صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال:إن النبي صلي الله عليه وسلم قال:((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)),قال فقال بلابل بن عبد الله والله لنمنعهن, وفي لفظ مسلم:((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (1) .
هذا الحديث يقول النبي صلي الله عليه وسلم:((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)).
((استأذنت أحدكم امرأته))أي طلبت الإذن,وأحدكم يعني الواحد منكم وامرأته : يحتمل أن تكون الزوجة,ويحتمل أن تكون المرأة التي له عليها ولاية,مثل ابنته,أخته,أمه وما أشبه ذلك.
((إلى المسجد)):يعني المسجد الذي يصلي فيه الجماعة.
((فلا يمنعها)):أي لا يردها عنه بل يأذن لها.
((فقال بلال بن عبد الله)):هو أحد أبناء عبد الله بن عمر.
((قال والله لنمنعهن)) أقسم على ضد ما النبي صلي الله عليه وسلم.الرسول صلي الله عليه وسلم يقول:((لا تمنعوا)) وبلابل يقول(والله لنمنعهن) وهذا الكلام ظاهر المضادة والمخالفة لكلام رسول الله عليه وآله وسلم.
ولكن قصد بلابل غير المتبادر من لفظه,فقصده أن يمنعهن لفساد الناس وكثرة الفتن. ((فأقبل عليه عبد الله))يعني عبد الله بن عمر.
((فسبه سباً شديداً ما سمعته سبه مثله قط)) لماذا؟ لأن ظاهر لفظ بلابل مخالفة أمر النبي صلي الله عليه وسلم ومعارضته.

الجواب:جاء بلفظين لأن الرواة يجوزون الرواية بالمعنى فيكون بعضهم نقله بهذا الوجه,وبعضهم نقله على هذا الوجه والمعنى واحد.
ما يستفاد من هذا الحديث:
أولاً:أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا باستئذان زوجها لقوله:((إذا استأذنت)) ووجه الدلالة أن هذه الصيغة تدل على أن من عادتهم أن تستأذن المرأة من وليها أن تذهب إلى المسجد.
ثانياً:ليس للإنسان أن يمنع امرأة غيره فليس لي حق أن أمنع امرأة جارى أو امرأة قريبي إلا إذا كانت لي سلطة وولاية عليها.

(15/26)


ثالثاً:أن الرجل له أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد لقوله:((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) دل أن في المسجد ربما تسمع ذكراً أو موعظة فتستفيد,وأما غير المسجد فالغالب أنه لا فائدة منه.فيجوز للرجل أن يمنع زوجته من الخروج لغير المسجد.سؤال:هل للإنسان أن يمنع زوجته من الدراسة أو لا؟
الجواب:أن نقول إن كانت قد اشترطت عليه عند العقد أن تكمل الدراسة فإنه لا يجوز أن يمنعها لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) وأما إذا لم تشترط عليه ذلك فله أن يمنع؛لأن الظاهر أن المدارس حكمها حكم بقية الأمكنة بخلاف المساجد .
رابعاً:بيان حكم علة الحكم في تعبير النبي صلي الله عليه وسلم ((لا تمنعوا إماء الله,مساجد الله))ووجه ذلك أنه إذا كانت النساء إماء لله والمساجد بيوتاً لله,فليس لأحد أن يتدخل بينهن وبين المساجد التي لله.
خامساً:قوله:((مساجد الله)) ((إماء الله)) هذه إضافة فهل لله إماء,وهل لله مساجد؟
الجواب:الإضافة هنا من باب التكريم والعناية وإلا فمن المعلوم أن لله ملك السموات والأرض ولكن هذه الإضافة من باب التكريم والتشريف للمساجد.
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث لكن في الصحيحين قال:((وبيوتهن خير لهن))فيستفاد من هذا أن المرأة كلما كانت في بيتها فهو أفضل,حتى لو قالت أنا أريد أن أخرج إلى المسجد لأصلي مع الجماعة,قلنا لها إن صلاتك في بيتك أفضل وأحسن؛لأنه كلما بعدت المرأة عن الاختلاط بالرجال كان ذلك أبعد عن الفتنة.
والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
* * *
940 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الخروج للنزهة قبل المغرب مع أنه يستلزم أن لا يصلي الإنسان مع الجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا بأس بالخروج قبل المغرب للنزهة إذا لم يقصد الهرب من صلاة الجماعة,ولكن يجب عليه إذا سمع الأذان أن يحضر إلى المسجد .
* * *

(15/27)


941 سئل فضيلة الشيخ:عن حكم صلاة الرجل بأهله في السفر؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا بأس أن يصلي الرجل بأهله ومحارمه في السفر فقد كان النساء يحضرن الصلاة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم بأنس ,أمه , واليتيم (1).

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة وبركاته وبعد:
فلا يخفى على فضيلتكم وضع بعض الدوائر الحكومية,أو الشركات,أو المؤسسات الأهلية خاصة التي يوجد بها أكثر من مسجد أو مصلى بمبنى واحد ونحن في الحقيقة نعيش نفس هذه المشكلة حيث يوجد لدينا مصلى بمبنى الإدارة بالمركز يصلي فيه أفراد الإدارة وبعض المراجعين والزوار صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي في الظروف العادية,وبقية الأوقات الأخرى في الظروف الطارئة,وأثناء المرابطة والتي تستدعي التواجد بالمركز خلال الأربع وعشرين ساعة,علماً أنه يوجد مسجد خاص بالفرقة المستلمة على مدار الأربع وعشرين ساعة تقام فيه جميع الصلوات الخمس في اليوم والليلة وهو يستوعب العدد كامل نظراً لاتساع مساحته ونحن في حيرة من أمرنا هل تجوز صلاتنا بالمصلى الذي بمبنى الإرادة مع وجود المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس,كما أنني أنتهز هذه الفرصة للاستفسار عن موضوع آخر ألا وهو:الأذان في المساجد التي في الدوائر الحكومية سواء التي تقام فيها جميع الصلوات أو التي تقام فيها صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي للموظفين هل يجب الأذان في هذه المساجد مع سماع المؤذن من المساجد القريبة والمجاورة أو لا؟
أفيدونا أفادكم الله,وجزاكم الله عنا وعن المسلمين عامة خير الجزاء,والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الواجب عليكم أن تصلوا في المسجد المعد للصلاة فيه؛لأنه تقام فيه الصلوات الخمس.

(15/28)


وأما الأذان فلا يجب عليكم إذا كنتم تسمعون أذان المساجد التي حولكم,لكن الأفضل أن تؤذنوا؛لأن المسجد قائم فلا ينبغي أن يهمل الأذان فيه,ولأن آذانكم في مسجدكم أقرب إلى الانتباه للأفراد الذين عندكم. وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والسلام عليكم ورحمة وبركاته.28/12/1411هـ .

942 سئل فضيلة الشيخ: من المعلوم أن صلاة الجماعة في حق النساء غير واجبة,ولكن عندما تصلي المرأة مع الجماعة في المسجد,أو في الحرمين سواء كان في رمضان أو في غيره,أوفي المصليات الخاصة بمدارس البنات فهل يكون لها فضل الجماعة كما هو الحال في حق الرجل؟أرجو توضيح ذلك أحسن الله إليكم.
فأجاب فضيلته بقوله:المرأة ليست من ذوات الجماعة,أي ليست مأمورة بحضور الجماعة,وإنما ذلك على سبيل الإباحة فقط,إلا في صلاة العيد فإن النبي صلي الله عليه وسلم أمر أن تخرج النساء إلى صلاة العيد,ولكن غير متبرجات بزينة.
وإذا كان الأمر كذلك فإن التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنهم هم المدعون إليها على سبيل الوجوب,ولهذا كان لفظ الحديث:((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه,خمساً وعشرين ضعفاً)(1).
وعلى هذا فإن المرأة لا تنال هذا الأجر,بل إن العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفرادت عن الرجال في المصليات التي في البيوت,أو التي في المدارس.
فمنهم من قال:إنه تسن لهن الجماعة.
ومنهم من قال:إنه تباح لهن الجماعة.
ومنهم من قال:إنه تكره لهن الجماعة.
* * *
943 سئل فضيلة الشيخ:أناس لا يعرفون الصلاة مع الجماعة في المساجد إلا في شهر رمضان,وبقية الأشهر يصلون في المكتب,وقد أبلغناهم أنه لا يجوز هذا العمل.فلم يردوا علينا إلا بقولهم:إنكم أناس متشددون,ولا يعرفون الدين,وإن الدين يسر وليس عسراً,والأعمال بالنيات فهل من كلمة توجيهية حفظكم الله ورعاكم؟

(15/29)


فأجاب فضيلته بقوله:لابد أن ننظر لهؤلاء الذين يصلون في مكتبهم,هل عذر في ذلك أو لا,فإذا كان المسجد بعيداً عنهم والخروج إلى المسجد يشل حركة العمل,فإنهم في هذا معذرون ولهم أن يصلوا جماعة في مكاتبهم,ولكن يحسن أن يجتمع جميع من في المكتب على إمام واحد,وأما إذا لم يكن لهم عذر كأن كان العمل قليلاً,والمسجد قربياً منهم فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة لابد أن تكون في المساجد.
أما قولهم (إن الدين يسر)),فقد صدقوا بل قاله من قبلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم.ولكن يسر الدين ليس تبعاً للهوى,بل هو تبع لما جاءت به الشريعة,والشريعة كلها يسر سهولة,فإذا كان المسجد قريباً والشغل خفيفاً قليلاً,فأي عسر في أن يخرج الإنسان من مكتبه على المسجد ويصلي فيه,أما إذا كان بعيداً والشغل كثيراً بحيث إذا خرج الإنسان صار الشغل مشلولاً بخروجه فهنا التيسير أن يصلوا في مكاتبهم جماعة كما ذكرنا آنفاً.
* * *
944 سئل فضيلة الشيخ:شباب لديهم استراحة يجلسون بها وهم في الغالب يتعدون عشرة أشخاص والمسجد يبعد عنهم حوالي ثلاثمائة متر,هل تلزمهم صلاة الجماعة في الاستراحة مع الاعتراف بأفضيلة صلاة المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله:يرى بعض العلماء أن الواجب إقامة الجماعة سواء في المسجد أو في غيره,ولكن الراجح أنه يجب أن تقام صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين ولو كانوا لا يسمعون الأذان لولا مكبر الصوت ففي هذه الحال لا يلزمهم الحضور فإنهم يصلون جماعة في مكانهم سواء صلوا قبل صلاة الإمام بعده.
* * *
945 سئل فضيلة الشيخ:ابني في الحادية عشرة من عمره,فهل أنا ملزمة بإيقاظه لأداء صلاة الصبح مع الجماعة أو أتركه حتى يصل إلى سن البلوغ,الخامسة عشرة.خصوصاً وأنني أجد صعوبة في إيقاظه؟

(15/30)


فأجاب فضيلته بقوله:الظاهر أنه يجب أن توقظيه للصلاة مع الجماعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)) (1) فهي وإن وجدت صعوبة فإنها مأجورة على هذه التي تجدها.
* * *
946 سئل فضيلة الشيخ:يحضر بعض المصلين إلى المسجد ومعهم صبيانهم الذين لم يبلغوا سن التمييز وهم لا يحسنون الصلاة ويصفون مع المصلين في الصف وبعضهم يعبث ويزعج من حوله,فما حكم ذلك؟وما توجيهكم لأولياء أمور أولئك الصبيان؟
فأجاب فضيلته بقوله:الذي أرى أن إحضار الصبيان الذين يشوشون على المصلين لا يجوز؛لأن في ذلك أذية للمسلمين الذين يؤدون فريضة من فرائض الله,وقد سمع النبي صلي الله عليه وسلم بعض أصحابه يصلون ويجهرون بالقراءة فقال صلي الله عليه وسلم ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن)) (2) .

وفي الحديث آخر قال صلي الله عليه وسلم (فلا يؤذين بعضكم بعضاً)(1) فكل ما فيه أذية للمصلين فإنه لا يحل للإنسان أن يفعله.
فنصيحتي لأولياء أمور هؤلاء الصبيان أن لا يحضروهم إلى المسجد وأن يسترشدوا بما أرشد إليه النبي صلي الله عليه وسلم حيث قال (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)).
كما أنني أيضاً أوجه النصيحة لأهل المسجد بأن تتسع صدورهم للصبيان الذين يشرع مجيئهم إلى المسجد,وأن لا يشقوا عليهم,أو يقيموهم من أماكنهم التي سبقوا إليها,فإن من سبق إلى شيء فهو أحق به,سواء كان صبياً,أو بالغاً,فأقامه الصبيان من أماكنهم في الصف فيه:
أولاً:إهدار لحقهم؛لأن من سبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد من المسلمين فهو أحق به.
وثانياً:فيه تنفير لهم عن الحضور إلى المساجد .
وثالثاً:فيه أن الصبي يحمل حقداً أو كراهية على الذي أقامه من المكان الذي سبق إليه.

(15/31)


ورابعاً:أنه يؤدي إلى اجتماع الصبيان بعضهم إلى بعض فيحصل منهم من اللعب والتشويش على أهل المسجد ما لم يكن ليحصل إذا كان الصبيان بين الرجال البالغين.وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصبي يقام من مكانه حتى يكون الصبيان في آخر الصف,أو في آخر صف المسجد استدلالاً بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) (2) فإنه قول مرجوح معارض بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه فهو أحق به)) (3) .والاستدلال بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) لايتم؛لأن معنى الحديث:حث أولي الأحلام والنهى على التقدم حتى يلوا النبي صلي الله عليه وسلم لأنهم أقرب إلى الفقه من الصغار,وأتقن لوعي ما رأوه من النبي صلي الله عليه وسلم أو سمعوه,ولم يقل النبي صلي الله عليه وسلم لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى.ولو قال (لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى)) لكان القول بإقامة الصبيان من أماكنهم في الصفوف المتقدمة وجيهاً.لكن الصيغة التي جاء بها الحديث هي أمره لأولي الأحلام والنهى أن يتقدموا حتى يلوا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
* * *

947 سئل فضيلة الشيخ: في هذا الزمان كثرت مكبرات الأصوات فنحن نسمع النداء للصلاة,ولكن من مساجد بعيدة جداً عن حينا.ويشق علينا الذهاب إليها,فهل ينطبق علينا قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي (هل تسمع النداء))؟قال:نعم,قال ((فأجب)) (1)
وما حكم إذا كان المسجد في منطقة جبلية وعرة والصعود إلى هذه المنطقة صعب جداً,وإذا حاولنا الصعود لا نصل إلا إذا أقيمت الصلاة وفاتنا بعض الركعات هل يكفينا أن نصلي في المنزل؟

(15/32)


فأجاب فضيلته بقوله:الأصل أن المرأة لا تحضر الصلاة. ولكن الرجل يلزمه أن يحضر الجماعة إذا سمع النداء,ولكن النداء ليس الذي عبر مكبر الصوت؛لأن مكبر الصوت لو أخذنا به لكان يسمع من بعيد كما قلت,إنما المراد أنه لو كان الأذان بغير مكبر الصوت لسمعه هؤلاء وحينئذ وجب عليهم الحضور,وكذلك إذا كان الطريق المسجد وعراً لا يتمكنون الوصول إلى المسجد إلا بمشقة شديدة,ولا يتمكنون من الوصول إلى المسجد إلا بعد أن تمت الجماعة الصلاة.فإنه لا يلزمهم بهذا الحال,ويصلون جماعة في مكانهم,لقول الله ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(التغابن: من الآية16) .
* * *

948 سئل فضيلة الشيخ: يبعد المسجد عن مقر العمل قرابة أربعمائة متر,فبعض الأخوان في العمل قالوا:نضع مصلى في أحد المكاتب نصلي فيه؛لأن المسجد بعيد وهم يتأذون من حرارة الشمس عند الذهاب إليه,فهل هذا العمل صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله:الأصل الصلاة في المساجد,ولا بأس أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل,أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون,وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم,فالمهم إذا كان هناك مصلحة,أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج.
* * *
949 سئل فضيلة الشيخ: قال الخطيب في خطبة الجمعة:إن الصلاة في جماعة المسجد تعادل سبعاً وعشرين صلاة,وهذا معروف,لكنه قال:إن الله لا يقبل صلاة الفرد خارج المسجد
ويكون من المشركين والعياذ بالله.فهل هذا صحيح؟مع ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة؟وما حكم الصلاة في المنزل أو في أي مكان خارج المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله:الشق الأول من سؤالك تقول:إن الخطيب ذكر أن صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين صلاة,وهو كما قال.
الشق الثاني قوله:(إن من صلى فإنه لا صلاة له,ويكون مشركاً)).

(15/33)


وقوله : (يكون مشركاً)) لا يصح هذا الكلام,اللهم إلا بالمعنى الأعم, أن كل من اتبع هواه بمخالفة أمر الله عز وجل فإنه يكون فيه نوع من الإشراك,لكنه ليس هو الشرك الذي يطلق عليه أنه شرك في القرآن,والسنة,وكلام أهل العلم.
وأما قوله:(بأنها لا تقبل صلاته))فإن هذا قول لبعض أهل العلم,أن من صلى في بيته بدون عذر فإنه لا صلاة له؛وهذا القول ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله – وهو رواية عن الإمام أحمد,اختارها ابن عقيل أحد أتباع الإمام أحمد – رحمه الله- وحجة هؤلاء من الأثر والنظر.
أما الأثر فهو ما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) (1) .
وأما من النظر فقالوا:إن صلاة الجماعة واجبة,وإن من ترك واجباً في العبادة بدون عذر بطلت تلك العبادة بهذا الترك.
ولكن هذا القول مرجوح,والراجح أن المصلي في بيته تاركاً للواجب من غير عذر آثم وعاص,وإذا أستمر على ذلك صار فاسقاً تسقط ولايته وشهادته,كما ذهب إليه كثير من أهل العلم,ولكن صلاته تصح,ويدل لذلك حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة (2) ,في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ,فإن التفضيل لصلاة الجماعة يدل على أن في صلاة الفذ أجراً,ومادام فيها أجر فإنه يدل على صحتها,لأن ثبوت الأجر فرع عن الصحة,إذ لو تصح لم
يكن فيها أجر,لكنه بلا شك آثم عاص يعاقب على ذلك إلا أن يتوب إلى الله عز وجل,أو يعفو الله عنه.

وعلى كل حال فإن البيت بدون عذر أمر محرم,لا يحل للمسلم فعله,ولهذا قال ابن مسعود – رضي الله عنه - (ما يتخلف عنها إلا منافق أو معذور)) (1) ,والمؤمن لا ينبغي له أن يتصف بعمل المنافقين,الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
وأما إذا أقامها جماعة في البيت فهذا محل خلاف بين أهل العلم أيضاً.
فمهنم من رخص له في ذلك,وقال:إن الجماعة قد حصلت, وهذا هو المقصود,ولكن هذا القول الضعيف.

(15/34)


والصواب أنه لابد أن يصلي الإنسان في المسجد,ولا يجوز له التخلف حتى ولو صلى جماعة في البيت,وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال(لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام,ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس,ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) (2) . فقوله((إلى قوم))يشمل ما إذا صلوا في بيوتهم جماعة,أو كل واحد منهم منفرداً.
ثم إنه ثبت في صحيح مسلم أن ابن أم مكتوم قال:يا رسول الله:إنني رجل أعمى,وليس قائد يقودني إلى المسجد,فرخص له النبي صلي الله عليه وسلم,فلما ولى دعاه وقال له صلي الله عليه وسلم (أتسمع النداء))؟قال: نعم,قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (3) , فلو كان يجوز أن يقيم الجماعة قي بيته لأرشده النبي صلي الله عليه وسلم إلى ذلك,ولم يأمره بالحضور إلى المسجد,ثم إن الجماعة إذا أقيمت في البيت,فات بعض المقصود من مشروعيتها وإيجابها على المسلمين.

فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يحضر إلى بيوت الله عز وجل ويؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين,وأن يخرج من بيته متطهراً,قاصداً المسجد فإنه إذا فعل ذلك لم يخرجه إلا للصلاة,لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة,وحط عنه بها خطيئة,فإذا دخل المسجد وصلى فإن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه,تقول:اللهم صل عليه,اللهم اغفر له,اللهم ارحمه,ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة,كما ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة (1) , فلا ينبغي للمسلم أن يفرط في هذه المثوبة العظيمة,فإنه سوف يحتاج إليها في يوم لا يستطيع أن يحصل عليها,نسأل الله تعالى أن يعيننا و إخواننا المسلمين على ذكره,وشكره,وحسن,عبادته.والله الموفق.

* * *

50 سئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلى؟وما هو ضابط المسجد؟وماذا لو أذن جماعة من الناس للصلوات الخمس وأقاموا الصلاة وصلوا أيصبح هذا المكان مسجداً؟

(15/35)


فأجاب فضيلته بقوله:أما بالمعنى العام فكل الأرض مسجد,لقوله صلي الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (1) .
وأما بالمعنى الخاص فالمسجد ما أعد للصلاة فيه دائماً,وجعل خاصاً بها سواء بني بالحجارة والطين والأسمنت أم لم يبن,وأما المصلى فهو ما اتخذه الإنسان ليصلي فيه,ولكن لم يجعله موضعاً للصلاة دائماً,إنما يصلي فيه إذا صادف الصلاة ولا يكون هذا مسجداً,ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيته النوافل,ولم يكن بيته مسجداً,وكذلك دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى ولم يكن ذلك مسجداً (2) ,فالمصلى ما أعد للصلاة فيه دون أن يعين مسجداً عاماً يصلي فيه الناس ويعرف أنه قد خصص لهذا الشيء.
* * *
951 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان في بيته مع الأذان والإقامة جميع الفروض هل يعد ذلك مسجداً؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا يعد مسجداً.
* * *

952 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من يتخلف عن صلاة الجماعة؟وما حكم من يقول:إذا نصح(الصلاة بكيفي إن شئت صليت وإن لم شئت لم أصل)؟
فأجاب فضيلته بقوله:المتخلفون عن الجماعة عاصون لله ورسوله لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ )(النساء: من الآية102).

(15/36)


ولقوله صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء,وصلاة الفجر,ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً,ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام,ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس,ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) ,وقال ابن مسعود رضي الله عنه:(ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق,ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى في الصف)) (2) , وهذا دليل على أن صلاة الجماعة من أجل الطاعات وأعظم القربات.
لكن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
1. فمنهم من قال:إنها شرط لصحة الصلاة,أن من صلى في بيته بدون عذر شرعي فإن صلاته باطلة,وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن عقيل – رحمهما الله -.
2. ومنهم من قال:إنها فرض عين,وإن تركها يأثم.
3. ومنهم من قال:إنها فرض كفاية,فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين.
4. ومنهم من قال:إنها مؤكدة وفسروها بأن تاركها يأثم.
والصواب أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز التخلف عنها,وأن المتخلف عنها آثم وعاص لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم(صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)(1) ولو كانت صلاة الفذ لا تصح ما كان فيها فضل,ولا يصح مع الجماعة يكتب له الأجر كاملاً إذا تخلف عن الجماعة لعذر.
وقول هذا الرجل الذي يدعوه صاحبه إلى الصلاة مع الجماعة يقول :بكيفي إن شئت صليت وإن شئت لم أصل).
إن أراد بهذا ترك الصلاة بالكلية فهو على خطر عظيم يخشى أن تكون كلمته هذا كفراً,لأنه كالمنكر لوجوب الصلاة,ومنكر وجوب الصلاة كافر.
وإن عني بذلك صلاة الجماعة فيجب أن يعلم أن صلاة الجماعة ليست بكيف الإنسان, بل هي واجبة يجب أداؤها على المسلم مع المسلمين,إلا أن يكون من أهل الأعذار.
* * *

رسالة

(15/37)


من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .وبعد:
كتابكم الكريم وصلني,سررت بصحتكم,وحسن أحوالكم,نحن ولله الحمد بخير,نسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من فضله,وأن يرزقنا شكر نعمته,وحسن عبادته.
سؤالكم عن حكم إقامة الجماعة في مبنى الكلية.
جوابه:وبالله التوفيق ومنه العصمة.هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال:
أحدهما:أن الواجب إقامة الجماعة في أي مكان سواء في المساجد,أو البيوت,أو المدارس,أو مكان العمل,أو غير ذلك.
والثاني:أن الواجب إقامتها في المساجد خاصة.
والثالث:أن الواجب إقامتها في المساجد إن كانت قريبة وإلا فلا.
وهذه الأقوال عند القائلين بوجوب الجماعة.
وظاهر الأدلة يشهد للقول الثاني وهو أن الواجب إقامتها في المسجد إلا لعذر,كبعد يشق معه حضور الجماعة,وكإخلال في العمل كما يتعلل به من يقيمون الجماعة في محل أعمالهم بحجة أنهم لو خرجوا إلى المساجد لفات من العمل,أو تخلف بعض الموظفين فلم يرجعوا أو نحو ذلك مما يقال.ويدل على ذلك:
1. ما أخرجه البخاري ص131 جـ 2 فتح ط السلفية عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً,وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء, ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) وذكر تمام الحديث (1) ,فتأمل قولهصلي الله عليه وسلم (خرج إلى المسجد)) فدل على أن الجماعة هي جماعة المسجد,وأخرج ص141 من الجزء المذكور من حديثه أيضاًصلي الله عليه وسلم (ثم آخذ شعلاً من نار , فأحرق على من لا يخرُجُ إلى الصلاة بعدُ)). فتأمل قوله(على من لا يخرج إلى الصلاة).

(15/38)


2. ما أخرجه ص 156 من الجزء المذكور عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال:ألا صلوا في الحال , ثم قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول:ألا صلوا في الرحال)) (2).فخص الإذن الصلاة في الرحال,وعمومه ولو جماعة بما إذا كانت الليلة ذات برد ومطر فدل على وجوب حضور الجماعة في المسجد إذا لم يكن عذر. وحديث (إذا صليتما في رجالكما,ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم)) (3) لا يدل على جواز إقامة الجماعة في الرحل مطلقاً لجواز أن يقيمها في الرحل خوفاً من فوات جماعة المسجد أو غير ذلك,وعلى كل حال فهو في محل احتمال واشتباه فلا يعارض به المحكم.
3. ما رواه مسلم ص 490 – 491 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال:(جمع النبي صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)) (1) . وجه الدلالة منه أن الصلاة في غير وقتها لا تجوز والجمع بينها وبين الأخرى إخراج لها عن وقتها,ومن الممكن تلافيه إذا صلى الناس في بيوتهم جماعة أو فرادى,فلولا وجوب الحضور للمسجد لفعل الجماعة فيه ما جاز الجمع الذي يتضمن إخراج الصلاة عن وقتها.
4. ما رواه البخاري ص 519 جـ 1 فتح ط السلفية عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك قال : (يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي,فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم)) (2) وذكر الحديث. وجه الدلالة منه أنه لو لم يكن حضور المسجد واجباً لأمكنه أن يقيم الجماعة في بيته,لاسيما على قول من يقول بانعقاد الجماعة بالأنثى فيمكنه أن يقيمها بأهله في بيته.

(15/39)


5. ما رواه البخاري ص 74 جـ 5 فتح ط السلفية عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام,ثم أخالف إلى المنازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم)), ولم يفرق النبي صلي الله عليه وسلم بين ما إذا صلوها قي منازلهم جماعة أو فرادى ...ورواه أبو داود ص 130 ج 1ط الحلبي وفيه(ثم آتي قوم يصلون في بيوتهم,ليست بهم علة فأحرقها عليهم)) . وظاهر كانوا يصلون جماعة.
6. ما رواه مسلم ص 452 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال:أتى النبي صلي الله عليه وسلم رجل أعمى فقال:يا رسول الله,إني ليس لي قائد يقودني إلى المسجد,فسأل رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له,فلما ولى دعاه فقال صلي الله عليه وسلم (هل تسمع النداء))؟ قال: نعم قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (1) .ولو كانت الجماعة في البيت مجزئه لأرشده إليها لأنها أهون عليه وأسهل.
7. ما رواه مسلم ص 453 الكتاب المذكور عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى,وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه))وفي رواية(ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم,وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور,ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة,ويرفعه بها درجة,ويحط عنه بها سيئة,ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.

ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) (1)
وفي رواية أبي داود ص 130 جـ 1 ط الحلبي (وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته ولو صليتم في بيوتكم,وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم صلي الله عليه وسلم)) (2) .

(15/40)


فهذه الأدلة الأثرية تؤيدها الأدلة النظرية:فإن صلاة الجماعة لو لم تجب في المساجد لفاتت بها مصلحة هامة:من إظهار الشعائر واجتماع المسلمين,والتعارف بينهم,وهداية ضالهم,وتقويم معوجهم, وحصل بذلك مفاسد كبيرة:من تعطيل المساجد,وتفريق المسلمين,وفتورهم عن الصلاة,وغير ذلك لمن يتأمل.
وقال الإمام أحمد – رحمه الله – في رسالة الصلاة ص 373 مجموعة الحديث ط السلفية:وأمروا رحمكم الله بالصلاة في المساجد من تخلف عنها,وعاتبوهم إذا تخلفوا عنها,وأنكروا عليهم بأيديكم,فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم,واعلموا أنه لا يسعكم السكوت عنهم؛لأن التخلف عن الصلاة من عظيم المعصية,ثم ذكر الحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – وقال:فلو لا أن تخلفوا عن الصلاة في المسجد معصية كبيرة عظيمة ما تهددهم النبي صلي الله عليه وسلم بحرق منازلهم, ثم ذكر أثر عمر في المتخلفين وقوله:ليحضرن المسجد أو لأبعثن إليهم من يجافي رقابهم .ا.هـ .

وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – في الأم ص 154 ج 1 ط دار المعرفة:فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر .ا.هـ .
وقال ابن قيم – رحمه الله – في كتاب الصلاة له ص 461 مجموعة الحديث ط السلفية:ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر,وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار,ثم ذكر خطبة عتاب بن أسيد في أهل مكة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقوله:يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحداً منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربت عنقه,ثم قال ابن قيم:فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر ا.هـ .كلامه .

(15/41)


وقال المجد في المحرر ص 91 _ 92 ج 1 ط السنة المحمدية:وفعلها في المسجد فرض كفاية,وعنه فرض عين,قال في النكت عليه:وزاد غير واحد على أنها فرض عين على القريب منه,وقطع به في الرعاية ودليل هذا واضح .ا.هـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص 225 مج 23 مجموع ابن قاسم:والمقصود هنا أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات وأجل القربات .ا.هـ .
أما ابن حزم فإنه يرى أنها لا تجزئ صلاة فرض من رجل يسمع الأذان إلا في المسجد مع الإمام,فإن كان لا يسمع الأذان صلى جماعة في مكانه إن وجد أحداً,وإلا أجزأته الصلاة وحده,صرح بذلك في المحلى ص 188 ج 4 ط المنيرية.
هذا ما تيسرت كتابته على سؤالكم نرجو الله تعالى أن يكون فيه البيان والشفاء إنه جواد كريم,والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في 21/1/1401هـ .
* * *
953 سئل فضيلة الشيخ:إذا فاتت الركعة الأولى أو الثانية مع الجماعة فهل يقرأ القاضي لصلاته سور مع الفاتحة باعتبارها قضاء لما فاته أو يقتصر على قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله:الصحيح أن ما يقضيه المأموم من الصلاة بعد سلام إمامه هو آخر صلاته,وعلى هذا فلا يقرأ فيه إلا الفاتحة إذا كان الفائت ركعتين,أو ركعة في الرباعية,أو ركعة في المغرب,أما الفجر فيقرأ الفاتحة وسورة؛لأن كلتا الركعتين تقرأ فيهما الفاتحة وسورة.
* * *
954 سئل فضيلة الشيخ: ماحكم من يقيم جماعة ثانية في المسجد,علماً بأن الجماعة الأولى لم تنته من الصلاة؟وهل تعتبر صلاتهم باطلة؟
فأجاب فضيلته بقوله:الأولى إذا جئت و الأمام في التشهد الأخير وأنت معك جماعة,أن لا تبدءوا بالصلاة حتى تتم الجماعة
الأولى,لئلا يجتمع جماعتان في آن واحد,ولكن إذا فعلوا ذلك وكانوا بعيدين من الجماعة الأولى,لا يشوشون عليهم فلا بأس بهذا.

(15/42)


وننتقل من هذه المسألة إلى المسألة أخرى وهي:ما إذا جئنا إلى المسجد ونحن لم نصل صلاة العشاء الآخرة,ووجدنا هم يصلون صلاة التراويح,فإننا ندخل معهم في صلاة التراويح بنية العشاء,ثم إن كنا مسافرين,فإننا نسلم مع الإمام إذا كنا قد صلينا الركعتين,وإن كنا مقيمين أتينا بما بقي من صلاة العشاء,ولا نقيم جماعة أخرى لصلاة العشاء,لأنه لا ينبغي أن يكون جماعتان في مسجد واحد,فأن هذا عنوان التفرق,حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سلم ذات يوم ووجد رجلين معتزلين لم يصليا في رحالنا.قال (ما منعكما أن تصليا))؟قالا:يا رسول الله صلينا في رحالنا.قال (لا تفعلا,إذا صليتما في رحالكم,ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم)) فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يصليا مع الناس وإن كانا قد صليا في رحالهما,لئلا يحصل التفرق,وقال(إنها لكما نافلة)(1) .
* * *
955 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تكرر الجماعة في المسجد واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله:إقامة جماعة ثانية في مسجد واحد على ثلاثة أقسام:

الأول:أن يكون المسجد مسجد طريق كالذي يكون على خطوط المسافرين فلا إشكال في إقامة جماعة ثانية إذا فاتت الأولى,لأنه ليس له إمام راتب بل من جاء صلى.
القسم الثاني:أن تكون إقامة الجماعتين راتبة بحيث يجعل للمسجد إمامان أحدهما يصلي أول الوقت,والثاني آخره,فهذا بدعة لا إشكال فيه,لأنه لم يرد عن السلف,وفيه تفريق الناس,وإدخال الكسل عليهم.

(15/43)


القسم الثالث:أن تكون إقامة الجماعتين عارضة بحيث يأتي جماعة بعد انتهاء الجماعة الأولى فإقامة الجماعة الثانية هنا أفضل من الصلاة فرادى لقول النبي صلي الله عليه وسلم (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده,وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ,وما كان أكثر فهو أحب إلى الله))(1) . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه (من يتصدق على هذا فيصلي معه)) (2) ؟يريد رجلاً دخل وقد فاتته الصلاة,فقام أحد القوم فصلى معه,فهنا أقيمت الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى,ولو كانت غير مشروعة ما ندب النبي صلى الله عليه وسلم إليها.
ولا يصح القول بأن المبرر لها أن صلاة الثاني نفل؛لأن المقصود الذي هو محل الاستدلال إقامة الجماعة الثانية وقد حصل,ولأنه إذا ندب إلى إقامة أولى,ثم إنه هل يمكن لو كان مع الرجل الداخل الرجل آخر فأقاما الجماعة أن يمنعهما النبي صلى الله عليه وسلم من إقامتها مع أنه صلى الله عليه وسلم ندب من كان قد صلى أن يقوم مع الداخل ليقيما الجماعة ؟!
وبهذا يتبين أنه لا وجه لإنكار إقامة الجماعة الثانية في هذا القسم وهو – أعني إقامتها – هو الذي درج عليه علماؤنا لوضوح الدليل فيه,والله أعلم.حرر 8/10/1417هـ .
* * *

956 سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيمن يقول في إقامة الجماعة الثانية وفي الحديث ((ألا رجل يتصدق على هذا))(1) إن هذا الحديث فيه متصدق عليه,واللذان تأخر عن الصلاة فأقاما جماعة ثانية؛لأن الأصل في العبادة المنع؟أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

(15/44)


فأجاب فضيلته بقوله:من قال إن الأصل في إقامة الجماعة الثانية المنع نطالبه بالدليل.فهل جاء عن رسول صلى الله عليه وسلم حرف واحد يقول:لا تعيدوا الجماعة؟ثم إذا كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر واحداً يقوم ليصلي مع هذا المتخلف مع أنه أدى الواجب الذي عليه,فكيف إذا دخل اثنان فاتتهم الجماعة,فالاثنان مطالبان بالجماعة,فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أقام من لم يطالب بالجماعة أن يصلي مع هذا,فكيف نقول لمن تلزمه الجماعة لاتصل جماعة؟! هذا قياس منقلب.وأما تسميتها صدقة فنعم,لأن الرجل الذي يقوم معه قد أدى الواجب الذي عليه,فصلاته الثانية تكون صدقة,ولو كانت إقامة الجماعة الثانية ممنوعة ما أجاز النبي صلي الله عليه وسلم الصدقة فيها,لأن الصدقة التي تستلزم فعل المحرم لا تجوز,فلا يمكن أن نفعل مستحباً بانتهاك محرم.

فالمهم أن هذا تعليل لا شك أنه عليل بل أقول:إنه تعليل ميت لا روح إطلاقاً,لكنهم استدلوا بأن ابن مسعود جاء مع أصحابه يوماً وقد فاتتهم الصلاة,فانصرف وصلى في بيته,لكن ليس في فعل ابن مسعود – رضي الله عنه – حجة مع وجود السنة,هذه واحدة.
ثانياً:روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود. ذكره صاحب الفتح الرباني.وقال:إسناده صحيح.
ثالثاً:هل ابن مسعود – رضي الله عنه – رجع إلى بيته وصلى لأن الصلاة الثانية لا تقام في المسجد؟أو لسبب آخر؟لا ندري.
ربما ابن مسعود – رضي الله عنه – خاف أن يقيم الجماعة الثانية وهو من خواص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيغتدي به الناس,ويتهاونون بشأن الجماعة ويقولون هذا ابن مسعود – رضي الله عنه – تفوته الجماعة فنحن من باب أولى.وربما كان ابن مسعود – ه – انصرف إلى بيته خشية أن يقع في قلب إمام المسجد شيء فيقول الإمام:ابن مسعود تأخر ليصلي بأصحابه؛لأنه يكره إمامتي مثلاً,فيقع في قلبه شي.

(15/45)


فالحاصل أنه لم يعرف السبب الذي من أجله ترك ابن مسعود رضي الله عنه – إقامة الجماعة الثانية,وإذا كنا لاندري ما السبب دخل مسألة الاحتمال,والعلماء يقولون:إن الدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال .
ولكن كما قلت أولاً:عندنا حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر فيه بإقامة الجماعة الثانية لفوات الأولى,وقال أيضاً (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده)) (1).وهذا عام,ولهذا أود من طلبة العلم أن لا يأخذوا العلم من رجل واحد,فيعتقدوا أنه معصوم من الخطأ,لو كان أحد معصوماً لكان أول من يعصم الصحابة – رضي الله عنهم – وهم يقع منهم الخطأ.
وعلى كل حال الذي نرى أن إقامة الجماعة الثانية من السنة إذا لم يكن ذلك عادة,وأما جعل ذلك أمراً راتباً فهذا هو الذي يكون من البدعة,كما كان في السابق يصلي في المسجد الحرام أربعة أئمة؛إمام للحنابلة,إمام للشافعية,إمام للمالكية,إمام للحنفية,لكن لما استولى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – على مكة ألغى هذا وقال:لايمكن أن يكون في المسجد واحد أربعة أئمة,لأربع جماعات,فثبت إماماً واحداً وهذا هو عين الصواب فرحمه الله.
957 سئل فضيلة الشيخ: هل تشرع الجماعة الفوائت؟وهل يجهر الإمام في الفائتة؟
فأجاب فضيلته بقوله:صلاة الجماعة مشروعة في الفوائت يعني لو أن قوماً فاتتهم الصلاة فإنهم يصلونها جماعة,وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث,ومن ذلك حديث شغل عن صلاة العصر يوم الخندق,فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش,وقال:يارسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب,فقال النبي صلي الله عليه وسلم (والله ما صليتها)) قال:فقمنا إلى بطحان فتوضأنا لها,فصلى العصر بعدما غربت الشمس,ثم صلى بعدها المغرب (2) .

(15/46)


وتقضي حسب الصلاة فإن كان يقضي صلاة جهرية جهر في القضاء ,وإن كان يقضي صلاة سرية سر بالقضاء,وهكذا جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره حين ناموا عن صلاة الفجر فاستيقظوا في حر الشمس فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلوا الصلاة فأمر بلابل فأذن,ثم صلوا سنة الفجر,ثم صلوا الفجر يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم , فدل ذلك على أن القضاء مثل الأداء.
ولهذا من العبارات المقررة عند الفقهاء (القضاء يحكي الأداء) أي يشابهه ويماثله.
* * *
958 سئل فضيلة الشيخ:عن مصل دخل و الإمام في التشهد الأخير فهل يدخل مع الجماعة أو ينتظر جماعة أخرى؟أفتونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخل الإنسان والإمام في التشهد الأخير فإن كان يرجو وجود جماعة لم يدخل معه,وإن كان لا يرجو ذلك دخل معه؛لأن القول الراجح أن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بركعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . وكما أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة فكذلك الجماعة,فإذا أدرك الإمام في التشهد الأخير لم يكن مدركاً للجماعة,فينتظر حتى يصليها مع الجماعة التي يرجوها,أما إذا كان لا يرجو جماعة فإن دخوله مع الإمام ليدرك ما تبقى من التشهد خير من الانصراف عنه.
* * *
959 وسئل فضيلته – حفظه الله تعالى - :هل تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد الأخير أم بإدراك ركعة كاملة؟وهل الأفضل لمن لم يدرك إلا التشهد الأخير مع الإمام أن يدخل معه أم ينتظر,ولو أنه دخل قدر مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة أخرى فهل يجوز له قطع صلاته أو قلبها نفلاً والدخول مع الجماعة الأخيرة؟وهل يختلف الحكم إذا كان ناوياً
لذلك من الأول؟

(15/47)


فأجاب فضيلته بقوله:الصواب أن جميع إدراكات الصلاة لا تكون إلا بركعة,لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) . فصلاة الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة,ولكن إدراك ما دون ركعة خير بعدم الإدراك بالكلية,وعلى هذا فإذا أتى والإمام في التشهد الأخير فالأولى الدخول معه ما لم يعرف أنه يدرك جماعة أخرى,فإن عرف ذلك لم يدخل مع الإمام وصلى مع الجماعة الأخرى سواء كانت جماعة لفي مسجد آخر أو في المسجد الذي أدرك فيه إمامه في التشهد الأخير.
وإذا قدر أن دخل مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة فله قطع الصلاة ليدرك صلاة الجماعة من أولها في الجماعة الأخرى,وله أن يكمل صلاته وحده.
وقول السائل:هل يختلف الحكم فيما إذا كان ناوياً ذلك من الأول أم لا؟لم يتبن لي معناه.
* * *
960 سئل فضيلة الشيخ:من صلى الفريضة منفرداً ثم وجد جماعة فهل يعيد الصلاة معهم؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا صلى الإنسان فريضته منفرداً ثم حضر جماعة بعد تمام صلاته فقد أدى الفريضة بصلاته الأولى,ولكنه يستحب أن يعيد الصلاة مع هؤلاء الجماعة الذين حضروا لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا صليتما في رحالكما,ثم أتيتما مسجداً جماعة
فصليا معهم فإنها لكما نافلة)) (1) .
فعلى هذا نقول تعيد الصلاة مع هؤلاء الحاضرين وتكون الصلاة الثانية نفلاً,وأما الصلاة الأولى فإنها فرض.
* * *
961 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فهل يجوز أن يصلي به إمام المسجد؟أفتونا وفقكم الله وجزاكم خيراً.

(15/48)


فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخل رجل وقد فاتته صلاة الجماعة فلا بأس أن يصلي به إمام المسجد إماماً,فتكون لإمام المسجد نافلة وللداخل فريضة,وصلاة المتنفل بالمفترض جائزة على القول الصحيح ,لأن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قوم فيصليها بهم,له نافلة,ولهم فريضة ثبت ذلك في الصحيحين (2) وغيرهما,ولم ينهه الله ولا رسوله عن ذلك .
* * *
962 سئل فضيلة الشيخ: - أعلى الله درجته في المهديين -:
عن إعادة الجماعة في المسجد لمن فاتتهم صلاة الجماعة مع الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله:إعادة الجماعة لمن فاتتهم صلاة الجماعة الأم سنة؛لأن رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلى عليه وعلى أله وسلم جالس في أصحابه وقد صلوا فقال صلي الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا)) فقام رجل فصلى معه (3) .
* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . وبعد :
سؤالكم إعادة الجماعة في المسجد الواحد بعد الجماعة الأولى.
جوابه:إعادة الجماعة في المسجد الواحد بعد الجماعة الأولى تقع على وجهين:
الوجه الأول:أن يكون ذلك معتاداً بحيث يكون في المسجد إمامان إذا صلى أحدهما صلى الثاني بعده فهذا منكر؛لأنه يؤدي إلى تفريق الجماعة فيشبه مسجد ضرار,فإن في مسجد الضرار تفريقاً بين المؤمنين في المكان,وهذا تفريق بينهم في الزمان؛ولأن ذلك من البدع التي لم تكن معروفة في عهد سلف الأمة.

(15/49)


الوجه الثاني:أن يكون ذلك لعارض مثل أن يدخل جماعة,وقد انتهت الجماعة الأولى,فالأفضل أن يصلوا جماعة ولا يتفرقوا لقول النبي صلي الله عليه وسلم (صلاة الرجل مع الرجل,أزكى من صلاته وحده,وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)) (1) . وهذا عام في الجماعة الأولى والثانية التي أقيمت لعارض,ويؤيد العموم ما رواه أحمد وأبو داود و الترمذي وجماعة من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال النبي صلي الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا فيصلي معه))فقام رجل من القوم فصلى معه (2) ,فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقوم معه من يصلي لتحصل الجماعة لهذا الداخل,مع أن القائم معه قد أدى الفريضة,فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حث من أدى الفريضة أن يقوم مع هذا الداخل,فهل يقول قائل:إنه لو دخل رجلان فلا يشرع لهما أن يصليا جمعياً؟!
هذا من أبعد ما يقال,والشريعة الإسلامية لكمالها والتئامها لا يمكن أن تأتي بمشروعية شيء,وتدع ما كان مثله أو أولى منه .
فالجماعة أقيمت مرتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراره بل بأمره,لكن كانت الثانية عارضة,فلو كان فيها مفسدة لم يكن فرق بين أن يكون الواحد من الجماعة متطوعاً أم مفترضاً,بل المفترض أولى أن يقيم الجماعة؛لأنه لا يحصل منه شيء من المنة على الثاني؛لأن كل واحد منهما انتفع بالآخر بحصول الجماعة لهما في فرضيتهما.
وقد جاءت الآثار عن الصحابة – رضي الله عنهم – مؤيدة لذلك فروى ابن شبية في مصنفه عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود (3) ذكره صاحب الفتح الرباني , وقال:إسناده صحيح.

(15/50)


وروى ابن شيبة أيضاً عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وقد صلوا فصلى بمن معه من جماعة (1) ,قال في المغني ((وهو قول ابن مسعود,وعطاء, والحسن,والنخعي,و قتادة, وإسحاق)) .ا.هـ . وهو مذهب الإمام أحمد – رحمه الله – وعليه تدل الأدلة كما سبق,وبها يعرف ضعف القول بعدم مشروعية إقامة الجماعة لمن فاتتهم مع الإمام الراتب,وقد علل الشيرازي صاحب المهذب كراهة الجماعة الثانية بأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد,وهذا التعليل إنما ينطبق على من جعل ذلك أمراً معتاداً وهو الوجه الأول الذي ذكرناه,وأما إذا كان ذلك عارضاً فإنه لا ينطبق عليه ذلك, والله أعلم . في 16/3/1406هـ .

963 سئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وقد شرع الإنسان في نافلة فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا أقيمت الصلاة المكتوبة وقد شرع الإنسان في النافلة فمن أهل العلم من يقول:يجب عليه قطعها فوراً وإن كان في التشهد الأخير.
ومن العلماء من يقول:لا يقطعها إلا أن يخاف أن يسلم والإمام قبل أن يدرك معه تكبيرة الإحرام,فعلى القول الأخير يستمر في الصلاة حتى لو فاتت جميع الركعات مادام يدرك تكبيرة الإحرام,قبل أن يسلم الإمام فيستمر في هذا النفل.

(15/51)


وعندي أن القول الوسط في ذلك:أنه إذا أقيمت الصلاة والمصلي في الركعة الثانية فيتمها خفيفة,فإن أقيمت وهو في الركعة الأولى فيقطعها مستنداً في ذلك إلى قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . فإذا كان الإنسان قد صلى ركعة قبل إقامة الصلاة فقد أدرك ركعة قبل الحظر والمنع,وإذا أدرك ركعة قبل الحظر والمنع فقد أدرك الصلاة وصارت الصلاة كلها غير ممنوعة فيتمها لكن خفيفة,لأن إدراك جزء من الفرض خير من إدراك جزء من النفل,أما إذا كان في الركعة الأولى فإنه لم يدرك من الوقت الذي تباح فيه النافلة ما يدرك به الصلاة؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول (من أدرك ركعة من الصلاة)) . وبناء على هذا فإنه يقطعها لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)(2) .
* * *

964 سئل فضيلة الشيخ:ما العمل إذا أقيمت الصلاة المكتوبة,وقد شرع المصلي في النافلة؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا أقيمت الصلاة المكتوبة,وقد شرعت في النافلة,فمن أهل العلم من يقول:يجب عليك قطعها فوراً,وإن كنت في التشهد الأخير.
ومن العلماء من يقول:لا تقطعها إلا أن تخاف أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام.
هذان قولان متقابلان:
فالقول الأول:إذا أقيمت الصلاة فاقطع النافلة ولو كنت في التشهد الأخير.
والقول الثاني:لا تقطعها إلا إذا بقي من صلاة الإمام بقدر تكبيرة الإحرام فاقطعها؛يعني تستمر في الصلاة,ولا تقطعها إلا إن خفت أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام.

(15/52)


هذان القولان:متقابلان,يعني على هذا القول الأخير,استمر في الصلاة حتى لو فاتتك جميع الركعات,مادمت تدرك جميع تكبيرة الإحرام,قبل أن يسلم الإمام,فاستمر في هذا النفل,وعندي أن القول الوسط في ذلك,أنه إذا أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الثانية فأتمها خفيفة,وإن أقيمت وأنت في الركعة الأولى فاقطعها,لقول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) .فإذا كنت قد صليت ركعة قبل إقامة الصلاة فقد أدركت ركعة قبل الحظر والمنع.
وإذا أدركت ركعة قبل الحظر والمنع فقد أدركت الصلاة,وصارت الصلاة كلها غير ممنوعة فتتمها لكن خفيفة؛لأن إدراك جزء من الفرض خير من إدراك جزء من النفل,أما إذا كنت في الركعة الأولى فإنك لم تدرك من الوقت ما تدرك به الصلاة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)).
وبناء على هذا فإنك تقطعها لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (2) .
* * *
965 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للإنسان أداء تحية المسجد والصلاة قد أقيمت؟وما إذا أقيمت الصلاة وقد شرع الإنسان في نافلة؟
فأجاب فضيلته بقوله:قال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (3) ولا يحل لأحد أن يبدأ نافلة بعد إقامة الصلاة,فإن فعل فقد عصى رسول الله صلي الله عليه وسلم ,وإذا فعل فصلاته باطلة لقوله عليه الصلاة والسلام (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (4) . فكيف إذا عمل عملاً عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أشد رداً,ولهذا نشاهد في بعض الأحيان جماعة إذا جاءوا لصلاة الفجر,والصلاة قد أقيمت,يصلون سنة الفجر, لأنهم يقولون:إن صلاة الفجر تطول فيها القراءة,ويمكننا اللحاق بالركعة مع الإمام وهذا حرام عليهم ولا يجوز,ونافلتهم التي صلوها باطلة لا تجزئهم عن راتبة الفجر.

(15/53)


وأما إذا أقيمت الصلاة وأنت في أثناء الصلاة فمن أهل العلم من يقول:إنك تكمل النافلة إلا إذا خشيت أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام,ففي هذه الحال تقطع نافلتك وتلحق بالإمام وهذا هو المشهور من مذهب الإمام عند المتأخرين.
وقال بعض العلماء : إذا أقيمت الصلاة وأنت في أثناء النافلة فأقطعها حتى ولو كنت في التشهد الأخير .
والراجح في هذا:أنك إذا صليت ركعة من النافلة وقمت إلى الثانية ثم أقيمت الصلاة فكملها خفيفة,وإن أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فاقطعها,ودليل هذا القول الراجح مركب من دليلين قال تعالى: ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . فإذا كنت أدركت الركعة وقمت إلى الثانية فقد أدركت الركعة قبل وجود شرط النهي؛لأن النهي عن النافلة يكون إذا أقيمت الصلاة,فأنت الآن صليت ركعة قبل أن يقيم فقد صليت ركعة مأذوناً فيها؛لأنها قبل إقامة فتكون أدركت ركعة من الصلاة فأدركت الصلاة فأتمها خفيفة,إما إذا أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فإنك تقطعها؛لأنك لم تدرك ركعة قبل وجود شرط النهي.وهذا القول وسط بين القولين .
* * *
966 سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت أصلي تطوعاً ونادى الأمير في الجهاد بالجمع بأن نجمع عنده خلال دقائق فهل أكمل صلاتي أو أقطعها؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كنت في صلاة مفروضة الصلاة ولكن لا بأس أن تتمها خفيفة.
أما إذا كنت في نافلة وكان هذا الأمير معروفاً بالرزانة وأنه لا يدعو الجماعة إلا لحاجة فلا حرج أن تقطع النفل إلا إذا كنت تعلم أن هذا الأمير يعذرك مادمت على هذه الحال فلا حرج أن تكمل النافلة.
أما كان الأمير من قوم يريدون أن يفرضوا سيطرتهم على الناس فقط بحيث يدعوهم كلما شاء لأغراض لا تستوجب الجمع فإنك تكمل النافلة على كل حال.
* * *

(15/54)


967 سئل فضيلة الشيخ:عن مصل دخل والإمام في التشهد الأخير فهل يدخل معه في الصلاة أو ينتظر حتى يصلي مع جماعة أخرى؟أفتونا جزاكم الله عنا خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخل الإنسان والإمام في التشهد الأخير فإن كان يرجو وجود جماعة لم يدخل معه وإن كان لا يرجو ذلك دخل معه؛لأن القول الراجح أن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بركعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (2) وكما أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة فكذلك الجماعة فإذا أدرك الإمام في التشهد الأخير لم يكن مدركاً للجماعة فينتظر حتى يصليها مع الجماعة التي يرجوها,أما إذا كان لا يرجو جماعة فإن دخوله مع الإمام ليدرك ما تبقى من التشهد خير من الانصراف عنه.
* * *

968 سئل فضيلة الشيخ:عن شخص أتى إلى المسجد متأخراً وأدرك الجماعة وهم في التشهد الأخير هل يلحق بهم أو ينتظر للجماعة القادمة وإذا التحق بالجماعة في التشهد الأخير ثم سمع جماعة جديدة هل يقطع صلاته أو يتمها؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان هذا الذي جاء والإمام في التشهد الأخير يعلم أنه سيجد جماعة فإنه ينتظر ويصلي مع الجماعة؛لأن القول الراجح أن الجماعة لا تدرك إلا بركعة كاملة أما إذا كان لا يرجو وجود أحد يصلي معه فإن الأفضل أن يدخل معهم ولو في التشهد الأخير؛لأن إدراك بعض الصلاة خير من عدم الإدراك كلية,وإذا قدر أنه دخل مع الإمام لعلمه أنه لا يجد جماعة,ثم حضر جماعة وسمعهم يصلون فلا حرج عليه أنه يقطع صلاته ويذهب معهم ويصلي, أو يحولها نفلاً ركعتين ثم يذهب مع هؤلاء القوم ويصلي معهم وإن استمر على ما هو عليه فلا حرج عليه.
* * *
969 سئل فضيلة الشيخ: إذا حضر الإنسان ومعه جماعة و الإمام في التشهد الأخير فهل يدخلون معه أو يقيمون جماعة ثانية؟

(15/55)


فأجاب فضيلته بقوله:الأولى إذا جاء الإنسان ومعه جماعة والإمام في التشهد الأخير أن لا يبدأوا بالصلاة حتى تتم الجماعة الأولى لئلا تجتمع جماعتان في مكان واحد,ولكن إذا فعلوا ذلك وكانوا بعيدين الجماعة الأولى لا يشوشون عليهم فلا بأس بهذا.
وننتقل من هذه المسألة إلى مسألة أخرى وهي إذا جاء جماعة إلى المسجد وهم لم يصلوا صلاة العشاء الآخرة ووجدوهم يصلون صلاة التراويح فإنهم يدخلون معهم في صلاة التراويح بنية العشاء ثم إن كانوا مسافرين فإنهم يسلمون مع الإمام في صلاة التراويح إذا كانوا قد صلوا ركعتين وإن كانوا مقيمين جماعة أخرى لصلاة العشاء لأنه لا ينبغي أن يكون جماعتان في مسجد واحد فإن هذا عنوان التفرق حتى أن الرسول صلي الله عليه وسلم لما ذات يوم ووجد رجلين معتزلين لم يصليا في القوم قال:(ما منعكما أن تصليا))؟ قالا:يا رسول الله صلينا في رحالنا,قال صلي الله عليه وسلم (لا تفعلا,إذا صليتما في رحالكما,ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه)) (1) . فأمرهما النبي صلي الله عليه وسلم أن يصليا مع الناس وإن كان قد صليا في رحالهما لئلا يحصل التفرق,وقال صلي الله عليه وسلم (إنها لكما نافلة)) ,فهكذا إذا دخلنا المساجد والناس يصلون صلاة التراويح فإننا ندخل معهم وننويها صلاة العشاء وهذا قد نص عليه الإمام أحمد – رحمه الله - .
* * *
970 سئل فضيلة الشيخ: عن مأموم دخل الصلاة بعد انتهاء تكبير الإمام للإحرام وقراءته للفاتحة,ثم شرع في القراءة ولكن ركع الإمام فهل يركع المأموم أو يكمل قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخل المأموم والإمام يريد أن يركع,ولم يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة,إن كان لم يبق عليه إلا آية أو نحوها بحيث يمكنه أن يكملها ويلحق الإمام في الركوع فهذا حسن,وإن كان بقي عليه كثير بحيث إذا قرأ لم يدرك الإمام في الركوع فإنه يركع مع الإمام وإن لم يكمل الفاتحة.
* * *

(15/56)


971 سئل فضيلة الشيخ:إذا أراد الإنسان أن يدخل في الصف مع الجماعة وقد أقيمت الصلاة وهو يعلم أن الفاتحة تفوته أو يفوته بعض منها إذا دخل في الصلاة وقرأ دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام فأيهما يقدم دعاء الاستفتاح أم الفاتحة؟ وإذا كبر الإمام للركوع والإنسان لم يكمل الفاتحة فهل يكملها ولو أدى ذلك إلى عدم المتابعة في الركوع؟

فأجاب فضيلته بقوله:إذا جاء الإنسان ودخل مع الإمام فإنه يكبر تكبيرة الإحرام ويستفتح ويشرع بقراءة الفاتحة,ثم إن تمكن من إتمامها قبل أن يفوته الركوع فعل,فإن لم يتمكن فإنها تسقط عنه؛لأنه مسبوق في القيام,وحينئذ يكون قد أتى بالصلاة على ترتيبها المشروع.وإذا كبر الإمام للركوع وأنت لم تكمل الفاتحة فإن كان من عادته الإسراع ولا يمكن متابعته فإن الواجب أن تنفرد عنه,وتتم صلاتك على وجه الطمأنينة, وإن كان ليس عادته ذلك لكنك أنت نسيت أو غفلت فإنك تتمها وتلحقه ولو بعد أن قام من الركوع,ولا يفوتك الركوع في هذه الحال,لأنك داخل الصلاة من أولها لست مسبوقاً.
* * *
972 سئل فضيلة الشيخ: إذا دخل المصلي والإمام راكع فهل يجوز له الإسراع لإدراك الركعة؟أفتونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخلت والإمام راكع فلا تسرع,ولا تدخل في الصلاة قبل أن تصل إلى الصف؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال لأبي بكرة رضي الله عنه حين فعل ذلك (زادك الله حرصاً ولا تعد)) (1) .
* * *
973 سئل فضلة الشيخ: إذا أدرك المأموم الإمام ساجداً فهل ينتظر حتى يرفع أو يدخل معه؟
فأجاب فضيلته بقوله:الأفضل الدخول مع الإمام على أي حال وجده و لا ينتظر,لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا)) (2) .
* * *
974 سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المصلي في الصلاة السرية من قراءة الفاتحة وسورة والإمام لم يركع فهل يسكت؟

(15/57)


فأجاب فضيلته بقوله:لا يسكت المأموم إذا فرغ من قراءة الفاتحة وسورة قبل أن يركع الإمام,بل يقرأ حتى يركع الإمام حتى لو كان في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول وانتهى من الفاتحة ولم يركع الإمام فإنه يقرأ سورة أخرى حتى يركع الإمام؛لأنه ليس في الصلاة سكوت إلا في حال استماع المأموم لقراءة إمامه.
* * *
975 سئل فضيلة الشيخ: إذا دخل الإنسان في صلاة سرية وركع الإمام ولم يتمكن هذا الشخص من إكمال الفاتحة فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان مسبوقاً بمعنى أنه جاء والإمام قد شرع في الصلاة ثم كبر واستفتح وقرأ الفاتحة وركع الإمام قبل انتائه منها فإنه يركع مع الإمام ولو فاته بعض الفاتحة؛لأنه كان مسبوقاً فسقط عنه ما لم يتمكن من إدراكه قبل ركوع الإمام وأما إذا كان دخل والإمام في أول الصلاة وعرف من الإمام أنه لا يتأنى في صلاته,وأنه لا يمكنه متابعة الإمام إلا بالإخلال بأركان الصلاة ففي هذه الحال يجب أن يفرق الإمام,وأن يكمل الصلاة وحده؛لأن المتابعة هنا متعذرة إلا بترك الأركان,وترك الأركان مبطل للصلاة.
* * *
976 سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المأموم من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية ولم يشرع الإمام في القراءة بعد الفاتحة فماذا يصنع المأموم في مثل هذه الحال؟
فأجاب فضيلته بقوله:الجواب على ذلك أننا نقول للإمام

(15/58)


أولاً:لا ينبغي لك أن تسكت هذا السكوت الطويل بين قراءة الفاتحة وقراءة ما بعدها,والمشروع للإمام أن يسكت سكتة لطيفة بين الفاتحة والسورة التي بعدها ليتميز بذلك القراءة المفروضة والقراءة المستحبة,والمأموم يشرع في هذه السكتة اللطيفة بقراءة الفاتحة ويتم قراءة الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ,وأما السكوت الطويل من الإمام فإن ذلك خلاف السنة,ثم على فرض أن الإمام كان يفعل ذلك ويسكت هذا السكوت الطويل فإن المأموم إذا قرأ الفاتحة وأتمها يقرأ بعدها سورة حتى يشرع الإمام في قراءة السورة التي بعد الفاتحة وحينئذ يسكت؛لأنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ و الإمام يقرأ إلا قراءة الفاتحة فقط
* * *
977 سل فضيلة الشيخ: ما حكم السكتة التي يفعلها بعض الأئمة بعد قراءة الفاتحة؟وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟

(15/59)


فأجاب فضيلته بقوله:السكتة التي يسكتها الإمام بعد الفاتحة سكتة يسيرة للتميز بين قراء الفاتحة التي هي ركن,وبين القراءة التي بعدها وهي نفل,ويشرع فيها المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية و الجهرية لعموم قوله عليه الصلاة والسلام (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (1) . ولأن النبي صلي الله عليه وسلم انصرف ذات يوم من صلاة الصبح فقال (لعلكم تقرءون خلف إمامكم))؟قالوا:نعم.قال (فلا تفعلوا إلا بأم الكتاب,فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (2) . وهذا نص في أن قراءة الفاتحة واجبة حتى في الصلاة الجهرية.و النفي هنا نفي للصحة,ويدل على ذلك قول الرسول صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة صلي الله عليه وسلم(من صلى صلاةً لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي خداج))(3) .يعني فاسدة, فالنفي هنا نفي للصحة.و(من) في حديث صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ . .)) اسم موصول,والاسم الموصول لعموم,فـ (لمن) لم يقرأ عام, يشمل الإمام,والمأموم,والمنفرد,فإذا كانت الصلاة سرية فواضح أن المأموم سيقرأ,أما إذا كانت جهرية فهل يقرأ المأموم الفاتحة أو الإمام يقرأ؟
الجواب:نعم,ولكن لا تقرأ غيرها.
* * *

978 سئل فضيلة الشيخ:عن حكم مسابقة الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله:مسابقة الإمام محرمة لقول النبي صلي الله عليه وسلم (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار,أو يجعل صورته صورة حمار)) (1) . وهذا تهديد لمن سابق الإمام,ولا تهديد إلا على فعل محرم ,أو ترك واجب.
وثبت عنه أنه قال صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به,فإذا كبر فكبروا,ولا تكبروا حتى يكبر,وإذا ركع فاركعوا,و لا تركعوا حتى يركع)) (2) .الحديث
وأقول بهذه المناسبة:إن المأموم مع إمامه له أربع حالات:
مسابقة.
موافقة.
متابعة.
تخلف.

(15/60)


فالمسابقة:أن يبدأ بالشيء قبل إمامه,وهذا حرام,وإذا كان في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته إطلاقاً,ويجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
والموافقة:أن يكون موافقاً للإمام يركع مع ركوعه,ويسجد مع سجود,وينهض مع نهوضه,وظاهر الأدلة أنها محرمة أيضاً لقوله صلي الله عليه وسلم (لا تركعوا حتى يركع)) .
وبعض العلماء يرى أنها مكروهة وليست محرمة إلا في تكبيرة الإحرام فإنه إذا وافق إمامه فيها لم تنعقد صلاته وعليه الإعادة.
والمتابعة:أن يأتي بأفعال الصلاة بعد إمامه بدون تأخر,وهذا هو المشروع.
والتخلف:أن يتخلف عن إمامه تخلفاً يخرجه عن المتابعة وهذا خلاف المشروع
* * *

فصل
قال فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء - :
بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة الكلام في سبق المأموم إمامه:أن جميع أقسامه حرام أما من حيث بطلان الصلاة به فهو أقسام:
الأول:أن يكون السبق إلى تكبيرة الإحرام,بأن يكبر للإحرام قبل إمامه أو معه,فلا تنعقد صلاة المأموم حينئذ,فيلزمه أن يكبر بعد تكبيرة غمامه,فإن لم يفعل فعليه إعادة الصلاة.
الثاني:أن يكون السبق إلى ركن,مثل أن يركع قبل الإمامه,أو يسجد قبله, فليزمه أن يرجع ليأتي بعد ذلك إمامه.
الرابع:أن يكون السبق بركن غير الركوع مثل أن يسجد ويرفع قبل أن يسجد إمامه,فإن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته,وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة.
الخامس:أن يكون السبق بركنين مثل أن يسجد ويرفع قبل سجود إمامه,ثم يسجد الثانية قبل إمامه من السجدة الأولى,أو يسجد ويرفع ويسجد الثانية قبل سجود إمامه,فإن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته,وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت ركعته فقط,إلا أن يأتي بذلك بعد إمامه.
هذه خلاصة أحكام السبق على المشهور على المذهب.

(15/61)


والصحيح:أنه متى سبق إمامه عالماً ذاكراً فصلاته باطلة بكل أقسام السبق,وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة إلا أن يزول عذره قبل أن يدركه الإمام,فإنه يلزمه الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه,فإن لم يفعل عالماً ذاكراً بطلت صلاته,وإلا فلا.
وأما التخلف عن الإمام فعلى قسمين:
الأول:أن يدرك الإمام في الركن الذي سبقه به,فصلاته صحيحة,مثل أن يتأخر عن الإمام في السجود,ولكنه يسجد قبل أن يرفع الإمام فصلاته صحيحة,ولكنه خلاف السنة؛لأن السنة المبادرة في متابعة الإمام.
الثاني:أن لا يدرك الإمام في الركن بحيث ينفصل منه الإمام قبل أن يصل إليه,فإن كان لعذر أتى بما تخلف فيه إلا أن يصل الإمام إلى مكان تخلفه فيبقى مع إمامه وتكون له ركعة ملفقة.
مثال ذلك:مأموم لم يسمع تكبير إمامه للركوع ,فلما قال:سمع الله لمن حمده,سمعه فحينئذ يركع ويتابع إمامه,لأن إمامه لم يصل إلى مكان تخلفه.
ومثال آخر:مأموم لم يسمع تكبير إمامه للركوع في الركعة الأولى فبقي قائماً حتى قام إمامه للركعة الثانية فحينئذ يبقى مع إمامه وتكون ثانية إمامه أولاه,وتكون ركعته ملفقه من ركعتي إمامه الأولى والثانية؛لأن إمامه وصل إلى مكان تخلفه.
وإن كان تخلفه عن إمامه لغير عذر فكالسبق على ما تقدم من التفصيل,ولا يخفى أن الصحيح أن الصلاة تبطل إذا تخلف بركن,أو أكثر لغير عذر سواء كان الركن ركوعاً أم غيره,والله أعلم.

979 سئل فضيلة الشيخ: عن علافة المأموم بإمامه؟

(15/62)


فأجاب فضيلته بقوله:علاقة المأموم بإمامه,علاقة متابعة,ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به,فلا تختلفوا عليه,فإذا كبر فكبروا,وإذا ركع فركعوا,وإذا سجد فاسجدوا,وإذا قال:سمع الله لمن حمده فقالوا:ربنا ولك الحمد,وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً,وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين)) (1) . ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات:متابعة,وموافقه,ومسابقة,وتأخر.
فأما المتابعة:فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة,إذا ركع ركع بدون تأخر,وإذا سجد,سجد بدون تأخر,وهكذا في بقية أفعال الصلاة.
وأما الموافقة:فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه,يركع مع ركوعه,ويسجد مع سجود ,ويقوم مع قيامه,ويقعد مع قعوده.
وأما المسابقة:فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال,فيركع قبله,ويسجد قبله,ويقعد قبله.
وأما التأخر:فأن يتوانى في متابعة الإمام,فإذا ركع الإمام, بقي واقفاً يقرأ,وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا.وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة.
فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا تكبروا حتى يكبر الغمام ولا تركعوا حتى يركع)) (2) .
والسابق له,واقع
في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (إذا كبر الإمام فكبروا,وإذا ركع فاركعوا)) (3) .
جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط,وأن لا يتأخر عنه,فهو منهي عنه.
فالمسابقة:حرام,والموافقة:قيل:إنها مكروهة,وقيل:إنها حرام,والتأخر:أقل أحواله الكراهة,أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي صلي الله عليه وسلم.
وهنا مسألة:أي الحالات أشد:المسابقة,أم الموافقة ,أم التخلف عنه؟
الجواب: المسابقة أشدها؛لأنه ورد فيه الوعيد المتقدم؛ولأن القول الراجح؛أن الإنسان إذا سبق إمامه عالماً ذاكراً,بطلت صلاته,سواء سبقه إلى ركن أو بالركن,لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة .
* * *

(15/63)


980 سئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل الدخول مع الإمام في صلاة فوراً أو انتظاره حتى ينتصب قائماً أو يطمئن جالساً؟
فأجاب فضيلته بقوله:الأفضل الدخول مع الإمام على أي حال وجده ولا ينتظر حتى يقوم من سجوده,أو قعود لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا)) (1) . ولأنه إذا دخل معه حصل له أجر ما صلاه.
* * *
981 سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في رجل يجلس حتى يركع الإمام فيقوم ويدخل معه؟
فأجاب فضيلته بقوله:تأخير المأموم الدخول مع الإمام حتى يكبر للركوع تصرف ليس بسليم,بل إنني أتوقف هل تصح ركعته هذه أو لا تصح؟لأنه تعمد التأخير الذي لا يتمكن معه من قراءة الفاتحة ركن لا تسقط عن الإمام,ولا عن المأموم,لولا عن المنفرد,فكونه يبقى حتى يركع الإمام,ثم يقوم فيركع معه هذا خطأ بلا شك,و خطر على صلاته,وعلى الأقل ركعته أن لا يكون أدركها.
* * *
982 سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في رجل يكبر مع الإمام وهو جالس لمرض كان فيه,فإذا قارب الإمام الركوع قام فركع معه وإذا قام الإمام للركعة الثانية جلس أيضاً فإذا قارب الإمام الركوع قام فركع معه؟

فأجاب فضيلته بقوله:هذا لا بأس به وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم حين كبر و ثقل يفعل هذا في صلاة الليل (1) ,يبدأ وهو جالس,ويقرأ,فإذا قارب الركوع قام,وقرأ ما تيسر من القرآن ثم ركع .
وكذلك إذا سجد مع الإمام,ثم قام الإمام إلى الثانية,وجلس هو فإذا قارب الإمام الركوع قان فركع معه كل هذا لا بأس به عند العذر لقوله:)فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم)(التغابن: من الآية16).
وقوله: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )(البقرة: من الآية286) وقوله: ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(الحج: من الآية78)
* * *
983 سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيمن يجلس حتى يقارب الإمام الركوع فيقوم ويدخل معه؟

(15/64)


فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان ذلك في صلاة النافلة كقيام رمضان فبقي الإنسان بعد أن كبر الإمام حتى قارب الركوع فقام ودخل مع الإمام فلا حرج عليه في ذلك؛لأن صلاة القيام غير واجبة,بل لو انصرف من المسجد بعد التكبير الإمام وخرج فلا حرج عليه.
وأما إذا كانت الفريضة فإن خلاف ما أمر النبي صلي الله عليه وسلم ؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة,وعليكم السكينة والوقار,و لاتسرعوا,فما أدركتم فصلوا)) (2) .وهذا الذي جلس أدرك الصلاة من أولها فلماذا يبقى قاعداً لا يدخل مع الإمام؟!
فالذي يجب عليه ويدخل مع الإمام,لا سيما وأنه إذا أخر الدخول حتى ركع الإمام,ثم قام وركع معه فإني أشك في كونه مدركاً للركعة؛لأنه ترك قراءة الفاتحة من غير عذر.
* * *

984 سئل فضيلة الشيخ: عن بعض الناس يتخلفون عن الإمام في صلاة القيام حتى يركع فيركعون معه,فهل تصح هذه الركعة؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا ينبغي للمسلم أن يتأخر عن تكبيرة الإحرام,وليذكر نفسه أن المسألة ليال محدودة معدودة,ليست طويلة,وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورم قدماه (1) مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر,وما أخف التعب إذا وفق الإنسان لليلة القدر,والمرء يؤجر على قدر عزيمته وإخلاصه,ومتابعته لرسول الله صلي الله عليه وسلم,أما التكاسل,وإعطاء النفس حظها من الراحة,فيبقى الإنسان يتحدث حتى إذا قارب الإمام على الركوع ,فذها لا شك خطأ,وفيه حرمان من الأجر,وإن لم يكن فيه إثم لأنها تطوع.
* * *
985 سئل فضيلة الشيخ: هل مايقضيه المسبوق هو آخر صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله:ما يقضيه المسبوق اختلف العلماء فيه,والصواب أنه آخر صلاته لقوله صلي الله عليه وسلم (وما فاتكم فأتموا)) (2) .

(15/65)


وأما قوله:فاقضوا فالقضاء بمعنى الإتمام كما في قوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات)(فصلت: من الآية12)ولهذا إذا أدرك مع الإمام ركعة من الثلاثية أو الرباعية تشهد الأول في أول ركعة يقضيها ولو كان أول صلاته ما تشهد إلا بعد ركعتين.
* * *

986 سئل فضيلته أيضاً:هل ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله:الصحيح أن المسبوق يتم صلاته على ما أدرك مع إمامه ,فيكون ما أدركه مع الإمام أول صلاته,وما يأتي به بعد سلام الإمام آخر صلاته,لقول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا,وما فاتكم فأتموا)) . وعلى هذا فيقتصر فيما يقضيه على الفاتحة إذا كان قد أدرك مع الإمام ركعتين.
وقال أكثر العلماء:بل يقرأ السورتين إن لم يكن قرأهما فيما أدرك مع الإمام,والأمر في ذلك واسع
* * *
987 سئل فضيلة الشيخ: شكا لي بعض المأمومين من أنني أطيل الوقوف بعد الرفع من الركوع لأنني أقرأ الذكر الوارد كله بعد الرف من الركوع صلي الله عليه وسلم (ربنا ولك الحمد,حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه . . الخ)) فهل هناك دعاء مختصر يقرأ بعد الرفع من الركوع حتى لا نشق على الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله:الواجب على الإمام وكل من أقيم على عمل من الأعمال أن يراعي جانب السنة فيه وأن لا يخضع لأحد لمخالفة السنة ول بأس إذا دعت الضرورة والحاجة أحياناً أن يخفف كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يفعل ذلك,أما في الأحوال الدائمة المستمرة فلزوم السنة هو مقتضى الإمامة,فكن ملازماً لفعل السنة وأخبر التاس أنهم إذا صبروا على هذا نالوا ثواب الصابرين على طاعة الله,ولو ترك التخفيف وعدمه إلى أهواء الناس لتفرقت الأمة شيعاً,ولكان الوسط عند قوم تطويلاً عند الآخرين,فعليك بما جاء بالسنة وهي معروفة ولله الحمد.

(15/66)


ولهذا أنصح كل إمام يتولى إمامة المسلمين في المساجد أن يحرص على قراءة ما كتبه العلماء في صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم مثل كتاب الصلاة لابن القيم وهو كتاب معروف,وكذلك ما ذكره رحمه الله في كتاب ((زاد المعاد في هدي خير العباد)).
* * *.
988 سئل فضيلة الشيخ: عن بعض الناس إذا أطال الإمام في الصلاة الإطالة المشروعة ينكر عليه ويستدل بقوله صلي الله عليه وسلم (إذا أم أحدكم الناس فليخفف,فإن فيهم الصغير,والكبير,والضعيف,والمريض,فإذا صلى وحده فليصل كيف يشاء)) رواه مسلم (1) ,فهل استدلاله صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله:استدلاله بهذا الحديث غير صحيح؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم إنما قاله في حق من يطيل إطالة زائدة على المشروع,فأما الإطالة الموافقة للمشروع فإنها إطالة مشروعة مستحبة.
ولهذا يأتي بعض الأئمة يقول:إن الناس يقول لي:لا تقرأ في الفجر يوم الجمعة سورة ((آلم تنزيل)) السجدة في الركعة الأولى و )هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) (الانسان: من الآية1)في الركعة الثانية هذا يطول علينا,يأتي بعض الأئمة يشكو من بعض أهل المسجد لا الإمام,فالإمام إذا قرأ هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة لا يعد مطيلا بل يعد ذا طول – بفتح الطاء – أي ذا فضل على الجماعة لكونه أتى بالسنة التي شرعها النبي صلي الله عليه وسلم.

(15/67)


كذلك بعض الناس في صلاة الجمعة إذا قرأ الإمام سورة الجمعة والمنافقين صار يشكو من الغمام ويقول:أطال بنا مع أن هذا مما ثبتت به السنة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ,ولا يعد إطالة,بل هو طول وفضل من الإمام يتفضل به على نفسه,وعلى من وراءه حيث أتى بالقراءة المشروعة عن النبي صلي الله عليه وسلم ,ربما نقول ينبغي للإمام أن يراعي حال الناس في أيام الصيف, وأيام الشتاء الباردة فإذا رأى أنه لو قرأ بهاتين السورتين في الجمعه في أيام الصيف لحق الناس من الغم والحر ما يزعجهم ، ويشغلهم عن صلاتهم ففي هذه الحال يعدل إلى سور أخري أقصر ، وكذلك في أيام الشتاء الباردة إذا رأي أن بعض الناس قد يكون محتاجا إلى قضاء الحاجة بسبب البرد ، وطول المكث في المسجد فإنه يعدل إلى قراءة سور أخري أقصر مراعاة لهذه الحال العارضة .

989 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تود حضور الصلاة في المسجد الحرام ما دامت في مكة، ولكنها سمعت أن صلاة المرأة في بيتها أفضل حتى في المسجد الحرام ، فهل يحصل لها عندما تصلي في بيتها من المضاعفة ما يحصل عندما تصلي في المسجد الحرام ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد الحرام ، وصلاة الرجل النوافل في بيته أفضل من صلاتها في المسجد الحرام ، ودليل ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام )(1)
__________
(1) رواه البخاري / صفة الصلاة ، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1133).
(2) رواه مسلم ، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1394).
(3) تقدم تخريجه ص 20 .

(4) متفق عليه ، وتقدم تخريجه ص 124 .

(15/68)


. ولفظ مسلم أو في بعض ألفاظه : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) (2) . ومع ذلك يقول في المراة : ( بيوتهن خير لهن ) ويقول في الرجل في النوافل : ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) (3) . وكان هو صلوات الله عليه وسلامه عليه يصلي النافلة في بيته ، ويصلي الرواتب في البيت ، يصلي صلاة الليل في البيت يوتر في البيت ، والمسجد عنده ليس بينه وبين مسجده إلا أن يفتح الباب ، ويدخل في المسجد ومع ذلك يقول : (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه) ويصلي النوافل في البيت .
... وليعلم أن الفضل يكون بالكمية ، ويكون بالكيفية ، فصلاة المرأة في بيتها من حيث الكيفية أفضل من صلاتها في المسجد من حيث الكمية ، وصلاة الرجل النوافل في بيته أفضل من حيث الكيفية من صلاته في المسجد من حيث الكمية ، ولذلك نقول أن المرأة إذا صلت في البيت فهو أفضل من الصلاة في المسجد الحرام وثوابه أكثر من ثواب المسجد الحرام ، لكن بالكيفية لا بالكمية .
... فصلاتي النافلة في البيت أفضل من صلاتي في المسجد الحرام من حيث الكيفية .
... ولكن بالنسبة لقول الرسول صلي الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام ) (4) . ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بها صلاة الفريضة ، وذهب آخرون إلى أن المراد بها الصلاة التي تشرع لها الجماعة ، وهي صلاة الفريضة ، وصلاة الاستسقاء ، وما أشبهها إذا استسقوا في المسجد الحرام مثلاً .

ولكن الصحيح أن الحديث عام شامل للفرض والنفل ، لكن لا يعني ذلك أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في البيت,لكن يعني ذلك أن الرجل لو دخل المسجد الحرام وصلى ركعتين فتسمى هذه تحية المسجد,ثم صلى في مسجد آخر في غير مكة ركعتي تحية المسجد,فتحية المسجد في المسجد الحرام أفضل بمائة ألف تحية في المساجد التي خارج الحرم.

(15/69)


فلو تقدم رجل إلى المسجد,والإمام لم يأت بعد,وجعل يتنفل ما بين المسجد إلى إقامة الصلاة صلى ما شاء الله أن يصلي في المسجد الحرام,ودخل رجل آخر في مساجد الأخرى,هذا هو معنى الحديث أن الصلاة متى كانت في المسجد الحرام فهي بمائة ألف صلاة فيما عداه,لكن لا يعني ذلك أن ندع بيوتنا ونأتي من صلي في المسجد الحرام فيما لا تشرع فيه الجماعة قال النبي صلي الله عليه وسلم (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (1) .
وأود أن أنهبه إلى مشهور بين الحجاج وبين العمار:اشتهر عندهم أن تحية المسجد الحرام الطواف,وهذا غير صحيح,فتحية المسجد الحرام,الطواف يعني إذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف أغناك الطواف عن تحية المسجد الحرام,أما إذا دخلت المسجد الحرام للصلاة,أو لسماع الذكر أو أشبه ذلك فتحيته كغيره,تكون بركعتين,وإذا دخل المعتمر المسجد الحرام فيبدأ
بالطواف؛لأنه دخل للطواف,وإذا دخل من ينتظر الصلاة يصلي ركعتين؛لأنه لم يدخل للطواف لكن مع ذلك لو ذهب وطاف قلنا:إن ذلك مجزئ عن الركعتين.
* * *

990 سئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة ولم يحضر إمام المسجد ووجد حالق للحيته,وشارب للدخان فمن يقدم للإمامة؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا اجتمع حالق لحية وشارب دخان,واتفقا في الصفات المقتضية لتقديم أحدهما في الإمامة,فشارب الدخان أولى بالإمامة؛لأن معصيته أهون من عدة أوجه:
أحدهما:أن تحريم حلق اللحية دلت عليه السنة بخصوصه بخلاف تحريم شرب الدخان فليس فيه نص بخصوصه,بل هو داخل في العمومات.
الثاني:أن حالق اللحية مجاهر بمعصيته,وأثارها بادية عليه باستمرار في حالة نومه,ويقظته,وعبادته,وفراغه,أما شارب الدخان فإنما يشربه في فترات فليست السجارة دائماً في فمه,وقد يخفيه عن بعض الناس.

(15/70)


الوجه الثالث:أن حلق اللحية تغيير للمظهر الإسلامي في الفرد والجماعة,وعدول به عن مظهر الأنبياء والمرسلين,والذين اتبعوهم بإحسان,وهذا أمر زائد على كونه مجرد معصية.
الوجه الرابع:أن حلق اللحية تشبه بأعداء الله تعالى من المجوس,والمشركين,وتحويل للمظهر الإسلامي إلى مظهر شرك ومجوسية,فهو معصية لرسول الله صلي الله عليه وسلم,وتشبه بأعداء الله عز وجل,وهاتان مفسدتان:المعصية,و التشبه.
الوجه الخامس:أن في حلق اللحية تغييراً لخلق الله تعالى وهو من أوامر الشيطان كما قال تعالى عنه ) وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبينا يعدهم وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غرورا أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً)(النساء,الآيات:119_121).
فهذه الوجوه الخمسة كلها تدل على أن شارب الدخان أهون معصية من حالق اللحية فيكون أولى بالإمامة من حالق اللحية إذا تساوياً في الصفات المرجحة . في 24/11/1399هـ .
991 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز الصلاة خلف إمام يتعامل بالسحر؟
فأجاب فضيلته بقوله:أولاً:السحر محرم,ومن ما هو كفر كما قال الله تبارك وتعالى: )وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر)(البقرة: من الآية102) الآية.فالسحر حرام,وإذا كان لا يتوصل إليه إلا بالأحوال الشيطانية أو بالأرواح الشيطانية فإنه يكون كفراً فقتله ردة,وإن كان لا يبلغ الكفر فقتله لدفع أذاه عن المسلمين,فمن ابتلي بشيء من ذلك

(15/71)


فعليه أن يتوب إلى الله, وعيه أن يدع هذا العمل,ومن تاب,وعمل صالحاً مؤمنا بالله عزوجل فإن الله يبدل سيئاته حسنات.
وليعلم أنه لا يمس أحداً بسوء إلا كان عليه وزره,وربما يملى لهذا الساحر فلا يعاجل بالعقوبة فتؤخر عقوبته إلى الآخرة نعوذ بالله.
أما سؤال السائل حيث يقول:ما حكم الصلاة خلف إمام يتعامل بالسحر؟
فإن كان هذا السحر يبلغ به الكفر فلا تجوز الصلاة خلفه؛لأنه كافر,لا صلاة له,لا تقبل صلاته,ولا يصلح لأن يكون إماماً.
وأما إذا كان سحره لا يبلغ الكفر فهذا ينبني على خلاف العلماء في فاعل الكبيرة إذا لم يتب منها هل يصلي خلفه أم لا؟ولكن يجب أن نصلح هذا الساحر قبل أن نسأل هل نصلي خلفه أم لا.
992 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة وراء حالق اللحية والمسبل؟وهل يأثم من يقيم جماعة أخرى ((في مسجد واحد))بسبب أن الإمام كان حالقاً لحيته ومسبلاً ثوبه؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا بأس بالصلاة خلفه,وإن وجد إمام أتقى منه في مسجد آخر فاذهب إليه
ولا تجوز إقامة جماعة أخرى في مسجد ذلك الإمام.حرر في 27/10/1409 هـ .
* * *
993 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -:هل تصح الصلاة خلف العاصي؟
فأجاب فضيلته بقوله:الصلاة خلف المسلم وإن فعل بعض المعاصي جائزة وصحيحة على القول الراجح,ولكن الصلاة خلف من كان مستقيماً أفضل بلا شك, أما إذا كان الإنسان يستعمل أشياء مكفرة تخرج من الملة الإسلامية فإنه لا تجوز الصلاة خلفه,وذلك لأنه صلاته غير صحيحة,فإن من لم يكن مسلماً فصلاته غير صحيحة,وإذا كانت صلاة الإمام غير صحيحة,فإنه لا يمكن الاقتداء به؛لأنك تقتدي بغير إمام وتنوي الإمامة بغير إمام.
* * *
994 سئل فضيلة الشيخ: يفتي البعض بأنه لا يجوز الصلاة وراء الإمام المبتدع والذي ينكر من السنن,غير أن الحديث يقول (صلوا وراء بر وفاجر)) فهل تجوز الصلاة وراء هذا الإمام أم لا؟

(15/72)


فأجاب فضيلته بقوله:هذا الحديث الذي أشار إليه السائل ((صلوا وراء كل بر وفاجر)) (1) لا أصل له بهذا اللفظ .
ولكن لا شك أن الصلاة خلف من هو أتقى لله,وأقوى في دين الله أفضل من الصلاة خلف المتهاون بدين الله .
وأهل البدع ينقسمون إلى قسمين:أهل بدع مكفرة,وأخرى غير مكفرة.
فأما أهل البدع المكفرة:فإن الصلاة خلفهم لا تصح,لأنهم كفار لا تقبل صلاتهم عند الله فلا يصح أن يكونوا أئمة المسلمين.
وأما أهل البدع غير المكفرة فالصلاة خلفهم تنبني على خلاف العلماء في الصلاة خلف أهل الفسق.
و الراجح أن الصلاة خلف أهل الفسق جائزة,إلا إذا كان في ترك الصلاة خلفهم مصلحة,مثل أن يكون ذلك سبباً في ردعهم عن فسقهم,فإن الأولى هنا أن لا يصلي خلفهم.
* * *

995 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة خلف الإمام الذي يتداوى بالشعوذة ؟
فأجاب فضيلته بقوله:الأصل في هذه المسألة أن نقول:إن كل من صحته صلاته من المسلمين صحت إمامته,لا سيما إذا كان الإنسان يجهل حال الإمام,وأما من لا تصح صلاته من أهل البدع الذين تصل بدعتهم إلى الكفر,فهؤلاء لاتصح الصلاة خلفهم لعدم صحة صلاتهم.
وهذا الرجل الذي يتداوى بالشعوذة والتمائم,نقول:هو يتداوى بأمرين:التمائم و الشعوذة,أما الشعوذة فمحرمة بلا شك لما فيها من الخداع,وربما يكون فيها شيء يوصل إلى الكفر,كما لو استخدم الشياطين,وتقرب إليهم بالذبح والدعاء وما أشبه ذلك.
وأما التمائم:فإن كانت من القرآن,أو من الأدعية المشروعة فقد اختلف العلماء فيها:فمنهم من أباحها,ومنهم من منعها,و الصحيح المنع,ولكن لا تصل إلى أن ينفر من الصلاة خلف الإمام الذي يستعملها.
أما إذا كانت التمائم من الرقى الشركية البدعية,فإنه لا يجوز استعمالها قولاً واحداً,وعلى الإنسان أن يتوب إلى الله تعالى من فعلها ويبتعد عنها.
* * *
996 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز الصلاة خلف من يجيز التوسل؟

(15/73)


فأجاب فضيلته بقوله:الصلاة خلف من يجيز التوسل إن كان يجيز التوسل الشركي كمن يدعو الأنبياء والأولياء ويزعم أن ذلك توسل فلا شك أنه لا تجوز الصلاة خلفه؛لأن من أجاز الشرك فقد كفر.
وإن كان يجيز التوسل الجائز فلا إشكال في صحة الصلاة خلفه.
وإن كان يجيز التوسل المختلف فيه فهذا ينظر في حاله,ولا يمكن ضبط هذه المسألة إلا في كل قضية بعينها.
* * *
997 سل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف إمام يحتفل بالمولد النبوي؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان هذا الإمام لا يفعل أو يقول في المولد ما تقضي الكفر فإن الصلاة خلفه؛لأن بدعته غير مكفرة.
وإن كان يقول ويفعل ما يقتضي الكفر,مثل أن يسجد للرسول صلي الله عليه وسلم أو يدعوه,أو يصفه بما لا يكون إلا لله تعالى,كأن يصفه بأنه يعلم الغيب أو ينقذ من الشدة,أو نحو ذلك,فإن الصلاة خلفه لا تصح,لأنه لا تصح صلاته,ومن لا تصح صلاته لا يصح أن يكون إماماً.حرر في 24/7/1407 هـ .
* * *
998 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح إمامة شارب الدخان؟وما الدليل؟
فأجاب فضيلته بقوله:جواب هذا السؤال يتوقف على شيئين:
الأول:هل شرب الدخان محرم؟
والثاني:هل الإصرار عليه يخرج من العدالة إلى الفسق؟
ويتفرع على هذا هل تصح إمامة الفاسق؟
فأما الشيء الأول:فإن الناس مختلفون في شربه هل يحرم,أم يكره,أم يختلف الحكم فيه؟والذي يقتضيه ظاهر الأدلة التحريم لما فيه من التعرض للأضرار البدنية ,وإضاعة المال بلا فائدة,وملازمة الرائحة الخبيثة,وثقل كثير من العبادات على صاحبه وخصوصاً الصيام والتعرض لبذل ماء الوجه,وهذا الدخان إلى الخبيث أقرب منه إلى الطيب,كما معترف به عند الجميع,وقد حرم الله علينا الخبائث.
وأما الشيء الثاني:وهو هل الإصرار عليه يعد فسقاً؟

(15/74)


فإنه متى تقرر تحريمه,فإنه ليس من الكبائر,ولكن من الصغائر,وقد نص العلماء على أن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة,لما في ذلك من الدلالة على أن صاحبها لم يقم في قلبه من تعظيم الله ما يوجب انكفافه عنها,وحينئذ فالمصر على الصغيرة يحكم بفسقه,وإمامة الفاسق فيها خلاف بين العلماء:
فالمشهور من المذهب أنها لا تصح إلا في الجمعة والعيد,إذا تعذر فعلهما خلف غيره.
والصواب جواز ذلك,لأنه لا دليل صحيح على المنع من الصلاة خلف الفاسق,والأصل عدم اشتراط العدالة؛ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم,وإن أخطئوا فلكم وعليهم)) (1) .
والصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يصلون خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان ابن عمر وأنس يصليان خلف الحجاج (2) بن يوسف,وكذلك عبدالله بن مسعود كان يصلي خلف الوليد بن عتبة بن أبي معيط وهو يشرب الخمر (3) .
وعلى هذا فالصلاة خلف شارب الدخان صحيحة على القول الذي رجحناه.
ولكن لا ريب أن غيره أولى منه إذا كان يقيم واجبات الصلاة القولية والفعلية.
* * *

999:سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة خلف إمام جامع لا يثبت كل الصفات؟
فأجاب فضيلته بقوله:هذا الإمام الذي يصلي في الجامع إن كان يدعو إلى بدعته المخلفة لعقيدة السلف فلا تصل خلفه إلا أن تخشى الفتنة,وإن كان لا يدعو إلى بدعته فإن أصر عليها بعد بيان الحق له فلا تصل خلفه أيضاً,وإن لم يبين له الحق فصل خلفه؛لأنه يظن أنه على صواب ول تقم عليه الحجة.
* * *
1000 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه -:إمام مسجدنا يحضر الزيارات السنوية للقبور المشهورة في بلدنا وسمع فيها دعاؤه الأموات,وعندما سألناه عن ذلك قال:إنه لا يقصد دعاء الميت,وإنما الدعاء ببركته,فما حكم الصلاة خلفه؟

(15/75)


فأجاب فضيلته بقوله:الواجب عليكم نصيحة إمامكم وتخويفه من الله – عز وجل- وأن تبينوا له أن دعاء الأموات شرك أكبر مخرج من الملة مخالف للسمع والعقل,قال الله تعالىصلي الله عليه وسلم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف,الآتيان:5-6).وقال تعالى: ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ )إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر,الآيتان:13-14).إلى غير ذلك من الآيات.
فهذه وأمثالها أدلة سمعية تدل على بطلان دعاء غير الله وعلى ضلال فاعل ذلك.وأما الدليل العقلي فهذا المدعو بشر مثلك كان بالأمس وهو حي لا يستجيب لك فيما لا يقدر عليه فكيف وهو ميت.
وإني لأسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم.
وأما الصلاة خلفه فتنبني على الحكم عليه.
* * *
1001 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف الإمام حالق اللحية ومسبل الثوب؟
فأجاب فضيلته بقوله:إن حصل إمام أتقى لله منه فالصلاة خلفه أولى بلا شك,و إن لم يحصل,أو دخلت مسجد جماعة وكان الذي يصلي بهم هو هذا الرجل الحليق أو المسبل فلا حرج أن تصلي خلفه؛لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الفاسق تصح إمامته, وأن كان الأتقى أولى منه.
* * *
1002 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف مسبل الثوب,وحالق اللحية؟وما حكم إمامتهما؟وجزاكم الله خيراً.

(15/76)


فأجاب فضيلته بقوله:إسبال الثياب محرم,ولا فرق أن يسبل الإنسان خيلاء تيهاً وتبختراً,أو أن يسبله عادة سار عليها مقلداً فيها غيره,لكن إن كان خيلاء فإن الله لا يكلمه ولا يزكيه ولا ينظر إليه يوم القيامة,وله عذاب أليم كما ورد في الحديث (1) ,وإن كان لغير الخيلاء فيعذب بالنار فيما وقعت فيه المخالفة,((فما أسفل من الكعبين ففي النار)) (2) .
فعلى هذا يجب على الرجل أن يرفع لباسه أعلى من كعبيه,وقد رأى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – شاباً قد نزل إزاره على الأرض,فقال (ردوا على الغلام,فقال:يابن أخي أرف ثوبك,فإنه أبقى لثوبك,وأتقى لربك)) (3) .
فإن رفع الثوب فائدتين:
الأولى:تقوى الله عز وجل.
الثانية:أنه أوفر للثوب له من التقطع و التمزق.
وإذا كان الإسبال حراماً فإن أهل العلم اختلفوا في صلاة المسبل.
فبعض أهل العلم يرى أن صلاته تبطل؛لأن من شرط الساتر أن يكون مباحاً,ساتراً طاهراً,فالمحرم لا يحصل الستر به؛لأنه ممنوع من لبسه,والنجس لا يحصل الستر به؛لأنه يجب اجتناب النجاسة,والشفاف لا يحصل الستر به كما هو ظاهر .
وقال بعض العلماء:إن صلاة المسبل تصح,ولكن مع إصراره على ذلك يكون فاسقاً,وإمامته لا تصح عند بعض العلماء,ولكن إذا وجدته يصلي فادخل معهم,والإثم عليه,وأنت صلاتك صحيحة؛لأن من صحت صلاته صحت إمامته .
وأما حالق اللحية لا يجوز لأنه معصية للرسول صلي الله عليه وسلم فيما صح عنه بقوله صلي الله عليه وسلم (خالفوا المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب)) (1).وإذا كان حلق اللحية معصية فإن المصر عليها يكون من الفاسقين,والفاسق لا تصح لصلاته عند كثير من أهل العلم,و لكن الصواب صحة إمامته إلا لا ينبغي أن يكون إماماً راتباً,فإذا وجدت إماماًحالقاً لحيته يصلي بالناس فصل معهم والإثم عليه.
* * *

(15/77)


1003 سئل فضيلة الشيخ: إنني بعض الأحيان أحضر إلى الصلاة في المسجد فأجد الجماعة قد صلوا,إلا إنني ربما أجد جماعة بعدهم و هؤلاء قد يؤمهم من يكون مدخناً,ومن ثم أصلي معهم وأنا على مضض فهل هذه الصلاة سليمة؟وما هي شروط الإمامه؟نرجو إفادتنا مشكورين.
فأجاب فضيلته بقوله:هذا العمل سليم و لا بأس به؛لأن الصلاة تصح خلف المدخن,وصلاة المدخن صحيحة,ومن صحت صلاته صحة إمامته؛لأن المقصود أن يكون إماما لك وهذا يكون بصحة الصلاة,ولهذا لو وجدت شخصاً يشرب الدخان, أو حالق اللحية,أو يتعامل بالربا,أو ما أشابه ذلك فلا حرج عليك أن تصلي معه وصلاتك صحيحة.
وأما الصلاة خلف المسبل الذي ينزل ثوبه ففي صحة صلاته نظر عند بعض العلماء ؛لأن الإسبال يعود إلى معنى يتعلق بالصلاة,فإن الثوب من شروط الصلاة – أي ستر العورة – لقوله تعالىصلي الله عليه وسلم يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )(لأعراف: من الآية31). وست العورة واجب,ولا بد أن يكون بالثوب مباح,فلو ستر بثوب محرم فإن وجوده كالعدم على المشهور من مذهب الإمام أحمد,ولهذا قالوا إذا صلى في ثوب محرم عليه فإن صلاته لا تصح,وإذا لم تصح صلاته فإن إمامته لا تصح.

وبهذه المناسبة أود أن أوجه النصيحة لكافة إخواني المسلمين أن يتوبوا إلى الله من إسبال ثيابهم و مشالحهم وسراويلهم,فإن هذا فيه وعيد ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم,فما سواء لبسه على سبيل الخيلاء,أو على غير سبيل الخيلاء,فما أسفل الكعبين ففي النار(1) ,أما إذا جر ثوبه خيلاء فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.
وعلى ذلك فأنني أنصح مثل هؤلاء الأئمة الذين امتن الله عليهم بهذا اللباس – ومن شكر الله سبحانه وتعالى – أن لا يجعلوه وسيلة لما يخالف أوامر رسوله صلي الله عليه وسلم.

(15/78)


وأما شروط الإمامة فنقول من صحت صلاته صحت إمامته, اللهم إلا المرأة لا تكون إماماً للرجال,وبناء عليه فتصح إمامة الصبي ولو كان دون البلوغ .
* * *

1004 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يعمل عملاً حراماً ويتمادى فيه ويصر عليه,وإذا أتاه في بيته من يعمل الحرام يستقبله ولا يرفض ذلك,مع العلم أنه يظهر التدين و الانقياد لله ويقرأ القرآن ويصلي في المسجد كل الصلوات.ما حكم الصلاة خلف هذا الرجل؟
فأجاب فضيلته بقوله:إن أهل العلم اختلفوا في صلاة خلف الفاسق الذي يتمادى بالمعصية الصغيرة ويصر عليها,أو يقع في كبيرة ولم يتب منها,اختلفوا في الصلاة خلفه على قولين:
أحدهما:أن الصلاة خلفه لا تصح لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه نهى أن يؤم الرجل المؤمن رجل فاجر (1) .ولأن هذا لا تقبل شهادته,و لاتصح ولايته,فلم يكن أهلاً لأن يتولى الإمامة على المسلمين.
الثاني:وذهب بعض أهل العلم إلى صحة صلاة خلف الفاسق مادام فسقه لم يخرجه إلى الكفر,وذلك لأن الأصل في المؤمن الذي تصح صلاته,أن تصح إمامته إلا إن قام الدليل على المنع منه,والدليل هنا غير قائم.
والحديث الذي احتج به المانعون ضعيف ليس بحجة.
وأما التعليل الذي عللوا به,فإنه في الجواب عنه إن الولاية على نوعين:
النوع الأول:ولاية يكون فيها الإنسان مطلق التصرف فهذه قد لا تصح للفاسق.
النوع الثاني:ولاية لا يكون
فيها مطلق التصرف,بحيث ينكر عليه كل أحد رآه مخالفاً لما يجب أن يكون عليه في هذه الولاية,فإن ولايته فيها تصح,فقد ثبت أن الصحابة – رضي الله عنهم -والصواب عندنا أن الصلاة خلف الفاسق,لكن الصلاة خلف غير أولى وأكمل .
عنهم – صلوا خلف أهل الفسوق,وهذا يدل على أن القول هو الصحيح الذي لا يسع الناس اليوم العمل إلا به.

(15/79)


و لأننا لو طبقنا هذا الشرط على الأئمة لما وجدنا إلا النادر النادر ممن تصح إمامته؛ لأن أكثر الناس لا يخلو من بعض المعاصي إصراراً عليها,أو من بعض الكبائر,فمن الذي يسلم من الغيبة مثلاً؟!ومن الذي يسلم من تقصير في وظيفته والمحافظة عليها؟!ومن الذي يسلم من بغض أهل الحق لمجرد هوى يهواه؟!إلى غير ذلك من أسباب الفسق,فإن الخلو منها والسلامة منها أمر نادر.

والصواب عندنا أن الصلاة تصح خلف الفاسق ، لكن الصلاة خلف غيره أولي وأكمل .
أما بالنسبة لهذا الرجل الذي وصفت حاله,فإنه إذا كان مصراً على أمر ثبت تحريمه بالكتاب,والسنة يكون بذلك فاسقاً,فإن كان من كبائر الذنوب صار بمجرد فعله,إذا لم يتب منه,وإن كان من الصغائر لم يكن فاسقاً إلا إذا أصر عليه,هذا ما قرره أهل العلم,ونسأل الله لنا وله الهداية.

1005 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إمامة المرأة للصبيان؟
فأجاب فضيلته بقوله:الصحيح أنه لا يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجل سواء كلن صغيراً أم كبيراً,وبناء على ذلك فإنه في هذه الحال إذا أرادت المرأة إذا أرادت أن تصلي جماعة فإنها تجعل هذا الصبي هو الإمام,وتصلي خلفه؛لأن إمامة الصبي جائزة حتى في الفريضة,فقد ثبت من حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه قال: قال أبي:جئت من عند النبي صلي الله عليه وسلم حقاً- لأن أباه كان وافداً مع الوفود إلى النبي صلي الله عليه وسلم في سنة تسع من الهجرة – فقال:جئتكم من عند النبي صلي الله عليه وسلم حقاً ,وقال (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم,وليؤمكم أكثركم قرأنا)),قال:فنظروا فلم يجدوا أكثر مني قرأنا فقدموني,وأنا ابن ست,أو سبع سنين,وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري(1) وهو دليل على أن إمامة الصبي في الفريضة جائزة.

1006 وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز المرأة أن تؤم غيرها من النساء في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله:يجوز للنساء أن يصلين جماعة.

(15/80)


ولكن هل هذا سنة في حقهن,أو مباح؟بعض العلماء يقول:إنه سنة,وبعض العلماء يقول:إنه مباح.
والأقرب أنه مباح؛لأن السنة ليست صريحة في ذلك,فإن أقمن الصلاة جماعة فلا بأس,وإذا لم يقمن الصلاة جماعة فهن لسن من أهل الجماعة.
* * *
1007 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم إمامة المرأة للرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله:المرأة لا تؤم الرجال مطلقاً((فلن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (1) .
* * *
1008 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح إمامة الصبي بمن هو أكبر منه سناً؟
فأجاب فضيلته بقوله بقوله:نعم تصح إمامة الصبي بمن هو أكبر منه سناً,لكن إن كان الذي هو أكبر سناً منه قد بلغ فإن المشهور في المذهب أنها لا تصح إمامة الصبي به في الفرض خاصة,والصحيح جواز ذلك,وصحته في الفرض والنفل,ويدل لذلك حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه كان يؤم قومه وهو ابن ست,أو سبع سنين,لأنه كان أكثرهم قرآناً,رواه البخاري وأبو داود والنسائي(2),وكان ذلك في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولا يمكن أن يقرر في زمن الوحي شيء لا يجوز.
* * *

1009 سئل فضيلة الشيخ: أنا شاب عمري سبعة عشرة عاماً وبقريتنا مسجد ولم يتقدم لخطبة الجمعة إلا أنا,وعند نهاية الخطبة يتقدم للإمامة شيخ كبير لا يعرف القراءة,فهل يصح لي الصلاة بالجماعة إماماً؟أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله:نعم يجوز لك أن تتقدم بهم إماماً؛لأنك خطيبهم,والذي يطهر من حالك أنك أقرؤهم,ولذلك قال صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب لله))(1).
ولكن إن كان الإمام هو الإمام هو الإمام الراتب فإنك لا تؤمهم إلا بعد موافقته, لقوله صلي الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه,ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)(2) .فاستأذن منه إذا بدا لك أن تصلي بالناس باعتبار أنه يخطئ في بعض الآيات فإن سمح فذاك.

(15/81)


وإلا فإنه ينظر:فإن كان لديه لحن يحيل المعنى فإنه يعلم إن كان بالإمكان تعليمه,وإلا فإن الأمر يرفع للمسؤولين عن المساجد.والله الموفق.
* * *
1010 سئل فضيلة الشيخ: سافر أناس أميون لا يغرفون الفاتحة ومعهم إنسان مقعد يحسن القراءة ولكنه لا يستطيع القيام فهل يصلي بهم إماماً؟وماذا نقول لمن قال:ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي؟
فأجاب فضيلته بقوله:الواجب في مثل هذا أن يصلي بهم القارئ المقعد لقوله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرئهم لكتاب الله)). ونقول لمن قال (ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي)) ونقول له:لا دليل على قولك من كتاب ولا سنة,بل عموم الأدلة تدل على صحة إمامة مثل هذا,وهناك ذليل خاص في هذه المسألة وهو ((أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى بأصحابه جالساً لا يقدر على القيام)) (1) .
فإن قيل:إن النبي صلي الله عليه وسلم هو إمام الحي ونحن نقول بصحة ذلك منه.
فالجواب:أن لا دليل على التفريق بين إمام الحي وغيره,ثم إن عموم قوله(صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به))إلى قولهصلي الله عليه وسلم (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً))(2)
يدل على لا فرق بين إمام الحي وغيره, فمن ادعى خروج غير الإمام الحي فعليه بالدليل.
وبهذا التقرير الذي ذكرنا يتبين أنه لا دليل على أنه لا يصح أن يأتم القادر على القيام بالعاجز عنه.
* * *

1011 سئل فضيلة الشيخ: عن إمامة من يعجز فعل بعض أركان الصلاة أو شروطها؟
فأجاب فضيلته بقوله:المشهور من المذهب أن العاجز عن الشرط,أو الركن لا يكون إماماً للقادر.
ولكن ليس في هذا دليل يطمئن إليه القلب,والراجح عندي:أنه يجوز,وأن من صحت صلاته صحت إمامته.إلا أن يقوم نص,أو إجماع خلاف ذلك,فيؤخذ بما يقتضيه النص,أو الإجماع,وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال الإمام (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)),والمصلي قاعداً عاجز عن القيام وهو ركن في الفريضة.

(15/82)


* * *
1012 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين - :هل تجوز الصلاة خلف إمام يسرع في الصلاة كثيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا تصل خلف إمام يسرع كثيراً بحيث لا يمكنك أن تأتي بالطمأنينة الواجبة.
حرر 5/9/1418هـ .
* * *

1013 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الغمام لا يستطيع الوقوف,فهل يجوز للمأمومين أن يصلوا جلوساً؟
فأجاب فضيلته بقوله:كنعم إذا كان الإمام لا يستطيع القيام وصلى قاعداً من أول الصلاة فإن من خلفه يصلون قعوداً,لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به)) حتى قال (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (1) .
والنبي صلي الله عليه وسلم صلى ذات يوم يوم بأصحابه قاعداً وهم قيام,فأشار إليهم أن جلسوا, وهذا يدل على أن المأموم مأمور بمتابعة إمامه حتى في هذه الحال.
وإنما أسقطنا عنه القيام وهو ركن من أجل متابعة الإمام, كما يسقط عنه الواجب فيما لو أن قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً,فإن المأموم يتابعه ويسقط عنه التشهد الأول في هذه الحال .
وبهذا عرف أن الإمام إذا كان لا يجلس للاستراحة نوع تخلف عن الإمام.
والمشروع للمأموم أن يتابع إمامه فور انتهائه من الركن الذي انتقل منه,ووصوله إلى الركن الذي انتقل إليه,ولا يتخلف, وبهذا تتم المتابعة فيسقط الركن عن المأموم في القيام إذا صلى الإمام جالساً,ويسقط الواجب إذا ترك الإمام التشهد الأول ناسياً,ويسقط المستحب إذا تركه الإمام وكان لا يرى الجلوس للاستراحة,فإن المشروع في حق المأموم أن يتابعه لا يجلس,وأن كان يرى استحباب الجلوس.
فإن قلت:وهل مثل ذلك إذا كان الإمام يرى عدم رفع اليدين عند الركوع,وعند الرفع منه,وعند القيام من التشهد الأول,والمأموم يرى استحباب ذلك هل نقول للمأموم:لا ترفع يديك كالإمام؟

فالجواب:لا,ارفع يديك؛لأن رفع يديك لا يقتضي مخالفة الإمام,فإنك سترفع معه,وتسجد معه وتقوم معه بخلاف الذي يقتضي المخالفة.

(15/83)


ولهذا لو كان الإمام لا يتورك في التشهد الأخير,أو كان يتورك في كل التشهد يعقبه تسليم,والمأموم يرى أنه يتورك في التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ثلاثية,أو رباعية,فإنا نقول للمأموم:افعل ما ترى أنه سنة,وإن خالفت إمامك في صفة الجلوس؛لأن هذا لا يعد اختلافاً على الإمام.
وخلاصة القول:أن الإمام إذا صلى جالساً,فإن المأمومين يصلون جلوساً لأمر النبي صلي الله عليه وسلم بذلك,ولأنه طبق هذا فعلاً حين صلى الصحابة خلفه قياماص فأشار إليهم أن جلسوا,هذا إذا ابتدأ الصلاة قاعداً,أما لو ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم حصلت له علة فجلس فهنا يتم المأمومين صلاتهم قياماً.
وهذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حين جاء في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس قائماً, فجلس النبي عليه الصلاة والسلام إلى يسار أبي بكر,وأتم الصلاة بهم,وقد بقوا على قيامهم,ووجه ذلك انهم ابتدؤوا الصلاة قياما مع إمامهم,وحصلت العلة في أثناء فيجلس هو,أما هم فيصلون بقية صلاتهم قياماً على أول الصلاة.
* * *
1014 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد للصلاة فوجد الإمام قد انتهى من الصلاة ووجد مقعداً يصلي وهو جالس,فأراد الدخول معه فهل يقف بجانبه أو يصلي جالساً؟
فأجاب فضيلته بقوله:صل مع هذا المقعد الذي يصلي جالساً؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه,فإذا كبر فكبروا,ولا تكبروا حتى يكبر,وإذا ركع فاركعوا,ولا تركعوا حتى يركع,وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا:ربنا ولك الحمد,وإذا سجد فاسجدوا,ولا تسجدوا حتى يسجد,وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً,وإذا صلى قاعدا فصلوا قعوداً أجمعون))(1) .

(15/84)


و لاحرج عليك أن تدخل معه ولو كان قد بدأ الصلاة منفرداً على القول الراجح من أقوال أهل العلم,ودليل ذلك حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه بات خالته ميمونة – رضي الله عنها- في الليلة التي كان عندها رسول الله صلي الله عليه وسلم ,فلما قام رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل قام ابن عباس – رضي الله عنهما- عن يساره, فأخذ رسول الله صلي الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه(2) ,وقد نوى النبي صلي الله عليه وسلم الصلاة منفرداً,ثم نوى الإمامة,وما ثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل.
* * *

1016 سئل فضيلة الشيخ: ما العمل إذا انتقض وضوء الإمام أو تذكر أنه على غير طهارة وهو ساجد ؟
فأجاب فضيلته بقوله:العمل فيهذه الحال أن ينصرف من الصلاة,ويأمر أحد المأمومين الذين خلفه بتكميل الصلاة بالجماعة,فإذا قدرنا أنه تذكر وهو في الركعة الثالثة من الظهر أن ليس على طهارة,فإن الواجب عليه أن ينصرف,و لا يجوز أن يكمل
الصلاة على غير طهارة ,ويأخذ أحد المأمومين الذين خلفه ليتم الصلاة فيكمل بهم الثالثة,ويأتي بالرابعة ويسلم.فإذا قدر أنه لم يتذكر إلا بعد السلام,بطلت صلاته, أما صلاة المأمومين فصحيحة وليست باطلة.
* * *

1017 سئل فضيلة الشيخ:عن إمام مسجد يكسر في القراءة القرآن وزيادة على ذلك فهو حالق للحيته,ما حكم الصلاة خلفه؟

(15/85)


فأجاب فضيلته بقوله:الصواب من أقوال أهل العلم:أن الصلاة خلف العاصي صلاة صحيحة,إذا كانت الصلاة التي يصليها لم يفعل فيها ما يبطلها,فإن كان قد فعل فيها ما يبطلها فإن الصلاة خلفه لا تصح,مثل أن يكون هذا الإمام يصلي صلاة يسرع فيها,لا يطمئن فيها,ولا يدع من خلفه أن يطمئن,فهاهنا لا تجوز الصلاة خلفه,ويجب على من خلفه أن يفارقه ويتم الصلاة وحده؛لأنه إذا كان تطويل الإمام إطالة مخالفة للسنة تبيح للمأموم أن يدع إمامه ويتم الصلاة وحده, إن ترك الإمام الطمأنينة يبيح الإنفراد,فإذا كان الإمام يسرع إسراعاً لا يتمكن المأموم فيه من القيام بواجب الطمأنينة فإنه يجب على المأموم في هذه الحال أن يفارق الإمام وأن يصلي وحده؛لأن المحافظة على الطمأنينة ركن من أركان الصلاة,والمحافظة على الإمامة واجب للصلاة ولا تعارض بين الركن والواجب.
وأما إذا كان الإمام قد عصى معصية تتعلق بذاته ولا تؤثر على صلاته فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاته خلفه صحيحة, وقد صلى الصحابة – رضي الله عنهم – خلف الحجاج بن يوسف الثقفي (1) وقد علم أنه كان ظالماً مهدراً لدماء المسلمين,ولكننا نقول:إذا كنت تتمكن من الصلاة خلف إنسان مستقيم فإنه لا ينبغي لك أن تصلي خلف إمام غير مستقيم,فالمسألة من باب الأولوية,وليست من باب المحرم هذا القول الذي نراه أرجح الأقوال,والعلم عند الله.

(15/86)


وأما مسألة تكسير القرآن:فإنه لا يجوز لإنسان أن يقرأ القرآن على غير الصواب,والقرآن – ولله الحمد – موجود بين أيدينا معرباً مصححاً واضحاً,فعلى الإنسان أن يقرأ القرآن سليماً حتى لو وقف عند الكلمة خمس دقائق,أو ربع ساعة وهو يتهجاها حتى يخريجها على الوجه الصحيح فإن هذا أولى من أن يقرأها على الوجه الخطأ هذا هو الواجب؛لأن القرآن ليس كلام بشر,بل هو كلام الله عز وجل فأنت إذا نطقت به على غير ما صح,وعلى غير ما جاء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فمعنى ذلك أنك حرفت كلام الله,وتحريف كلام الله محرم هذا ليس كلام بشر ينقله ومعناه,ويجب على الإنسان أن يتأتى ويتأمل حتى لو ردد الكلمة عدة مرات ليأتي بها مستقيمة كان هذا هو الواجب عليه.
ومثل هذا الإمام الذي أشار إليه السائل إن كان إماماً راتباً في المسجد فإن عليه أن يبلغ المسؤولين عن حال هذا الرجل ليبدلوه بغيره,وإن كان غير إمام راتب فإنه لا يجوز لأهل المسجد أن يمكنوه من الصلاة فيهم,وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سوء فأعلمهم بالسنة .....))الحديث (2) .
* * *

1018 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة خلف إمام لا يرى قراءة الفاتحة في الركعة الأخيرة ويرى أن التسبيح يجزئ عن قراءة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله:إن الصلاة خلف إمام لا يعرف هل هو يقرأ الفاتحة أم لا مع العلم أن ممن يرى أن آخر ركعة من الصلاة لا تجب فيها قراءة الفاتحة نقول: إن الصلاة صحيحة؛ولو كان يرتكب ما تراه خطئاً,فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل.
أما إذا وجد شخص يعرف أنه يقرأ الفاتحة في كل ركعة فإن الأولى أن يصلي مع هذا الإمام الذي لا يقرأ الفاتحة في آخر ركعة.

(15/87)


وأما ذهب إليه الإمام من أن آخر ركعة يجزى فيها التسبيح فإنني ال أعلم له أصلاً في السنة,والسنة على أنه لابد من قراءة الفاتحة في كل ركعة؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما علم المسيء في صلاته كيف يصلي قال له صلي الله عليه وسلم (وافعل ذلك في صلاتك كلها)) ,ومن بينها قراءة الفاتحة,فإن قراءة الفاتحة كما في الركعة الأولى تجب فيما بعدها من الركعات التي في آخر الصلاة لقوله صلي الله عليه وسلم (وافعل ذلك في صلاتك كلها)) (1) .
وخلاصة الجواب أن الصلاة خلف من يخالف في أمر من فروع الدين في صلاته لا بأس بها.
* * *
1019 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز إمامة الذي يتتعتع في قراءة القرآن الكريم؟أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله:إمامة الذي يتتعتع في القرآن جائزة مادام يقيم الحروف والكلمات والحركات,فإن من الناس من يكون النطق ثقيلاً عليه ويتتعتع فيه.إلا أن من أهل العلم من قال إنه يكره إمامة الفأفاء الذي يكرر الفاء,والتماتم الذي يكرر التاء,وكذا من يكرر غيرها من الحروف,قالوا إنه تكره إمامته,ولا ريب أنه كلما كان الإنسان أقرأ أي وجود قراءة,وأكثر حفظاً للقرآن فهو أولى بالإمامة مع تقواه وصلاحه لقول النبي عليه الصلاة والسلام صلي الله عليه وسلم(يؤم القوم أقرئهم لكتاب الله,فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة,فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة,فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما أو قال سناً) (2).
* * *

1020 سئل فضيلة الشيخ:إذا كان الإمام لا يحسن القراءة فهل يصلي خلفه؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان الإمام لا يلحن لحناً يحيل المعنى فإن الصلاة خلفه تصح,ولكن يعلم حتى يتقن القراءة,أما إذا كان يلحن لحناً يحيل المعنى فإنه لا يصلي خلفه, ولا يجوز أن يبقى إماماً في هذه الحال.
* * *
1021 وسئل فضيلته – وفقه الله تعالى :عن حكم تقليد الإمام أحد القراء في قراءته؟

(15/88)


فأجاب بقوله:يجوز أن يقلد أحد القراء في قراءته,ما دام أداء القارئ الذي قلده جيداً.
أما الصوت فلا يقلده فيه.حرر في 14/4/1419هـ .
* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد انتشر في مساجد المسلمين في السنوات الأخيرة تركيب جهاز يسبب التشويش والإزعاج لكثير من المسلمين يسمى جهاز ترديد الصدى يضاف إلى مكبر الصوت لتضخيمه وترديد صداه في جنبات المسجد,مع العلم بأن ذلك يؤدي إلى أن يسمع المأموم قراءة الإمام وكأنه يردد كلمتين والحرف حرفين وخصوصاُ حروف الصفير,ويحصل من ذلك إزعاج وتشويش على بعض المصلين,نرجو من فضيلتكم بيان رأيكم في هذا وتوجيه نصيحة لمن يتسبب في جلب ما يشوش على المصلين إلى المسجد.
جزاكم الله خيراً,والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

(15/89)


إذا كان لا يحصل من جهاز ترديد الصدى إلا تحسين الصوت داخل المسجد فلا بأس به؛أما إذا كان يحصل منه ترديد الحروف فحرام؛لأنه يلزم منه زيادة حرف أو حرفين في التلاوة,فيغير كلام الله تعالى عما أنزل عليه,قال في كتاب ((الإقناع)) وكره أحمد قراءة الألحان وقال:وهي بدعة.فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفاً حرم .ا.هـ كلامه وأما كان الصوت يخرج عن المسجد من فوق المنارة فإن كان ليس حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فأرجو أن لا يكون بذلك حرج,وأما إذا كان حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فلا يرفعه من فوق المنارة لما في ذلك من أذية الآخرين والتشويش عليهم,وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:فكشف الستر وقال (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً,ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة)) .أو قال في الصلاة .أخرجه أبو داود ونحوه عن البياضي فروة بن عمرو رواه مالك في الموطأ,قال ابن عبد البر حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين.ا.هـ .ولنا جواب طويل على هذه المسألة كتبناه سابقاً (1) . أرجو تعالى أن ينفع به.كتبه محمد الصالح العثيمين في 23/8/1419هـ .
* * *

1022 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى بالناس من لا يجيد قراءة القرآن مع وجود من هو أجود منه فهل صلاتهم باطلة؟
فأجاب فضيلته بقوله:لا بد تعرف ما معنى قولهصلي الله عليه وسلم (لا يجيد قراءة القرآن)),إن كان المعنى أنه لا يجيدها على الوجه جيد فالصلاة صحيحة.
أما إذا كان لا يجيد القراءة يلحن لحناً يغير المعنى,ولا يقيم الكلمات,فنعم لا تصح الصلاة خلفه مع وجود قارئ مجيد للقرآن.
* * *
1023 سئل فضيلة الشيخ: طلب مني بعض الزملاء في العمل أن أكون إماماً أصلي في مسجد العمل,فهل يجوز هذا مع أني لا أقرأ ولا أكبت وفيهم من هو أقرأ مني؟

(15/90)


فأجاب فضيلته بقوله:قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله,فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة,فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة,فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً,-أو قال-سناً)) (1).
فلا ينبغي أن تؤم قومك وأنت لا تقرأ و لا تكتب وفيهم من هو أقرأ منك؛لأن هذا خلاف أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم,وأمره صلي الله عليه وسلم كله خير.
فمن كان أهلاً وأقرأ من غيره في هذا المكان يكون إماماً.
إما إذا تعذر,وأبى كل منهم أن يكون إماماً,ولم يبق إلا أن تكون أنت الإمام,وأنت تعرف الفاتحة وما تيسر من القرآن ولو قليلاً,فإنه يصح أن تكون إماماً؛لأن أهم شيء أن يكون الإمام يقرأ الفاتحة,ولا أظن أحداً من الناس يعجز عن قراءة الفاتحة.
والخلاصة:أنه ينبغي أن يؤمكم أكثركم قرآناً,ولا ينبغي أن يتقدم أحد وهناك من هو أقرأ منه إلا إذا تعذر . والله الموفق.
* * *

1024 سئل فضيلة الشيخ: دخلت المسجد لأصلي ففوجئت بإمام لا أحب أن أصلي وراءه,فماذا على أن أفعل لكي أكسب أجر صلاة الجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا دخلت المسجد لصلاة الجماعة ووجدتهم يصلون فصل معهم,حتى وإن كان الإمام ممن تكره؛لأن صلاة الجماعة واجبة,وقد حصلت فلا يحل لك أن تفرط فيها.
ويبقى النظر في سبب كراهيتك لهذا الواجب على أن يزيل ما بينه وبين أخيه من أحقاد,وأن يبدل هذه الأحقاد ألفة ومحبة لأن الله تعالى قال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة)(الحجرات: من الآية10)
وأما تناصحه,وتبين له الخلل حتى يقوم بإصلاحه,وليستقيم على أمر الله.
أما ترك الناس بعضهم بعضاً إذا رأوا خللاً في دينهم,والإكتفاء بإضمار الحقد والعداوة لهم فإن هذا خلاف حال المؤمنين الذين قال الله فيهم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: من الآية110).
* * *

(15/91)


1025 سئل فضيلة الشيخ: لدينا مسجد يأخذ مرتباً من الدولة ولا يحضر بعض الفرائض في المسجد,ويؤم الناس بدلاً منه من لا يحسن القراءة,وفي نفس الوقت يوجد من لا يحسن القراءة؟وهل تصح إمامة غير المتزوج؟وإذا كانت لا تصح فهل لي أن أصلي في البيت؟
فأجاب فضيلته بقوله:هذا السؤال تضمن مسألتين:
المسألة الأولى:هذا الإمام الذي يتخلف عن المسجد ويخلف من لا يصلح أن يكون إماماً.
وجواب هذا:أن مثل هذا الفعل محرم ولا يجوز؛لأنه يأخذ على مرتباً شهرياً,و أيضاً الواجب في حقه إذا لم يستطع الإمامة أن يقدم استقالته حتى يدع المجال لمن يكون أهلاً,ويقوم بإمامة هذا المسجد.
أما المسألة الثانية:فسؤالك عن إمامة من لم يكن قد تزوج الشباب.
وجواب ذلك:أن إمامة غير المتزوج جائزة ولا حرج فيها, لقوله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)) (1) .وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلة الجرمي – رضي الله عنه – أنه كان يؤم قومه ابن ست أو سبع سنين حيث كان أقرأ قومه ,وكان عهد النبي صلي الله عليه وسلم (2) .
* * *

رسالة
نصيحة للأئمة والخطباء
قال فضيلة الشيخ – غفر له ولوالديه,ولجميع المسلمين -:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله,نحمده,ونستعينه,ونستغفره,ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا,من يهده الله فلا مضل له,ومن يضلل فلا هادي له,وأشهد أن لا إله إلا الله شريك له,وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً,أما بعد:

(15/92)


الأئمة والخطباء هم الذين يقودون المجتمع؛لأنهم يباشرون الناس مباشرة تامة في اليوم والليلة والأسبوع في خطبة كل جمعة,ولا شك أن لهذا تأثيراً كبيراً لا سيما مع وجود الصحوة التي لا تنكر بين الشباب المسلم..فقد كان الناس قبل نحو عشرين سنة لا تكاد تجد في المسجد من الشباب إلا اليسير,أما الآن ولله الحمد فأكثر من في المساجد هم الشباب وهذا يؤذن بمستقبل زاهر لهذه الأمة,وليس هذا في البلاد السعودية فقط بل في عامة البلاد الإسلامية,فكل من يأتي إلينا من جهات متعددة ونسأله عنها يثنون على الصحوة الموجودة في بلادهم,وهذا لا شك من نعم الله – عز وجل – ونشير إلى أن المستقبل لهذه الأمة,ولكن هذه الصحوة تحتاج إلى قيادة تجمع بين العلم الشرعي والعقل الواعي؛لأن الكلام بلا علم جهل,والجاهل يفسد أكثر مما يصلح؛ولأن الكلام بلا عقل يؤدي إلى الاندفاع الجارف الذي تستولي عليه العاطفة,وإذا لم توزن العاطفة بميزان الشرع و العقل فإنها ستصير عاصفة تضر وهي وإن نجحت في إثارة الهمم والنشاط والإقبال في وقت ما,فإنها قد تكون العاقبة وخيمة,لكن إذا كانت الصحوة مميزة بالعلم الشرعي والعقل الواعي أمكن أن تسير على ما ينبغي بدون إزعاج وبدون نتائج عكسية,لهذا نحث إخواننا الخطباء والأئمة الذين يتكلمون أحياناً أدبار الصلاة أن يركزوا على هذا الأمر,على أن يكون الإنسان ناظراً للنتائج والمستقبل البعيد دون أن ينظر إلى الشيء الحاضر,فنار السعف لا شك أنها تشتغل بقوة وتضيء ما حولها لكن سرعان ما تخمد,أما نار الجمر فإنها تبقى ويحصل بها المقصود كثيراً؛لأنها تنضج وتدفئ على وجه متأن ليس فيه ضرر.

(15/93)