صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي
المؤلف : عبد القادر عودة
الناشر : دار الكتب العلمية
مصدر الكتاب : [ بجزئيه ] ملف وورد أهداه بعض الأخوة للبرنامج
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الفصل الخامس مدى صلاحية العقوبات الشرعية 571
الفصل السادس العقوبات في القانون المصري ومدى صلاحيتها 578
الباب الثالث تعدد العقوبات 600
الباب الرابع استيفاء العقوبات 609
الباب الخامس العود 618
الباب السادس سقوط العقوبة 621

(2/353)


التشريع الجنائي الإسلامي
مقارناً
بالقانون الوضعي

تأليف
عبد القادر عودة

الجزء الثانى

دار الكتب العلمية

[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذى علم الإنسان بعد جهل، وهداه بعد ضلال، وفقهه بعد غفلة، والصلاة والسلام على محمد رسول الله الذى أرسله ربه للناس كافة بشيرًا ونذيرًا وهاديًا ومعلمًا؛ ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحى من حى عن بيِّنة.
وبعد؛ فهذه دراسات فى التشريع الجنائى الإسلامى مقارنة بالقوانين الوضعية، وفقنى الله فيها إلى إظهار محاسن الشريعة، وتفوقها على القوانين الوضعية، وسبقها إلى تقرير كل المبادئ الإنسانية والنظريات العلمية والاجتماعية التى لم يعرفها العالم ولم يهتد إليها العلماء إلا أخيرًا.
وسيرى القارئ مصداق هذا القول بين دفتى هذا الكتاب، وأرجو أن لا ينتهى من قراءته إلا وقد أصبح يعتقد بما أعتقده، وهو أن الشريعة الإسلامية هى شريعة كل زمان ومكان.
والحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى * وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:25- 28].
* * *

الباب الأول
فى الجنايات
1 - معنى الجناية: الجناية لغة: اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه، تسميه للمصدر من جنى عليه شرًا، وهو عام، إلا أنه خُصِّ بما يحرم من الأفعال، وأصله من جنى الثمر وهو أخذه من الشجرة.
أما فى الاصطلاح الفقهى فالجناية: اسم لفعل محرم شرعًا سواء وقع الفعل فى نفس أو مال أو غير ذلك. لكن عرف الفقهاء جرى على إطلاق اسم الجناية على الأفعال الواقعة على نفس الإنسان أو أطرافه وهى القتل والجرح والضرب( (1)).
__________
(1) البحر الرائق ج8 ص 286 , الزيلعى ج6 ص79 .

(3/1)


وأكثر الفقهاء يتكلمون عن القتل والجرح والضرب تحت عنوان الجنايات، متأثرين فى ذلك بما تعارفوا عليه من إطلاق اسم الجناية على هذه الأفعال((1) ).
ولكن بعض الفقهاء يتكلمون عن هذه الأفعال تحت عنوان الجراح((2)) ناظرين إلى أن الجراحة هى أكثر طرق القتل والاعتداء على النفس والأطراف. كما أن بعض الفقهاء يؤثرون لفظ الدماء.((3)) ويجعلونه عنوانًا لجرائم القتل والجرح والضرب، ناظرين فى ذلك إما إلى النتيجة الغالبة لهذه الجرائم وهى إراقة الدماء وإما إلى أن أحكام هذه الجرائم وضعت لحماية الدماء.
2 - أقسام الجناية: ويقسم الفقهاء الجناية ((4)). على الآدمى إلى ثلاثة أقسام:
1 - جناية على النفس مطلقًا، ويدخل تحت هذا القسم الجرائم التى تهلك النفس أى القتل بمختلف أنواعه.
2 - جناية على ما دون النفس مطلقًا، ويدخل تحت هذا القسم الجرائم التى تمس جسم الأنسان ولا تمس نفسه وهى الضرب والجرح.
3 - جناية على ما هو نفس من وجه دون وجه. ويقصد من هذا التعبير الجناية على الجنين لأنه يعتبر نفسًا من وجه ولا يعتبر كذلك من وجهة آخر، فيعتبر نفس من وجه لأنه آدمى، ولا يعتبر كذلك لأنه لم ينفصل عن أمه. ويعبر عن هذه الجناية فى الاصطلاح القانون الوضعى بالإجهاض.
__________
(1) المرجعان السابقان , وبدائع الصنائع ص 233 , الإقناع ج4 ص162 , البجيرمى على المنهج ج4 ص 129 .
(2) تحفة المحتاج ج4 ص1 , المغنى ج9 ص318 , الأم ج6 ص1 .
(3) الشرح الكبير للدردير ج4 ص210 , مواهب الجليل للحطاب ج6 ص230 .
(4) يلاحظ أن معنى الجناية فى الشريعة يتفق مع معنى الجريمة , فالفعل جناية ولو كان مخالفة أو جنحة أو أكثر جسامة منهما , ولفظ الجناية فى الشريعة مخالف لمعنى هذا اللفظ في القانون المصرى الذى يعتبر جناية كل فعل معاقب عليه بالإعدام أو الأشغال الشاقة أو السجن .

(3/2)


3 - جرائم القتل والضرب والجرح قد تقع عمدًا وقد تقع خطأ: ولكنها سواء كانت عمد أو خطًا ليست فى الواقع إلا صورًا قانونية مختلفة بفعل واحد يقع على جسم المجنى عليه، فالضرب بعصا قد لا يحدث أثرًا وقد يحدث شجه أو جرحًا، وقد يؤدى إلى موت المجنى عليه وقد يكون الضارب قاصدًا مجرد الاعتداء فيكون فعله ضربًا أو جرحًا متعمدًا وقد لا يقصد الاعتداء فيكون فعله ضربًا أو جرحًا خطأ.
فإذا مات المجنى عليه كان الضرب قتلاً عمدًا إذا قصد الجانى القتل، وكان قتلاً شبه عمد أى ضربًا مفضيًا لموت إذا تعمد الجانى الاعتداء ولم يقصد القتل، وكان قتلاً خطأ إذا لم يقصد الاعتداء أصلاً. فالفارق بين هذه الصور المتعددة المختلفة هو نتيجة الفعل وقصد الجانى، وهذا التصوير لجرائم القتل والجرح والضرب متحد فى الشريعة والقوانين الوضعية.
وتتفق أحكام جرائم القتل والجرح والضرب فى الشريعة الإسلامية مع أحكامها فى القوانين الوضعية فيما يختص بأركان الجريمة وصورها والأفعال المختلفة المكونة لها. ولا تكاد الشريعة تختلف عن القوانين إلا فى نوع العقوبة التى يقررها كلاً منهما لهذه الجرائم. بل أن القوانين حين تتناول هذه الجرائم تتناولها على نفس طريقة الشريعة فتجمعها فى باب واحد، كما يتكلم عنها الشراح دفعة واحدة لشدة ما بينها من اتصال، وهو نفس ما فعله فقهاء الشريعة فى شرح هذه الجرائم.
* * *

الفصل الأول
القتل
4 - تعريف القتل: يعرف القتل فى الشريعة كما يعرف فى القوانين الوضعية بأنه فعل من العباد تزول به الحياة((1)) أى إنه إزهاق روح أدمى بفعل أدمى آخر.
والقتل فى الشريعة أصلا على نوعين: قتل محرم، وهو كل قتل عدوانى، وقتل بحق، وهو قتل لا عدوان فيه كقتل القاتل والمرتد.
__________
(1) تكملة فتح القدير ج8 ص244 .

(3/3)


وبعض الفقهاء يقسم القتل من حيث الحل والحرمة إلى خمسة أقسام: واجب: وهو قتل المرتد إذا لم يتب والحربى إذا يسلم أو يعط الأمان. محرم: وهو قتل المعصوم بغير حق. مكروه: وهو قتل الغازى قريبه الكافر إذا لم يسب الله ورسوله فإن سبهما لم يكره قتله. مندوب: وهو قتل الغازى قريبه الكافر إذا سب الله ورسوله. مباح: ومثله قتل المقتص وقتل الأسير، على أن قتل الأسير كما يرى البعض قد يكون واجبًا إذا ترتب على عدم قتله مفسده ومندوبًا إذا كان فيه مصلحه، بل يحتمل الوجوب مطلقًا إذا ظهرت المصلحة.((1))
5 - أقسام القتل: ويقسم الفقهاء القتل تقسيمات تختلف بحسب وجهة نظر كل منهم، ويمكننا أن نستعرض هذه التقسيمات المختلفة فيما يأتى:
أولاً: التقسيم الثنائى: يقسم بعض الفقهاء القتل إلى قتل عمد، وقتل خطأ، ولا وسط بينهما، والقتل العمد عند هؤلاء هو كل فعل ارتكب بقصد العدوان إذا أدى إلى موت المجنى عليه سواء قصد الجانى القتل أو لم يقصده، وبشرط ألا يكون الفعل قد وقع على وجه اللعب أو مقصودًا به التأديب ممن له حق التأديب. والقتل الخطأ هو ما لم يكن عمدًا.((2)) وهذا هو مشهور مذهب مالك.((3))
ثانيًا: التقسيم الثلاثى: يقسم بعض الفقهاء القتل إلى ثلاثة أقسام((4)):
(أ) عمد: وهو ما تعمد فيه الجانى الفعل المزهق قاصدًا إزهاق روح المجنى عليه.
(ب) شبه عمد: وهو ما تعمد فيه الجانى الاعتداء على المجنى عليه دون أن بقصد قتله إذا مات المجنى عليه نتيجة للاعتداء ويسمى شراح القوانين الوضعية هذا النوع من القتل بالضرب المفضى إلى الموت.
(جـ) قتل خطأ: ويكون فى حالات:
__________
(1) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراميلسى ج7 ص233.
(2) مواهب الجليل للحطاب ج6 ص240 .
(3) حجة مالك وغيره فى التقسيم الثنائى ستأتى فيما بعد .
(4) نهاية المحتاج ج7 ص235 , المغنى ج9 ص30 , الإقناع ج4 ص163 , الزيلعى ج6 ص97 .

(3/4)


أولها: إذا تعمد الجانب الفعل دون أن يقصد المجنى عليه، كمن يرمى غَرضًا فيصيب شخصًا. وتسمى هذه الحالة الخطأ فى الفعل.
وثانيها: إذا تعمد الجانى الفعل وقصد المجنى عليه على ظن أن الفعل مباح بالنسبة للمجنى عليه ولكن تبين أن المجنى عليه معصوم، كمن يرمى من يظنه جنديًا من جنود الأعداء فإذا هو مسلم أو معاهد أو ذمى. وتسمى هذه الحالة الخطأ فى القصد.
وثالثها: أن لا يقصد الجانى الفعل ولكنه يقع نتيجة لتقصيرة، كمن يتقلب وهو نائم على آخر فيقتله.
ورابعها: أن يتسبب الجانى فى الفعل، كمن يحفر حفرة فى الطريق فيسقط فيها أحد المارة ليلاً وتؤدى السقطة لوفاته.
ثالثًا: التقسيم الرباعى: يقسم بعض الفقهاء القتل أربعة أقسام:
(1) عمد. (2) شبع عمد. (3) خطأ. (4) ما جرى مجرى الخطأ((1)).
والعمد وشبه العمد عند أصحاب هذا التقسيم لا يختلفان عما هما عليه فى التقسيم السابق، فالخلاف منحصر عندهم فى الخطأ لا غير.
والخطأ((2)) عند هؤلاء ما يكون فى نفس الفعل أو فى ظن الفاعل. فالأول: أن يقصد الفعل ولا يقصد الشخص كمن يرمى صيدًا فيصيب شخصًا. والثانى: أن يقصد من يظنه مباح القتل كحربى أو مرتد فإذا هو معصوم((3)).
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص233 , الشرح الكبير ج9 ص319 .
(2) بدائع الصنائع ح7 ص234 , الشرح الكبير ج9 ص333.
(3) الحربى : هو المنتمى إلى دولة محاربة , والمرتد : هو المسلم الذى ترك دينه , والمعصوم : هو من لا يحل قتله ولم يهدر دمه .

(3/5)


أما ما جرى مجرى الخطأ فنوعان: نوع هو فى معنى الخطأ من كل وجه، وهو أن يكون القتل على طريق المباشرة كأن ينقلب النائم على إنسان فيقتله، فهذا القتل فى معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده عن غير قصد، ونوع هو فى معنى الخطأ من وجه واحد، وهو أن يكون القتل عن طريق التسبب كمن يحفر حفرة فى طريق ولا يتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع المارة ليلاً من السقوط فيها فيسقط فيها شخص ويموت من سقطة((1)).
وظاهر مما سبق أن هذا التقسيم لا يختلف عن سابقه فى شىء إلا فى أنه يقسم ما اعتبره التقسيم خطًا إلى قسمين: أحدهما: الخطأ، والثانى: ما جراه مجراه.
رابعًا: التقسيم الخماسى: ويقسيم بعض الفقهاء القتل خمسة أقسام:
(1) عمد. (2) شبه عمد. (3) خطأ.
(4) ما جرى مجرى الخطأ. (5) القتل بالتسبب.
والفرق بين هذا التقسيم والتقسيم السابق أن أصحاب هذا التقسيم يفرقون بين الفعل المباشر والقتل بالتسبب ويجعلون الأخير قسمًا مستقلاً ((2)).
ويعزى التقسيم الخماسى إلى أبى بكر الرازى، فقد أداه منطقه إلى اختراع هذا التقسيم حيث رأى أن الخطأ على ضربين: أحدهما: خطأ فى الفعل كأن يقصد رمى طائر فيصيب شخصًا. والثانى: خطأ فى قصد كأن يقصد إصابة من يظنه حربيًا لأنه فى صفوفهم أو عليه لباسهم فيتبين أنه معصوم. وإذا كان هذا هو الخطأ فإنه لا ينطبق على فعل الساهى أو النائم لأن الفعل فى الخطأ مقصود إلا أن الخطأ يقع تارة فى الفعل وتارة فى القصد، وفعل الساهى والنائم غير مقصود أصلاً فليس هو إذن فى حيز الخطأ كما أنه ليس فى حيز العمد أو شبه العمد، ولما كان حكم فعل الساهى والنائم هو حكم الخطأ من حيث الجزاء فقد رأى أبو بكر الرازى إلحاقه بالخطأ باعتباره جاريًا مجراه.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص271 , الشرح الكبير ج9 ص334 .
(2) البحر الرائق ج8 ص287 , تكملة فتح القدير ج8 ص244 .

(3/6)


كذلك لاحظ هذا الفقيه أن الفقهاء يلحقون بحكم القتل ما ليس بقتل فى الحقيقة لا عمدًا ولا غير عمد، وذلك نحو فعل حافر البئر وواضع الحجر فى الطريق إذا عطب به إنسان وقال: إن هذا ليس بقاتل فى الحقيقة إذ له فعل فى قتل المجنى عليه لأن القاتل إما أن يكون مباشرًا من الجانى أو متولدًا عن فعله، وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل فى العاثر بالحجر والواقع فى البئر لا مباشرة ولا متولدًا، فلم يكن قاتلاً فى الحقيقة وإنما يمكن اعتباره قاتلاً بالتسبب((1)). هذه التقسيمات المختلفة للقتل وظاهر من استعراضها أن التقسيم الثنائى يختلف عن باقى التقاسيم فى أنه لا يتعرف بالقتل شبه العمد، وأن الخلاف بين التقسيمان فيما عدا ذلك خلاف ظاهرى أدى إليه منطق الترتيب والتبويب الدقيق.
ولما كان التقسيم الثلاثى هو أشهر التقاسيم فسنجعله أساسًا لبحثنا دون غيره خصوصًا وأنه يتفق مع التقسيم الذى سار عليه قانون العقوبات المصرى وغيره من القوانين الوضعية، فقد قسم قانون العقوبات المصرى القتل إلى عمد، وخطأ، وضرب أفضى إلى موت، أى القتل شبه العمد.
* * *
المبحث الأول
القتل العمد
6 - القتل العمد هو ما اقترن فيه الفعل المزهق للروح بنية قتل المجنى عليه: أى أن تعمد الفعل المزهق لا يكفى لاعتبار الجانى قاتلاً متعمدًا بل لابد من توفر قصد القتل لدى الجانى، فإذا لم يقصد الجانى القتل وإنما تعمد فقط مجرد الاعتداء فالفعل ليس قتلاً عمدًا ولو أدى لموت المجنى عليه، وإنما هو قتل شبه عمد كما يعبر عنه فقهاء الشريعة، وضرب أفضى إلى موت فى لغة شراح القوانين الوضعية.
7 - ويعتبر القتل العمد فى الشريعة من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم: وقد جاء القرأن والسنة بتحريمه وتعظيم شأنه وتحديد عقوبته.
__________
(1) أحكام القرأن لأبى بكر الرازى الجصاص ج2 ص223 .

(3/7)


تحريم القتل من القرآن: قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّى القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا} [الإسراء: 33] وقال: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] وقال:{وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]، وقال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151]، وقال جل شأنه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة 32].
عقوبة القتل من القرآن: قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].

(3/8)


وإذا كانت هذه الآية تذكر أن هذا الحكم كتب على من قبلنا فليس ذلك بشىء لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما يقم دليل على نسخه، فضلاً على أن القرآن جاء بنص صريح فى أنه مكتوب علينا، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِى القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178, 179].
تحريم القتل من السنة: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس”، وقال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن قالوها فقد عاصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل”، وقال: “من قتل نفسه بشىء من الدنيا عُذَّب به يوم القيامة”، وقال: “من أعان قتل امرئ مسلم بشطر كلمة لقى الله مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله”، وقال: “قتل المؤمن يعدل عند الله زوال الدنيا”، وقال فى خطبة عرفات: “ألا أن دمائكم ونفوسكم محرمة عليكم كحرمة يومى هذا فى شهرى هذا فى مقامى هذا”.
عقوبة القتل من السنة: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه وجد فى قائم سيفه: “إن أعدى الناس على الله غير قاتله، والضارب بغير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل على محمد”، وروى أنه قال: “من اعتبط مؤمنًا بقتل فهو قَوَد به إلا أن يرضى ولى المقتول، فمن حان دونه فعليه لعنة الله وغضبة، لا يقبل منه صرف ولا عدل”، وقال: “العمد قود”، وقال: “من قُتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا فالقود، وإن أحبوا فالعقل”.

(3/9)


* * *
أركان جريمة القتل العمد
8 - أركان جريمة القتل فى الشريعة ثلاثة:
أولها: أن يكون المجنى عليه آدميًّا حيًّا.
ثانيها: أن يكون القتل نتيجة لفعل الجانى.
ثالثها: أن يقصد الجانى إحداث الوفاة.
وهذه الأركان هى نفس أركان جريمة القتل العمد فى قانون العقوبات المصرى وغيره من القوانين الوضعية.
* * *
الركن الأول: القتيل آدمى حي
9 - تقع جريمة القتل على النفس فهى بطبيعتها اعتداء على آدمى حى: و لذلك سماها الفقهاء بالجناية على النفس، فلتحقق وقوع الجريمة يجب أن يكون المجنى عليه آدميا وأن يكون على قيد الحياة وقت ارتكاب جريمة القتل, فمن أطلق مقذوفا ناريا على حيوان حى فقتلة فإنه لا يعتبر قاتلاً عمدًا وإن كان يعتبر متلفًا لحيوان، ومن شق بطن إنسان ميت أو فصل رأسه من جسمه بقصد قتله وهو لا يعلم أنه ميت فإنه لا يعد قاتلاً له لأن الموت لم ينشأ عن فعله ولأن الفعل كان بعد أن فارق الميت الحياة فاستحال قتله، أو بتعبير آخر: لا يعاقب الجانى على جريمة القتل العمد لاستحالة وقوعها ولكنه يعاقب لأنه استحل حرمة ميت.
10 - ومن المتفق عليه أن الميت هو من خرج فعلاً عن الحياة: فإذا قتل شخص مريضًا فى حالة النزع فهو قاتل له عمدًا؛ لأنه أخرجه بفعله عن الحياة.

(3/10)


11 - وإذا جنى شخصان على ثالث وكان فعل الأول يفضى إلى الموت لا محالة إلا أنه لا يخرج به من حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة مثل شق البطن ومَزْق الأمعاء فإذا قطع الثانى رقبته فالقاتل هو الثانى لأنه فوَّت حياة مستقرة أو ما هو فى حكم الحياة، ويستدلون على ذلك بحادث عمر رضى الله عنه فإنه لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنًا فخرج يصلد فعلم الطبيب أنه ميت فقال: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم وأوصى وجعل الخلافة إلى أهل الشورى، فقبل الصحابة عهده وأجمعوا على قبول وصاياه، وهكذا ما دامت الحياة باقية يعتبر الثانى مفوتًا لها ويكون هو القاتل كما لو قتل عليلاً لا يرجى له البُرْء((1)).
12 - أما إذا كان فعل الأول قد أخرج المجنى عليه من حكم الحياة كأن قطع حشوته أى قطع أمعاءه وانتزعها ثم جاء الثانى وذبحه، فقد اختلف الفقهاء فى حكم هذه الحالة: ففريق يرى أن القاتل هو الأول إذا صير المجنى عليه إلى حركة مذبوح لأنه هو الذى صيره بفعله لحالة الموت ومن ثَمَّ أعطى حكم الأموات مطلقًا والمفروض فيمن يصل لهذه الحالة أن يكون عاجزًا عن النطق فاقدًا الإدراك والاختيار وإذا نطق بكلام منتظم فنطقه حركة مضطر كطلب الماء((2)).
__________
(1) البحر الرائق ج8 ص295 , نهاية المحتاج ج7 ص250 , 251 , مواهب الجليل للحطاب ج6 ص244 , الشرح الكبير ج9 ص338 .
(2) أصحاب هذا الرأى هم الحنفيون والشافعيون والحنابلة وبعض المالكيين , راجع المراجع السابقة .

(3/11)


ويرى الفريق الآخر أن القاتل هو الثانى لأن من قربت روحه من الزهوق يعتبر فى حكم الحياة ما دام لم يسلم الروح، وهو يرث غيره وتصح الوصية له إذا مات الموصى قبله وإذا استطاع الكلام فأسلم اعتبر إسلامه وورثه أهله من المسلمين وهو على كل حال إما حى أو ميت ولا سبيل لغير هذين الاعتبارين، ولا يمكن القول بأنه ميت قبل أن يسلم الروح، فهو إذن حى على ما به من إصابات، فإذا فعل به أحد فعلاً عجل بموته فهو قاتل نفسًا عمدًا ((1)).
13 - والجنين فى بطن أمه لا يعتبر آدميًّا حيًّا من كل وجه: ويعبر عنه فى الشريعة بأنه نفس من وجه، دون وجه فمن يعدم الجنين لا يعتبر قاتلاً له عمدًا، وإنما يعتبر مرتكبًا لجريمة قتل من نوع خاص، ويعاقب على فعله بعقوبة خاصة، وسنتكلم فيما بعد عن هذه الجريمة.
ويتفق القانون المصرى مع الشريعة فى هذا الاتجاه فمن يعدم جنينًا فى بطن أمه لا يعاقب على فعله بالعقوبة المقررة لقتل العمد فى المادة 1/234 عقوبات، وإنما يعاقب بالمادة 260 عقوبات وما بعدها الواردة فى الباب الثالث من الكتاب الثالث والخاصة بإسقاط الحوامل.
14 - وليس لجنسية المجنى عليه أو دينه أو لونه أو سنه أو نوعه أو ضعفه أو صحته أى أثر على اعتباره مقتولاً عمدًا: فيستوى أن يكون القتيل أجنبيًا أو من رعايا دولة الجانى، ويستوى أن يكون متدينًا أو غير متدين يعتنق دين القاتل أو دينًا آخر، ويستوى أن يكون أبيض أو أسود، عربيًا أو أعجميًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، ضعيفًا أو قويًّا، مريضًا أو صحيحًا، ويستوى أن يكون مرضه بسيطًا أو عضالاً يتوقع له الموت أو يرجى له الشفاء، فمن يقتل إنسانًا أيًّا كان فهو قاتل متعمد ولو كان طبيبا قصد أن يخلص القتيل من آلام مرضه المستعصى.
__________
(1) من هذا الرأى أصحاب المذهب الظاهرى وبعض المالكيين , راجع مواهب الجليل للحطاب ح6 ص233 , 244 الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 , المحلى لابن حزم ج10 ص518.

(3/12)


15 - ووجود جثة القتيل ليس شرطًا لاعتبار جريمة القتل واقعة، وليس شرطًا لقيام الدعوى، ما دامت الأدلة قائمة على حدوث واقعة القتل.
16 - ولا خلاف بين الشريعة وقانون العقوبات المصرى فيما سبق: ولا يشترط القانون المصرى لتوفر هذا الركن أكثر مما بسطناه. ولكن الشريعة الإسلامية تشترط فوق ما سبق أن يكون القتيل معصومًا؛ أى: غير مهدر الدم.
17 - والعصمة أساسها فى الشريعة الإسلام والأمان: ويدخل تحت الأمان عقد الجزية والموادعة والهدنة. وعلى هذا يعتبر معصومًا المسلم، والذمى، ومن بينه وبين المسلمين عهد أو هدنة، ومن دخل أرض الدولة بأمان ولو كان منتميًا لدولة محاربة ما دام الأمان قائمًا ويعتبر الإذن بالدخول أمانًا حتى تنتهى مدة الإذن. فهؤلاء جميعًا معصومون؛ أى لا تباح دمائهم ولا أموالهم، وإذا قُتل أحدهم كان قاتله مسئولاً عن قتله عمدًا إن تعمد قتله. وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد((1)).
أما أبو حنيفة فيرى أن العصمة ليست بالإسلام وإنما يعصم المرء بعصمة الدار ومَنَعة الإسلام وبالأمان، فأهل دار الإسلام معصومون بوجودهم فى دار الإسلام وبمنعة الإسلام المستمدة من قوتهم وجماعتهم وأهل دار الحرب غير معصومين لأنهم محاربون، وإن كان فيهم مسلم فلا يعصمه إسلامه حيث لا منعة له ولا قوة((2)).
والفرق بين رأى أبى حنيفة ورأى بقية الأئمة أن قتل المسلم فى دار الحرب لا عقاب عليه لأنه غير معصوم كما يرى أبو حنيفة، وعندهم يعاقب على قتله لأنه معصوم النفس محقون الدم بإسلامه فقط ولا عبره بوجوده فى دار الحرب.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص231, تحفة المحتاج ج4 ص10, المغنى ج10 ص476, 606 وما بعدها , الإقناع ج4 ص173 , المغنى ج9 ص335.
(2) راجع : بدائع الصنائع ج7 ص252 , البحر الرائق ج8 ص327.

(3/13)


18 - وإذا كان أساس العصمة الإسلام والأمان فإن العصمة تزول بزوال الأساس الذى قامت عليه: فالمسلم يصبح مهدر الدم بردته وخروجه عن الإسلام، والمستأمن والمعاهد يصبح مهدر الدم بانتهاء أمانه ونقضه عهده، ولا عصمة أصلاً لرعايا الدولة المحاربة ويسمى الفرد منهم حربيًا اصطلاحًا والحربى مهدر الدم أصلاً إلا إذا استأمن فأمن فإنه يعصم عصمة موقوتة بمدة أمانه، وإلا إذا عقدت دولته عهدًا ينهى حالة الحرب مؤقتًا أو دخلت فى الذمة فإنه يصبح معصومًا بعقد الموادعة أو عقد الذمة.
19 - وكما تزول العصمة بالردة وبانتهاء الأمان فإنها تزول بارتكاب بعض الجرائم: وهى على وجه الحصر: الزنا من محصن، وقطع الطريق، والقتل العمد. كذلك تزول العصمة - على رأى أبى حنيفة ((1)) - بارتكاب جريمة البغى وهى الخروج على أنظمة الدولة وقوانينها والثورة على القائمين بالأمر فيها، ويسمى الثائرون بغاة. وسنفصل القول فيما يأتى عن كل جريمة من هذه الجرائم((2)).
__________
(1) يرى أبو حنيفة وأصحابه أن البغاة غير معصومن , ويخالفه فى ذلك مالك والشافعى وأحمد , ويقولون إنهم معصومون إلا فى حالة الاشتباك مع أهل وهم الفريق الآخر من الأمة الذى خرج عليه البغاة .
(2) يحسن بالقارئ أن يرجع إلى ما كتبناه عن هذا الموضوع فى الجء الأول من كتابنا حيث تكلمنا عنه بتوسع .

(3/14)


20 - ويترتب على زوال العصمة أن يصبح الشخص مهدر الدم، أى مباح القتل: فإذا قتله آخر لا يعتبر قاتلاً لأن قتل المهدر لا يعتبر جريمة من حيث فعل القتل، إذ الفعل مباح، ولكن لما كان قتل المهدرين من شئون السلطات العامة وموكولاً إليها فإن قتل الأفراد لهم يعتبر اعتداء على السلطات العامة ومن ثم يعاب قاتل المهدر باعتباره مرتكبًا لجريمة الافتيات على السلطات العامة لا باعتباره قاتلاً. وهذا هو الراجح فى المذاهب الأربعة((1)
__________
(1) الأصل فى الشريعة الإسلامية أن من ارتكب جريمة حوكم عليها فإن ثبتت عليه حكم عليه= =بالعقوبة المقررة للجريمة وإن لم تثبت حكم ببراءته مما نسب إليه, وإذا حكم عليه بالعقوبة تولى تنفيذها ولى الأمر أو نائبه , ومن المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحد - أى العقوبات المقررة لجرائم الحدود - إلا الإمام أو نائبه ؛ لأن الحد حق الله تعالى أى حق الجماعة وجب تفويضه الى نائب الجماعة , ولأن الحد مفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فى استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولى الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواطة نائبه .
وحضور الإمام ليس شرطاً فى إقامة الحد لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ير حضوره لازماً فقال : “اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها” وأمر عليه السلام برجم ماعز ولم يحضر الرجم , وأتى بسارق فقال : “اذهبوا به فاقطعوه”.

لكن إذن الإمام واجب فى إقامة الحد , فما أقيم حد فى عهد رسول الله إلا بإذنه وما أقيم حد فى عهد الخلفاء إلا بإذنهم (المذهب ج2 ص287). ومما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : “أربع إلى الولاة : الحدود , والصقات , والجمعات , والفئ” (شرح فتح القدير ج4 ص130) . وإذا كانت القاعدة العامة إقامة الحد للإمام أو نائبه إلا أنه لو اقامة غيره من الافراد فإن مقيمه لا يسأل عن إقامته اذا كان الحد متلفاً للنفس أو للطرف ؛ أى إذا كان الحد قتلاً أو قطعاً وإنما يسأل باعتباره مفتاتاً على السلطات العامة , أما إذا كان الحد غير متلف كالجلد فى الزنا والقذف فإن مقيمه يسأل عن إقامته أى أنه يسأل عن الضرب والجرح وما يخلف عنهما . والفرق بين الحالين أن الحد المتلف للنفس أو الطرف يزيل عصمة النفس وعصمة الطرف , وزوال العصمة عن النفس يبيح القتل وزوال العصمة عن الطرف يبيح القطع , فيصير قتل النفس أو قطع العضو مباحاً ولا جريمة فيما هو مباح . أما الحد غير المتلف فلا يزيل عصمة النفس ولا عصمة الطرف فيبقى معصوماً ومن يرتكب جريمة عقوبتها حد غير متلف , وتعتبر إقامة الحد عليه جريمة ما لم تكن الإقامة ممن يملك تنفيذ العقوبة .

(3/15)


).
21 - الحربى: هو من ينتمى لدولة محاربة، والإجماع على أنه مهدر الدم فلا يعاقب قاتله باعتباره قاتلاً عمدًا وإنما يعاقب لأنه أحل نفسه محل السلطة التنفيذية وافتات عليها بإتيانه عملاً مما اختصت نفسها به.
ولا عقاب على قتل الحربى إطلاقًا إن قتل فى ميدان الحرب أو قتل دفاعًا عن النفس فى غير ميدان الحرب، وفى هذا يتفق حكم الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية.
أما إذا قتل الحربى فى ميدان الحرب لغير مقتضٍ كأن ضبط فى أرض الوطن أو استؤسر فقتله من ضبطه أو أسره أو قتله غيرهما فلا يؤاخذ القاتل طبقًا للشريعة باعتباره قاتلاً؛ لأن الحربى مباح الدم أصلاً كما قلنا لحرابته فضبطه أو أسره لا يعصمه ولا يغير من صفته كحربى ومن ثم يبقى دمه مباحًا بعد الضبط أو الأسر، فمن قتله فقد قتل مباح الدم ولا مسئولية عن قتل مباح باعتبار فعل القتل، وإنما المسئولية تأتى من كون القاتل اعتدى على السلطة العامة التى يوكل إليها أمر من يضبط أو يؤسر من الحربيين، فمن هذه الوجهة يسأل القاتل ويعاقب لافتياته على السلطة العامة.
هذا هو حكم الشريعة الإسلامية فى هذه الحالة، وهو يخالف حكم القوانين الوضعية التى تعتبر الفعل قتلاً عمدًا ويعاقب عليه على هذا الاعتبار، ولكن الذى يحدث عملاً أن المحاكم تقدر ظروف الجانى والمجنى عليه وتقضى على الجانى بعقوبة مخففة بقدر الإمكان، فالنتيجة العملية أن الشريعة تتفق مع القوانين الوضعية من وجهة تقرير عقوبة على فعل الجانى وأن الخلاف واقع فى تصوير الجريمة تصويرًا قانونيًا، فالقوانين تعطى للقضاة حق تحفيف العقوبة لظروف الجانى والجناية فإن الشريعة تجيز لولى الأمر أن يرتفع بعقوبة التعزير إلى القتل، وجريمة الاعتداء على السلطة العامة من جرائم التعازير فيستطيع أولياء الأمور إن شاءوا أن يشددوا عقوبتها فى بعض الحالات دون البعض الآخر.

(3/16)


22 - المرتد: هو المسلم الذى غير دينه، فلا يعتبر غير المسلم مرتدًا إذا غير دينه، ويعتبر المرتد مهدر الدم فى الشريعة((1))، فإذا قتله شخص لا يعاقب باعتباره قاتلاً عمدًا سواء قتله قبل الاستتابة((2)) أم بعدها؛ لأن كل جناية على المرتد هدر ما دام باقيًا على ردته.
__________
(1) يعتبر المرتد مهدر الدم من وجهين :
أولهما : أنه كان معصوماً بالإسلام فلما ارتد زالت عصمته فأصبح مهدراً , وأساس العصمة بالإسلام قوله عليه الصلاة والسلام : “أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فإن قالوها فقد عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل”.
ثانيهما : أن عقوبة المرتد فى الشريعة القتل حداً لا تعزيزاً لقوله عليه الصلاة والسلام : “لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان , وزناً بعد أحصان , وقتل نفس بغير نفس” ولقوله : “من بدل دينه فاقتلوه” وعقوبة الحد فى الشريعة لا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها فيعتبر الجانى مهدراً لوجوب تنفيذ العقوبة فإذا نفذها عليه أى شخص فقتله فقد قتل مهدراً بحد من حدود الله مباح القتل كما لو قتل زانياً محصناً .
(2) يشترط الفقهاء قبل الحكم بعقوبة القتل على المرتد أن يستتاب ويعرض عليه الإسلام من جديد , فإن لم يتب قتل حداً .

(3/17)


والأصل أن قتل المرتد للسلطات العامة، فإن قتله أحد الأفراد دون إذن هذه السلطات فقد أساء وافتات عليها فيعاقب على هذا لا على فعل القتل فى ذاته. وعلى هذا الرأى فقهاء المذاهب الأربعة((1)) إلا أن فى مذهب مالك رأيًا مخالفًا((2)) يرى أصحابه أن المرتد غير معصوم ولكنهم يرون مع ذلك أن على قاتله التعزير ودية لبيت المال، وحجتهم أن المرتد يجب استتابته فهو بعد ردته كافر، فمن قتله فقد قتل كافرًا محرم القتل فتجب عليه ديته لبيت المال لأنه هو الذى يرث المرتد. فكأن أصحاب هذا الرأى يزيلون عصمة المرتد بالردة ويعصمونه بكفره، وهو تناقض ظاهر يكفى لهدم رأيهم ويمكن الرد عليهم بأنه لما كان مسلمًا عصمه الإسلام فلما كفر زالت عصمته، وأن الكفر لا يعصم صاحبه، ولكن الذى يعصمه الأمان من ذمة أو عهد أو غيرهما، والمرتد لا يدخل تحت واحد منها فلا يمكن اعتباره معصومًا بعد كفره.
وتختلف القوانين الوضعية عن الشريعة الإسلامية فى أنها لا تعاقب على تغيير الدين، ويرجع الخلاف إلى الأساس الذى قام عليه كل منهما، فالقوانين الوضعية قامت على أساس لا دينى فاقتضى منطقها أن لا يعاقب على تغيير الدين، والشريعة الإسلامية أساسها الدين الإسلامى فاقتضت طبيعتها العقاب على تغيير الدين الذى أسست عليه.
__________
(1) راجع : البحر الرائق ج5 ص125 , الإقناع ج4 ص301 , المهذب ج2 ص238 , مواهب الجليل ج6 ص233 .
(2) راجع : الشرح الكبير للدردير ج4 ص271 .

(3/18)


وقد جرى قانون العقوبات المصرى مجرى القوانين الوضعية التى أخذ عنها فلم ينص على عقاب المرتد، وعدم النص لا يعنى أن الردة مباحة ولا عقاب عليه لأن الردة جريمة معاقب عليها بالقتل حدًا طبقًا لنصوص الشريعة التى لا تزال قائمة ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ بالقوانين الوضعية كما بينا ذلك فى الجزء الأول من هذا الكتاب عند الكلام على الركن الشرعى للجريمة، فمن يقتل الآن مرتدًا لا يعاقب على قتله لأنه أتى فعلاً طبقًا للشريعة واستعمل حقًا من الحقوق التى قررتها له الشريعة((1)).
23 - ارتكاب جريمة من جرائم الحدود عقوبتها القتل: إذا ارتكب شخص جريمة من جرائم الحدود المقدرة حقًا لله تعالى عقوبتهاِِ القتل أصبح مهدرًا وزالت عصمته بارتكابه هذه الجريمة؛ لأن محل الجريمة حد من حدود الله، والحدود فى الأصل واجبة التنفيذ فورًا ولا تحتمل التأخير أو التهاون، كما أنها لا تحتمل العفو أو إيقاف التنفيذ، وتزول العصمة من يوم ارتكاب الجريمة لا من يوم الحكم بعقوبتها؛ لأن أساس زوال العصمة هو إتيان الجريمة وليس الحكم بالعقوبة، فالزنا من محصن عقوبته الرجم أى القتل، فإذا أتاه شخص أصبح مهدرًا بمجرد ارتكاب الجريمة، فإذا قتله آخر فقد قتل شخصًا مباح القتل ولا يعاقب على جريمة القتل ما دام أنه يستطيع إثبات وقوع الزنا بالأدلة المقررة لإثبات الزنا، فإذا عجز اعتبر قاتلاً وعوقب بالعقوبة المقررة للقتل العمد، على أنه لا يعفى من العقاب إطلاقًا إذا أثبت الزنا لأنه يعتبر مفتاتًا على السلطات العامة التى اختصت نفسها بتنفذ العقوبات، فيمكن أن يعاقب بعقوبة الافتيات على السلطات العامة.
__________
(1) راجع ما كتبناه عن اتعمال الحق وأداء الواجب فى الجزء الأول من هذا الكتاب .

(3/19)


ومثل الزنا من محصن جريمة قطع الطريق المعاقب عليها بالقتل أو القتل والصلب، فإن مرتكبها تزول عصمته بارتكابها ويصبح مهدر الدم، فمن قتله لا يعاقب على قتله وإنما يعاقب فقط على افتياته على السلطات العامة.
وليس فى جرائم الحدود المقدرة حقًا لله ما يعاقب عليه بالقتل إلا الزنا من محصن وقطع الطريق والردة وقد تكلمنا عن الردة فى الفقرة السابقة.
24 - ارتكاب جريمة القتل المعاقب عليها بالقصاص: يعتبر القتل قصاصًا حدًا من حدود الله ولكنه حد مقدر حقًا للأفراد وليس حقًا مقدرًا لله - أى للجماعة - ومن ثم فرقنا بينه وبين جرائم الحدود المقدرة حقًا لله كالزنا والردة وقطع الطريق.
والقتل الذى يستوجب القصاص من القاتل يزيل عصمة القاتل ويجعله مهدرًا من وقت ارتكاب الجريمة إهدارًا نسبيًا مطلقًا، فهو مهدر فقط بالنسبة لأولياء القتيل ولكنه معصوم بالنسبة لغيرهم، فإذا قتله أحد ولاة دم القتيل فلا يعتبر قاتلاً عمدًا لأن لأولياء القتيل فى الشريعة حق استيفاء القصاص من القاتل إذا كان القتل ظلمًا وعدوانًا تحقيقًا لقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء:33] أما إذا قتله من ليس وليًّا للقتيل فإنه يعتبر قاتلاً عمدًا لأن القاتل الأول معصوم الدم بالنسبة للقاتل الثانى، وقد فصلنا الكلام فى هذا الموضوع فى الجزء الأول من هذا الكتاب بمناسبة الكلام على استعمال الحق وأداء الواجب.
25 - البغى: هو الثورة أو الدعوة إلى قلب الأنظمة من غير الطريق المشروع أو بالقوة، ويسمى الداعون له بغاة كما يسمى الفريق المؤيد للحالة القائمة أهل العدل. والبغاة أمرهم مختلف فيه، فيرى مالك والشافعى وأحمد((1)) أنهم معصومون إلا فى حالة الحرب بينهم وبين أهل العدل، وفى حالة مهاجمتهم لأهل العدل، أو الاعتداء على أموالهم.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص278 , المهذب ج2 ص236 , الإقناع ج4 ص293 .

(3/20)


ويرى أبو حنيفة((1)) أن البغاة غير معصومين فى أى حال وأن دمهم يهدر وعصمتهم تزول بالبغى. وطبقًا لهذا الرأى لا يعاقب قاتل الباغى بعقوبة القتل العمد، وإنما يعاقب باعتباره مفتاتًا على السلطات العامة، هذا إذا قتله فى غير حرب، أما القتل فى حالة الحرب فلا يعتبر جريمة باتفاق الفقهاء وطبقًا لرأى مالك والشافعى وأحمد يعتبر قاتل الباغى قاتلاً عمدًا إذا قتله فى غير حرب أو حيال أى دفاع عن النفس.
__________
(1) البحر الرائق ج5 ص142 , البدائع ج7 ص236.

(3/21)


26 - ولا يزيل العصمة ارتكاب أية جريمة أخرى معاقب عليها بالقتل ما دامت العقوبة لا تجب حدًا أو قصاصًا: لأن لولى الأمر فى غير جرائم الحدود والقصاص حق العفو عن الجريمة، وحق العفو عن العقوبة((1)
__________
(1) ليس لولى الأمر حق العفو فى جرائم القصاص , ولكن لأولياء الدم حق العفو بمقابل أو بغير مثابل وبالرغم من تقرير هذا الحق لأولياء الدم واحتمال عفوهم حتى اللحظة الأخيرة فإن الجانى يعتبر مهدر الدم لأولياء الدم حتى يعفوا فإن عفوا أو عفا أحدهم عاد معصوم الدم كما كان قبل ارتكاب الجريمة . وقد يظن أن هناك تناقضاً بين حكم هذه الحالة وحكم الجرائم التى لولى الأمر حق العفو فيها , ففى جرائم القصاص يعتبر الجانى مهدر الدم من وقت ارتكاب الجريمة مع أن لولى الدم حق العفو , وفى الجرائم التى يملك ولى الأمر فيها حق العفو يعتبر الجانى معصوم الذنب الى وقت تنفيذ العقوبة . والواقع أنه لا تناقض أصلاً , لأن العقوبة من حق الجماعة لا من حق الأفراد , وولى الأمر يعتبر ممثل الجماعة , وقد اقتضت المصلحة العامة حرمان ممثل الجماعة من حق العفو فى جرائم القصاص , تحقيقاً لعدل والمساواة وحفظاً للدماء , كما اقتضت المصلحة العامة التعجيل فى تنفيذ العقوبة , فأصبحت عقوبة القصاص بهذا لازمة واجبة التنفيذ من وقت وقوع الجريمة , واقتضى هذا النظر اعتبار الجانى مهدراً , فاهدار دم الجانى فى جرائم القصاص اقتضته المصلحة العامة . أما العقوبات التى يجوز فيها عفو ولى الأمر , فإن تقرير العفو فيها استوجبته المصلحة العامة أيضاً , فوجب تحقيقاً لهذه المصلحة أن يعتبر الجانى معصوماً ما دام العفو مكناً ؛ لأن العقوبة لا تعتبر لازمة ولا واجبة التنفيذ حتماً ما دام العفو محتملاً , فالأهدار فى جرائم القصاص استوجبته المصلحة العامة , والعصمة فى غيرها اقتضتها المصلحة العامة . وليلاحظ فوق هذا أن ولى الأمر حين يعفو أنما يعفو عن حق الجماعة وهو حق عام , وأن ولى الدم حين يعفو عن حقه فى القصاص أنما يعفو عن حقه وهو حق خاص , ولا يمكن أن نرتب على العفو عن حقين مختلفين فى طبيعتهما نتائج واحدة .

(3/22)


)، ومن ثم كانت العقوبة غير لازمة حتمًا، وكل عقوبة غير محتمة لا تزيل العصمة ولا تهدر الجانى حتى ولو حكم بها لأن من الجائز أن يعفو ولى الأمر عن العقوبة فى اللحظة الأخيرة.
وتتفق القوانين الوضعية مع الشريعة فى هذه النقطة حيث تعتبر القوانين الجانى معصومًا ولو حكم عليه بالإعدام ولكنها تخالف الشريعة فى تعميم هذا الحكم بالنسبة لكل الجرائم. وأساس هذا الخلاف أن جرائم الحدود والقصاص فى الشريعة لا تقبل العفو ولا تحتمل الإمهال والتأخير فى تنفيذ العقوبة، فاقتضى هذا اعتبار مرتكب الجريمة المعاقب عليها بالقتل مهدرًا من يوم ارتكاب الجريمة؛ لأن من الواجب توقيع العقوبة عليه فورًا، ولأن العقوبة لازمة محتمة، أما القوانين الوضعية فتجيز العفو فى كل الجرائم ومن ثم كانت العقوبة فيها غير لازمة حتمًا كما هو الشأن فى الشريعة فى غير جرائم الحدود والقصاص، وقد اقتضى هذا المنطق اعتبار الجانى معصومًا حتى بعد صدور الحكم عليه بالإعدام لجواز العفو عنه.
27 - وقت العصمة: لمعرفة وقت العصمة أهمية كبرى، لأن تحديد مسئولية الجانى يتوقف على معرفة حال المجنى عليه، فإن كان معصومًا فالجانى مسئول عن قتله وإن كان مهدرًا فلا مسئولية.
وقد اختلف فى تحديد وقت العصمة فأبو حنيفة يرى أن وقت العصمة هو وقت الفعل لا غير، فإن كان المجنى عليه معصومًا وقت الفعل فالجانى مسئول عن فعله وإلا فلا، فإذا جرح مسلمًا يقصد قتله ثم ارتد المجروح بعد الجرح ومات وهو مرتد فإن الجارح لا يسأل عن القتل، وإنما يسأل فقط عن الجرح الذى أحدثه فى معصوم، وحجته أن مسئولية الجانى لا يصبح قتلاً إلا بفوات حياة المقتول، وقد فاتت حياة المقتول فى وقت لم يكن فيه معصومًا فكان القتل هدرًا.

(3/23)


ويرى أبو يوسف ومحمد أن وقت العصمة هو وقت الفعل ووقت الموت جميعًا، وحجتهما أن للفعل تعلقًا بالقاتل والمقتول لأنه - فعل القاتل وأثره - يظهر فى المقتول بفوات الحياة فلا بد من اعتبار العصمة فى الوقتين جميعًا.
والظاهر أنه لا فرق بين رأى أبى حنيفة ورأيهما إذا اعتبرنا حجة أبى حنيفة، لأنه استند فى حجته إلى وقت الموت ونفى مسئولية الجانى عن القتل على أساس أن المجنى عليه لم يكن معصومًا وقت أن أصبح الفعل قتلاً أى وقت موت المجنى عليه فكأنه بهذا ينظر إلى وقت الفعل ووقت الموت معًا، وهذا نفس ما يقول به أبو يوسف ومحمد. ويرى - زفر - أن وقت العصمة هو وقت الموت لا غير.
ويختلف أبو حنيفة مع أبى يوسف ومحمد فى تحديد وقت العصمة عند الرمى فيرى أبو حنيفة أن وقت العصمة هو وقت الرمى لا وقت الإصابة، ويرى أبو يوسف ومحمد أن وقت العصمة هو وقت الإصابة لا وقت الرمى. وحجة أبى حنيفة أن مسئولية الجانى تترتب على فعله ولا فعل منه غير الرمى. ولا يدخل فى قدرته غيره فيصير قاتلاً به إذا كان المجنى عليه معصومًا عند الرمى، وحجة أبى يوسف ومحمد أن العبرة بوقت التلف وهو وقت الإصابة، فإن حصل التلف فى محل معصوم استحق الجانى العقوبة، وإن كان المحل غير معصوم وقت التلف فلا عقوبة، وعلى هذا لو رمى شخص آخر برصاصة فارتد المجنى عليه بعد الرمى وقبل أن يصاب فالجانى مسئول عند أبى حنيفة لأن المجنى عليه كان معصومًا وقت الرمى، وأما عندهما فهو غير مسئول لأن المجنى عليه لم يكن معصومًا وقت الإصابة((1)).
ويرى أصحاب مالك والشافعى وأحمد أن وقت العصمة هو وقت الفعل ووقت الموت، ولكن الفقهاء فى المذاهب الثلاثة يختلفون فى تحديد وقت العصمة حالة الرمى، فيرى بعضهم أنه وقت الرمى، ويرى البعض الآخر أنه حالة الإصابة((2)).
__________
(1) البحر الرائق ج8 ص326, بدائع الصنائع ج7 ص253.
(2) مواهب الجليل ج6 ص244, المغنى ج9 ص342 وما بعدها.

(3/24)


وقد وضح فقهاء المذهب الشافعى قاعدة لتغير حال المجنى عليه بين العصمة والإهدار فقالوا: “إن كل جرح وقع أوله غير مضمون لا ينقلب مضمونًا يتغير الحال فى الانتهاء وما ضمن فيهما يعتبر قدر الضمان فيه بالانتهاء”, فإذا جرح شخصًا حربيًا أو مرتدًا ثم أسلم الحربى أو المرتد ومات من جرحه بعد إسلامه فلا مسئولية على الجارح؛ لأن الجرح وقع غير مضمون، أى وقع على مهدر، فلا جريمة فى فعله، وإذا جرح مسلمًا فارتد بعد الجرح ثم مات من جرحه فلا يسأل الجانى إلا عن الجرح والنفس هدر؛ لأن الفعل أصبح قتلاً أثناء الردة، وقتل المرتد لا عقوبة عليه، ولو قتله مباشرة بعد الردة لم يكن مسئولاً عن قتله، ويرى البعض أنه لا يسأل حتى عن الجرح من باب أولى ما دام غير مسئول عن النفس((1)).
* * *
الركن الثانى: القتل نتيجة لفعل الجاني
28 - فعل مميت من الجانى: يشترط لتحقق هذا الركن أن يحدث القتل بفعل الجانى، وأن يكون من شأن هذا الفعل إحداث الموت، فإن كان القتل نتيجة لفعل لا يمكن نسبته إلى الجانى أو لم يكن فعل الجانى ما يحدث الموت فلا يمكن اعتبار الجانى قاتلاً.
29 - نوع الفعل: ولا يشترط أن يكون الفعل من نوع معين لاعتباره قتلاً. فيصح أن يكون ضربًا أو جرحًا أو ذبحًا أو حرقًا أو خنقًا أو تسميمًا أو غير ذلك، ويصح أن يقع الفعل من الجانى مرة واحدة، ويصح أن يقع على التوالى فى مدة طالت أو قصرت.
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص264 وما بعدها .

(3/25)


30 - أداة الفعل ووسيلته: ولما كان العرف قد خصص لكل آلة استعمالاً، ولكل فعل من الأفعال القاتلة أداة أو وسيلة تحدثه أو يحدث بها ولا يمكن أن يحدث الفعل القاتل بغيرها، ولما كانت الوسائل والأدوات القاتلة تختلف اختلافًا بينًا فى قوتها وضعفها وأوجه استعمالها وتأثيرها على الجسم وتأثر الجسم بها، فقد رأى أكثر الفقهاء أن يرتبوا على اختلاف طبائع هذه الوسائل وآثارها اختلاف أحكامها وشروطها. وسنبين فيما يلى آراء الفقهاء المختلفة.
31 - رأى مالك: ولا يشترط الإمام مالك شروطًا خاصة فى الفعل القاتل أو فى أداة القتل فعنده “أن كل ما تعمده الإنسان من ضربة بلطمة أو بلكزة أو ببندقية أو بحجر أو بقضيب أو بغير ذلك؛ كل هذا قتل عمد، إذا مات فيه المجنى عليه”، “وأن هناك أشياء يتعمد الإنسان فعلها مثل: الرجلين يصطرعان فيصرع أحدهما صاحبه، أو يتراميان بالشىء على وجه اللعب، أو يأخذ أحدهما برجل الآخر على حال اللعب، فيسقط فيموت من هذا كله، فهذا هو القتل الخطأ ولا يكون قتلاً عمدًا لأن الجانى تعمده على وجه اللعب، فإذا تعمده على وجه القتال والغضب فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات، فهو قتل عمد”((1)).
هذا هو نص المدونة، وظاهر منه أنه لا يشترط فى الفعل القاتل أو أداة القتل شروطًا خاصة، فاللطمة وهى لا تقتل غالبًا ولا كثيرًا تعتبر قتلاً عمدًا إذا مات منها المجنى عليه، وكذلك الضرب بالقضيب - أى العصا - والأخذ برجل المجنى عليه ومصارعته وقذفه بحجر كبير أو صغير ولا يشترط لاعتبار كل هذا قتلاً عمدًا إلا أن يتعمد الجانى الفعل على وجه العدوان ولو لم يقصد القتل.
__________
(1) راجع مدونة الإمام مالك ج16 ص108 , والعبارات التى وضعت بين قوسين هى نص المدونة مع تصرف اقتضاء ربط العبارات .

(3/26)


ولكن بعض فقهاء المالكية بالرغم من ذلك يعرفون القتل العمد بأنه إتلاف النفس بآلة تقتل غالبًا أيا كان نوعها، أو بإصابة المقتل كعصر الأنثيين وشدة الضغط والخنق((1)). وظاهر من هذا التعريف أنهم يرون أن تكون آلة القتل مما يقتل غالبًا.
ويرى البعض الآخر أن الفعل يعتبر قتلاً عمدًا سواء كانت أداة القتل مما يقتل غالبًا كالسيف أو مما لا يقتل غالبًا كالعصا وكل ما يشترطونه لاعتبار القتل عمدًا أن لا يكون الفعل قد وقع بقصد اللعب أو التأديب((2)). وهذا الرأى هو الذى يتفق مع ما يقول به مالك من تقسيم القتل إلى عمد وخطأ فقط؛ لأن الفعل إما أن يكون عمدًا أو خطأ ولا يمكن اعتبار القتل بآلة لا تقتل غالبًا كالعصا قتلاً خطأ مع تعمد الجانى الفعل وقصده القتل.
32 - رأى الشافعى وأحمد: ويشترط الإمامان الشافعى وأحمد أن يكون القتل مما يقتل غالبًا ولو كانت الأداة مثقلاً لا يجرح((3))، فإن لم تكن الأداة قاتلة غالبًا فالقتل ليس عمدًا وإنما شبه عمد.
وأدوات القتل على ثلاثة أنواع: نوع يقتل غالبًا بطبيعته كالسيف والسكين والرمح والإبرة المسممة والبندقية والمسدس وعمود الحديد والعصا الخفيفة، ونوع يقتل نادرًا بطبيعته كالإبرة غير المسممة واللطمة واللكزة.
وما يقتل كثيرًا أو نادرًا بطبيعته قد يقتل غالبًا فى بعض الظروف؛ كمرض المجنى عليه أو صغره أو لوقوع الإصابة فى مقتل، ولمعرفة ما إذا كانت الأداة من هذين النوعين تقتل غالبًا أم لا يجب أن لا ننظر إلى الأداة وحدها مجردة عن كل ظرف آخر، بل علينا أن نظر إلى الأداة وينظر معها إلى صورة الفعل وظروفه وإلى حال المجنى عليه وموقع الفعل من جسمه وأثر الفعل فيه.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص240.
(2) الشرح الكبير للدردير ح4 ص215.
(3) المثقل ما ليس له حد يجرح ولا سن يطعن كالعصا والحجر .

(3/27)


فإذا كانت الأداة تقتل غالبًا مع إدخال أحد هذه العناصر أو كلها فى الحساب فالفعل قتل عمد، وإذا كانت الأداة لا تقتل غالبًا مع النظر إلى أى عنصر من هذه العناصر فالفعل قتل شبه عمد، فمثلاً السوط أداة عدوان والعصا الخفيفة كذلك والضرب بأيهما لا يقتل غالبًا وإن قتل كثيرًا، ولكن تعدد الضربات وموالاتها يقتل غالبًا والضرب بأيهما فى الحر الشديد والبرد الشديد يقتل غالبًا، والضرب بهما فى مقتل كالبطن يقتل غالبًا وكذلك الضرب فى غير مقتل إذا أدى إلى الموت فى الحال، أو ترك آثارًا وآلامًا انتهت بالموت، وإذا كانت أداة القتل لا تقتل إلا نادرًا كالإبرة غير المسممة فإنها تعتبر مما يقتل غالبًا إذا بولغ فى إدخالها فى غير مقتل، أو إذا غرزت فى مقتل كالحلق والخصارة والمثانة أو فى مكان حساس أو إذا أدى غرزها إلى الموت فى الحال، والموت فى الحال مختلف فيه، فيرى البعض أنه قتل عمد، ويراه البعض أنه شبه عمد لأن المفروض أن الآلة لا تقتل غالبًا، وما دامت الإصابة فى غير مقتل وليس فى ظروف الفعل أو صورته أو حال المجنى عليه ما يجعل الفعل قاتلاً فى الغالب أو ترك آلامًا وآثارًا انتهت بالموت((1)).
__________
(1) راجع فى مذهب الشافعى : نهاية المحتاج ج7 ص238 وما بعدها , حاشية البجيرمى على المنهج ج4 ص130 وما بعدها , تحفة المحتاج ج4 ص3 وما بعدها , المهذب ج2 ص187 وما بعدها وراجع فى مذهب ابن حنبل : المغنى ج9 ص321 وما بعدها , الشرح الكبير ج9 ص320 وما بعدها , الإقناع ج4 ص163 وما بعدها .

(3/28)


33 - رأى أبى حنيفة: ويشترط الإمام أبو حنيفة فى أداة القتل أكثر مما يشترطه الإمامان الشافعى وأحمد، فهو يشترط مثلهما أن تكون أداة القتل ما يقتل غالبًا، ويشترط أكثر منهما أن تكون الأداة مما يُعَدُّ للقتل، ولا يغنى عنده الشرط الأول عن الأخير، والآلة المعدة للقتل عنده هى كل آلة جارحة أو طاعنة ذات حد لها مَورْ فى الجسم، سواء كانت من الحديد أو النحاس أو الخشب أو غير ذلك كالسيف والسكين والرمح والإبرة وما أشبه ذلك أو ما يعمل عمل هذه الأشياء فى الجرح والطعن كالنار والزجاج والمروة والرمح الذى لا سنان له ونحو ذلك. وهناك رواية أخرى عن أبى حنيفة بأن الأداة المعدة للقتل هى ما كانت من الحديد ولو لم تكن جارحة أو طاعنة كالعمود وصنجة الميزان وظهر الفأس ويلحق بالحديد ما هو فى معناه كالرصاص والنحاس وغيرهما من المعادن.
فعلى هذه الرواية العبرة بالحديد وما هو فى حكمه سواء جرح أو لم يجرح وعلى الرواية السابقة العبرة بالجارح أو الطاعن سواء كان من حديد أو غير حديد وهى الرواية الراجحة.
فإذا كانت الآلة مما يقتل غالبًا، وكانت معدة للقتل كالسيف أو البندقية فالفعل قتل عمد فى رأى أبى حنيفة، أما إذا كانت الآلة مما يقتل غالبًا ولكنها ليست جارحة ولا طاعنة فالفعل قتل شبه عمد فى رأيه ولو كانت الآلة مدققة مكسرة كالخشبة الكبيرة والحجر الثقيل. والصور الآتية لا تعتبر فى رأى أبى حنيفة قتلاً عمدًا ولو كانت نية الضارب منصرفة لقتل وإنما هى فى رأيه قتل شبه عمد:
1 - أن يقصد الجانى القتل بعصًا صغيرة أو بحجر صغير أو بلطمة مما لا يقتل غالبًا وبشرط أن لا تتوالى الضربات وذلك لأن الأداة لا تقتل غالبًا، ولأنها غير معدة للقتل ولكن هذه الصورة تعتبر قتلاً عمدًا عند مالك دون شرط وتعتبر قتلاً عمدًا عند الشافعى وأحمد إذا كانت صورة الفعل أو ظرفه أو حال المجنى عليه أو موقع الإصابة وأثرها فى جسمه مما يجعل الأداة قاتلة غالبًا.

(3/29)


2 - أن يقصد الجانى القتل بما لا يقتل غالبًا مع موالاة الضربات حتى يموت المجنى عليه. فهذه الصورة لا تعتبر قتلاً عمدًا عند أبى حنيفة؛ لأن أداة القتل لا تقتل غالبًا، ولأنها غير معدة للقتل، أما عند مالك والشافعى وأحمد فهى قتل عمد، وقد اعتبرها مالك عمدًا لمجرد تعمد الفعل بقصد العدوان أما الشافعى وأحمد فقد اعتبرا هذه الصورة قتلاً عمدًا لأن موالاة الضرب حتى الموت تجعل أداة القتل قاتلة غالبًا، ويكفى عندهما كما قدمنا أن تكون الأداة قاتلة غالبًا ليكون الفعل قتلاً عمدًا.
3 - أن يقصد الجانى القتل بمثقل يقتل غالبًا أى بأداة ثقيلة ليست جارحة ولا طاعنة؛ كمدقة القصارين والحجر الكبير والعصا الغليظة وما أشبه وهذه الصورة أيضًا لا تعتبر عند أبى حنيفة قتلاً عمدًا لأن الأداة وإن كانت تقتل غالبًا إلا أنها ليست مما يعد للقتل.
ولكن مالكًا والشافعى وأحمد يعتبرون هذه الصورة من صور القتل العمد ويأخذ أبو يوسف ومحمد من فقهاء مذهب أبى حنيفة رأى الأئمة الثلاثة فيعتبران هذه الصورة قتلاً عمدًا مخالفين رأى أبى حنيفة ورأيهما هو الراجح فى المذهب((1)).
على أن موافقة أبى يوسف ومحمد للأئمة الثلاثة لا تعنى الآخذ برأى أحدهم وترك رأى صاحبهما أبى حنيفة فإنهما قد وافقا الأئمة الثلاثة على تمسكهما بقاعدة أبى حنيفة وهى اشتراط أن تكون الآلة مما يقتل غالبًا وأن تكون معدة للقتل، وكل ما فى الأمر أنهما اعتبرا المثقل أداة معدة للقتل على اعتبار أن المثقل يستعمل غالبًا فى القتل فأصبح بهذا الاستعمال أداة قاتلة، وما دام المثقل أداة تقتل غالبًا ومعدة للقتل فالقتل به قتل عمد على شرط أبى حنيفة وهكذا جاء اتفاقهما مع الأئمة الثلاثة نتيجة لمخالفة أبى حنيفة فى اعتبار المثقل أداة معدة للقتل لا نتيجه للأخذ برأى أحد من الأئمة الثلاثة.
__________
(1) راجع : بدائع الصنائع ج7 ص233 , البحر الرائق ج8 ص287, الزيلعى ح6 ص98.

(3/30)


34 - أساس الخلاف بين مالك والفقهاء الثلاثة: أساس الخلاف أن مالكًا لا يعترف بالقتل شبه العمد، ويرى أنه ليس فى كتاب الله إلا العمد والخطأ فمن زاد قسمًا ثالثًا زاد على النص ذلك أن القرآن نص على القتل العمد والقتل الخطأ فقط ولم ينص على غيرهما فقال تعالى: {مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 92, 93].
والقتل العمد عند مالك هو: كل فعل تعمده الإنسان بقصد العدوان فأدى للموت أيًا كانت الآلة المستعملة فى القتل أما ما تعمده على وجه اللعب أو التأديب فهو قتل خطأ إذا لم يخرج الفعل عن حدود اللعب والتأديب المعروفة وكان بآلة اللعب والتأديب المعدة لهما، فإن خرج عن ذلك فهو قتل عمد.

(3/31)


ومن طبيعة تقسيم القتل إلى عمد وخطأ أن يكتفى بتعمد الجانى الفعل على وجه العدوان دون النظر إلى الآلة المستعملة فى القتل، لأن اشتراط شروط فى الآلة كأن تكون قاتلة غالبًا أو معدة للقتل يقتضى أن تكون كل الأفعال المتعمدة التى تحصل بآلة لا تقتل غالبًا كالعصا الخفيفة والسوط فلا خطأ حتى مع تعدد الضرب وموالاته. كما يقتضى أن تكون الأفعال المتعمدة التى تحصل بما لم يعد للقتل كإسقاط حائط على إنسان أو إلقائه من شاهق أو ضربه بعصًا غليظة قتلاً خطأ وهذا ما لم يقل به أحد قط، فطبيعة تقسيم القتل إلى عمد وخطأ هى التى اقتضت من مالك أن لا يشترط فى الآلة القاتلة أى شرط وسواء كانت الآلة تقتل غالبًا أو تقتل كثيرًا أو نادرًا فالقتل عمدٌ ما دام الفعل عمدًا وبقصد العدوان. بل إن هذا التقسيم اقتضى أن لا يشترط حتى قصد القتل؛ لأن اشتراطه يخرج بكثير من حالات العمد ويجعلها خطأ، وهى ليست كذلك.
35- أما بقية الأئمة فيرون أن القتل عمد وشبه عمد وخطأ: وحجتهم فى شبه العمد حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: “ألا إن فى قتيل السوط..” الحديث. فاقتضت منهم طبيعة هذا التقسيم أن يفرقوا بين نوعين من الأفعال المتعمدة هما: القتل العمد، والقتل شبه العمد، زقد استعانوا فى التفرقة بين هذين النوعين بمميز صالح للتمييز هو قصد القتل، فإذا قصد الجانى القتل فالفعل قتل عمد، وإذا لم يقصده فهو قتل شبه عمد، لكنهم وجدوا أن القصد أمر داخلى يتعلق بنية الجانى وقلما يطلع الآخرون عليه، وأن وجوده يكون دائمًا مشكوكًا فيه ما لم يدل عليه دليل خارجى فإذا وجد هذا الدليل الخارجى زال الشك ومن ثم رأوا أن قيام قصد القتل فى نية الجانى لا يكفى وحده لثبوته واشترطوا لاعتبار القصد ثابتًا أن يكون من ثبوته دائمًا عن طريق الوسيلة أو الآلة التى ارتكبت بها الجريمة لأنها تعبر عن نية الجانب وقصده من الجريمة، ولأنها هى الدليل الخارجى الظاهر على نية الجانى.

(3/32)


ولما أرادوا تحديد هذا الدليل الخارجى اختلفوا: فرأى الشافعى وأحمد أن الدليل على قصد القتل هو استعمال آلة أو وسيلة تقتل غالبًا. ورأى أبو حنيفة أن الدليل الخارجى على قصد القتل هو استعمال آله أو وسيلة تقتل غالبًا على أن تكون الآلة والوسيلة مما يعد للقتل.
36- كيف يثبت قصد القتل؟: ويخلص مما سبق أن قصد القتل يثبت من وجهين:
أولاً: عن طريق الآلة المستعملة فى الجريمة. ثانيًا: عن طريق الأدلة العادية كالاعتراف، وشهادة الشهود. ولكن لا يمكن أن يعتبر القصد ثابتًا بأى حال ما لم يثبت قصد القتل عن الطريق الأول، لأن كل إثبات يجئ عن الطريق الثانى يعتبر مشكوكًا فيه حتى يزول الشك بثبوت القصد عن طريق الآلة أو الوسيلة المستعملة فى القتل.
واعتبار القصد الجنائى ثابتًا باستعمال آلة قاتلة ليس قرينة قاطعة ولا دليلاً غير قابل للنفى، فيجوز للجانى أن يثبت أنه لم يستعمل الآلة القاتلة بقصد القتل، فإذا استطاع إثبات دفاعه انتفى وجود قصد القتل واعتبر الفعل قتلاً شبه عمد.

(3/33)


37 - أساس الخلاف بين الشافعى وأحمد وبين أبى حنيفة: أما الخلاف بين الشافعى وأحمد من جهة وبين أبى حنيفة من جهة أخرى فأساسه اختلاف وجهة النظر فى تحديد معنى القتل العمد، فأبو حنيفة يرى أن عقوبة القتل العمد عقوبة متناهية فى الشدة، وهذا يستدعى أن تكون جريمة العمد متناهية فى العمد، بحيث يكون القتل عمدًا محضًا لا شبهة فيه، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “العمد قود” فشرط العمد مطلقًا من كل قيد والعمد المطلق هو العمد الكامل من كل وجهة، أو هو العمد الذى لا شبهة فيه, فلا يعتبر العمد كاملاً مع قيام الشبهة ووجودها ذلك أن الفرق بين العمد وشبه العمد هو قصد القتل فقط، فيجب أن يكون القصد بحيث لا شبهة فيه, والشبهة لا تكون إذا كان القتل بآلة تقتل غالبًا ومعدة للقتل لأن استعمال هذه الآلة يظهر بجلاء قصد الجانى بحيث لا يدخله الاحتمال ولا الشبهة فما كان هكذا اعتبر العمد فيه كاملاً من كل وجه وكان قتلاً عمدًا، ولهذا اعتبر أبو حنيفة القتل بضربة أو ضربتين على قصد القتل قتلاً شبه عمد, ولم يعتبره قتلاً عمدًا لأن الضربة أو الضربتين مما لا يقصد به القتل عادة، بل يقصد به التأديب والتهذيب عادة فكان هذا الاعتبار شبهة فى القصد، والقتل العمد لا يعتبر موجودًا مع قيام الشبهة فى القصد، وكذلك اعتبر الموالاة فى الضرب بقصد القتل قتلاً شبه عمد إذا أدى الضرب للموت، لأنه يحتمل حصول القتل بضربة أو ضربتين على سبيل الاستقلال دون حاجة إلى الضربات الأخرى، والقتل بضربة أو ضربتين لا يكون عمدًا كما تبين مما سبق لاحتمال أن الضربة والضربتين قصد بها التأديب والتهذيب، والقاعدة عند أبى حنيفة أنه إذا جاء الاحتمال جاءت الشبهة وإذا جاءت الشبهة امتنع القول بتوفر قصد القتل وبالتالى بتوفر القتل العمد.

(3/34)


أما فى المثقل: فيرى أبو حنيفة أن استعمال آلة تقتل غالبًا ولكنها غير معدة للقتل هو فى ذاته دليل على عدم القصد، لأن الأصل عنده أن كل فعل يحصل بالآلة المعدة له، فإذا حدث بآلة لم تعد له احتمل أن الفاعل لم يقصد هذا الفعل بالذات، وهذا الاحتمال شبهة والشبهة تمنع القول بالقتل العمد.
38 - أما الشافعى وأحمد: فمن رأيهما أن الاكتفاء بأن تكون الآلة قاتلة غالبًا أيًا كان نوعها؛ لأنها إذا كانت كذلك فهى بذاتها دليل على توفر قصد القتل وانتفاء قصد التأديب والتهذيب فإذا انضم هذا إلى وجود قصد القتل فى نية الفاعل، كان العمد كاملاً لا شبهة فيه، ووجوب اعتبار الفعل قتلاً عمدًا.
وعلى هذا الأساس اعتبرا الضربة والضربتين بعصًا خفيفة قتلاً عمدًا إذا كانت الآلة تقتل غالبًا لظروف المجنى عليه أو الفعل أو غير ذلك، كما أنهما اعتبرا الموالاة فى الضرب قتلاً عمدًا؛ لأن الموالاة تجعل الآلة قاتلة غالبًا واعتبرا الضرب بالمثقل قتلاً عمدًا لأنه يقتل غالبًا فكان اتعماله دليل القصد إلى القتل، فإذا انضم هذا إلى أصل القصد الكامن فى نية الجانى كان العمد كاملاً لا شبهة فيه.
39 - خلاف أبى يوسف ومحمد لأبى حنيفة: خالفاه فى المثقل واعتبرا القتل به قتلاً عمدًا، بينما اعتبر أبو حنيفة بالمثقل قتلاً شبه عمد كما بينا، وحجتهما أن الضرب بالمثقل مهلك غالبًا وأنه لا يستعمل فى الضرب إلا بقصد القتل، فجعله هذا الاستعمال أداة معدة للقتل ومن ثم كان استعماله باعتباره آلة تقتل غالبًا ومعدة للقتل دليلاً على قصد القتل كاستعمال السيف، ووجب اعتبار الفعل قتلاً عمدًا لانتفاء الشبهة فى القصد ولوجود العمد كاملاً((1)).
__________
(1) راجع :بدائع الصنائع ج7 ص234 , البحر الرائق ج8 ص288.

(3/35)


40 - بين الشريعة والقانون: لا تفترق آراء شراح القوانين كثيرًا عن آراء الفقهاء التى عرضناها فشراح القوانين يفرقون كما يفرق الفقهاء بين الفعل القاتل وسيلة القتل ويشترط الشراح عمومًا فى القتل الموقوف أو الخائب الأثر أن تكون الوسائل المستخدمة فيه مما يحدث الموت، لأن تخلف هذا الشرط يجعل الجريمة مستحيلة الوقوع بالوسيلة التى استخدمها الجانى.
41 - ويختلف الشراح فيما إذا كانت وسيلة القتل لا تحدث القتل غالبًا وكانت تحدثه فى الكثير أو النادر: كمن يلطم الآخر أو يلكزة أو يضربه بعصًا رفيعة أو يجرحه فى غير مقتل وهو قاصد قتله. فيرى البعض وهم أصحاب النظرية المستحيلة أن الفعل إذا لم يؤد للوفاة لا يعتبر شروعًا قى قتل عمد؛ لأن نية القتل عندهم لا تكفى وحدها لاعتبار القتل عمدًا بل يجب أن تكون أداة القتل من شأنها إحداث القتل؛ أى مما يقتل غالبًا لأن الجرح والضرب قد يقتل كثيرًا أو نادرًا وليس هذا الشأن اللطم واللكز والضرب الخفيف والجرح فى غير مقتل. وعلى هذا الأساس يعتبرون الضرب والجرح فى هذه الحالة ضربًا عاديًا.
ويرى البعض الآخر أن مثل هذه الأفعال يصح أن تكون شروعًا فى قتل لأنها تؤدى غالبًا للموت إذا تكرر وقوعها أى مع موالاة الضرب والجرح أو تعدد الإصابات.
ورأى الفريق الأول يتفق مع رأى أبى حنيفة فى الضرب البسيط وضرب الموالاة كما يتفق مع رأى أبى يوسف ومحمد فى الضرب بالمثقل، لأنهم ينظرون إلى طبيعة أداة القتل دون نظر إلى تعدد الفعل وظروفه وحال المجنى عليه وأثر الفعل فيه أما رأى الفريق الثانى فيتفق تمامًا مع رأى الشافعى وأحمد ومن باب أولى مع رأى مالك. ويلاحظ أن نفى الاتفاق فيما يختص بأداة القتل فقط لا فيما يختص بالمسئولية عن الفعل.

(3/36)


42 - أما إذا أعقب الضرب والجرح البسيط حدوث الموت: فعامة الشراح فى فرنسا على أن الفعل يعتبر ضربًا أفضى إلى الموت إذا أمكن القطع بأن الوفاة نشأت عن الضرب والجرح. أما إذا كان من المرجح أن مرض المجنى عليه السابق على الواقعة أو التالى لها وإهماله العلاج هو الذى سبب الموت، فلا يسأل الجانى إلا عن الضرب فقط دون الموت ولو أن المجنى عليه لم يمت إلا على أثر الضرب أو الجرح؛ لأن الموت فى نظر هؤلاء الشراح لم يكن نتيجة مباشرة لفعل الجاني؛ أى أن فعل الجانى لم يكن السبب المنتج، بل هو سبب عارض فقط، وهذا يتفق كل الاتفاق مع رأى أبى حنيفة فى القتل العمد عمومًا كما يتفق مع رأى أبى يوسف ومحمد فى مسألة المثقل((1)).
43 - الأفعال المتصلة بالقتل: والأفعال التى تتصل بالقتل لا تعدو فعلاً من ثلاثة فهى: إما مباشرة، وإما سبب، وإما شرط. والتمييز بين هذه الأفعال ضرورى للتمييز بين القاتل وغير القاتل((2)).
44 - المباشرة: يعرف الفقهاء المباشرة بأنها ما أثر فى التلف وحصله؛ أى ما جلب الموت بذاته دون واسطة وكان علة له؛ كالذبح بسكين فإن الذبح يجلب الموت بذاته وهو فى الوقت نفسه علة الموت، وكالخنق فإنه متلف بذاته للمجنى عليه وهو فى الوقت نفسه عله تلفه، أى: ما أتلف المجنى عليه وكان علة تلفه.
45 - ويعرفون السبب: بأنه ما أثر فى التلف ولم يحصله أى ما كان علة للموت ولكنه لم يحصله بذاته وإنما بواسطة كشهادة الزور على برىء بالقتل فإنها علة للحكم عليه بالإعدام ولكنها لا تجلب بذاتها الإعدام، وإنما الذى يجلبه فعل الجلاد الذى يتولى تنفيذ الحكم، وكذلك حفر بئر وتغطيتها فى طريق المجنى عليه بحيث يسقط فيه ويموت من سقطته.
والسبب على ثلاثة أنواع:
1 - حسى: كالإكراه فإنه يولد فى المكره داعية القتل.
__________
(1) راجع : أحمد بك أمين ص309 الموسوعة الجنائية ج5 ص685, 687.
(2) راجع : نهاية المحتاج ج7 ص240, الوجيز للإمام الغزالى ج2 ص122 وما بعدها.

(3/37)


2 - شرعى: كشهادة الزور على القتل، فإنها تولد فى القاضى دواعى الحكم بالإعدام.
3 - ما يولد المباشرة توليدًا عرفيًا لا حسيًا ولا شرعيًا: كتقديم الطعام المسموم إلى الضيف وحفر بئر وتغطيتها فى طريق القتيل، فإن حفر البئر علة للموت ولكن الحفر ليس هو الذى أمات المجنى عليه وإنما السقطة هى التى أماتت والسبب يشبه المباشرة من وجه فكلاهما علة للموت؛ فمعنى ذلك أن الفعل المباشر المؤدى للموت يتولد عن السبب.
46- الشرط: هو ما لا يؤثر فى التلف ولا يحصل بل يحصل التلف عنده بغيره ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه أى هو ما لا يكون علة للموت ولا يجلب الموت، أو هو كل فعل لم يتلف المجنى عليه، ولم يكن علة فى تلفه ولكن وجوده جعل فعلاً آخر متلفًا أو علة فى التلف ولولا وجوده ما كان لهذا الفعل الآخر ذلك التأثير. ومثل ذلك أن يلقى إنسان بآخر فى بئر حفره ثالث بغير غرض للقتل، فيموت الثانى، فإن ما أثر فى التلف وحصله هو الإلقاء لا حفر البئر ولكن الإلقاء ما كان يمكن أن يكون له الأثر الذى حدث لولا وجود البئر.
47 - المسئولية عن المباشرة والمتسبب والشرط: صاحب الشرط لا مسئولية عليه إطلاقًا لأن فعله ليس علة للموت ولم يؤد للموت لا بالذات ولا بالواسطة أما صاحب المباشرة وصاحب السبب فكلاهما مسئول عن فعله لأنه علة للموت وأدى إليه بالذات أو الواسطة، فيستوى بذلك لدى الفقهاء أن يكون القتل العمد مباشرة أو تسببًا إذ لا عبرة بالفرق الظاهر بين المباشرة والسبب وإذا كان فعل الجانى مباشرة سمى القتل قتلاً مباشرًا وإذا كان سببًا سمى القتل قتلاً بالتسبب.
48 - قدرة المجنى عليه على دفع أثر المباشرة والتسبب: ويدق الأمر فى تحديد المسئولية إذا كان المجنى عليه قادرًا على دفع أثر فعل الجانى، وقد وضع بعض الفقهاء القواعد الآتية بحكم هذه الحالة:
1 - إذا كان الفعل مهلكًا والدفع غير موثوق به كترك معالجة الجرح، اعتبر القاتل قاتلاً ولا عبرة بترك العلاج.

(3/38)


2 - إذا كان الفعل غير مهلك والدفع موثوق به كمن ألقى آخر فى ماء قليل فبقى مستلقيًا فيه حتى نام أو تصلبت أطرافه من البرد، فإن الفاعل لا يعتبر قاتلاً إذ الموت نتيجة لبقاء المجنى عليه فى الماء وليس نتيجة إلقائه فيه. ويختلف الفقهاء فى تطبيق هذا المبدأ فالشافعية يرون أن من فُصد فلم يربط جرحه حتى مات لا يسأل من فصده عن القتل، والحنفية يرون أنه مسئول لأنه أحدث الجرح الذى أدى إلى الوفاة وأن الدفع لم يكن موثوقًا به((1)).
3 - إذا كان الفعل مهلكًا والدفع سهل كما لو أُلقى من يحسن السباحة فى ماء مُغرق فلم يسبح وترك نفسه يغرق، وكما أُلقى شخص فى نار قليلة يستطاع الخروج منها فبقى فيها حتى احترق، ففى هذه الحالة خلاف، فالبعض يرى أن الفاعل قاتل لأن الإلقاء فى الماء يدهش الملقَى عن السباحة فيغرق، ولأن أعصاب الملقى فى النار تشنج بإلقائه فى النار فتعسر عليه الحركة ولأن العادة ألا يستسلم الناس للموت، فيكون القتل نتيجة للإلقاء، ويرى البعض أن الفاعل لا يعتبر قاتلاً ما دام المجنى عليه كان يستطيع السباحة فلم يفعل والخروج من النار فبقى فيها مختارًا((2)).
وأسباب الخلاف هو اختلاف وجهة النظر فى تصور حال المجنى عليه فلو علم قطعًا أنه بقى مختارًا فالملقى لا يعتبر قاتلاً بلا خوف ولو علم قطعًا أنه لم يكن مختارًا فى بقائه فالملقى قاتل دون خلاف.
__________
(1) المغنى ج9 ص326.
(2) الوجيز ج2 ص122 وما بعدها .

(3/39)


49 - ولا يشترط الفقهاء أن يكون القتل العمد حاصلاً بيد الجانى مباشرة: فيستوى عندهم فى القتل العمد أن يكون مباشرة أو تسببًا فإذا ذبح الجانى المجنى عليه بسكين فهو قاتل عمدًا وإذا أعد الجانى وسائل الموت وهيأ أسبابه للمجنى عليه فهو قاتل عمدًا، ولو كان الموت معلقًا على ظرف معين أو على مشيئة المجنى عليه، فُيعَدُّ قاتلاً عمدًا من يحفر بئرًا فى طريق المجنى عليه ويسترها عن نظره أو جسرًا فى طريقه، ولو كان المرور فى الطرق معلقًا على ظرف خاص أو على مشيئة المجنى عليه، وهكذا فى غير ذلك من الصور ما دام الفعل يحدث الموت بذاته أو ما دام بين الفعل والموت رابطة السببية ((1)).
50 - رأى لأبى حنيفة: وأبو حنيفة كبقية الفقهاء لا يفرق بين القتل المباشر والقتل بالتسبب ويعتبر كليهما قتلاً عمدًا، ولكنه يجعل عقوبة القصاص للقتل المباشر ويدرؤها عن القاتل بالتسبب ويجعل بدلاً منها الدية، وحجته فى هذا أن عقوبة القتل العمد هى القصاص، ومعنى القصاص المماثلة، والقصاص فى ذاته قتل بطريق المباشرة، فيجب أن يكون الفعل المقتص عنه قتلاً بطريق المباشرة ما دام أساس عقوبة القصاص المماثلة فى الفعل، فمن حفر بئرًا ليسقط فيها آخر بقصد لا يقتص منه لأن الحفر سبب القتل ولكنه لم يؤد إليه مباشرةً، ومن شهد على آخر بأنه ارتكب جريمة عقوبتها القتل فحكم عليه بالقتل على أساس هذه الشهادة لا يقتص منه لأن الشهادة وإن كانت سبب الحكم بالإعدام إلا أنها لم تؤد إلى إعدام المشهود عليه مباشرة((2)).
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص240 , المغنى ج9 ص332 وما بعدها, مواهب الجليل ج6 ص241 , 242, بدائع الصنائع ج7 ص239.
(2) بدائع الصنائع ج7 ص239 .

(3/40)


51 - تعدد المباشرة والسبب: وإذا كان الجانى واحدًا كان فعله إما مباشرة أو تسببًا إذا كان فعلاً واحدًا فإذا تعددت أفعال الجانى أو تعدد الجناة تعددت تبعًا لذلك أفعال المباشرة والتسبب، وقد تكون الأفعال جميعها مباشرة، وقد تكون جميعها تسببًا، وقد يكون بعضها مباشرة وبعضها تسببًا.
52- اجتماع مباشرتين فأكثر: إذا تعددت أفعال الجانى المباشرة فسواء كانت كلها قاتلة إذا انفردت أو بعضها فقط هو القاتل، وسواء وقعت مجتمعة أو متعاقبة فالجانى مسئول عن القتل العمد ما دام فعله أو أفعاله من شأنها إحداث الموت وما دام أنها قد أدت إليه فعلاً.
أما إذا كانت الأفعال المباشرة من أشخاص متعددين فالحكم يختلف بحسب ما إذا كانت قد وقعت منهم مجتمعين متمالئين أو وقعت منهم على التعاقب، وقبل الكلام على هاتين الحالتين يجب أن نعرف أولاً معنى التمالؤ.
53- التمالؤ: الأصل فى التمالؤ هو قضاء عمر رضى الله عنه، فقد كان بمدينة صنعاء امرأة غاب عنها زوجها وترك فى حجرها ابنًا له من غيرها يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقلته، فأبى، فامتنعت عنه فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام خليل المرأة ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوه أعضاء وألقوا به فى بئر، ولما ظهر أمر الحادث وفشا بين الناس، أخذ أمير اليمن خليل المرأة فاعترف ثم اعترف الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطاب بخبر ما حصل، فكتب إليه عمر أن اقتلهم جميعًا، وقال: “والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا”.
وروى على على أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلاً وعن ابن عباس قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم فى عصرهم مخالف فكان قتل الجماعة بالواحد إجماعًا لأنه عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد عل الجماعة كعقوبة القذف للواحد على الجماعة، فضلاً عن أن القصاص لا يتبعض فلو سقط بالاشتراك لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل وضاعت حكمة الوضع والزجر.

(3/41)


ومع أن الأئمة الأربعة يسلمون بأن الجماعة تقتل بالواحد إلا أنهم اختلفوا فى معنى التمالؤ، فأبو حنيفة يرى أن التمالؤ هو توافق إرادات الجناة على الفعل دون أن يكون بينهم اتفاق سابق، بحيث يجتمعون على ارتكاب الفعل فى فَوْر واحد دون سابقة من تدبير أو اتفاق، ويأخد بهذا الرأى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى وأحمد كما هو الظاهر((1)). ولا يرتب أبو حنيفة على التمالؤ نتيجة ما، فإذا لم يكن فعل الجانى قاتلاً فلا أثر للتمالؤ عليه.
ويرى مالك أن التمالؤ عنى الاتفاق السابق على ارتكاب الفعل والتعاون على ارتكابه، وأن التوافق على الاعتداء لا يعتبر تمالؤًا ويأخذ بهذا الرأى بعض فقهاء مذهب الشافعى ومذهب أحمد ولكنهم يخالفون مالكًا فى أنهم لا يعتبرون متمالئًا إلا من اشترك فى ارتكاب الفعل بصفته فاعلاً له((2)).
أما مالك فيعتبر متمالئًا كل من حضر الحادث وإن لم يباشر الفعل إلا أحدهم أو بعضهم، لكن بحيث إذا لم يباشره هذا لم يتركه الآخر فهو فيعتبر متمالئًا كل من حضر ولو كان ربيئة - أى رقيبًا - بشرط أن يكون مستعدًا لتنفيذ ما اتفقوا عليه((3)).
__________
(1) الزيلعى ج6 ص114, البحر الرائق ج8 ص310, المغنى ج9 ص366, الشرح الكبير ج9 ص335 وما بعدها , المهذب ج2 ص186.
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217, 218, نهاية المحتاج ج7 ص261, 263, تحفة المحتاج ج4 ص14,15 حاشية البيجرمى على المنهج ج4 ص140, الإقناع ج4 ص175 .
(3) نفس المراجع السابقة .

(3/42)


54 - القتل المباشر على الاجتماع: من المتفق عليه بين الفقهاء الأربعة أنه إذا قام جماعة بقتل شخص فى فور واحد بأن توافقت إرادتهم على القتل وقت الحادث فقط دون اتفاق سابق فإن كلاً منهم يعتبر قاتلاً عمدًا له إذا كان فعل كل منهم يمكن تميزه وكان على انفراده له دخل فى إحداث الموت؛ كأن جرحه كل منهم جرحًا أو جراحًا قاتلة لها دخل فى زهوق روحه ولا عبرة بالتفاوت بين الجناة فى عدد الجراح وفُحشْها، فإذا أحدث أحدهم جرحا والآخر عشرة، وإذا أحدث أحدهم جرحًا فاحشًا وأحدث الآخر جرحًا أقل فحشًا فكل منهم مسئول عن القتل العمد ما دام قد أحدث جرحًا له دخل فى إحداث الوفاة.
وإذا كان فعل أحدهم لا دخل له فى الزهوق فلا يعتبر قاتلاً وإنما يسأل فقط عن الجرح أو الضرب، والعبرة بقول الخبراء فى كون الفعل له دخل فى الزهوق أم لا، فمن قرر الخبراء أن لفعله دخلاً فى الزهوق فهو قاتل عمدًا، ومن قرروا أن فعله لا دخل له فى الزهوق فهو جارح أو ضارب، وإذا لم تتميز أفعالهم فلم يعرف المزهق من غير المزهق فهم جارحون أو ضاربون ولا يسألون عن القتل لأن الجرح والضرب هو المتيقن منهم.
وهذا هو رأى الأئمة ما عدا مالكًا، ويرى بعض فقهاء الحنفية مسئوليتهم جميعًا عن القتل إذا لم تتميز أفعالهم((1)).
وإذا كان فِعل كل منهم منفردًا لا دخل له فى الزهوق ولكن أفعالهم مجتمعة أدت إليه، فيرى بعض الشافعية أن كلاً منهم يعتبر قاتلاً عمدًا.
وقد أخذت محكمة النقض المصرية بهذا الرأى فى حكم لها قضت فيه بأنه متى كان الثابت أن كلاً من المتهمين قد ضرب القتيل وأن ضربته ساهمت فى إحداث الوفاة كان كل منهم مسئولاً عن الوفاة ولو لم يكن بينهم اتفاق سابق ولو كانت الضربة الحاصلة من أحدهم ليست بذاتها قاتلة، فإذا كان الثابت أن كلاً منهم قد قصد القتل كان مسئولاً أيضًا عن جناية القتل((2)).
__________
(1) حاشية ابن عابدين ج3 ص490 .
(2) نقض فى 7 نوفمبر 1938 , المحاماة س19 ص615 .

(3/43)


ولا يرى البعض ذلك وهو متفق مع مذهب أبى حنيفة وأحمد((1)).
أما مالك فيرى أنه إذا لم تتميز الضربات أو تميزت سواء تساوت أو اختلفت ولكن لم يعلم عن مَنْ أحدثت ضربته الموت، فهم جميعًا قاتلون إذا ضربوه عمدًا عدوانًا، وفى المذهب يرى سقوط القصاص وإحلال الدية محلة إذا لم تتميز الضربات ولم يعلم من أيها مات، وهو رأى مرجوح((2)).
هذا هو حكم القتل على الاجتماع عند القائلين بأن التمالؤ هو التوافق فهم يعتبرون القتل على الاجتماع مصحوبًا دائمًا بتوافق الإرادات أى التمالؤ.
أما من يرون أن التمالؤ هو الاتفاق السابق وليس التوافق فيعطون الأحكام السابقة للجماعة غير المتمالئين فإن كانوا متمالئين على القتل فإنهم يسألون جميعًا عن القتل العمد، سواء كان فعل كل منهم له دخل فى الزهوق منفردًا أو مجتمعًا أو لا دخل له وسواء تميزت الأفعال أو لم تتميز ولو ضربوه بسياط أو عصًا خفيفة أو بأيديهم ولو كان ضرب كل منهم غير قاتل نحو أن يضربه كل منهم سوطًا أو نحو أن يضربوه على التوالى((3)).
55- القتل المباشر على التعاقب: المفروض فى القتل على التعاقب أنه ليس ثمة توافق ولا تمالؤ بين الفاعلين وأنهم يرتكبون الفعل منفردين على التعاقب لا مجتمعين كما هو الحال فى القتل على الاجتماع وحكم القتل على التعاقب أنه إذا قام أكثر من شخص بقتل واحد فإن كلاً منهم يعتبر قاتلاً له إذا كان فعل كل منهم يمكن تميزه وكان على انفراده له دخل فى إحداث الوفاة، وإذا جرحه أحدهم جرحًا وجرحه الآخر عشر جراحات فكلاهما مسئول عن قتله عمدًا ولا عبرة بكثرة الجراحات ما دام كل جرح له أثره فى إحداث الوفاة ولأن الإنسان قد يموت بجرح واحد ولا يموت بجراحات كثيرة.
__________
(1) نهاية المحتاج ح7 ص263 , الإقناع ج4 ص170 .
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 , 218 .
(3) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 , 218 , نهاية المحتاج ج7 ص263 ,الإقناع ج4 ص170 .

(3/44)


وإذا كان فعل أحدهم لا دخل له فى إحداث الوفاة، فإنه يسأل فقط عن الجرح أو الضرب ويسأل الباقون عن القتل، ويرجع فى هذا إلى قول الخبراء فى الطب.
وإذا شفى من الجراح التى أحدثها أحدهم ومات من جراح الباقين كان كلّ مسئولاً عن نتيجة فعله فمن برئت جراحه التى أحدثها سئل عن الجراح، ومن لم تبرأ جراحه سئل عن القتل إذا كان لجراحه دخل فى الموت.
فإذا اشترك ثلاثة فى قتل رجل، فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه ثالث فمات، فكل من الثلاثة قاتل عمدًا فإن برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الآخرين فمن برأ جرحه يعاقب باعتباره جارحًا ويعاقب الآخران باعتبارهما قاتلين((1)).
وإذا قطع واحد يده من المعصم، وقطع الثانى نفس اليد من المرفق فمات، فإن برئت جراحة الأول قبل قطع الثانى فالأول جارح والثانى قاتل دون خلاف، وإن كان القطع الثانى قبل بُرءْ القطع الأول فيرى الشافعى وأحمد أن الاثنين قاتلان؛ لأن جرح كل منهما قاتل وحده والألم الحاصل بالجرح الأول انضم إلى الألم الحاصل بالجرح الثانى وتكامل به، فكان الموت مضافًا إليهما، ومن أصحاب هذا الرأى زفر. ويرى أبو حنيفة وباقى أصحابه أن القاتل هو الثانى((2)) لأن السراية باعتبار الآلام المترادفة التى لا تتحملها النفس إلى أن يموت وقطع اليد من المرفق يمنع وصول الألم من القطع السابق إلى النفس فكان قطعًا للسراية فبقيت السراية مضافة إلى القطع الأخير. ويرى مالك أنه إذا كان القطع الثانى عقب القطع الأول فهما قاتلان وإن عاش بعد القطع الأول حتى أكل وشرب ثم مات عقب الثانى مباشرة فالقاتل هو الثانى وإن عاش بعدهما حتى أكل وشرب فللأولياء أن يقسموا على أيهما ويقتصوا منه((3)).
__________
(1) الشرح الكبير ج9 ص336 .
(2) البدائع ج7 ص304 .
(3) الشرح الكبير ج7 ص377 .

(3/45)


وإن رماه أحدهما من شاهق فتلقاه آخر بالسيف فقدَّه أو ألقى عليه صخره فأطار آخرُ رأسهَ قبل أن تصل الصخرة فيرى أحمد أن القصاص على الثانى لأن الرمى سبب والقتل مباشرة، فقطعت المباشرة حكم السبب، ويرى الشافعى مثل هذا إن رماه من مكان يجوز أن يسلم منه، أو ألقى عليه صخرة يمكن أن يسلم منها أما إن كان عمل الأول لا تمكن السلامة فيه فالبعض يرى كليهما مسئولاً عن القتل لدخول المباشرة مع السبب، ويرى البعض أن الثانى هو القاتل والرأى الأخير هو المتفق مع القانون؛ لأنه يعتبر الأول شارعًا فى قتل والثانى قاتلاً ما لم يكن بينهما اتفاق أو توافق على القتل فكلاهما يعتبر قاتلاً، وإن ألقاه فى لُجة لا يمكن الخلاص منها فالتقمة حوت فالرامى قاتل لأنه ألقاه فى مهلكة يهلك بها دون واسطة يمكن إحالة الحكم عليه كما يرى البعض، ويرى البعض أن الهلاك ليس سببه فعل الرامى، فأما إن ألقاه فى ماء يسير فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فهو شبه عمد لأن الذى فعله لا يقتل غالبًا((1)).
وإذا لم تتميز أفعالهم فلم يُعرف صاحب الجرح أحدث الموت، أو كانت أفعالهم مفردة لا دخل لها فى الزهوق ولكنها أدت إليه مجتمعة فالحكم فى ذلك هو ما سبق فى القتل على الإجماع.
__________
(1) الشرح الكبير ج9 ص340 , المهذب ج2 ص188 .

(3/46)


وقد يطرأ على الفعل المباشر فعل مباشر آخر أقوى منه بحيث ينقطع بالفعل الثانى أثر الفعل الأول، وحكم هذه الحالة تقديم الفعل الأقوى واعتبار صاحبه هو القاتل، فلو جرح الأول رجلاً جرحًا مميتًا بقصد القتل فجاء صاحب الفعل الثانى وحز رقبته فالقاتل هو الثانى، أما لو ذبحه الأول فجاء الثانى وجسم المذبوح لا يزال ينتفض فقدهَّ نصفين فالقاتل هو الأول، أما الثانى فيعتبر معتديًا على حرمة ميت ويُعزَّر وإن شق الأول بطنه ومزق أحشاءه ولكن بقيت به حياة مستقرة فجاء الثانى وقطع رقبته فالثانى قاتل والأول جارح، أما إذا كان فعل الأول قد أخرج المجنى عليه من حكم الحياة فالأول هو القاتل على رأى والثانى هو القاتل على رأى آخر، ما دام المجنى عليه لم يسلم الروح فعلاً((1)). ويرى البعض أنهم جميعًا مسئولون عن القتل عمدًا إذا تعذر معرفة صاحب الجرح المثخن((2)).
وإذا شق شخص بطن آخر ثم جاء ثانٍ فحز رقبته فالآخر هو القاتل أما الأول فجارح فقط، لأن الإنسان يعيش بعد شق البطن ولأن حياة المجنى عليه كانت مستقرة وقت حز الرقية هذا إذا كان الشق مما يحتمل معه أن يعيش بعده يومًا أو بعض يوم، فأما إذا كان لا يتوهم ذلك ولم تبق إلا غمرات الموت فالشاق هو القاتل والحاز لا يعتبر جارحًا بل معتديًا على حرمة ميت. وهناك رأى آخر مضاد لهذا الرأى وقد بسطنا القول فى هذه المسألة فى الفقرتين الحادية عشرة والثانية عشرة.
__________
(1) راجع الفقرتين 11 ,12 .
(2) حاشية ابن عابدين ح3 ص490 .

(3/47)


56 - اجتماع سببين فأكثر: إذا تسبب اثنان أو أكثر فى إحداث أفعال قاتلة بإنسان “كأن حبسه واحد فى منزل قصد قتله جوعًا، وأطلق الثانى صنابير الغاز بقصد قتله خنقًا، وأشعل الثالث النار فى المنزل بقصد قتله حرقًا” فإن مسئولية الجناة تترتب طبقًا للقواعد التى سبق أن بيناها فى حالة تعدد المباشرة، سواء كانت الأفعال على الاجتماع أو التعاقب وسواء أكان هناك تمالؤ أم لم يكن، ولا يغير من الحكم أن الفعل هناك مباشر وهنا تسبب لأن التسبب لا يقتل بذاته وإنما يقتل بواسطة فعل مباشر آخر ينسب للفاعل باعتباره متسببًا فيه، فالمنسوب للمتسبب هو نفس الفعل الذى ينسب للقاتل مباشرة، ومن ثم لم يكن اختلاف الحكم.
57 - اجتماع مباشرة وسبب: إذا اجتمع فعل مباشر مع فعل متسبب فلا يخرج الأمر فى تحديد مسئولية المباشر والمتسبب عن حالة من ثلاث:
أولاً: أن يغلب السبب المباشرة: ويتغلب السبب على المباشرة إذا لم تكن المباشرة عدوانًا وفى هذه الحالة تكون المسئولية على المتسبب دون المباشر. كقتل المحكوم عليه بالإعدام بناء على شهادة الزور، فهذه النتيجة مسلّم بها فى القانون المصرى إذ نصت المادة 295 عقوبات على أنه إذا ترتب على الشهادة المزورة الحكم بالإعدام ونفذ الحكم فعلاً عوقب شاهد الزور بعقوبة الإعدام.
فإن قتل الجلاد له ليس عدوانًا، والجلاد هو المباشر للقتل أما المتسبب فى القتل فشهود الزور وما دامت المباشرة ليست عدوانًا فالمسئولية على المتسبب وحده.
ثانيًا: أن تغلب المباشرة السبب: وتتغلب المباشرة على السبب إذا قطعت عمله، كمن ألقى إنسانًا فى ماء بقصد إغراقه فخنقه آخر كان يسبح فى الماء، أو كمن ألقى إنسانًا من شاهق فتلقاه آخر قبل وصوله إلى الأرض فقطّ رقبته بسيف أو أطلق عليه عيارًا ناريًا فقتله قبل وصوله إلى الأرض، فالمسئول عن القتل هو المباشر وليس المتسبب ولكن الأخير يعزر على فعله.

(3/48)


ثالثًا: أن يعتدل السبب والمباشرة: بأن يتساوى أثرهما فى الفعل، وفى هذه الحالة يكون المتسبب والمباشر مسئولين معًا عن القتل، كحالة الإكراه على القتل، فإن المكره وهو المتسبب هو الذى يحرك المباشر وهو المكرهَ ويحمله على ارتكاب الحادث ولولا الأول لما فعل الثانى شيئًا ولما حصل القتل((1)).
وكذلك من يأمر ولده الصغير أو المعتوه بقتل آخر فيقتله طاعة لهذا الأمر فكلاهما يعتبر قاتلاً، ولو أن للصغير أو المعتوه حكمًا خاصًا من حيث العقوبة خلافًا لأبى حنيفة.
58- تسبب الجانى فى فعل قاتل مباشر من المجنى عليه: ويعتبر الجانى مسئولاً عن القتل العمد عن مالك((2)) إذا تسبب فى الفعل القاتل، ولو كان الموت نتيجة مباشرة لفعل المجنى عليه.
فلو أن إنسانًا طلب آخر قاصدًا قتله بسيف مجرد أو ما يخيف كرمح أو سكين فهرب منه فتبعه الجانى وتلف المجنى عليه فى هربه بأن سقط من شاهق أو انخسف به سقف أو خرّ فى مهواة أو سقط فتلف أو لقيه سبع فافترسه أو غرق فى ماء أو احترق بنار، فعلى كل هذه الصور يعتبر الطالب قاتلاً عمدًا ولو أن هرب المجنى عليه هو الذى أنتج الموت مباشرة.
__________
(1) الوجيز ج2 ص122 وما بعدها , نهاية المحتاج ج7 2240 وما بعدها .
(2) مواهب الجليل ج6 ص241 .

(3/49)


ويعتبر أحمد((1)) الطالب مسئولاً عن القتل شبه العمد فى هذه الصور؛ لأن الفعل الذى حدث من الجانى لا يقتل غالبًا، وفى مذهب الشافعى((2)) رأيان يفرقان بين المجنى عليه المميز، وغير المميز فإذا كان المجنى عليه غير مميز فالطالب يعتبر مسئولاً عن القتل شبه العمد، وإذا كان مميزًا فهناك رأيان: رأى أنه لا مسئولية على الطالب لأن المجنى عليه هو الذى أهلك نفسه بفعله، ورأى يرى مسئولية الطالب عن القتل شبه العمد، لأن المجنى عليه لم يقصد إهلاك نفسه وإنما ألجأه الطالب إلى الهرب المفضى للهلاك، وقد اعتبر القتل شبه عمد لأن وسيلة القتل ليست مما يقتل غالبًا.
فالشافعى وأحمد فى هذا يحافظان على قاعدتهما، أما ملك فاعتبره عمدًا لأنه - كما مر - لا يعرف القتل شبه العمد، والفعل عنده إما عمد أو خطأ. ويمكن تفسير مسئولية الطالب مع أن الفعل المباشر من المجنى عليه بأن المباشرة لم تكن عدوانًا فيتغلب الفعل المتسبب.
أما أبو حنيفة فلا يرى مسئولية الطالب؛ لأن المجنى عليه قُتل بفعل نفسه.
ويتفق القانون المصرى والفرنسى مع ما يراه أبو حنيفة ويتفق القانون الألمانى والقانون الإنجليزى مع ما يراه باقى الأمة.
59- القتل بفعل غير مادى: ويتفق الفقهاء لأربعة على جواز حصول القتل بوسيلة معنوية لا مادية كمن شهر سيفًا فى وجه إنسان فمات رعبًا، ومن تغفل إنسانًا وصاح به قاصدًا قتله فمات مذعورًا أو سقط لفزعه من مرتفع ومات من سقطته ومن ألقى على إنسان حية فمات رعبًا، ومن دلّى إنسانًا من شاهق فمات من روعته قبل أن يضربه بسيف أو يُترك ليسقط على الأرض.
__________
(1) المغنى ج9 ص577 .
(2) نهاية المحتاج ج7 ص332 , 333 .

(3/50)


وعند مالك((1)) أن القتل فى هذه الأحوال عمد ما دام الجانى قد تعمد الفعل على وجه العدوان ولم يقصد منه اللعب أو المزاح، فإن قصد اللعب أو المزاح فالقتل خطأ. ويرى أحمد((2)) أن القتل فى هذه الأحوال شبه عمد؛ لأن الوسيلة لا تقتل غالبًا. وكذلك يرى أبو حنيفة((3)).
وفى مذهب الشافعى((4)) يفرقون بين من يميز وبين من لا يميز كالصبى والمعتوه والمجنون والنائم والموسوس والمصعوق والمذعور والضعيف، ويرون أن القتل شبه عمد فى حالة من يميز، وأنه قتل عمد فى حالة من لا يميز؛ لأن الوسيلة تقتل غالبًا فى حالة من لا يميز ولا تقتل غالبًا فى حالة المميز.
وليس فى نص القانون المصرى أو القانون الفرنسى ما يمنع أن تكون وسيلة القتل فعلاً غير مادى. ولكن جمهور الشراح الفرنسيين ويتابعهم المصريون يرون أن لا عقاب على القتل بهذه الطريقة، وحجتهم أنه لا يمكن على وجه التحقيق اعتبار العوامل النفسية التى تنشأ عن فعل الجانى سببًا لموت المجنى عليه، وهذا الرأى منتقد لأنه مع تقدم العلم يمكن أن يثبت على وجه التحقيق أن الموت نشأ عن العوامل النفسية التى أحدثها فعل الجانى، ولأن هناك صورًا تكون حالة الجانى والمجنى عليه فيها من الظهور بمكان بحيث يكون من الظلم أن يفلت الجانى من العقاب، ومع ذلك فهناك من القوانين الوضعية ما يأخذ بنظرية الشريعة الإسلامية فالقانون الإنجيلزى يعاقب عل القتل إذا كانت وسيلة القاتل لقتل فريسته معنوية لا مادية.
__________
(1) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 .
(2) المغنى ج9 ص578 .
(3) البحر الرائق ج8 ص294 .
(4) نهاية المحتاج ج7 ص330 , 331 .

(3/51)


60 - تعدد الأسباب: ومن المتفق عليه بين الأئمة الأربعة((1)) أن الجانى يعتبر مسئولاً عن القتل العمد إذا كان فعله بسبب الموت، أو كان له على انفراده دخل فيه، ولو كان هناك أسباب أخرى اشتركت فى إحداث الموت سواء كانت هذه الأسباب راجعة لفعل المجنى عليه أو تقصيره أو لحالته أو لفعل غيره متعمد أو غير متعمدة، وسواء كانت رئيسية أم ثانوية، فإذا أحدث المجنى عليه بنفسه جراحًا وأساء المجنى عليه علاج نفسه أو أهمل العلاج أو سمح لطبيب بعلاج جرحه أو بإجراء عملية فأخطأ العلاج أو قصر فى العملية وساعد كل ذلك يظل مسئولاً عن القتل العمد ما دام فعله مهلكًا من شأنه إحداث الوفاة.
وإذا كان المجنى عليه مريضًا أو ضعيفًا أو صغيرًا فيعتبر الجانى مسئولاً عن قتله عمدًا إذا ضرب المجنى عليه ضربًا أو جرحه لا يقتل الرجل الصحيح ما دام من شأن هذا الضرب أو الجرح أن يقتل الرجل المريض والضعيف والصغير، وإذا كان بالمجنى عليه إصابات قاتلة فأحدث به الجانب إصابة أخرى قاتلة فمات منها جميعًا، فالجانى مسئول عن القتل ولو أن القتل نتيجة مباشرة لكل هذه الإصابات، ويستوى أن تكون الإصابات التى بالمجنى عليه ناشئة عن فعله كما إذا جرح نفسه أو عن فعل غيره كإنسان ضربه أو حيوان نهشه.
وإذا كان بالمجنى عليه إصابات سببها فعل مباح كالدفاع الشرعى مثلاً فأحدث به آخر إصابة أو إصابات أخرى عدوانًا يقصد قتله، فمات من جميع الإصابات فالجانى مسئول عن قتله عمدًا ولو أن بعض الإصابات التى أدت إلى القتل ناشئة عن فعل مباح.
__________
(1) نهاية المحتاج ح7 ص238 , 223 , 263 وما بعدها , المغنى ج9 ص324 , 380 , 381 , 578, مواهب الجليل ج6 ص242 , شرح الدردير ج4 ص219 , البحر الرائق ج8 ص294 , 301 , بدائع الصنائع ج6 ص235 , حاشية ابن عابدين ج3 ص480 , 481 , 493 .

(3/52)


وإذا كان بالمجنى عليه إصابات غير متعمدة ثم أحدث به الجانى إصابات متعمدة فمات منها جميعًا فالجانى مسئول عن القتل العمد، ولو أن بعض الإصابات التى أدت إليه ناشئة عن خطأ.
وإذا كانت بعض الإصابات أفحش من بعض فإن الجانى الذى أحدث أبسط الإصابات مسئول عن القتل العمد ما دامت إصابته مهلكة بذاتها ولها دخل فى القتل على انفرادها، كما أنه لا عبرة بعدد الإصابات التى أحدثها كل جان، فلو كان بشخص مائة إصابة أدت إلى قتله فالجانى الذى أحدث واحدة منها فقط مسئول عن القتل ما دام لإصابته دخل فى القتل على انفرادها، ولو كانت بقية الإصابات من فعل شخص واحد.
ويؤخذ من اعتبارهم الجانى قاتلاً عمدًا فى حالة إهمال العلاج أو إساءته أو ضعف المجنى عليه ومرضه.. الخ أنهم عرفوا نظرية تساوى الأسباب التى لم تعرفها القوانين الوضعية إلا حديثًا. فكل فعل اشترك فى إحداث الموت بحيث لم يكن الموت ليحدث لولا وقوع هذا الفعل عتبر بذاته سببًا للموت ولو أنه لم يؤد للموت إلا لوجود أسباب أخري؛ لأن هذا السبب بالذات هو الذى جعل لهذه الأسباب الأخرى أثرًا على الوفاة.
61 - انقطاع فعل الجانى: ويسأل الجانى عن القتل العمد نتيجة لفعله، ما دام الفعل سببًا للقتل، إلا إذا انقطع فعل الجانى بفعل آخر تغلب عليه وقضى على أثره.
فمن يجرح إنسانًا جرحًا قاتلاً يقصد قتله يعتبر قاتلاً له عمدًا إذا مات من الجرح، ولكن إذا جاء ثالث فقطع رقبة الجريح فهو القاتل والأول جارح لا قاتل؛ لأن فعل الثالث قطع فعله وقضى على أثره، كذلك تنتفى مسئولية الجانى عن القتل إذا انقطع أثر فعله، كأن يشفى جرحه قبل الموت أو إذا لم يكن لجرحه أثر على الموت.

(3/53)


62 - نظرية السببية فى الشريعة: ويمكننا أن نستخلص مما سبق أن الشريعة الإسلامية تشترط لمسئولية الجانى عن القتل أن يكون بين فعله وبين الموت رابطة السببية وهى الرباط الذى يربط الفعل الحاصل من الجانى بالنتيجة التى يسأل عنها، ولا يشترط أن يكون فعل الجانى هو السبب الوحيد فى إحداث الموت، بل يكفى أن يكون فعل الجانى سببًا فعالاً فى إحداثه.
ويستوى بعد ذلك أن يكون فعل الجانى هو الذى سبب الموت وحده أم أن الموت نشأ عن فعل الجانى بالذات، وعن أسباب أخرى تولدت عن هذا الفعل كتحرك مرض كامن لدى المجنى عليه، كما يستوى أن يكون الموت نشأ عن فعل الجانى وحده أو عن هذا الفعل وعن أسباب أخرى لا علاقة لها بفعل الجانى كالاعتداء الحاصل من شخص آخر.
ولا يعتبر فعل الجانى سببًا للموت إذا انعدمت رابطة السببية بين الفعل وموت المجنى عليه، أو إذا كانت قائمة ثم انقطعت بعد ذلك بفعل من شخص آخر ينسب إليه الموت دون فعل الجانى الأول، أو إذا كان فى إمكان المجنى عليه أن يدفع أثر الفعل دون شك فامتنع عن دفعه دون أن يكون للجانى دخل فى امتناعه.
والجانى مسئول عن نتيجة فعله، سواء كان الموت نتيجة مباشرة لفعله أو كان نتيجة غير مباشرة لهذا الفعل، سواء كان السبب قريبًا أم بعيدًا ما دام الفعل سببًا للنتيجة.
لكن فقهاء الشريعة مع هذا لا يسمحون بتوالى الأسباب إلى غير حد؛ بل يقيدون هذا التوالى بالعرف، لأن السبب عندهم هو ما يولد المباشرة توليدًا عرفيًا فما اعتبره فهو ليس سببًا له ولو كان سببًا قريبًا.

(3/54)


وقد سلك الفقهاء هذا المسلك لأنه أقرب إلى العدالة وألصق بطبائع الأشياء ولو أنهم اكتفوا فى تحديد رابطة السببية بالسبب المباشر - كما فعل شراح القانون الفرنسى- لأدى ذلك إلى خروج كثير من الأفعال التى يعتبرها هذا العقل والعرف قتلاً ولو أنهم بالغوا فأخذوا بكل سبب غير مباشر - كما فعل الشراح الألمان - لأدخلوا فى دائرة القتل أفعالاً كثيرة لا يعتبرها عرف الناس ولا منطقهم قتلاً.
ومن أجل ذلك جاءت نظرية السببية فى الشريعة مرنة تتسع لكل ما يتسع له عرف الناس ومنطقهم عادلة لأنها تعتمد على شعور الناس بالعدالة وإحساسهم بها، بل إن تحديد كفاية السبب لتحقق النتيجة بالعرف ضمن للنظرية البقاء ما بقى الناس لأن الناس سواء تقدموا أو تأخروا؛ جهلوا أو علموا لهم عرف يطمئنون إليه وعقول لا ترتاح إلا لما تراه عدلاً وهذه النظرية تتمشى مع عرفهم ونظرهم للعدالة فى كل وقت وفى كل ظرف.
* * *
مقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية
63 - النظرية الفرنسية: ونظرية فقهاء الشريعة فى تحديد رابطة السببية: وقد مضى عليها أكثر من ألف سنة تدل على أنهم كانوا أبعد نظرًا وأدق تقديرًا للأمور من شراح القانون الوضعى فى عصرنا الحاضر، فالشراح الفرنسيون حتى اليوم لا يقبلون إلا السبب المباشر؛ أى السبب الذى أنتج الفعل المؤدى للقتل بشرط أن لا يطرأ عليه سبب آخر يؤدى بذاته إلى حدوث النتيجة المتوقعة أو يساعد على حدوثها، فمثلاً إذا ضرب شخص آخر ضربة مميتة، وجاء ثالث قبل أن يموت فقطع رقبته فالثالث هو القاتل؛ لأن السبب الثانى حال بين السبب الأول ونتيجته وقطع عمله، ولأن السبب الثانى هو الذى أدى بذاته إلى القتل.

(3/55)


وفى هذا يتفق القانون الفرنسى مع الشريعة. ولكن إذا ضرب الجانى شخصًا أو جرحه فأهمل المجنى عليه العلاج، أو أساء علاج نفسه أو كان مريضًا أو ضعيفًا؛ فساعد إهماله أو سوء علاجه أو مرضه أو ضعفه على الوفاة، فإن الضرب أو الجرح لا يعتبر فى نظر الشراح الفرنسيين سببًا مباشرًا للقتل، لأن هناك سببًا أو أسبابًا أخرى ساعدت على إحداث القتل وقد لا يحدث القتل لو لم تكن هذه الأسباب وفى هذا تخالف الشريعة القانون الفرنسى لأنها تأخذ بالرأى المضاد.
64 - نقد النظرية الفرنسية: ويطبق الشراح الفرنسيون نظريتهم هذه فى حالة القتل العمد فقط، ولا يرون باسًا من اعتبار السبب غير المباشر فى القتل الخطأ وفى هذه التفرقة وحدها ما يؤكد أن نظريتهم معيبة؛ لأنه إذا كان العدل يقتضى أن لا يقبل إلا السبب المباشر فمن الظلم أن يقبل السبب غير المباشر فى القتل الخطأ، وإذا كان العدل يقتضى أن يقبل السبب غير المباشر فى القتل الخطأ فمن الظلم أن لا يقبل فى القتل العمد.
أما فيما يختص بحالة تعدد الأسباب، فإن فعل الجانى هو السبب الفعال فى الموت، ولولاه لما كانت الأسباب الأخرى فعالة ففعل الجانى وسبب الموت أولاً وأخيرًا ومن العدل أن يسأل عن فعله ونتائج فعله.
65 - النظرية الألمانية: أما الشراح الألمان فيسلمون بالسبب المباشر وغير المباشر، ويرون أن السبب هو كل شرط من شروط نتيجة الفعل المزهق لنفس، لأنه هو الذى جعل الشروط الأخرى سلبية، والفعل عندهم يعتبر قتلاً ولو كان غير كاف وحده لإحداث الوفاة أو كانت الوفاة لم تحدث لولا أعمال أخرى اقترنت بهذا الفعل أو تلته، ومن ثم فهم يعتبرون الضارب والجارح مسئولاً عن القتل، ولو كان الضرب والجرح فى ذاته مهلكًا لولا ضعف المجنى ليه أو إهماله العلاج.

(3/56)


66 - النظرية الإنجليزية: كذلك يأخذ الإنجليز بالسبب المباشر وغير المباشر، معتبرون الجانى قاتلاً ولو لم يكن الموت نتيجة مباشرة لفعله بل أدت إليه أو ساعدت عليه عوامل أخرى، فإذا اعتدى شخص على آخر اعتداء شديدًا حمل المعتدى عليه أن يلقى بنفسه من نافذة أو شرفة ليخلص نفسه من هذا الاعتداء، فإن المعتدى يعتبر قاتلاً إذا مات المعتدى عليه من إلقاء نفسه، كذلك يعتبر الجارح قاتلاً ولو تبين أن المجنى عليه أساء علاج نفسه، أو رفض إجراء عملية كان من المرجح أن تؤدى إلى شفائه.
67- عيب النظرية الألمانية والإنجليزية: ونظرية الألمان تتفق مع النظرية الإنجليزية وهما أوسع مدى من النظرية الفرنسية، ويرى الكثير من الشراح أن النظرية الألمانية الإنجليزية أقرب إلى العدل من النظرية الفرنسية؛ لأن الأولى تفتح الباب واسعًا أمام القاضى ليقدر مسئولية من تسبب فى قتل غيره بطريقة غير مباشرة، ولا تسمح بإفلات قاتل من العقاب لأنه استطاع أن يصل إلى غرضه بطريق غير مباشر.
ولكن النظرية الألمانية الإنجيلزية بالرغم من ذلك معيبة، وعيبها أنها تسلم بتوالى الأسباب غير المباشرة إلى غير حد يقف عنده هذا التوالى، وقد أدى بها هذا العيب إلى أن تخلق حلولاً يستسيغها العقل ولا تتفق مع العرف، فمثلاً يرى بعض الآخذين بهذه النظرية على إطلاقها أنه يعتبر متسببًا فى القتل من جرح غيره جرحًا غير ميت إذا استلزمت حالة الجرح نقله للمستشفى فاحترق المستشفى بمن فيه إذ لولا الجرح لما احترق المجنى عليه.

(3/57)


68 - والرأى المعتدل: الذى حاول به أصحابه أن يصلحوا هذا العيب يقوم على أساس أن يكون السبب كافيًا لتحقيق النتيجة، فإن كان كافيًا فالجانى قاتل، وإن لم يكن كافيًا فهو غير قاتل، فمثلا إذا ضرب الجانى سفَّانًا قاصدًا فأحدث به إصابات أعجزته عن إدارة حركة السفينة ثم غرقت به السفينة بعد ذلك بسبب اشتداد الأنواء دون أن يكون لعجز المجنى عليه أثر على غرقه، فإن الجانى لا يعتبر مسئولاً عن غرق المجنى عليه أما إذا كان غرق السفينة ناشئًا عن عجز المجنى عليه عن إدارة السفينة بسبب إصابته فيكون الجانى مسئولاً عن الغرق؛ لأن عجز المجنى عليه من الضرب كاف لتحقيق هذه النتيجة.

(3/58)


69 - وتقيد النظرية بكفاية السبب لتحقيق النتيجة معناه تقيدها بالعرف: لأن مقياس الكفاية ليس ماديًا، وإنما هو معنوى يرجع إلى ما تعارف عليه الناس وما تقبله عقولهم وترتاح إليه نفوسهم، وإذا كان العرف هو المقياس الذى تقاس به كفاية الأسباب لتحقيق النتيجة فى الشريعة الإسلامية، فمعنى ذلك أن نظرية السببية فى القوانين الوضعية تسير الآن فى نفس الطريق الذى رسمه فقهاء الشريعة الإسلامية من ألف سنة وأكثر، وأحكام المحاكم المصرية تتفق مع الشريعة الإسلامية فيما يختص بتحديد رابطة السببية واعتبار السبب غير المباشر وتعدد أسباب الوفاة وليس منشأ هذا الاتفاق أن المحاكم المصرية ترجع للفقه الإسلامى وإنما منشؤه أن المحاكم المصرية تفضل فى هذه المواضيع النظرية الألمانية الإنجليزية على النظرية الفرنسية، والنظرية المفضلة تتفق مع الشريعة الإسلامية؛ فمثلاً حكمت محكمة النقض المصرية فى قضية ضرب أفضى إلى موت بأنه “متى ثبت أن الضرب الذى وقع من المتهم هو السبب الأول المحرك لعوامل أخرى تعاونت وإن تنوعت على إحداث وفاة المجنى عليه سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، فهو مسئول جنائيًا عن كافة النتائج التى ترتبت على فعله مأخوذًا فى ذلك بقصده الاحتمالى لأنه كان من واجبه أن يتوقع كل هذه النتائج الجائزة الحصول”((1)).
وأصدرت محكمة جنايات أسيوط حكمًا فى قضية قتل أشارت فيه إلى الخلاف بين الشراح الفرنسيين من جهة وبين الألمان والإنجليز من جهة أخرى، فيما يتعلق بالسبب وتحديد معنى السببية وقالت: إنها تأخذ بنظرية الألمان والإنجليز لأنها أقرب إلى العدل وتفسح الطريق لمعاقبة من يتسبب فى قتل آخر بطريق غير مباشر متى كانت ظروف القتل تدل على أنه قصد ذلك((2)).
__________
(1) نقض فى 21 مارس 1938 القضية رقم 996 سنة 8 ق .
(2) محكمة جنايات أسيوط فى 28 مارس نة 1927 , المجموعة الرسمية سنة 1928 العدد 62 .

(3/59)


وحكمت محكمة النقض فى قضية قتل بأن إذا طعن المتهم المجنى عليه بسكين متعمدًا قتله فأحدث به جرحًا فى تجويف الرئة نتجت عنه الوفاة يكون مرتكبًا لجناية القتل عمدًا، وإن تكن الوفاة قد حصلت بعد علاج ثمانية وخمسين يومًا بالمستشفى إذ من المبادئ المقررة أن الفاعل مسئول عن جميع نتائج فعله غير القانونى التى كان يمكنه أو كان واجبًا عليه أن يفترضها، وهذه المسئولية ليست متوقفة على إثبات أن المجنى عليه قد عولج أحسن علاج طبقًا للعلوم الحديثة((1)).
70 - القتل بالترك: وكما يجوز فى الشريعة الإسلامية أن يكون القتل بفعل مادى أو معنوى؛ أى بفعل إيجابى، فإنه يجوز أن يكون القتل بالسلب؛ أى بغير فعل إيجابى يصدر عن الجانى بحيث يمتنع الجانى عن عمل معين فيؤدى امتناعه إلى قتل المجنى عليه، فمن حبس إنسانًا ومنعه عن الطعام أو الشراب أو الدفء فى الليالى الباردة حتى مات جوعًا أو عطشًا أو بردًا فهو قاتل عمدًا إن قصد بالمنع قتله، وذلك ما يراه مالك((2)) والشافعى((3)) وأحمد((4))، أما أبو حنيفة فلا يرى الفعل قتلاً لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش والبرد لا بالحبس ولا صنع لأحد فى الجوع والعطش، ولكن أبا يوسف ومحمدًا يريان الفعل قتلاً عمدًا؛ لأنه لا بقاء لآدمى إلا بالأكل والشرب والدفْ فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش والبرد عليه يكون إهلاكًا له((5)) ولكنه قتل بالتسبب، ولا يقتص فى القتل بالتسبب عندهما وعند أبى حنيفة.
والأم التى تمنع ولدها الرضاع قاصدة قتله تعتبر قاتلة عمدًا، ولو أنها لم تأت بعمل إيجابى((6)).
__________
(1) نقض فى 22/11/1913 , شرائح 1 ص86 .
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 .
(3) نهاية المحتاج ج7 ص239 .
(4) المغنى ج9 ص328 .
(5) بدائع الصنائع ج7 ص234 , البحر الرائق ج8 ص295 .
(6) شرح الدرديرج4 ص215 .

(3/60)


ومن منع فضل مائة مسافرًا عالمًا بأنه لا يحل له منعه وأنه يموت إن لم يسقه اعتبر قاتلاً عمدًا له وإن لم يك قتله بيده((1))، وهو رأى فى مذهب مالك ويرى البعض أنه قتل شبه عمد، وهو رأى فى مذهب أحمد((2)).
وإذا حضرت نساء ولادة فقطعت إحداهن سُرَّة الوليد وامتنعت عن ربط الحبل السُّرى فمات بعد القطع بقليل فهى قاتلة له عمدًا، ومن الممكن القول باعتبار بقية الحاضرات قاتلات إذا لم يَريْنَ الربط، لأن المهلك تركُ الربط فالهلاك ينسب إليهن كلهن((3)).
71- والظاهر من تتبع أمثلة الفقهاء أن الممتنع لا يعتبر مسئولاً عن كل جريمة ترتبت على امتناعه، وأنه يسأل فقط حيث يجب عليه شرعًا أو عرفًا أن لا يمتنع ومع ذلك فهناك خلاف على ما يوجبه الشرع والعرف، ومن الطبيعى أن يكون هذا الخلاف ما دامت وجهات النظر مختلفة، فمثلاً يرى بعض الحنابلة أن من أمكنه إنجاء آدمى من هلكة كماء أو نار أو سبع فلم يفعل حتى هلك فلا مسئولية عليه((4))، ويرى بعض الحنابلة مسئوليته((5))، وأساس الاختلاف: هل الإنجاد واجب أو غير واجب؟.
__________
(1) مواهب الجليل للحطاب ج6 ص240 .
(2) المغنى ج9 ص581 .
(3) الفتاوى الكبرى ص220 وما بعدها .
(4) الإقناع ج4 ص205 .
(5) المغنى ج9 ص581 .

(3/61)


72- مقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية: واتجاه فقهاء الشريعة فى القتل بالترك هو نفس الاتجاه الذى سار فيه أغلب شراح القوانين الوضعية أخيرًا، أما قبل ذلك فقد كانت المسألة محل خلاف شديد بين شراح القوانين. فكان بعضهم يرى أنه لا يمكن إحداث الجريمة بالترك، لأن الترك عدم ولا ينشأ عن العدم وجود، وكان البعض يرى أن الترك يصلح سببًا للجريمة كالفعل تمامًا، لأن كليهما يرجع إلى إرادة الإنسان وقد انتهت الأغلبية أخيرًا إلى التسليم بأن الترك يصلح سببًا للجريمة ولكنهم لم يأخذوا بالمبدأ على إطلاقه وقيدوه بأن يكون الشخص مكلفًا فى الأصل بالعمل وأن يكون الامتناع أو الترك مخالفة لهذا التكليف، ويستوى عندهم أن يكون مصدر التكليف بالعمل القانون أو الاتفاق ومن الأمثلة التى يضربها شراح القوانين على القتل بالترك: حبس شخص دون حق ومنع الطعام عنه بقصد قتله، وامتناع الأم عمدًا عن إرضاع ولدها بقصد قتله. ويضربون مثلاً على الحالة التى لا مسئولية فيها: الامتناع عن إنقاذ مشرف على الغرق، أو إنسان أحاطت به النار أو أقدم سبع على افتراسه. والأمثلة فى الوجهين تكاد تكون نفس الأمثلة التى يضربها فقهاء الشريعة الإسلامية.

(3/62)


ويلاحظ أن اشتراط شراح القوانين أن يكون العمل واجبًا بمقتضى القانون أو الاتفاق يساوى تمامًا ما يشترطه فقهاء الشريعة من أن يكون العمل واجبًا بمقتضى الشريعة أو العرف؛ لأن تعارف الناس على وجوب أمر يساوى الاتفاق على وجوبه((1)) فكأن القوانين الوضيعة التى تعاقب على القتل بالترك تسير فى إثر الشريعة الإسلامية وإذا كانت الأغلبية فى فرنسا ترى العقاب على القتل بالترك فإن الأقلية وعلى رأسها “جارسون” ترى أن نصوص القانون الفرنسى - وهى تماثل نصوص القانون المصرى - لا تتسع للعقاب على القتل بالترك، وأنه إذا كان لابد من العقاب على هذه الجرائم فيتعين إصدار تشريع خاص يعاقب عليها.
أما فى إنجلترا فالقانون الإنجليز لا يفرق بين ما إذا كانت الجريمة ارتكبت بفعل أو ترك، ويعاقب على الحالين فمن كان متكفلاً بطفل ومنع عنه الطعام حتى مات جوعًا يعاقب بعقوبة القتل العمد.
وفى إيطاليا نص فى قانون العقوبات الإيطالى الصادر فى 19/10/1930 على أنه “إذا لم يمنع الإنسان حادثًا هو ملزم قانونًا بمنعه فإن عدم منعه هذا الحادث يساوى إحداثه” أى: أن القانون الإيطالى يعاقب عل القتل بالترك إذا كان العمل مما يوجبه القانون.
__________
(1) توجب الشريعة الوفاء بالعقود والاتفاقات , فمن كان عليه واجب طبقاً لاتفاق فهو واجب طبقاً للشريعة الإسلامية ما لم يكن مخالفاً لنصوص الشريعة .

(3/63)


وفى مصر تعاقب المحاكم المصرية على القتل بالترك، فقد حكمت محكمة النقض فى قضية تلخص وقائعها فى أن المتهم لعداء بينه وبين والد المجنى عليهما خطف طفليه ووضعهما فى زراعة قصب بعد أن أحدث بهما إصابات أعجزتهما عن الحركة ثم تركهما يموتان جوعًا، وقد مات أحدهما فعلاً وأسعف الآخر بعد العثور عليه، وظهر من تشريح جثة القتيل أن وفاته حصلت من الصدمة العصبية الناشئة عن الكسور والرضوض التى به مع ضعف الحيوية الناشئ عن عدم التغذية، وقد قالت المحكمة فى معرض بيان نية القتل: “إنه لا نزاع فى أن تعجيز شخص عن الحركة بضربه ضربًا مبرِّحًا وتركه فى مكان منعزل محرومًا من وسائل الحياة بنية القتل يعتبر قتلاً عمدًا حتى كانت الوفاة نتيجة مباشرة لتلك الأفعال”((1)).
وهكذا يتبين أن الشريعة الإسلامية سبقت القوانين الوضعية فى تقرير عقوبة القتل بالترك بأكثر فى ألف سنة، وأن القواعد التى وضعتها هذه الحالة هى نفس القواعد التى أخذ بها القوانين أخيرًا.
73 - عصمة القاتل: ويشترط فى الفعل القاتل أن يكون صادرًا من معصوم حتى يمكن اعتباره مسئولاً عن الجريمة. فإن كان غير معصوم فإنه لا يسأل عن الفعل إذ يباح لغير المعصوم.
__________
(1) نقض فى 28 ديسمبر سنة 1936 قضية رقم 2105 سنة 6 ق .

(3/64)


ومعنى العصمة بالنسبة للقاتل يختلف عنه بالنسبة للمقتول، فالعصمة بالنسبة للمقتول هى أن لا يكون مهدر الدم سواء كان ملتزمًا أحكام الإسلام كالمرتد أو الزانى المحصن أم غير ملتزم لها كالحربى. أما العصمة بالنسبة للقاتل فهى التزام أحكام الإسلام سواء كان الملتزم مهدر الدم أو محقونة، فيعتبر المرتد والزانى المحصن والقاتل عمدًا معصومين إذا ارتكبوا القتل ولكن دمائهم مهدرة لأنهم ملتزمون بأحكام الإسلام وهو يحرم القتل كما يحرم غيره من الجرائم التى يؤدى ارتكابها إلى اهدار الدم، فإذا أهدر شخص دم نفسه بارتكاب جريمة فليس له أن يتخذ من ذلك سندًا لارتكاب أية جريمة بحجة أنه أصبح مهدر الدم.
وإذا كانت العصمة بالنسبة للقاتل هى إلتزام أحكام الإسلام فإن كل قاتل معصوم إلا الحربى((1)) فإنه لا يعتبر معصومًا حال حرابته، ومن ثم فهو غير مسئول عن الجرائم التى يرتكبها ولو أسلم بعد إرتكابها، لما تواتر من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من عدم عقابهم من أسلم على ما فعله فى حال حرابته، كما أنه لا يسأل عن جرائمه السابقة، ولو عقدت له ذمة أو أمان لقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38].
واعتبر الحربى غير معصوم وعدم عقابه عن أى جريمة يرتكبها هو عين العدالة، لأن حالة الحرب القائمة بين دولته والدولة الإسلامية تقتضى أن يكون دم الحربى وماله هدرًا ومباحًا للمسلم، وأن يجعل مال المسلم ودمه هدرًا ومباحًا للحربى فالشريعة لا تميز المسلم عن الحربى وتبيح فى حالة الحرب لأحدهما ما تبيحه للآخر.
__________
(1) راجع : الشرح الكبير للدردير ج4 ص210 , مواهب الجليل للحطاب ج6 ص230 , نهاية المحتاج ج7 ص250 , بدائع الصنائع ج7 ص236 , 237 , 252 , شرح فتح القدير ج4 ص349 , المغنى ج10 من 436 إلى 439 و448 و483 .

(3/65)


وتعتبر الجزية والأمان والهدنة التزامًا بأحكام الإسلام ولو من بعض الوجوه، فإذا دخل الحربى فى عقد من هذه العقود اعتبر معصومًا وعوقب على كل جريمة يرتكبها بعد العقد.
74- كل ما سبق محله أن يكون من شأن فعل الجانى إحداث الوفاة وأن يحدثها فعلاً فإن لم يكن من شأن الفعل إحداث الوفاة أصلاً، كمن حاول قتل آخر بسلاح نارى غير معمر، فإنه يمكن القول بأن الفقهاء لا يرون العقاب على ذلك الفعل بدليل أنهم لم يتعرضوا له أصلاً فى باب القتل والجرح، وفى هذا يتفق فقهاء الشريعة على الأقل مع من يقولون من شراح القوانين الوضعية لنظرية الجريمة المستحيلة، وتعليل عدم العقاب فى القانون هو أن جريمة القتل لم تقع ولا عقاب على جريمة لم تقع، وأن جريمة الشروع فى القتل لا يكفى لوقوعها أن يقصد الجانى القتل، بل يجب أن تكون الوسيلة التى استخدمت من شأنها إحداث القتل، وما دامت الوسيلة لا تحدث القتل أصلاً فلا تقع جريمة الشروع ولا عقاب على جريمة لم تقع أو أن الجريمة التامة وهى القتل يستحيل تنفيذها والشروع هو البدء فى التنفيذ فالجريمة التى يستحيل تنفيذها يستحيل بدء تنفيذها هذا هو التعليل القانونى لعدم العقاب ولى فى مبادئ الشريعة ما يمنع قبول مثل هذا التعليل.

(3/66)


على أن فقهاء الشريعة إذا كانوا لم يذكروا شيئًا فى باب القتل عن عقاب من حاول جريمة مستحيلة فليس معنى ذلك أن العقاب غير جائز شرعًا لأن مبادئ الشريعة فى الواقع لا تمنع من العقاب على الشروع فى الجريمة المستحيلة إذا رأت السلطة التشريعية ذلك ما دام الفعل فى ذاته اعتداء، والتفسير الصحيح لسكوت الفقهاء هو أنهم فى باب القتل يتكلمون عن جريمة القتل والجرح المعاقب عليها بالقصاص والدية إذا ارتكبت فعلاً، فإذا حاول الجانى ارتكابها وأخفقت وسائله فى الوصول إلى النتيجة المنشودة فعوقبته التعزير وتقرير عقوبة التعزير وتقديرها متروك للسلطة التشريعية تحدده كما تشاء، فضلاً عن أنهم فى باب التعزير نصوا على أن التعزير جائز فى كل معصية ليس لها حد مقدر والشروع فى الجريمة المستحيلة معصية لم يرد فيها حد مقدر.
75 - وإذا كان من شأن الفعل أن يحدث الوفاة ولكنه لم يحدثها فعلاً فإما أن يكون ذلك راجعًا إلى أن الجانى لم يصب المجنى عليه أو لأنه أصابة وشفى من إصابته، فإذا كان الجانى حاول إصابة المجنى عليه وأخفق فى إصابته؛ كأن اطلق عليه مقذوفًا ناريًا أو رماه بسهم لم يصبه، أو ضربه بسيف فحاد عنه، فذلك هو ما يسمى بالشروع الخائب فى القوانين الوضعية. وعقوبته فى الشريعة الإسلامية التعزير؛ أى العقوبة التى تقدرها السلطات التشريعية لأن الفقهاء يرون التعزير فى الشتم وفى المواثبة.
ومعنى المواثبة: محاولة الاعتداء البسيط فمن باب أولى أن يعزز من حاول الاعتداء الجسيم.

(3/67)


وإذا كان فقهاء الشريعة لم يضعوا نظرية منظمة عن الشروع فى الجرائم كما فعل شراح القوانين فليس معنى ذلك أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الجريمة التامة والشروع فيها، إذ الواقع أنها فرقت بين الجريمة التامة والشروع من وقت نزولها، حيث جعلت التعزير فى نوعين من الجرائم؛ فجعلته أولاً فى كل جريمة لم يشرع فيها حد وجعلته ثانيًا فى كل جريمة شرع فيها حد إذا كانت الجريمة لم تتم؛ لأن الحد شرع فقط للجريمة التامة فيبقى ما دون التمام لعقوبة التعزير.
فمثلاً جريمة الزنا من جرائم الحدود وحدها الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وهى لا تتم إلا بالوطء، ومعناه دخول الحشفة أو قدرها فى الفرج، فإذا لم تتم الجريمة على هذا الوجه فلا رجم ولا جلد، وكانت العقوبة التعزير فيما دون الوطء؛ أى فيما دون تماما الجريمة.
وجريمة السرقة حدها القطع، وهى لا تتم إلا بإخراج المال من حرزه، فإذا ضبط المتهم قبل إخراج المال من الحرز عُزِّر ولم يقطع؛ لأن القطع لا يكون إلا بتمام الجريمة وهى لم تتم.
وكذلك جريمة القتل وحدها القصاص، ولا تتم إلا بفعل من الجانى يقع على المجنى عليه ويكون من شأنه إحداث الوفاة، فإذا بدأ المتهم جريمته وخاب أثرها لسبب لا دخل لإرادته فيه وجب التعزير. أما إذا أصيب المجنى عليه وشفى من إصابته فالفعل لا يعتبر فى الشريعة جريمة لم تتم، أو بتعبير آخر شروعًا فى قتل وإنما يعتبر جرحًا؛ لأن فعل الجانى كوّن جريمة تامة مستقلة هى جريمة الجرح، ولهذه الجريمة عقوبة خاصة فى حالة العمد هى القصاص كلما أمكن ذلك أو الدية فليس إذن ثمة ما يدعو لاعتبار الفعل جريمة لم تتم وتعزير الجانى عليه.

(3/68)


وقد أخذ القانون المصرى كغيره من القوانين الوضعية بهذه الطريقة فى جرائم الضرب، فإذا لم ترك الضرب عاهة مستديمة أو لم يؤد لوفاة المجنى عليه، فلا يعتبر الجانى شارعًا فى إحداث عاهة أو ضرب مفض لموت وإنما يعتبر ضاربًا أو جارحًا؛ لأن القانون يعتبر الضرب والجرح جريمة مستقلة أدنى مرتبة من إحداث العاهة والضرب المفضى للموت.
ولكن كلاً من القانون المصرى والفرنسى يختلف مع الشريعة فى حالة القتل العمد إذ يعتبر الجريمة التى لم تتم شروعًا فى قتل ولا يعتبرها جرحًا. فكأن هذين القانونين يؤاخذان الفاعل على فعله بحسب قصده من هذا الفعل، أما الشريعة فتؤاخذه على فعله طبقًا لنتيجة فعله، وليس لهذا الخلاف أهمية؛ لأنه فى تصوير الفعل القانونى والمهم أن كل تشريع يعاقب على الفعل بالعقوبة التى يراها مناسبة له.
76 - تطبيقات على الأفعال القاتلة: رأينا أن نورد أنواعًا مختلفة من الأفعال القاتلة ونبين آراء الفقهاء فيها تطبيقًا للقواعد التى سبق عرضها، فإن ذلك أحرى أن يثبت هذه القواعد فى ذهن القارئ ويساعد على فهم أسس الخلاف بين الآراء المختلفة.
77 - القتل بالمحدد: والمحدد هو كل آلة محددة جارحة أو طاعنة لها مَوْر فى البدن؛ أى تفرق أجزاء الجسم. ولا يشترط أن يكون المحدد من مادة معينة فيصح أن يكون من الحديد أو النحاس أو الرصاص أو الذهب أو الفضة أو الزجاج أو الخشب أو القصب أو العظم أو غير ذلك.
ومثل المحدد: السكين والرمح والبندقية والمسلة والسهم والقنبلة والسيف. وحكم المحدد أن الجانى إذا أحدث به جرحًا كبيراُ فأدى إلى الموت فهو قتل عمد لا خلاف فيه بين الفقهاء.

(3/69)


فاذا جرحه جرحا صغيرا كشرطة الحجام أو غرزة بإبرة أو شوكة فى غير مقتل فبقى خمنا - أى سقيمًا - حتى مات، أو مات فى الحال ففى المسألة رأيان عند الشافعى وأحمد: أولهما: ان القتل ليس عمدًا بل هو شبه عمدٍ، لأن الإبرة والشوكة والجرح لا تقتل غالبًا، ووسيلة القتل يجب أن تكون قاتلة غالبًا. ثانيهما: ان القتل عمد لأنه بمحدد، والمحدد لا تشترط فيه غلبة الظن فى حصول القتل، بعكس غير المحدد فلابد أن يكون قاتلاً غالبًا((1)).
وفى مذهب أبى حنيفة((2)) يرون القتل فى حالة الإبرة والشوكة شبه عمد لأن الآلة وإن كانت جارحة إلا أنها لم تُعَدَّ للقتل، فالإبرة مثلاً معدة للخياطة ولا يقصد بها القتل عادة. أما الحرح البسيط فى غير مقتل فهو قتل عمد إذا أدى للموت وكان من آلة قاتلة معدة للقتل.
ويرى مالك أن الجرح والغرز قتل عمد سواء كان فى مقتل أو فى غير مقتل، ما دام الفاعل متعمدًا ولم يأت بالفعل على وجه اللعب أو التأديب((3)).
وهكذا يتمسك كل بالشروط التى وضعها للآلة القاتلة. فالشافعيون والحنابلة يشترطون أن تقتل غالبًا بالرغم من أنها محدد، وإن كان بعضهم لا يرون هذا الشرط فى الآلة إذا كانت محددًا، والأحناف يشترطون أن تكون الآلة قاتلة ومعدة للقتل، أما مالك فلا يشترط شيئًا إلا أن يكون الفعل متعمدًا على وجه العدوان.
78 - القتل بالمثقل: والمثقل هو ما ليس له حد كالعصا والحجر. وآراء الفقهاء مختلفة فى المثقل.
فمالك يرى كل قتل بالمثقل هو قتل عمد، سواء كان المثقل يقتل غالبًا أو لا يقتل غالبًا، ما دام الفعل متعمدًا على وجه العدوان لا على وجه اللعب والتأديب.
__________
(1) نهاية المحتاج ح7 ص238 , المغنى والشرح الكبير ج9 ص320 , 321 , الإقناع ج4 ص163 .
(2) البحر الرائق ج8 ص287 - 289 .
(3) الشرح الكبير للدردير .

(3/70)