوع اليد يمكنه أن يضرب بيده على التراب، ثم يضعها على ثوبه أو بعض بدنه، ويقلبها على ظاهرها وباطنها ماسحاً لها، ويقلب أصابعه.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن صفة تيمم من في إحدى يديه علة؟ فأجاب: يتيمم ولو بواحدة - يعني السالمة - ويمسحها بأطراف أصابع المعتلة، أو بأسفل كفها، لقوله تعالى:{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [سورة التغابن آية: 16].
... باب إزالة النجاسة

(5/175)


ص -179- ... باب إزالة النجاسة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل يجزئ إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات؟
فأجاب: في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز للحاجة كما هو قول ثالث لمالك وأحمد؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله: "اغسليه بالماء " 1، وقوله في آنية المجوس: "ثم اغسلوها بالماء "، وقوله فى حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: "صبوا على بوله ذنوباً من ماء " 2، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمراً عاماً بأن تزال النجاسة بالماء؛ وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع، منها الاستجمار بالأحجار، ومنها قوله في النعلين: "ثم ليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور "، ومنها قوله في الذيل: "يطهره ما بعده " 3، وذكر لها نظائر؛ قلت: وهذا القول هو الصواب إن شاء الله تعالى.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن حكم نجاسة الكلب، والخنْزير... إلخ؟
فأجاب: أما نجاسة الكلب والخنْزير وما تولد منهما، إذا أصابت غير الأرض، فيجب غسلها سبعاً إحداهن بالتراب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن ماجة: الطهارة وسننها (628), وأحمد (6/355).
2 البخاري: الأدب (6128), والترمذي: الطهارة (147), والنسائي: الطهارة (56) والمياه (330), وأبو داود: الطهارة (380), وأحمد (2/239).
3 الترمذي: الطهارة (143), وأبو داود: الطهارة (383), وابن ماجة: الطهارة وسننها (531), وأحمد (6/290), ومالك: الطهارة (47), والدارمي: الطهارة (742).

(5/176)


ص -180- ... سواء من ولوغه أو غيره، لأنهما نجسان وما تولد منهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً " 1، متفق عليه، ولمسلم: "أولاهن بالتراب " 2. وأما النجاسات على الأرض، فيطهرها أن يغمرها بالماء فيذهب عينها ولونها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء " 3، متفق عليه. وأما باقي النجاسات، ففيه عن أحمد ثلاث روايات: الأولى: تغسل سبعاً، والثانية: ثلاثاً، والثالثة: تكاثر بالماء حتى تذهب عينها ولونها من غير عدد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اغسليه بالماء " 4، ولم يذكر عدداً؛ وهذا مذهب الشافعي، واختاره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، رحمه الله، وهو المفتى به عندنا.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: عن قوله: نحو تراب؟
فأجاب: نحو التراب هو كل جامد منق، كالأشنان والصابون والسدر.
وسئل: هل تفتقر إزالة النجاسة إلى نية؟
فأجاب: لا تقتقر إلى نية، بل متى زالت النجاسة بالماء طهر المحل لأنها من التروك، بخلاف الأوامر فإنها تفتقر إلى نية، لقوله عليه السلام: "إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " 5 الحديث، لكن عليه أن يزيل النجاسة عن أعضائه، وعن بدنه قبل الغسل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (172), ومسلم: الطهارة (279), والنسائي: المياه (338, 339), وأبو داود: الطهارة (73), وابن ماجة: الطهارة وسننها (363, 364), وأحمد (2/245, 2/253, 2/265, 2/271), ومالك: الطهارة (67).
2 مسلم: الطهارة (279), والنسائي: المياه (338, 339), وأبو داود: الطهارة (71), وأحمد (2/427, 2/489).
3 البخاري: الأدب (6128), والترمذي: الطهارة (147), والنسائي: الطهارة (56) والمياه (330), وأحمد (2/239, 2/282).
4 ابن ماجة: الطهارة وسننها (628), وأحمد (6/355).

(5/177)


5 البخاري: بدء الوحي (1), والترمذي: فضائل الجهاد (1647), والنسائي: الطهارة (75) والطلاق (3437) والأيمان والنذور (3794), وأبو داود: الطلاق (2201), وابن ماجة: الزهد (4227), وأحمد (1/25, 1/43).

(5/178)


ص -181- ... سئل بعضهم: إذا وقعت فأرة في دهن وألقيت منه... إلخ؟
فأجاب: إذا وقعت فأرة في دهن أو غيره، وألقيت قبل أن تتغير أحد أوصافه الثلاثة، فهو طاهر.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن صفة الخل؟
فأجاب: صفة الخل يذكر أهل العلم أنه يعمل من التمر، أو العنب، أو غيرهما، ويطرح فيه ملح أو شيء حامض حتى لا يتخمر، ويذكرون أن هذا صفة الخل المباح؛ وعندنا ناس يعملونه على ما ذكرنا لك.
و سئل: عن القيء؟
فأجاب: أما القيء فالمشهور أنه نجس.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن حكم قيء الغلام؟
فأجاب: حكم قيئه حكم بوله إلا أنه أخف منه، صرح به في الإقناع وغيره، وهو ظاهر الروض وغيره.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله: عن حكم الدم المحتقن في جوف الذبيحة؟
فأجاب: أما الدم المحتقن في جوف الذبيحة، فقال في الإنصاف وغيره - نقلاً عن القاضي-: إن الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وفي العروق مباح؛ قال الشيخ تقي الدين: لا أعلم خلافاً في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرقة،

(5/179)


ص -182- ... بل يؤكل معها، والله أعلم. قالوا: فظاهر كلام القاضي في الخلاف، وابن الجوزي، أن المحرم هو الدم المسفوح، كما دلت عليه الآية الكريمة، قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى:{ أَوْ دَماً مَسْفُوحاً } [سورة الأنعام آية: 145]، أي: مهراقاً سائلاً؛ قال ابن عباس، رضي الله عنهما: "يريد ما يخرج من الحيوانات وهي حية، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ". وممن قال بطهارة بقية الدم، وإن ظهرت حمرته: المجد في شرحه، والناظم، وصاحب الفائق، وغيرهم، والله أعلم.
وأجاب الشيخ، عبد الله أبا بطين: وأما دم الذبيحة الذي يبقى في مذبحها ولحمها بعد الذبح، فإنه طاهر، لأن الله إنما حرم الدم المسفوح، والمسفوح هو الذي يسيل؛ فالذي ليس بمسفوح ليس بحرام، وحله يدل على طهارته.
سئل الشيخ محمد بن محمود: إذا خرج اللبن متغيراً بدم، هل هو نجس؟
فأجاب: الدم نجس، فإذا ظهر أثره في اللبن نجس به، وإن كان الأثر يسيراً، لأن المائعات ما يعفى فيها عن يسير النجاسة.
وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز بن محمد، رحمه الله: عن اللبن إذا كان فيه خطوط دم، هل يحرم؟
فأجاب: خطوط الدم تذهب بالتركيد، فيجوز زل الحليب والدم يهراق.

(5/180)


ص -183- ... وأجاب الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي، رحمه الله: وأما الحليب المتغير بالدم، فالظاهر أنه إذا خلا من حمرة الدم ولو بالتركيد، فلا بأس إن شاء الله تعالى.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن حكم موضع النجاسة إذا خفي في الثوب؟
فأجاب: وأما الثوب إذا خفي موضع النجاسة فيه، وجب غسل ما يتيقن به زوالها إن أمكن إذا أراد الصلاة.
وسئل: عن المذي؟
فأجاب: وأما المذي فنجس يجب عليه غسله عند الجمهور، لحديث علي قال فيه: "يغسل ذكره ثم يتوضأ " 1، وعن أحمد رواية: يجزئ نضحه، لحديث سهل، اختاره الشيخ تقي الدين.
وسئل عن اشتراط بعضهم: أن طهارة المني لا تكون إلا بعد استنجاء، أو استجمار، وكذا رطوبة فرج المرأة... إلخ؟
فأجاب: أما القول بطهارة المني فهو مذهب أحمد والشافعي، لكن الشافعية يشترطون: كون خروجه بعد الاستنجاء بالماء؛ والحنابلة يقولون بطهارته ولو كان خروجه بعد استجمار بالحجر ونحوه، فإن لم يتقدمه استجمار شرعي،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الحيض (303), والنسائي: الغسل والتيمم (439), وأبو داود: الطهارة (206), وأحمد (1/80).

(5/181)


ص -184- ... ففي النفس منه شيء، ولم أر من صرح بحكمه والحالة هذه. واستدلوا على طهارة رطوبة فرج المرأة، بدلالة السنة على طهارة المني ولو كان من جماع، لحديث عائشة، رضي الله عنها: أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابساً، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحتلم، والحديث مطلق، ومني الرجل في الجماع يباشر رطوبة فرج المرأة، فدل على طهارتها؛ لكن صرح الشافعي: بأن رطوبة فرج المرأة إذا انفصلت عن محلها تنجس ما أصابته، ولم أر لأصحابنا تصريحاً بذلك، والله أعلم.
وأجاب بعضهم: وأما المني ففيه اختلاف، والأحسن فيه العمل بالحديث، وهو إن كان رطباً غسل، وإن كان يابساً فرك، ولا يتبين لي فيه نجاسة، وهو مذهب الشافعي.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن الترعة 1؟
فأجاب: الترعة يغسل الذي أصاب سلبه منها.
سئل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر، رحمهما الله: عن المنفصل عن محل الاستنجاء وما في معناه؟
فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة بني حكمها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هي: القلس.

(5/182)


ص -185- ... القول في محل النجاسات المعفو عنها، كمحل الاستجمار بعد الإنقاء، وأسفل الخف والحذاء إذا أصابته نجاسة ودلك حتى أنقى؛ فإن قيل: إنه طاهر، فما انفصل عنه طاهر، وإن قيل: نجس فنجس إذا كان المنفصل قليلاً. وقلنا: ينجس بالملاقاة وإن لم يتغير بالنجاسة؛ والمذهب المشهور عند الأصحاب: أن محل الاستجمار نجس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. فلو قعد المستجمر في ماء قليل نجسه، ولو عرق كان عرقه نجساً. وعن أحمد رواية أخرى: أنه طاهر، وذكره في الإنصاف قول جماعة من الأصحاب منهم ابن حامد؛ قال في المغني: ظاهر كلام أحمد أن محل الاستجمار بعد الإنقاء طاهر، فإن أحمد بن الحسن قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يبول ويستجمر ويستبرئ، يعرق في سراويله؟ قال: إذا استجمر ثلاثاً فلا بأس. وسأله رجل: إذا استنجيت من الغائط يصيب ذلك الماء مني موضعاً آخر، فقال أحمد: قد جاء في الاستنجاء بثلاثة أحجار، فاستنج أنت بثلاثة أحجار، ثم لا تبال ما أصابك من ذلك الماء.
واحتج أبو محمد لهذا القول، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بعظم ولا بروث، فإنهما لا يطهران " 1، قال: فمفهومه أن غيرهما يطهر، قال: ولأن الصحابة كان الغالب عليهم الاستجمار، حتى إن جماعة منهم أنكروا الاستنجاء بالماء، وسماه بعضهم بدعة، وبلادهم حارة؛ والظاهر أنهم لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (3/487).

(5/183)


ص -186- ... يسلمون من العرق، فلم ينقل عنهم توقي ذلك، ولا الاحتراز منه، ولا ذكر لذلك أصل; وقد نقل عن ابن عمر أنه بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه، وعن إبراهيم النخعي نحو ذلك، ولولا أنهما اعتقدا طهارته ما فعلا ذلك. انتهى.
وفي الاقناع: أن مني الآدمي طاهر، ولو خرج بعد الاستجمار، قال في شرحه: لعموم ما سبق، قال في الإنصاف: سواء كان من احتلام أو جماع، من رجل أو امرأة، لا يجب فيه فرك ولا غسل - ثم قال - وقيل: مني المستجمر نجس دون غيره، فعبارة الإقناع صريحة في طهارته بعد أثر الاستجمار، ولكن كلام صاحب الإنصاف ظاهر فيه؛ هذا مع أنهم صرحوا: أن محل الاستجمار نجس يعفى عنه في محله دون غيره، واستثنوا هذه الصورة لما ذكرنا من حجة القول الثاني، وهو لازم لهم في بقية صور المسألة لاتحاد العلة.
وأما أسفل الخف والنعل إذا أصابته نجاسة، فالمذهب عند المتأخرين أنه لا يكفي فيه إلا الغسل بالماء؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، وعنه: يجزي دلكه بالأرض، اختاره الموفق، والمجد، والشيخ تقي الدين، لما روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا وطأ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب " 1، وفي أحاديث أخر. وعن أحمد رواية ثالثة: يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما، والأول أولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (385).

(5/184)


ص -187- ... لعموم الأدلة عليه؛ فهل يطهر بالدلك أو يصير معفواً عنه في محله دون غيره، الذي عليه أكثر أهل العلم: أنه لا يطهر بل يصير معفواً عنه في محله فقط، فلو لاقى غيره من المائعات، فله حكم غيره من المتنجسات. وعن أحمد: أنه يطهر بذلك، اختاره ابن حامد في جماعة من الأصحاب، ومال إليه في المغني، قال في الإنصاف: وهو من مفردات المذهب، ووجهه ما قدمناه من الدليل، فقوله: طهورهما التراب ظاهر في ذلك.
سئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ: هل عظم الآدمي طاهر؟
فأجاب: الصحيح أنه طاهر إذ لا موجب لتنجيسه، وكذلك عظم الميتة، لأن المقتضي للتنجيس الدم في العظام؛ وأظن هذا اختيار الشيخ تقي الدين وابن القيم وغيرهما، ويحكى عن أبي حنيفة، رحمهم الله، والله أعلم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي، رحمه الله تعالى: عن عَرَق الحمار والبغل والتدخن بالروث.
فأجاب: اعلم أن في طهارة البغل والحمار في مذهب الحنفية والحنابلة خلافاً يطول ذكره، والحاصل: أن فيهما عن أحمد روايتين: إحداهما: أنهما نجسان، فعليها يعفى عن ريقهما وعرقهما وما تولد منهما، غير الخارج من سبيلهما فهو نجس. والثانية: أنهما طاهران، اختاره الموفق، لأنه صلى الله عليه وسلم كان

(5/185)


ص -188- ... يركبهما ويركبان في زمانه، ولأنه لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فكانا طاهرين كالسنور. انتهى من المبدع. وقال في المغني: الصحيح عندي طهارة البغل والحمار، لأنه عليه السلام كان يركبهما، ويركبان في عصر الصحابة، ولو كانا نجسين لبينه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وقال في الإنصاف: ومال الشيخ تقي الدين إلى طهارة البغل والحمار. انتهى. وروى الدارقطني: "أنتوضأ مما أفضلت الحمر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم " 1. اهـ. وروى ابن ماجة من حديث أبي سعيد معناه، وفيه قال: "لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غبر طهور " 2، وقول عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد عليها وترد علينا "، رواه مالك. انتهى من المبدع. وقد اختار طهارة البغل والحمار المالكية والشافعية.
وقال في العناية شرح الهداية للحنفية - لما ذكر الخلاف في سؤر البغل والحمار-: وسؤر البغل والحمار مشكوك فيه، وأبو طاهر أنكر أن يكون شيء من أحكام الله مشكوكاً فيه، وقال: سؤر الحمار طاهر؛ والشافعي يجعله طاهراً وطهوراً، لأن كل حيوان ينتفع بجلده فسؤره طهور عنده. قال القدوري: عرق الحمار طاهر في الرواية المشهورة، وكذا سؤره، وروى عن ابن عباس أنه قال "لا بأس بالتوضي بسؤر البغل والحمار ". انتهى كلام صاحب العناية ملخصاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 صحيح مسلم: كتاب الحج (1221), وسنن النسائي: كتاب الإمامة (778), وسنن أبي داود: كتاب البيوع (3394), ومسند أحمد (4/348).
2 ابن ماجة: الطهارة وسننها (519).

(5/186)


ص -189- ... إذا ثبت هذا، فما خرج منهما من الفضولات، كالعرق والريق والدمع والمخاط، فهو طاهر. والقول الآخر: معفو عنه. فقد علمت أن الذي عليه الأكثرون من العلماء طهارة البغل والحمار وفضولاتهما. وأما فرخ بيضة المأكول: إن كان حياً فهو طاهر، وإن كان ميتاً أو دماً فهو نجس. ويجوز التدخن بروث الفرس، لأنه طاهر، بخلاف الحمار فإنه نجس، ودخان النجاسة نجس؛ وفيه تفصيل: قال في الكافي: دخان النجاسة نجس، فإن اجتمع منها شيء، أو لاقاها جسم صقيل فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء، ولا ظهر له صفة، فهو معفو عنه، لعدم إمكان التحرز منه.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن سؤر الحمار؟
فأجاب: عند المتقدمين من أهل العلم أنه طاهر لا ينجس، وعند المتأخرين أنه نجس.
وسئل: عن زرق الصقر؟
فأجاب: وأما زرق الصقر فإنه نجس، لكن يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه؛ فإن مقتنى هذا الحيوان وأمثاله لا يكاد يسلم منه فعفي عن يسيره كالدم.
... باب الحيض

(5/187)


ص -190- ... باب الحيض
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أقل الطهر، وأكثره؟
فأجاب: الجمهور على أن أقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يوماً، واختار شيخ الإسلام: أنه قد يكون أقل إذا كان عادة. وأكثر الحيض: خمسة عشر يوماً، وأقله: يوم وليلة؛ وأبو حنيفة يقول: أقله: ثلاثة أيام بلياليها، وأكثره: عشرة أيام. ومذهب مالك والشافعي في أكثر الحيض كمذهب أحمد، والشافعي كذلك في أقله، وأما مالك فيقول: لا حد لأقله.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يجوز للحائض الجلوس في المسجد مع أمن التلويث؟ فأجاب: الحائض لا يحل لها الجلوس في المسجد ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية؛ وقد نص الفقهاء على أن الحائض لا تجلس في المسجد، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل؛ وأما النفساء فحكمها حكم الحائض، والله أعلم.
وسئل: هل يجوز وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل؟

(5/188)


ص -191- ... فأجاب: لا يجوز ذلك حتى تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء، كما هو قول مالك والشافعي وأحمد؛ وهو معنى ما يروى عن الصحابة حيث قالوا في المعتدة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض عنده، وهو عشرة أيام، جاز وطؤها؛ والقول الأول هو الصواب، لأن الله تعالى قال:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } [سورة البقرة آية: 222]، قال مجاهد يعني: ينقطع الدم؛ { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } [سورة البقرة آية: 222] اغتسلن بالماء.
وسئل: عن المجدورة إذا حاضت وانقطع الدم ولم تغتسل، هل تصلي وتصوم ولا يلزمها إعادة؟ وكذلك هل يجب عليها الغسل من الجنابة والحيض إذا أصابها؟
فأجاب: المرأة إذا حاضت وهي مجدورة فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك أو خافت الضرر تيممت ثم صلت وصامت، ولا يلزمها إعادة إذا برأت من مرضها؛ بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اغتسلت من الحيض فوطئها زوجها ثم رأى على ذكره أثر الدم؟
فأجاب: إذا اغتسلت من الحيض فوطئها، ثم رأى على ذكره أثر الدم، فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى، لأن قصاراه أن الدم عاودها بعد الطهر، وذلك حيض عند

(5/189)


ص -192- ... الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يوماً، وقد وطئها في حال جريان الدم جاهلاً، فيكون معذوراً ولا إثم عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم "عفي لأمتي الخطأ والنسيان ". وأما الكفارة: ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والناسي، أم تجب على الجميع؟ والذي عليه الجمهور: أنه لا كفارة على الجميع، بل من تعمد ذلك أثم وليس عليه إلا التوبة.
وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور، والثانية: عليه الكفارة إذا تعمد، لحديث ابن عباس المرفوع أنه "يتصدق بدينار، أو نصف دينار " 1، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي، لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، لأنه من حديث فلان، أظنه قال: عبد الحميد، وقال لو صح ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كنا نرى عليه الكفارة، وقال في موضع: ليس به بأس قد روى الناس عنه؛ فاختلاف الرواية في الكفارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث، وهذه الروايتان عن أحمد في العامد، وأما الجاهل والناسي، فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهي المذهب لعموم الخبر. والثاني: لا تجب لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي الخطأ والنسيان "؛ فعلى هذا، لو وطئ طاهراً فحاضت في أثناء وطئه فلا كفارة عليه، وعلى الأول عليه الكفارة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (289) والحيض والاستحاضة (370), وأبو داود: الطهارة (264), وابن ماجة: الطهارة وسننها (640), وأحمد (1/229, 1/237, 1/286), والدارمي: الطهارة (1106, 1107).

(5/190)


ص -193- ... وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الوطء بعد الحيض قبل الغسل؟
فأجاب: الوطء بعد الحيض قبل الغسل، الظاهر أنه لا كفارة فيه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحامل إذا رأت الدم؟
فأجاب: إذا رأت الحامل الدم، فهذا ينظر في حال المرأة، فإذا كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت، فهذا لا تلتفت إليه، بل تصلي فيه وتصوم، وتكون حكمها حكم المستحاضة؛ وليس في هذا اختلاف. وإنما الاختلاف فيما إذا كان عادة المرأة أنها تحيض وهي حامل ويتكرر، ويأتيها في عادة الحيض، وتطهر في عادة الطهر؛ فهذا الذي اختلف فيه العلماء، والراجح في الدليل أنه حيض إذا كان على ما وصفنا، ولكنه قليل الوقوع، وكثير الوقوع على الصفة الأولى. فأنت، افهم الفرق بين من هو لها عادة متكررة، وبين من ليس لها عادة ويضطرب عليها الدم، فإنها تشتبه على كثير من الطلبة.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: عن المرأة إذا بلغت سن الإياس؟ و ما قدر سن الإياس والدم يأتيها على عادتها، هل تصوم وتصلي وتقضي الصوم؟ أو لا بد من انقطاع الدم عنها؟
فأجاب: الإياس لا يقدر بشيء إلا إذا تغير الدم، أو انقطع، صامت ولا تقض.

(5/191)