صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

... وأما من علم بالزيادة فإنه إذا قام الإمام إلى الزائدة وجب عليه أن يجلس ويسلم ، لأنه في هذه الحالة يعتقد أن صلاة إمامه باطلة إلا إذا كان يخشى أن إمامه قام إلى الزائدة ، لأنه أخل بقراءة الفاتحة ( مثلاً ) في إحدى الركعات فحينئذ ينتظر ولا يسلم .
... وأما بالنسبة للمسبوق الذي دخل مع الإمام في الثانية فما بعدها فإن هذه الركعة الزائدة تحسب له ، فإذا دخل مع الإمام في الثانية مثلاً سلم مع الإمام الذي زاد ركعة ، وإن دخل في الثالثة أتى بركعة بعد سلام الإمام من الزائدة ، وذلك لأننا لو قلنا بأن المسبوق لا يعتد بالزائدة للزم من ذلك أن يزيد ركعة عمداً ، وهذا موجب لبطلان الصلاة ، أما الإمام فهو معذور بالزيادة ، لأنه كان ناسياً فلا تبطل صلاته.

652 ... سئل فضيلة الشيخ : لو صلى الإمام خمساً ودخل معه شخص في الثانية فهل يسلم مع الإمام أو يأتي بركعة ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : اختلف العلماء في هذه المسألة ، فرأى بعض العلماء أنه إذا سلم الإمام الذي صلى خمساً فإنه يجب على المسبوق أن يأتي بركعة فيكون قد صلى خمساً كما صلى إمامه خمساً ، والدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم (( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ))(1) . قالوا فهذا الرجل فاته ركعة فيجب أن يأتي بها .
... ولكن القول الراجح : أنه لا يجوز له أن يأتي بركعة خامسة بل يسلم مع الإمام في هذه الحال ، لأن الإمام أتى بالخامسة معذوراً ،وأما هذا فلا عذر له بعد أن علم أنه صلى أربعاً فلا يحل له أن يزيد في الصلاة .
... وأما الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما فاتكم فأتموا )) فإن قوله (( فأتموا )) يدل على أن هذا الذي فاته نقصت به صلاته وهو إذا صلى مع الإمام أربعاً لم تنقص صلاته هذا هو الجواب عن هذا الحديث والله اعلم .
653 ... وسئل فضيلة الشيخ : عن كثرة التصفيق في الصلاة للتنبيه ؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص 12ج 13 .

(14/6)


... فأجاب فضيلته قائلاً : إذا كثر التصفيق للتنبيه حتى صار كأنه لعب ، فهذا لا يجوز في الصلاة ، أما إذا كان لحاجة فإنه لا بأس والتصفيق للنساء ، والتسبيح للرجال إذا دعت الحاجة .

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى المحب الأخ المكرم . . . حفظه الله تعالى .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
... ارجو الله تعالى أن تكونوا ومن تحبون بخير ، كما أننا بذلك ولله الحمد ، رزقنا الله وإياكم شكر نعمته وحسن عبادته . نشكركم على تقديمكم هذه الأسئلة المفيدة ونرجو الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح .
... سؤالكم الأول عن المسبوق الذي سلم إمامه عن نقص فقضى ركعة ثم ذكر إمامه فماذا يصنع ؟
فالجواب : أنه مخير بين أن يستمر في قضاء ما فاته منفرداً ، وبين متابعة الإمام ، وإذا تابع الإمام فهل تحتسب له ركعته التي قضاها ويسلم مع الإمام ، أو لا تحتسب ، لأنها وقعت في غير محلها ، لأن محل قضاء المأموم بعد تمام إمامه وهذا قد قضاها قبل تمام الإمام فتكون في غير محلها فتلغى ، ذكر بعض المحشين في ذلك احتمالين ، ولم يتبين لى أيهما أرجح(1).

654 ... سئل فضيلة الشيخ – رعاه الله تعالى -: عن رجل يصلي التراويح فقام إلى ثالثة فذكر أو ذكر فماذا يفعل ؟ وما صحة قول من قال إنه إذا رجع بطلت صلاته قياساً على من قام من التشهد الأول في صلاة الفريضة ؟
__________
(1) بقية الأسئلة الواردة في الرسالة نقلت إلى مواضعها وهي مؤرخة في 17/3/1389هـ .

(14/7)


... فأجاب فضيلته بقوله : إذا قام من يصلي التراويح إلى ثالثة فذكر أو ذكر وجب عليه الرجوع ، وسجود السهو ، ويكون سجود السهو بعد السلام ، لأنه عن زيادة ، فأن لم يرجع بطلت صلاته إن كان عالماً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( صلاة الليل مثنى مثنى )) (1) .
... فإذا زاد المصلي على ذلك فقد أتى بما ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ونص الإمام أحمد على أنه إذا قام المصلي في الليل إلى الثالثة فكما لو قام إلى ثالثة في الفجر، أي كما لو قام من يصلي الفجر إلى ثالثة ، ومن المعلوم أن من قام إلى ثالثة في صلاة الفجر وجب عليه الرجوع لئلا يزيد على المفروض ، وقد بين الفقهاء – رحمهم الله – هذا في باب صلاة التطوع .
... وأما قياس هذا على من قام عن التشهد الأول ، وقال إنه لا يرجع إذا استتم قائماً فلا وجه لقياسه ، لأن القيام عن التشهد ترك لواجب جاءت السنة بجبره بسجود السهو ، وهو ترك لا يزيد الرجوع إليه إلا خللاً في الصلاة ، لا حاجة إليه لأنه يجبر بسجود السهو ، أما من قام إلى زيادة فهو استمرار في زائد غير مشروع . قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 17/9/1409هـ .
...
655 ... سئل فضيلة الشيخ : إذا سجد الإمام للتلاوة فظن المأموم أن الإمام ركع فركع فما الحكم ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا سجد الإمام للتلاوة فظن المأموم أنه ركع ثم ركع بناء على أن الإمام قد ركع ، فلا يخلو من حالين :
... إحداهما : أن يعلم بأن الإمام ساجد وهو راكع ، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يسجد اتباعاً لإمامه .
__________
(1) رواه البخاري في الصلاة / باب الحلق والجلوس في المسجد ، ومسلم في المسافرين / باب صلاة الليل مثنى مثنى .

(14/8)


... الحال الثانية : أن لا يشعر أن الإمام ساجد إلا بعد أن يقوم من السجدة ، وحينئذ نقول للمأموم الذي ركع ارفع الآن وتابع الإمام واركع مع إمامك واستمر ، وسجود التلاوة سقط عنك حينئذ ، لأن سجود التلاوة ليس ركناً في الصلاة حتى يحتاج أن تأتي به بعد إمامك ، وإنما يجب عليك متابعة للإمام . والمتابعة هنا قد فاتت فهي سنة قد فات محلها وتستمر في صلاتك .
656 سئل فضيلة الشيخ : مسالة يكثر فيها الجهل والجدل ، نعرضها بين يديك لنعلم حكمها مقروناً بالدليل والتعليل : هل على المسبوق إذا أخطأ إمامه وسجد للسهو بعد السلام، أو قبله أن يسجد للسهو بعد أن يكمل صلاته ؟ وهل يتصور أن يسجد للسهو مرتين؟
فأجاب فضيله بقوله : إذا سها الإمام وسجد للسهو قبل السلام فإن على المسبوق أن يتابعه لأنه مرتبط بإمامه حتى يسلم ، فإذا قضى ما فاته لزمه السجود أيضاً ، لأن سجوده مع إمامه في غير محله ، فإن سجود السهو لا يكون في إثناء الصلاة وإنما كان سجوده مع إمامه تبعاً لإمامه فقط .
... ولكن إذا كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه المسبوق فإنه لا يعيد السجود مرة ثانية ، لأنه لم يلحقه حكم سهو إمامه فإنه كان قبل أن يدخل معه .
أما إذا كان سجود الإمام بعد السلام فإن المسبوق لا يسجد معه ، لأن متابعة الإمام في هذه الحال متعذرة إلا بالسلام معه ، وهذا غير ممكن ، لأن المسبوق لا يسلم إلا بعد انتهاء الصلاة.
... ولكن إذا كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه فإنه لاسجود عليه ، لأنه لم يلحقه حكم سهو إمامه ، وإن كان سهو بعد أن دخل معه سجد إذا سلم .
... هذا ما تقضيه الأدلة بعضها سمعية ، مثل وجوب سجود المأموم تبعاً لإمامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ))(1).
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ج13/122

(14/9)


وبعضها بالنظر الصحيح كما في تعليل الأحكام المذكورة ، وانظر الشرح الكبير على المقنع ، والمجموع شرح المهذب . حرر في 8/3/1417هـ .

657 ... وسئل فضيلة الشيخ : إذا سهى الإمام ، وجاء مأموم مسبوق بركعة أو أكثر وكان سجود السهو بعد السلام ولم يشارك المسبوق إمامه في السهو الذي حصل ، فهل يلزم المأموم أن يسجد مع الإمام قبل أن يتم ما عليه ولو أتم ما عليه فهل يسجد بعد ذلك ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا كان سجود الإمام بعد السلام ، فإن المأموم المسبوق لا يتابعه لتعذر المتابعة حينئذ ، لأنه لا يمكن أن يتابعه إلا إذا سلم ، ولاسلام متعذر بالنسبة للمسبوق فيقوم المسبوق ويقضي مافاته ، ثم إن كان مدركاً للسهو الذي أوجب السجود على الإمام ، سجد المأموم بعد إتمامه ما فاته ، وإن كان لم يدرك هذا السهو فلا سجود عليه .
658 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: إذا صليت مع إمام ثم قام يصلي الركعة الخامسة ، وأنا متأكد من أنها الخامسة ، فنبهته ولكنه مضى في صلاته فهل أتابعه أو أنفرد؟
وإذا نبهه اثنان أيتابعه المأمومون أم ينفردون ؟ وما حكم صلاته في المسألة الثانية ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : في هذا السؤال مسألتان :
... إحداهما : إذا قام الإمام إلى زائدة كخامسة في رباعية وتأكد المأموم زيادتها ونبهه فلم يرجع ، ففي هذه الصورة يلزم المأموم الذي تيقن زيادة إمامه أن يفارقه ويسلم منفرداً .
... وأما المسألة الثانية : فهي إذا نبهه اثنان هل يتابعه المامومون أم ينفردون ، فأن هذه المسألة إما أن يكون المأمومون غير الذين نبهوه جازمين بصوابه أم لا .
فإن كانوا جازمين بصوابه تبعوه ، وإلا رجعوا إلى ما قاله المنبهان ويفارقونه ، وينبغي أن يلاحظ أن لا بد من كون المنبهين ثفتين إذ لا عبرة بقول غير الثفة .

(14/10)


... وأما حكم صلاة الإمام الذي نبه اثنان فإن كان جازماً بصواب نفسه فصلاته صحيحة، وإن كان غير جازم بطلت صلاته ، لأنه يجب عليه الرجوع إلى قولهما وقد تركه ، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة وعليه سجود السهو .

659 ... وسئل فضيلته : إذا سهى المسبوق مع إمامه ثم سجد الإمام للسهو فماذا يصنع المسبوق وقد قام ليقضي ما فاته ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : إن كان قد استتم قائماً فإنه يمضي في صلاته ويسجد للسهو ، وإن لم يستتم وجب عليه الرجوع ويسجد للسهو إن كان قد خرج عن هيئة الجلوس بأن فارقت إليتاه عقبيه .
660 ... وسئل فضيلته : إذا سلم الإمام عن نقص ركعة ثم قام المسبوق ليقضي ما فاته ثم نبه الإمام فقام ليإتي بالركعة فهل يدخل معه هذا المسبوق أو لا ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : نعم ، يرجع حتى ولو كان قد استتم قائماً ويصلي معه ، ثم بعد سلام الإمام يقضي ما فاته ، وإنما قلنا إنه يرجع لأنه تبين أن الإمام لم يفرغ صلاته .

661 ... وسئل فضيلة الشيخ : إذا شك المصلي وكان كثير الكشوك أنه ما قرأ السورة هل يقرأها ثانية ؟ وكذلك يشك هل قرأ التحيات فما الحكم .
... فأجاب فضيلته بقوله : لا يقرأها أبداً ، إذا قرأها مرة يكفي ، لو شك في القراءة يعرض عن هذا ويدعه ، لأنه من الوسواس ، ولأنه إن فتح على نفسه باب الوسواس تعب وجاءه الشيطان يشككه في الصلاة ، يشككه حتى في الله – عز وجل – ربما تصل به الحال إلى الشك في الله ، وربما يشككه في زوجته ، هل طلق أو ما طلق ، أو ما أشبه ذلك ، فكون الإنسان يدع هذا هو الواجب عليه ، فيجب عليه أن يعرض عنه – يعني لو شك لا يلتفت لهذا الشك –.

662 ... سئل فضيلة الشيخ : متى يشرع سجود السهو ؟

(14/11)


... فأجاب فضيلته بقوله : يشرع سجود السهو في ثلاثة حالات بسبب زيادة ، أو نقص ، أو شك في الجملة لا في كل صورة ، لأن بعض الزيادة والنقصان لا يشرع لها السجود ، وكذلك بعض الكشوك لا يشرع لها السجود .

663 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: هل يشرع سجود السهو عند تعمد الإنسان ترك ركن ، أو واجب ، أوسنة في صلاة النفل أو الفرض ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : لا يشرع في العمد ، وذلك لأن العمد إن كان تعمد ترك واجب، أو ركن فالصلاة باطلة لا ينفع فيها سجود السهو ، وإن كان تعمد ترك سنة فالصلاة صحيحة ، وليس هناك ضرورة لجبرها بسجود السهو .
664 ... سئل فضيلته – رعاه الله -: هل يشرع سجو السهو لمن زاد في الصلاة سهواً ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : يشرع سجود السهو لمن زاد في صلاته سهواً وهذا السجود المشروع ، إما واجب ، أو مستحب سواء في النفل أو في الفرض ، بشرط أن تكون الصلاة ذات ركوع وسجود احترازاً من صلاة الجنازة ، فإن صلاة الجنازة لا يشرع فيها سجود السهو ، لأن أصلها ليست ذات ركوع وسجود فكيف تجبر بالسجود ، لكن كل صلاة فيها سجود وركوع فإنها تجبر بسجود السهو الفريضة والنافلة .
665 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: إذا زاد الإنسان في صلاته قياماً ، أو قعوداً ، أو ركوعاً ، أو سجوداً عمداً فما الحكم ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا زاد الإنسان في صلاته ركوعاً ، أو سجوداً ، أو قياماً ، أو قعوداً عمداً بطلت ولا ينفع فيها سجود سهو وإنما تبطل لأنه أتى بها على غير الوجه المشروع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(1) أي مردود .

666 ... وسئل فضيلة الشيخ : إذا زاد الإنسان في صلاته قياماً ، أو قعوداً ، أو ركوعاً ، أو سجوداً سهواً فما الحكم ؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص14.

(14/12)


... فأجاب فضيلته بقوله :إذا زاد الإنسان في صلاته قياماً ، أوقعوداً ، أو ركوعاً ، أوسجوداً ،سهواً فإنه يسجد له ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من زاد في صلاته أن يسجد سجدتين ، هذا دليل من القول .
... ودليل من الفعل لما صلى خمساً كما في حديث عبدالله بن مسعود(1) ، وقيل له صليت خمساً ثنى رجليه فسجد سجدتين .

667 ... وسئل فضيلة الشيخ : إذا كان الإمام في صلاة سرية مثل العصر أو الظهر قرأ الفاتحة جهراً ونبهه بعض المصلين . . فهل يسجد سجود السهو في هذه الحال ؟ وهل هذا العمل نفص أو زيادة في الصلاة ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : سجود السهو في هذه الحال ليس بواجب ، لأن غايته أنه أخل بالسنة وهي الإسرار في الصلاة السرية ، على أنه من السنة أن يسمع الإمام القراءة أحياناً ، جاء ذلك مصرحاً به في حديث أبى قتادة – رضي الله عنه – الثابت في الصحيحين (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان يسمعهم الآية أحياناً في قراءة السر )) ولا يجب عليه سجود السهو في هذه الحال ، ولكن إن سجد فلا حرج .
... وموضع السجود في هذه الحال بعد السلام ، لأن الجهر زيادة ، وإن سجد قبل السلام فلا حرج .
668 ... وسئل فضيلته : عن رجل صلى الظهر خمساً ولم يعلم إلا في التشهد ، فما الحكم ؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص15.
(2) رواه البخاري في الأذان باب : الفراءة في الظهر ح(759)، ومسلم في الصلاة باب :القراءة في الظهر والعصر ح154(451)

(14/13)


... فأجاب الشيخ بقوله : إذا زاد الإنسان في صلاته ركعة ولم يعلم حتى فرغ من الركعة فإنه يسجد للسهو وجوباً ، وهذا السجود يكون بعد السلام من الصلاة ، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى خمساً وأخبروه بعد السلام ثنى رجليه وسجد سجدتين (1) وقال: (( إذا شك أحدكم فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ))(2) ولم يقل متى علم قبل السلام فليسجد قبل السلام ، فلما سجد بعد السلام ، ولم ينبه أن محل السجود في هذه الزيادة قبل السلام ، علم أن السجود للزيادة بعد السلام ، ويشهد لذلك حديث ذي اليدين (3) فإن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين ثم ذكروه وأتم الصلاة وسلم ثم سجد سجدتين وسلم .
ويؤيده أيضاً المعنى وهو : أن الزيادة في الصلاة زيادة وسجود السهو زيادة أيضاً فاذا كان من الحكمة أن يؤخر سجود اسهو إلى ما بعد السلام مخافة أن يجتمع في الصلاة زيادتان .
669 ... وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته المهديين -: عن رجل قام إلى ركعة ثالثة في صلاة الفجر وذكر أثناءها ، فهل حكمها حكم من قام عن التشهد الأول أنه إذا قام وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع ؟ وهل عليه سجود سهو ؟ وهل هو قبل السلام أو بعده ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا ذكر في أثناء الركعة الزائدة في أي موضع منها فإنه يجلس فوراً ، وليس صحيحاً ما يتوهمه كثير من طلبة العلم أن حكم هذه الركعة الزائدة حكم من قام عن التشهد الأول فلا يرجع إذا استتم قائماً ، بل يجب عليه الرجوع متى علم ولو استمر المصلي في الزيادة مع علمه بذلك فإنه يكون زاد في صلاته شيئاً عمداً ، وهذا يبطل الصلاة ، وعليه سجود السهو إذا رجع وموضعه بعد السلام .
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص15.
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود رواه البخاري في الصلاة باب : التوجه نحو القبلة (401)، ومسلم في المساجد باب : السهو في الصلاة ح89(572) .
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص 15 .

(14/14)


670 ... وسئل فضيلته : عن رجل مسافر قام إلى ثالثة في الصلاة التي نوى قصرها فهل يلزمه الرجوع في الحال أو له أن يكمل ؟ وماذا عليه ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : في هذه الحال نقول له يلزمك الرجوع ، لأنك دخلت على أنك تريد أن تصلي ركعتين فلتصل ركعتين ولا تزيد عليهما ، وعليه أن يسجد للسهو بعد السلام، وإن استمر فأتم الصلاة فلا حرج عليه .
671 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: عن رجل يصلي الليل ، وصلاة الليل مثنى ، مثنى ، فقام إلى ثالثة ناسياً فماذا يفعل ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : يرجع فإن لم يرجع بطلت صلاته ، لأنه تعمد الزيادة ، ولهذا نص الإمام أحمد على أنه إذا قام في صلاة الليل إلى ثالثة فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر يعني إن لم يرجع بطلت صلاته ، لكن يستثنى من هذا الوتر فإن الوتر يجوز أن يزيد الإنسان فيه على ركعتين فلو أوتر بثلاث جاز .
... وعلى هذا فإن الإنسان إذا دخل في الوتر بنية أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يأتي بالثالثة ، لكنه نسي فقام إلى ثالثة بدون سلام ، فنقول له أتم الثالثة فإن الوتر يجوز فيه الزيادة على ركعتين .

672 ... سئل فضيلة الشيخ : إذا أتى المصلي بقول قد شرعه الشارع لكن في غير موضعه المشروع سهواً ، مثل أن يقرأ القرآن في السجود ، فهل يجب عليه سجود سهو ؟ وهل هو قبل السلام أو بعده ؟
... فأجاب بقوله : أولاً : القراءة في السجود غير مشروعة ، بل منهى عنها ، وكذلك في الركوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ، أما الركوع فعظموا فيه الرب ،وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن ان يستجاب لكم ))(1) وصلاته صحيحة على القول الراجح .
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب : النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ح207 (479).

(14/15)


... ثانياً : إذا أتى الإنسان بالقول المشروع في غير موضعه مع الإتيان بالقول المشروع في الموضع ، كان يقرأ في السجود مع قول (( سبحان ربي الأعلى )) ، فإنه لا يجب عليه سجود السهو بل يشرع له ، ولكن لو أتى بالقول المشروع في غير موضعه مع عدم الإتيان بالقول المشروع في موضعه ، كأن يقرأ في السجود مع عدم قول (( سبحان ربي الأعلى )) فإنه يجب عليه سجود السهو ، لأنه ترك واجباً ، ويكون قبل السلام .
673 ... وسئل فضيلة الشيخ : عن رجل دخل في الوتر ونوى أن يصلي ركعتين ثم يسلم ويأتي بالثالثة مفردة ، ولكنه سهى وقام إلى الثالثة فما العمل ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : نقول له : أتم الثالثة ، لأن الوتر يجوز فيه الزيادة على ركعتين .
674 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن إمام سلم من ثلاث ركعات في صلاة الظهر يظن أنها تمت فنبهه المأمومون مباشرة فماذا يفعل في تلك الحال؟
... فأجاب فضيلته بقوله : بم أنه علم قريباً فإنه يبنى على ما سبق ، فيأتي بركعة بنية أنها تكملة الصلاة لا أنها مستقلة ، ثم يسجد سجدتين بعد السلام .
... ودليل هذه المسألة : حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلى الظهر ، أو العصر فسلم من ركعتين ، ثم قام فتقدم إلى خشبة في مقدمة المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، وكان الناس فيهم خيار الصحابة كأبي بكر ، وعمر ، لكن لهيبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هابا أن يكلماه مع أنهما أخص الناس به ، وكان في القوم رجل يداعبه النبي صلى الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين لطول يديه ، فقال يارسول الله : (( أنسيت ، أم قصرت الصلاة ؟ )) فقال : (( لم أنس ولم تقصر )) ، قال : بلى قد نسيت ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس وقال : (( أحق ما يقول ذو اليدين )) ؟ قالوا نعم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ثم سلم ))(1).
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجة في ص 15

(14/16)


675 ... سئل فضيلة الشيخ- رعاه الله تعالى -: عن مصل سلم من صلاته يظن أنها قد تمت، ففعل ما ينافي الصلاة فأكل وشرب ثم تذكر أنه قد بقى عليه من صلاته فما الحكم ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : يبنى على ماسبق ، لأن فعله ما ينافي الصلاة كان بناء على أنها تمت صلاته ، فيكون صادراً عن نسيان ، أو عن جهل بحقيقة الحال ، والنسيان ، والجهل عذر يسقط بهما فعل المنهى وهو الأكل مثلاً ، أو الشرب ، أو ما أشبه ذلك ، ولهذا بنى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على صلاتهم مع فعلهم ما ينافي الصلاة وهو الكلام ، ولكن لو كان الفعل المنافي للصلاة هو الحدث فلا يبني على صلاته ، لأنه إذا أحدث تعذر بناء بعض الصلاة على بعض لانقطاعهم بالحدث . وخلاصة جواب السائل : بما أنه كان الفاصل الأكل والشرب فإنه يبني على ما سبق ويسجد للسهو بعد السلام .
676 ... وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: إذا كانت قراءة الفاتحة ركناً من أركان الصلاة ، لا تصح الصلاة إلا به ، فما الحكم في إمام أو مأموم نسي قراءة الفاتحة ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : هذا سؤال وجيه ، فالفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا بها في كل ركعة ، فإذا نسيها الإمام في الركعة الأولى ، ولم يتذكر إلا حين قام للركعة الثانية ، صارت الثانية هي الأولى في حقه ، وعلى هذا فلا بد أن يأتي بركعة أخرى عوضاً عن الركعة التي ترك فيها الفاتحة .
... أما المأموم فإنه لا يتابعه في هذه الركعة ، لكن يجلس للتشهد ، وينتظر حتى يسلم مع إمامه .
... أما بالنسبة للمأموم إذا تركها ، فمن قال : إن المأموم ليست عليه قراءة الفاتحة ، فالأمر واضح أنه ليس عليه شيء .
... ومن قال : إنها ركن في حقه ، فهو كالإمام فإذا تركها يأتي بعد سلام إمامه بركعة ، إلا إذا جاء والإمام راكع ، أو جاء والإمام قائم ، ولكن ركع قبل أن يتمها ، ففي هذه الحال تسقط عنه – أي عن المأموم – في الركعة الأولى .

(14/17)


677 ... وسئل فضيلة الشيخ حفظه الله : إذا ترك الإنسان تكبيرة الإحرام سهواً فما الحكم ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا ترك المصلي تكبيرة الإحرام سهواً أو عمداً ، لم تنعقد صلاته ، لأن الصلاة لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام ، فلو فرضنا أن شخصاً وقف في الصف ثم شرع في الاستفتاح ، وقرأ الفاتحة واستمر فإننا نقول إن صلاته لم تنعقد أصلاً ولو صلى كل الركعات .
678 ... سئل فضيلة الشيخ : عن رجل يصلي فقام في الركعة الأولي بعد أن سجد السجود الأول إلى الركعة الثانية ، فلما شرع في قراءة الفاتحة ذكر أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة ، فما الحكم ؟
... فاجاب الشيخ بقوله : بما أن المصلي ذكر قبل أن يصل إلى موضع السجود من الركعة الثانية فإنه يرجع وجوباً ويجلس بين السجدتين ويسجد ، ثم يتم صلاته ، ويسجد للسهو بعد السلام .
... أما لو لم يذكر إلا بعد أن رفع من السجود في الركعة التالية فإن الركعة الأولي تلغو وتقوم التي تليها مقامها .

679 ... وسئل فضيلة الشيخ : عن مصل لما جلس بين السجدتين في الركعة الثانية ذكر أنه لم يسجد في الركعة الأولي إلا سجدة واحدة ، فهل نقول له ارجع إلى الركعة الأولى ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : لا نقول له ارجع إلى الركعة الأولي ، لأننا لو قنا له : ارجع فسيرجع إلى نفس الموضع الذي هو فيه من الركعة الثانية ، وعلى هذا تكون الركعة الثانية التي هو فيها هي الأولي ، وعليه في ذلك سجود سهو ، ويكون بعد السلام .
680 ... سئل فضيلة الشيخ : عن رجل صلى ، ولما فرغ من صلاته ذكر أنه لم يسجد في الركعة الأخيرة إلا سجدة واحدة فهل يعيد الركعة ، أم ماذا يفعل ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة على القول الصحيح ، وإنما يأتي بما ترك وبما بعده ، لأن ما قبل المتروك واقع في محله وصحيح فلا يلزم الإتيان به مرة اخري .

(14/18)


... اما ما بعد المتروك فقلنا : بوجوب الإتيان به من إجل الترتيب .
... وعلى هذا فنقول في هذه الحال : ارجع واجلس بين السجدتين ، واسجد السجدة الثانية، ثم اقرأ التشهد ، ثم سلم ، ثم اسجد للسهو وسلم .

681 ... وسئل فضيلته : عن مصل نوى أن ينهض عن التشهد الأول ولكنه ذكر قبل أن ينهض فما الحكم ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : في هذه الحال التي ذكر السائل والتي نوى فيها النهوض عن التشهد الأول وذكر قبل أن ينه، يعني قبل أن تفارق ركبتاه الأرض أن هذا محل التشهد الأول، فعليه أن يستقر ويتشهد وليس عليه شيء ، لأنه لم يزد في صلاته ، وغاية ما هنالك أنه نوى أن يقوم ثم ذكر فاستقر جالساً ، ولم يؤثر في صلاته شيئاً لا بزيادة ولا نقص .
682 ... وسئل فضيلته : عن مصل قام عن التشهد الأول وقبل أن يشرع في القراءة ذكر هل يرجع ؟ ومتى يسجد للسهو قبل السلام أو بعده في تلك الحال ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : في هذه الحال لا يرجع ، لأنه انفصل عن التشهد تماماً حيث وصل إلى الركن الذي يليه ، فيكره له الرجوع وإن رجع لم تبطل صلاته ، لأنه لم يفعل حراماً ولكن عليه أن يسجد للسهو ، ويكون قبل السلام .
... وقال بعض العلماء يجب عليه المضي ولا يرجع وعليه سجود السهو لجبر ما نقص من الواجب ، ويكون قبل السلام .
683 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن مصل قام عن التشهد الأول ، ولما شرع في قراءة الفاتحة ذكر أنه ترك التشهد الأول فهل يرجع ؟ ومتى يسجد للسهو قبل السلام أو بعده في تلك الحال ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا ذكر المصلي الذي نسي التشهد الأول بعد الشروع في قراءة الركعة الأخري ، فيحرم الرجوع إلى التشهد ، ولكن عليه أن يسجد للسهو ، ويكون قبل السلام .

(14/19)


684 ... سئل فضيلة الشيخ : عن مصل نهض عن التشهد الأول وذكر قبل أن يستتم قائماً فهل يرجع إلى التشهد أو يستتم قائماً ومتى يسجد للسهو قبل السلام أو بعده في تلك الحال؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا نهض المصلي عن التشهد الاول وذكر قبل أن يستتم قائماً فيجب عليه الرجوع ، ويسجد للسهو ، وموضعه قبل السلام .

685 ... وسئل فضيلته : عن رجل نسي أن يقول في الركوع (( سبحان ربي العظيم )) فما الحكم ؟ ومتى يسجد للسهو ؟ قبل السلام ، أو بعده في تلك الحال ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : إذا نهض المصلي من الركوع ولم يقل : (( سبحان ربي العظيم)) فإن ذكر قبل أن يستتم قائماً فإنه يلزمه الرجوع ، وإن استتم قائماً حرم الرجوع ، وعليه أن يسجد للسهو لأنه ترك واجباً ، ويكون قبل لأنه عن نقص .

686 ... سئل فضيلة الشيخ : عن رجل صلى وشك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً في صلاة العصر وترجح عنده أنها أربع ، فماذا يفعل ؟ ومتى يسجد للسهو في تلك الحال قبل السلام أو بعده؟
... فأجاب فضيلته بقلوله : نقول له اجعلها أربعاً ، لانه ترجح عندك ذلك ، ومثله لو ترجح عنده إنها ثلاث يجعلها ثلاثاً ، ويأتي بالباقي ، ويسجد في كلتا الحالين للسهو ، وموضعه بعد السلام ، ودليل ذلك حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن شك فتردد هل صلى ثلاثاً أم أربعاً ؟ قال : (( فليتحر الصواب ثم ليتم عليه – يبني على التحري – ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلم ))(1)

687 ... وسئل فضيلته : عن رجل صلى الفجر ، وشك هل صلى ركعة أم ركعتين ، ولم يترجح لديه شيء ، فماذا يفعل ؟ ومتى يسجد للسهو ؟
__________
(1) رواه البخاري في الصلاة باب : التوجه نحو القبلة ( 401 ) ، ومسلم في المساجد باب : السهو في الصلاة ح89 ( 572 ).

(14/20)


... فأجاب فضيلته بقوله : إذا شك الإنسان في عدد الركعات ولم يترجح عنده شيء ، أخذ بالأقل ، وبناء على هذا نقول لهذا الرجل : خذ بالأقل الذي هو ركعة واحدة ، ثم أتم الصلاة ، واسجد للسهو قبل السلام .
688 ... وسئل فضيلة الشيخ : رجل صلى وشك هل صلى ثلاثاً أم اربعة ، لكنه في أثناء هذه الركعة تيقن أنها الرابعة وليس فيها زيادة فهل يلزمه أن يسجد أو لا يلزمه ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : نعم يلزمه سجود السهو ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (( فلم يدركم صلى ))(1) هذا لأجل أن يبني على ما عنده وظاهره أنه لو درى فيما بعد فإنه يسجد لقوله : (( فإن كان صلى خمساً شفعن صلاته وإن كان صلى إتماماً كانتا ترغيماً للشيطان ))(2) ولأنه إدي الركعة وهو شاك هل هي زائدة ، أو غير زائدة ؟
فيكون أدى جزءً من صلاته متردداً في كونه منها ، فيلزمه السجود ، وموضعه قبل السلام .
... وقال بعض العلماء : إذا تبين له أنه مصيب فيما فعله ، فإنه لا سجود عليه ، لأن شكه زال ، وسجود السهو إنما كان لجبر الصلاة من الشك الذي حصل فيها وقد زال .
689 ... وسئل فضيلة الشيخ – رعاه الله -: عن المصلي إذا شك في ترك الركن ، كأن قام إلى الركعة الثانية وشك هل سجد مرتين أم مرة واحدة في الركعة الأولى ولم يترجح لديه شيء ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذا شك الإنسان في ترك الركن ولم يترجح لديه شيء ، فالأصل عدم فعله ، ولهذا نقول للسائل : ارجع واجلس بين السجدتين ، ثم اسجد ، وأتم صلاتك ، ثم اسجد للسهو بعد السلام .
690 ... سئل فضيلته : عن المصلي إذا شك في الركن ، كأن قام إلى ثانية وشك هل سجد مرتين أم مرة واحدة وترجح عنده أنها اثنتان فما الحكم ؟
__________
(1) هذا حديث أبي سعيد الخدري وفي أوله : (( إذا شك أحدكم في صلاته . . . )) رواه مسلم في المساجد باب : السهو في الصلاة ح88(571) ، ويسأتي كاملاً ص 100 .

(14/21)


... فأجاب الشيخ بقوله : الحكم في هذه المسألة : بما أنه ترجح عنده أنه سجد سجدتين يكون فاعلاً لهما حكماً ولا يرجع ، ولكن عليه سجود سهو بعد السلام .
691 ... وسئل فضيلة الشيخ : عن المصلي إذا شك في الواجب كأن شك هل تشهد التشهد الأو أم لا ولم يترجح عنده شيء ؟
... فأجاب فضيلته بقوله : إذ شك المصلي في ترك الواجب فهو كتركه وعليه سجود السهو ، لأنه شك في فعله وعدمه ، والأصل عدم الفعل فيجب عليه سجود السهو ، ويكون قبل السلام ، لأنه عن نقص .
692 ... وسئل فضيلة الشيخ : عن مصل شك هل قال : (( سبحان ربي العظيم )) في الركوع أم لا ، وترجح عنده أنه قاله فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله : إذا شك المصلي في ترك الواجب وترجح لديه فعله ، فلا سجود عليه .
وعلى هذا فنقول لهذا المصلي بما أنه ترجح لديك فعل الواجب الذي هو قول : (( سبحان ربي العظيم )) في الركوع فلا سجود عليك .
693 ... سئل فضيلة الشيخ : عن مصل شك وهو يتشهد التشهد الأخير في صلاة الظهر هل صلى خمساً أم اربعاً ؟ هل عليه سجود سهو أم لا ؟
... فأجاب الشيخ بقوله : نقول لهذا المصلي لا سجود عليك ، لأن الأصل عدم الزيادة ، فهذا الشك في سبب وجوب سجود السهو ، وهو الزيادة ، والأصل عدمها .

694 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله : إذا شك المصلي في الزيادة حين فعلها ، كأن شك وهو في الرابعة هل هذه خامسة أم رابعة ؟ فهل عليه سجود سهو أم لا ؟
... فأجاب بقوله : الشك في الزيادة حين فعلها يوجب سجود السهو ، لأنه أدى جزءً من صلاته متردداً في كونه منها ، وعليه فنقول لهذا المصلي : عليك سجود سهو ، ويكون بعد السلام إن كان عنده ترجيح ، وإلا فقبل السلام .

695 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: إذا سجد الإمام سجود السهو ، فهل يجب على المأموم أن يتابعه في ذلك مع أنه لم يسه في صلاته ؟

(14/22)


... فأجاب فضيلته بقوله : يجب على المأموم إذا سجد الإمام للسهو أن يسجد معه سواءً سها أم لم يسه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفو عليه))(1) ، وسواء كان سجود السهو قبل السلام ، أو بعده ، وهذا ظاهر فيما إذا كان سهو الإمام قد أدركه المأموم ، يعني أن المأموم لم يفته شيء من الصلاة فهنا يجب أن يسجد مع الإمام ولو بعد السلام ، ولكن إذا كان المأموم مسبوقاً وسجد مع الأمام ولو بعد السلام فإنه لا يلزم المأموم متابعته ، لأن المتابعة حينئذ متعذرة لوجود الحائل دونها وهو السلام ، وحينئذ لا يتابعه إذا سجد بعد السلام وهو مسبوق .
... ولكن هل يلزمه إذا أتم صلاه أن يسجد بعد السلام كما سجد الإمام ؟ فيه تفصيل :
1- إذا كان سهو الإمام فيما إدركه المسبوق من الصلاة ، وجب عليه أن يسجد بعد السلام .
2- وإن كان سهو الإمام فيما مضى من الصلاة قبل أن يدخل معه فلا يجب عليه أن يسجد.
فمثلاً على الحال الأولى: أن يكون سهو الإمام زيادة بأن ركع مرتين في الركعة الثانية، وأنت أدركته في ذلك، فهنا يلزمك أن تسجد إذا أتممت صلاتك؛ لأنك أدركت الإمام في السهو فارتبطت صلاتك بصلاته، صار ما حصل من نقص حاصلاً لك.
... والمثال على الحال الثانية: أن تكون زيادة الركوع في الركعة الأولى، وأنت لم تدخل معه في الركعة الثانية، فإنه لا يلزمك الأولى، لأن الأصل في وجوب السجود هنا متابعة الإمام، المتابعة هنا متعذرة، لأنه بعد السلام، وأنت لم تدرك الإمام في الركعة التي سها فيها، فارتبطت به في صلاة ليس فيها سهو فلم يلزمك أن تسجد.
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ج13/122

(14/23)


... والخلاصة: أنه إن كان سجود الإمام قبل السلام لزم المأموم متابعته فيه بكل حال، وإن كان بعده، فإن كان لم يفته شيء لزمته متابعته، وإن فاته شيء من الصلاة لم يتابعه لتعذر المتابعة – كما سبق – ولكن إن كان قد أدرك سهو الإمام وجب أن يسجد بعد السلام، وإن كان سهو الإمام قبل أن يدخل معه لم يلزمه السجود.

696 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا قام الإمام من التشهد الأول ناسياً فهل يلزم المأموم متابعة الإمام في ذلك مع أن المأموم يعلم أنه ترك التشهد الأول؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نعم يلزم المأموم متابعة الإمام إذا قام عن التشهد الأول ناسياً وإن كان المأموم ذاكراً.

697 ... سئل فضيلة الشيخ: غفر الله له وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: عن رجل صلى مع إمامه صلاة العصر كاملة من أولها، ولكنه سها في إحدى السجدات ولم يقل: "سبحان ربي الأعلى" فهل يسجد للسهو أو لا؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نقول لهذا الرجل لا سجود عليك؛ لأنه في هذه الحال التي ذكر سيكون السجود قبل السلام، ومعلوم أنه سيحصل بسجوده الذي قبل السلام مخالفة للإمام، والقاعدة أن الواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإمام، وسجود السهو واجب، إذاً: فيسقط عن المأموم من أجل متابعة الإمام.

698 ... وسئل فضيلته: عن رجل مسبوق نسي أن يقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقد أدرك الإمام في الركعة الثانية فهل يجب عليه سجود السهود أم لا؟
... فأجاب الشيخ بقوله: نعم، يجب عليه سجود السهو؛ لأنه ترك واجباً، فإذا أتى بالركعة التي فاتته وجب عليه أن يسجد سجود السهو عن ترك الواجب، لأنه الآن إذا سجد لا يحصل منه مخالفة للإمام؛ لأنه انفرد في قضاء ما فاته من الصلاة.
... وعليه فنقول: إذا سها المأموم في صلاته وكان مسبوقاً وجب عليه أن يسجد للسهو إذا كان سهوه مما يوجب السجود.

699 ... سئل فضيلة الشيخ: إذا ترك المصلي دعاء الاستفتاح فهل يجب عليه سجود السهو؟

(14/24)


... فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه تعمد تركه، ولا تبطل صلاته؛ لأنه سنة، ولكن إذا تركه ناسياً وهو من عادته أن يفعله، فإنه يسن له سجود السهو؛ لأنه قول مشروع نسيه فيجبره بسجود السهو.

700 وسئل فضيلته: إذا فعل الإنسان ما يبطل الصلاة كأن يتكلم فيها فما الحكم؟
فأجاب الشيخ بقوله: إذا فعل الإنسان ما يبطل الصلاة، فإن كان متعمداً بطلت صلاته، وإن فعل ذلك جاهلاً، أو ناسياً لم تبطل صلاته، وبناء عليه: إذا تكلم عالماً عامداً في صلاته بطلت، وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل.

التنبه بغير التسبيح

701 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان الكلام في مصلحة الصلاة، مثل نسي الإمام قراءة الفاتحة، فنقول له اقرأ الفاتحة، وإذا نسي الركوع وسجد وقيل له سبحان الله فلم يفهم خطأه، فنقول له لم تركع... فهل ذلك يبطل الصلاة؟

(14/25)


... فأجاب فضيلته بقوله: نعم الكلام يبطل الصلاة، وأعني بالكلام كلام الآدميين والدليل على ذلك قصة معاوية بن الحاكم – رضي الله عنه – حين جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله – قاله العاطس – فقال معاوية يرحكم الله، فرماه الناس بأبصارهم، فقال: واثكل أمياه – قاله معاوية – فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكت، فلما قضى صلاته دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه – صلوات الله وتسليمه عليه – والله ما كهرني، ولا نهرني وإنما قال: "إن هذه الصلا ة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، الشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" وهذا عام، فشيء نكرة في سياق النفي يفيد العموم سواء لمصلحة الصلاة لغير مصلحة الصلاة، وعلى هذا فلا يجوز لنا أن ننبه الإمام بشيء من الكلام، فإذا سجد قلنا سبحان الله في غير موضع السجود وقام وقلنا سبحان الله؛ لأنه ليس موضع القيام فلا نقول له اجلس لأنك إن قلت اجلس فإنك تكون قد كلمت الآدمي فتبطل صلاتك.
فإذا تكلم أحد الناس جاهلاً فلا عليه إعادة، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بالإعادة مع أنه تكلم مرتين، مرة قال للعاطس (يرحمك الله) ومرة قال: (واثكل أمياه) ولم يأمره بالإعادة، لكن لو أن الإمام في صلاة جهرية نسي أن يجهر فقلنا له سبحان الله فلم يفهم، فكيف ننبهه؟
الجواب: نقرأ جهراً يرفع أحد المصلين صوته بقراءة الفاتحة فينتبه الإمام.

702 وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل نسي التشهد الأول فعلم أنه يجب عليه سجود سهو قبل السلام ولكنه نسي وسلم فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن ذكر في زمن قريب سجد، وإن طال الفصل سقط، مثل أن لا يذكر إلا بعد مدة طويلة، فلو خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد ويسقط عنه.

(14/26)


... ...
703 ... وسئل فضيلته: عن من سها مراراً، كأن ترك قول "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وترك التشهد الأول، وترك قول "سبحان ربي الأعلى" في السجود فكم مرة يسجد للسهو؟
... فأجاب الشيخ بقوله: إذا سها الإنسان مراراً، فنقول له يكفيك سجدتان؛ لأن الواجب من جنس واحد فدخل بعضه في بعض، كما لو أحدث ببول، وغائط، وريح، وأكل لحم إبل، فإن يكفيه وضوء واحد، ولا يلزمه أن يتوضأ لكل سبب وضوء.

704 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: ما المشروع في تنبيه الإمام إذا سها في صلاته؟
... فأجاب الشيخ بقوله: المشروع في تنبيه الإمام أن يسبح من وراءه بالنسبة للرجل، والتصفيق بالنسبة للنساء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفق النساء".

705 ... وسئل فضيلته: إذا نبه الإمام من قبل المأمومين بدون تسبيح فهل يعطى ذلك حكم التسبيح مثل أن يتنحنحوا؟
... فأجاب الشيخ بقوله: نعم إذا نبه الإمام من قبل المأمومين بغير تسبيح فكما لو نبهوه بتسبيح.

706 ... وسئل فضيلته: عن إمام سبح به رجل واحد فقط فهل يلزمه الرجوع؟
... فأجاب الشيخ بقوله: لا يلزمه الرجوع، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين، لكن إن غلب على ظنه صدقه أخذ بقوله، فإن سبح به رجلان ثقتان وجب عليه الرجوع، إلا أن يجزم بصواب نفسه، فإن لم يرجع وهو لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته؛ لأنه ترك الواجب عمداً، وإن جزم بصواب نفسه لم يرجع وبنى على ما جزم به.

707 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن إمام سبح به رجل على أنه زاد في صلاته، وسبح به رجل آخر بما يدل على أنه لم يزد في صلاته.. فما الحكم؟

(14/27)


... فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في ذلك أنهما يتساقطان، فلو قال أحدهما لما قام الإمام: "سبحان الله" إذاً تعارض عنده قولان للجلوس قال الثاني: "سبحان الله" إذاً تعارض عنده قولان فيتساقطان، كل قول يسقط الآخر، ويرجع إلى ما عنده ويبني عليه.

708 ... سئل فضيلة الشيخ: عن رجل صلى بأمه وأخته وأخطأ فنبهتاه بالتصفيق فهل يرجع أو لا؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يرجع لأن هذا خبر ديني، فاستوى فيه الذكور والإناث، ولأنه خبر عن عمل تشاركان فيه العامل، فلا يمكن أن تكذبا عليه؛ لأنه لو أخطأ أخطأتا معه، فلهذا نقول: أن المرأتين كالرجلين ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفق النساء".

فوائد مختصرة في أحكام سجود السهو

1- من ترك ركناً ناسياً لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: إن ذكره قبل أن يصل إلى محله وجب عليه الرجوع.
الحال الثانية: إن ذكره بعدما وصل إلى محله، فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رجع لم يستفد شيئاً وتكون الركعة الثانية بدلاً عن التي قبلها.
الحال الثالثة: إن ذكره بعد السلام فإن كان في الركعة الأخيرة أتى بها وبما بعده فقط، وإن كان فيما قبلها أتى بركعة كاملة.
... وفي كل الحالات يجب عليه سجود السهو، ومحله بعد السلام.
2- لا يشرع سجود السهود في العمد؛ لأنه إن كان تعمد ترك واجب، أو ركن فالصلاة باطلة، لا ينفع فيها سجود السهو، أما إن كان تعمد ترك سنة فالصلاة صحيحة.
3- من ترك واجباً ناسياً كالتشهد الأول فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: إذا ذكر بعد أن تهيأ للقيام، ولم ينفصل عن المكان الذي هو فيه، فإنه يستقر فيه، وليس عليه سجود سهو.
الحال الثانية: إذا انفصل عن المكان، ولم يصل إلى المكان الذي قام إليه فيجب عليه الرجوع، وعليه السجود.
الحال الثالثة: إذا وصل إلى المكان الذي قام إليه، فإنه لا يرجع، وعليه سجود السهو.

(14/28)


4- إذا شك المصلي ولم يترجح لديه شيء، أخذ بالأقل.
5- إذا شك المصلي وترجح لديه شيء، بنى على الراجح عنده.
6- الشك في الزيادة حال فعل الزيادة يوجب سجود سهو.
7- الشك في الزيادة بعد الانتهاء منها لا يوجب سجود سهو.
8- سجود السهو واجب لكل شيء يبطل الصلاة عمده مما كان من جنس الصلاة.
9- إذا ترك المصلي سنة كان يفعلها فسجوده للسهو سنة وليس بواجب.
10- من سها مراراً كفته سجدتان.
11- إذا اجتمع سجودان أحدهما قبل السلام والثاني بعده سجد قبل السلام.

709 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: إذا نسي الإمام سجدة وقام إلى الركعة التالية فما الحكم؟
... فأجاب فضيلته بقوله: مثل هذه الحال إذا وقعت للمصلي فقام من سجدة واحدة إلى الركعة التي تليها، فإنه يجب عليه أن يرجع ليأتي بالسجود ثم يستمر في صلاته، ويكمل الصلاة ويسلم منها ثم يسجد بعد السلام سجدتين للسهو، ويسلم إلا إذا لم يذكر أنه نسي السجدة حتى وصل إلى المحل الذي قام منه، فإنه حينئذ يلغي الركعة التي نسي السجود فيها ويجعل الركعة التي أتى بها بدل الركعة التي نسي منها السجود.
... مثال ذلك: رجل قام من السجدة الأولى في الركعة الثالثة إلى الركعة الرابعة ولما شرع في القراءة واستمر ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية ولم يجلس بين السجدتين فنقول له: ارجع واجلس بين السجدتين، ثم اسجد السجدة الثانية، وبهذا تتم الركعة الثالثة، ثم تقوم إلى الركعة الرابعة وتكمل الصلاة وتسلم، ثم تسجد سجدتين للسهو وتسلم؛ وذلك لأن السهو هنا حصل فيه زيادة في الصلاة وهو القيام، وسجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإنه يكون بعد السلام، أما إذا لم يذكر حتى قام من السجدة الأولى في الركعة الرابعة فإنه يلغي الركعة الثالثة، وتكون هذه الرابعة هي الثالثة فيأتي بالرابعة ويسلم، ويسجد بعد السلام سجدتين للسهو، ويسلم.

(14/29)


710 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن إمام صلى المغرب، وعندما أكمل ركعتين لم يجلس للتشهد، ووقف ليأتي بالركعة الثالثة فقال بعض الجماعة: سبحان الله، فجلس فوراً وأتى بالجلوس ثم وقف واستتم واقفاً للركعة الثالثة، وأكمل الصلاة، فقال له بعض الجماعة، كيف رجعت من الفرض للسنة؟ فأجاب لم أبدأ بالقراءة، ولذلك رجعت للجلوس، أفيدونا عن حكم ذلك بارك الله فيكم وجزاكم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؟
... فأجاب فضيلته بقوله: عمله هذا خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأن الإنسان إذا قام عن التشهد الأول واستتم قائماً فإنه لا يرجع، وعليه أن يسجد للسهو قبل السلام سجدتين، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم "حين صلى بأصحابه الظهر فقام من الركعتين ولم يجلس فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس وسجد سجدتين ثم سلم"(1).
... وقد روي من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإن استوى قائماً فلا يجلس"(2).
... فالقاعدة: إذاً: أن من قام عن التشهد الأول حتى استتم قائماً، فإنه لا يجلس، ولكن يجب عليه سجود السهو سجدتين قبل السلام.
... وأما قول الجماعة له: كيف رجعت من الفرض إلى السنة؟
__________
(1) تقدم من حديث ابن بحينة المتفق عليه، راجع ص15.
(2) رواه أبو دواد في الصلاة باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس (1036) بنحوه و ح (1037) ورواه الترمذي في الصلاة باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً ح(364) و (365) وصححه ورواه الإمام أحمد 4/247.

(14/30)


... فهذا فيه نظر؛ لأن جعلهم التشهد الأول من السنة ليس بصحيح؛ لأن التشهد الأول واجب لحديث ابن مسعود – رضي الله عنه قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد)(1) فإن قوله: "قبل أن يفرض علينا التشهد" يعم التشهد الأول والثاني، لكن لما جبر النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول بسجود السهو علم إنه ليس بركن، وأنه واجب يجبر إذا تركه المصلي بسجود السهو.

711 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: إذا نسي المصلي السجدة الثانية ثم تذكر بعد السلام فما العمل؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: إن كانت السجدة الثانية من آخر ركعة فإنه يأتي بها وبالتشهد الأخير بعدها ويسلم ثم يسجد للسهو سجدتين ويسلم.
... وإن كانت من ركعة قبل الأخيرة فإن تلك الركعة التي نسي فيها السجدة تلغو وتكون التي تليها بدلها، ويحتاج إلى أن يأتي بركعة ثم يسلم ثم يسجد للسهو ويسلم.

712 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل صلى مع الإمام صلاة القيام، وعندما سلم الإمام قام وصلى الثانية، إلا أنه نسي الركوع ولم يتذكر إلا بعد السجود... فهل عليه سجود سهو؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا تذكر المصلي أنه نسي الركوع، وهو ساجد فإن الواجب عليه أن يقوم من سجوده، ثم يكمل قراءته إذا كانت لم تكمل، ثم يركع ويكمل صلاته، ويسلم، ثم يسجد سجدتين ويسلم.

713 ... سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: من صلى العشاء ثلاثاً ثم تكلم أو مشى قليلاً فهل يعيد الصلاة أو يبني على ما مضى ويسجد للسهو؟
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب: السهو في الصلاة ح101 (574).

(14/31)


... فأجاب فضيلته قائلاً: الواجب عليه أن لا يعيد الصلاة من أولها، بل الواجب أن يكمل الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عمران بن حصين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله – فذكر له صنيعه – وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم"(1).
... فإذا حصل هذا فالواجب على المرء أن يكمل صلاته ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين للسهو ثم يسلم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"(2). لكن إذا طال الفصل أو انتقض وضوءه، وجب عليه استئناف الصلاة من جديد؛ لأنه يتعذر عليه بناء بعضها على بعض حينئذ.

714 ... وسئل فضيلته: عن امرأة صلت مع الإمام في المسجد الحرام صلاة الفجر، وقد فاتها ركعة، وعندما سلم الإمام سلمت معه جهل، وبعد السلام تكلمت وسألت عن حكم هذا، فقيل لها: صلي ركعة واحدة واسجدي سجود السهو ففعلت، فما الحكم أثابكم الله؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الحكم عملها صحيح، فإذا سلم الإنسان مع الإمام، وهو يظن أنه قد أتم صلاته ثم ذكر فإنه يأتي بالباقي، ويأتي بسجود السهو بعد السلام، وتتم بذلك صلاته.

715 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: إذا أتم المسافر الصلاة ناسياً فما الحكم؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: إذا أتم المسافر الصلاة ناسياً، فإن صلاته صحيحة، ولكن يسجد للسهو؛ لأنه زاد زيادة غير مشروعة ناسياً، فإن المشروع في حق المسافر أن يقتصر على ركعتين، إما وجوباً على مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وإما استحباباً على مذهب أكثر أهل العلم. والله أعلم.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب: السهو في الصلاة ح101 (574).
(2) هو جزء من حديث رواه البخاري وتقدم في ج13/169.

(14/32)


716 ... وسئل فضيلة الشيخ: قرأت في بعض الكتب بأن الصلاة إذا انتهت وشك المصلي في عدد ركعاتها بأنها باطلة، وفي بعض الكتب بأنه إذا شك المصلي يسجد سجدتين بعد انتهاء الصلاة، فما هو الصحيح؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن الصلاة لا تبطل، لأن هذا الشك يأتي على الإنسان كثيراً بغير اختياره، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكم من شك في صلاته، وأن الشك على قسمين:
... القسم الأول: أن يشك الإنسان في عدد الركعات مع كونه يرجح أحد الطرفين، ففي هذا القسم يبني الإنسان على ما ترجح عنده، فيتم الصلاة عليه، ويسلم، ويسجد للسهو بعد السلام.
... القسم الثاني: أن يشك الإنسان في عدد الركعات، ولم يترجح عنده أحد الطرفين، ففي هذا القسم يبني على الأقل، لأنه متيقن، والزائد مشكوك فيه، فيتم على الأقل ويسجد للسهو سجدتين قبل السلام، ولا تبطل صلاته بذلك. هذا حكم الشك في عدد الركعات.
... وكذلك لو شك هل سجد السجدة الثانية أم لم يسجد؟ وهل ركع أم لم يركع؟ فإنه إذا كان لديه ترجيح لأحد الطرفين عمل بالراجح وأتم صلاته عليه وسجد للسهو بعد السلام، وإن لم يكن لديه ترجيح لأحد الطرفين فإنه يعمل بالأحوط وأنه لم يأت بهذا الركوع، أوهذا السجود الذي شك فيه، فليأت به وبما بعده ويتم صلاته عليه ويسجد للسهو قبل السلام.
... إلا إنه إذا وصل إلى مكان الركن المشكوك فيه تركه، فإن الركعة الثانية تكون بمقام الركعة التي ترك منها ذلك الركن.

717 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا شك الإنسان في صلاته فلم يدر كم صلي أربعاً صلى أو ثلاثاً، فهل يقطع الصلاة ويصلي من جديد؟

(14/33)


... فأجاب فضيلته بقوله: إذا شك الإنسان في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً، فإنه لا يحل له أن يخرج من صلاته بهذا الشك إذا كانت فرضاً؛ لأن قطع الفرض لا يجوز، وعليه أن يفعل ما جاءت به السنة، والسنة جاءت أنه إذا شك الإنسان في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فلا يخلو من حالين:
... إحداهما: أن يشك شكاً متساوياً، بمعنى أنه لايترجح عنده الثلاث أو الأربع، وفي هذه الحال يبني على الأقل. فيبني على أنها ثلاث، ويأتي بالرابعة، ويسجد للسهو قبل أن يسلم.
... الحال الثانية: أن يشك شكاً بين طرفيه رجحان على الآخر بمعنى أن يشك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، ولكنه يترجح عنده أنه صلى أربعاً، ففي هذه الحال يبني على الأربع، ويسلم ويسجد للسهو بعد السلام.
... هكذا جاءت السنة بالتفريق بين الحالين في الشك.
... وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني على ما استيقن في الحال الأولى، وأن يتحر الصواب في الحال الثانية، يدل على أنه لا يخرج من الصلاة بهذا الشك، فإن كان فرضاً فالخروج منه حرام؛ لأن قطع الفريضة محرم، وإن كانت نفلاً فلا يخرج منها من أجل هذا الشك، ولكن يفعل ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن شاء فليقطعها فإن قطع النافلة جائز، إلا أن العلماء قالوا: يكره قطع النافلة بدون غرض صحيح، هذا إذا لم تكن النافلة حجاً أو عمرة، فإن كانت النافلة حجاً أو عمرة، فإنه لا يجوز قطعهما إلا مع الحصر لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج، نزلت في الحديبية، والحج فرض في السنة التاسعة. والله أعلم.

718 ... سئل فضيلة الشيخ – أعلى الله مكانه ومكانته -: إذا شك المصلي كم صلى من الركعات فما الحكم؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا شك المصلي كم صلى من الركعات فلا يخلو من حالين:

(14/34)


الحال الأولى: أن يغلب على ظنه عدد معين سواء كان الأقل أو الأكثر، فإذا غلب على ظنه عدد معين أخذ بهذا الظن وبنى عليه، فإذا أتم صلاته وسلم، سجد سجدتين للسهو ثم سلم، وحينئذ يكون محل السجود بعد السلام، كما يدل على ذلك حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -.
الحال الثانية: أن يشك في عدد الركعات، ولا يغلب على ظنه رجحان عدد معين، ففي هذه الحال يبني على اليقين وهو الأقل، فإذا شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، ولم يترجح عنده أنها أربع ولا أنها ثلاث، جعلها ثلاثاً وأتى بالرابعة ثم سجد للسهو قبل أن يسلم، وحينئذ يفرق في الشك بينما إذا كان يغلب على ظنه أحد الطرفين، وما إذا لم يكن يغلب على ظنه، ففيما إذا كان يغلب على ظنه أحد الطرفين يأخذ بما غلب على ظنه ويسجد للسهو بعد السلام.
وفيما إذا لم يغلب على ظنه شيء، يأخذ بالأقل ويسجد للسهو قبل السلام.
وأرجو من إخوتي الأئمة أن يعتنوا بهذا الباب أعني: باب سجود السهو؛ لأنه يشكل على كثير من الناس، والإمام يقتدي به فإذا أتقنوا أحكام سجود السهو، حصل في ذلك خير كثير.

(14/35)


وهاهنا مسألة أحب أن أنبه لها وهي: أن بعض الأئمة يعلمون أن محل سجود السهو بعد السلام فيما وقع منهم من السهو، لكنهم لا يفعلون ذلك يقولون: إننا نخاف من التشويش على الناس، وهذا حق أنه يشوش على الناس، لكنهم إذا أخبروا بالحكم الشرعي وبين لهم الفرق بين ما كان قبل السلام وما بعده زال عنهم هذا اللبس وألفوا ذلك، ونحن قد جربنا هذا بأنفسنا ووجدنا أننا إذا سجدنا بعد السلام في سهو يكون محله السجود فيه بعده لم يحصل إشكال على المأمومين؛ لأنهم علموا أن ذلك هو الحكم الشرعي، وكوننا ندع السنة خوفاً من التشويش معناه: أن كل سنة تشوش على الناس وهم يجهلونها ندعها، وهذا لا ينبغي بل الذي ينبغي إحياء الأمر المشروع بين الناس، وإذا كان ميتاً لا يعلم عنه كان الحرص عليه وعلى إحيائه أولى وأوجب حتى لا تمت هذه الشريعة بين المسلمين، وفي هذه الحال إذا سجد الإمام بعد السلام فيما كان محل السجود فيه بعد السلام فإنه إذا سلم ينبه الجماعة ويقول: إنما سجدت بعد السلام؛ لأن هذا السهو محل سجوده بعد السلام، ويبين لهم ما يعرفه من هذه الأحكام حتى يكونوا على بصيرة من الأمر.

719 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: عمن انتقل من سورة إلى سورة قبلها خطأ وهو في الصلاة... فهل يجب عليه سجود السهو؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: لا يجب عليه سجود السهو، إذا عكس الترتيب في القرآن يعني بأن بدأ من آخر القرآن ثم رجع إلى أوله، لكن الأفضل أن يرتب القرآن كما رتبه الصحابة – رضي الله عنهم – على هذا الوجه المعروف في المصحف.
... واعلم أن ترتيب القرآن بالآيات أمر توقيفي، بمعنى أنه متلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز فيه العكس. أما ترتيبه بالسور فإن للعلماء في ذلك قولين والصحيح أن بعضه توقيف كالترتيب بين سبح والغاشية، وبعضه باجتهاد من الصحابة – رضي الله عنهم -.

رسالة

فوائد عن سجود السهو

(14/36)


1- إذا سلم المصلي قبل إتمام الصلاة ناسياً، فإن ذكر بعد مضي زمن طويل استأنف الصلاة من جديد، وإن ذكر بعد زمن قليل كخمس دقائق فإنه يكمل صلاته ويسلم منها، ويسجد بعد السلام للسهو سجدتين ويسلم.
2- إذا زاد المصلي في صلاته قياماً، أو قعوداً، أو ركوعاً، أو سجوداً، فإن ذكر بعد الفراغ من الزيادة فليس عليه إلا السجود للسهو، وإن ذكر في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة، يسجد للسهو بعد السلام ويسلم.
3- إذا ترك ركناً من أركان الصلاة غير تكبيرة الإحرام ناسياً فإن وصل إلى مكانه من الركعة التي تليها لغت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها، وإن لم يصل إلى مكانه من الركعة التي تليها وجب عليه الرجوع إلى محل الركن المتروك وأتى به وبما بعده، وفي كلتا الحالتين يجب عليه سجود السهو ومحله بعد السلام.
4- إذا شك في عدد الركعات هل صلى ركعتين أو ثلاثاً فلا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يترجح عنده أحد الأمرين فيعمل بالراجح ويتم عليه صلاته ثم يسلم.
الحال الثانية: أن لا يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على اليقين وهو الأقل ثم يتم عليه.
فيسجد للسهو بعد السلام في الحال الأولى.
ويسجد للسهو قبل السلام في الحال الثانية.
5- إذا ترك التشهد الأول ناسياً – وحكم بقية الواجبات حكم التشهد الأول -:
1- إن لم يذكر إلا بعد أن استتم قائماً فإنه يستمر في صلاته ولا يرجع للتشهد، ويسجد للسهو قبل السلام.
2- إن ذكر بعد نهوضه وقبل أن يستتم قائماً فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ويكمل صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم.
3- إن ذكر قبل أن ينهض فخذيه عن ساقيه فإنه يستقر جالساً ويتشهد ثم يكمل صلاته ولا يسجد للسهو؛ لأنه لم يحصل منه زيادة ولا نقص.
6- إذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة متعمداً بطلت صلاته.
7- إذا زاد المصلي في صلاته قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً متعمداً بطلت صلاته.

(14/37)


8- إذا ترك ركناً من أركان الصلاة: فإن كان تكبيرة الإحرام فلا صلاة له سواء تركها عمداً أو سهواً؛ لأن صلاته لم تنعقد، وإن كان الركن المتروك غير تكبيرة الإحرام فتركه عمداً بطلت صلاته.
9- إذا ترك واجباً من واجبات الصلاة متعمداً بطلت صلاته.
10- إذا كان سجود السهو بعد السلام فلابد من التسليم مرة ثانية بعده.

حرر في 11/6/1410هـ.
720 ... وسئل فضيلته: سجود السهو هل هو سجدة أو سجدتان؟ وهل يسجد المصلي للسهو في الفرض والنفل أو يسجد للسهو في الفرض فقط؟ وهل يقرأ التحيات بعد السجدتين أم يسلم مباشرة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: سجود السهو سجدتان، لا سجدة واحدة، ويكون في الفرض وفي النفل إذا وجد سببه.
... وسؤاله: هل فيه تشهد آخر أم لا؟
... نقول: إن كان سجود السهو قبل السلام فإنه لا تشهد فيه.
وإن كان سجود السهو بعد السلام فإن القول الراجح أنه لا تشهد فيه وإنما فيه التسليم.
... وبهذه المناسبة: من أجل جهل كثير من الناس بأحكام سجود السهو أحب أن أنبه بعض الشيء على أحكام سجود السهو.
... فنقول:
... سجود السهو له ثلاث أسباب:
... الأول: زيادة في الصلاة.
... الثاني: نقص في الصلاة.
... الثالث: شك فيها، والشك في الصلاة: هل زاد في صلاته أم نقص منها.
... السبب الأول: أن يزيد في صلاته ركوعاً فيركع في الركعة الواحدة ركوعين، أو سجوداً فيسجد ثلاث مرات، أو قياماً فيقوم للركعة الخامسة مثلاً في الرباعية ثم يذكر فيرجع؛ فإن كان سجود السهو من أجل هذا، فإنه يكون بعد السلام، ولا يكون قبله، بمعنى أنك تتشهد وتسلم ثم تسجد سجدتين وتسلم، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم (حين صلى خمساً فكذروه بعد السلام فسجد صلى الله عليه وسلم بعد السلام)(1).
__________
(1) هذا من حديث ابن مسعود المتفق عليه وتقدم تخريجه في ص15.

(14/38)


... ولا يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام، هنا ضرورة أنه لم يعلم إلا بعد السلام؛ لأننا نقول: لو كان الحكم يختلف عما فعل لقال لهم عليه الصلاة والسلام: إذا علمتم بالزيادة قبل أن تسلموا فاسجدوا لها قبل السلام، فلما أقر الأمر على ما كان عليه علم أن سجود السهود للزيادة يكون بعد السلام.
... ويدل على ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم من ركعتين من صلاة الظهر أو العصر ثم ذكروه أتم صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم(1).
... وذلك لأن السلام في أثناء الصلاة زيادة، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم لها بعد السلام، وكما أن هذا مقتضى الأثر، فإنه مقتضى النظر أيضاً، فإنه إذا زاد في الصلاة وقلنا: يسجد للسهو قبل أن يسلم صار في الصلاة زيادتان، وإذا قلنا: إنه يسجد بعد السلام، صار فيها زيادة واحدة وقعت سهواً.
... السبب الثاني: النقص، وهذا سجوده قبل السلام، مثل أن يقوم عن التشهد الأول ناسياً، أو أن ينسى أن يقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، أو أن ينسى أن يقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، فهذا يسجد قبل أن يسلم؛ لأن الصلاة نقصت بسبب هذا الترك، فكان مقتضى الحكمة أن يسجد للسهو قبل أن يسلم ليجبر النقص قبل أن يفارق الصلاة، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن بحينة أن الرسول صلى الله عليه وسلم "صلى بهم الظهر فقام من الركعتين فلم يجلس للتشهد الأول، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر صلى الله عليه وسلم وهو جالس فسجد سجدتين ثم سلم"(2).
... السبب الثالث: الشك في الصلاة، في الزيادة أو النقص.
مثال: شك هل صلى أربعاً أو ثلاثاً، فهذا له حالان:
__________
(1) هذا من حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم تخريجه في ص15.
(2) متفق عليه وتقدم في ص16.

(14/39)


... الحال الأولى: أن يغلب على ظنه أحد الأمرين: إما الزيادة أو النقص، فيبني على غالب ظنه ويسجد للسهو بعد السلام، كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنهما -: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين"(1).
... أما إذا شك في الزيادة أو النقص دون أن يترجح عنده أحد الطرفين؛ فإنه يبني على اليقين وهو الأقل ثم يتم عليه، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، هكذا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
... وعلى الأئمة خاصة وعلى سائر الناس عامة أن يعرفوا أحكام سجود السهو، حتى إذا وقع لهم مثل هذه الأمور يكونون على بصيرة من أمرهم، فيسجدون للسهو قبل السلام إن كان موضعه قبل السلام، أو بعده إذا كان موضعه بعد السلام.

721 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: إن كان هناك داع لسجود السهو ولم يتذكر إلا بعد أن سلم وربما تفرق بعض المصلين ثم تذكر بعد ذلك؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يسجد إذا ذكر، إلا أن بعض أهل العلم يقولون: إذا طال الفصل سقط عنه السجود حينئذ لكونه لا ينبني على الصلاة لطول الفصل بينه وبينها.
... وقال بعض أهل العلم: إنه متى ذكر سجد للسهو. والله أعلم بالصواب، والراجح أنه إذا طال الفصل فإنه لا يسجد.
... أما من تفرق دون أن يسجد للسهو فصلاته صحيحة.

722 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا نسي المصلي أن يقرأ الفاتحة وبدأ يقرأ سورة من القرآن بعد دعاء الاستفتاح مباشرة، ثم تذكر خلال القراءة فرجع وقرأ الفاتحة ثم قرأ السورة التي كان يقرؤها، بمعنى أنه استدرك على نفسه هذا السهو، فهل يسجد للسهو؟
... فأجاب بقوله: لا يجب عليه سجود السهو؛ ذلك لأنه لم يغير شيئاً من الصلاة، غير أنه أتى بذكر مشروع في غير موضعه، وهو قراءة السور قبل قراءة الفاتحة، ومثل هذا ذكر أهل العلم أنه يستحب له سجود السهو ولا يجب عليه السجود.
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص31.

(14/40)


723 ... سئل فضيلة الشيخ: هل يسجد الإنسان للسهو إذا أخطأ في القراءة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: لا يسجد الإنسان للسهو إذا أخطأ في القراءة؛ لأن هذا الخطأ لا يترتب عليه تغيير هيئة الصلاة، ولكن إذا أخطأ المصلي فإن على من سمعه أن يرد عليه.

724 ... وسئل فضيلته:من هم بقيام ثم لم يقم،أوهم بزيادة سجود ولم يفعل، هل عليه شيء؟
... فأجاب الشيخ بقوله:إذاهم ولم يفعل، فليس عليه شيء إطلاقاً؛لأنه لم يحصل منه فعل.

725 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا شك المصلي خلال قراءته للسورة أنه لم يأت بالفاتحة، ولم يترجح عنده أنه أتى بها أو لم يأت، فهل يأتي بالفاتحة دفعاً لهذا الشك، أو يستمر في السورة ويسجد للسهو لدفع الشك؟
... فأجاب بقوله: يجب عليه أن يأتي بالفاتحة ما دام عنده شك، ولكن بشرط:
... ألا يكون كثير الشكوك، فإن كان كثير الشكوك، أو كان الشك عنده مجرد وهم لا أصل له، فإنه لا يعتبر بهذا الشك؛ لأن بعض الناس كلما صلى شك في الزيادة، أو النقص، أو في النية، أو في التكبير وما أشبه ذلك، فإذا كان هذا شأنه في جميع صلواته فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك؛ لأنه من الوسواس، والوسواس ربما يفسد على الإنسان عبادته إذا استمر معه.

726 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: ما أسباب سجود السهو، وكيفيته، ومحله؟
... فأجاب فضيلته بقوله: سجود السهو سببه واحد من أمور ثلاثة: إما الزيادة، وإما النقص، وإما الشك.
... والمراد بالزيادة: الزيادة الفعلية؛ فمن ركع مرتين في ركعة واحدة ناسياً وجب عليه سجود السهو، ويكون محله بعد السلام؛ لأنه كان عن زيادة، ومن صلى خمساً في رباعية ناسياً لم تبطل صلاته، لكن عليه سجود السهو بعد السلام.
وأما النقص فمثاله: من قام عن التشهد الأول ناسياً لم تبطل صلاته لكن عليه سجود السهو ويكون قبل السلام.

(14/41)


ومن ترك قول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، أو "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وجب عليه سجود السهو، ويكون قبل السلام.
وأما الشك: فهو التردد؛ بأن يتردد الإنسان، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، فالحكم في ذلك أن يقال: إن كان الإنسان كثير الشكوك لا يكاد يصلي صلاة إلا شك فيها، فلا عبرة في شكه ولا يلتفت له.
وإن كان معتدلاً ليس فيه وسواس وليس فيه شكوك، نظرنا: فإن غلب على ظنه ترجيح شيء، فليأخذ بما غلب على ظنه وليتم عليه، ثم يسجد سجدتين بعد السلام.
وإن قال: ليس عندي ترجيح قلنا: ابن على اليقين وهو الأقل وتتم عليه، ثم اسجد قبل السلام.
مثال ذلك: رجل شك؛ هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، نسأله ما الذي يغلب على ظنك؟ قال: يغلب أنها ثلاث. نقول: ائت بالرابعة واسجد بعد السلام.
إنسان آخر شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً. قلنا له: ما الذي يغلب على ظنك؟ قال: ليس عندي غلبة ظن والشك عندي متساوٍ. نقول: اجعلها ثلاثاً؛ لأنها الأقل، ثم ائت بالرابعة واسجد سجدتين قبل السلام.

727 ... وسئل فضيلته – حفظه الله ورعاه – عن مأموم يدخل مع الإمام وينسى كم صلى فهل يقتدي بمن إلى جنبه؟
... فأجاب الشيخ بقوله: هذا يقع كثيراً، فقد يدخل اثنان مع الإمام، ثم ينسى أحدهما كم صلى، أو كم أدرك مع إمامه، فيقتدي بالشخص الذي إلى جنبه.
... فنقول: لا بأس أن يقتدي بالشخص الذي إلى جنبه، إذا لم يكن عنده ظن يخالفه، أو يقين يخالفه؛ لأن هذا رجوع إلى ما يغلب على ظنه، والرجوع إلى ما يغلب على ظنه في باب العبادات لا بأس به على القول الراجح.

728 ... وسئل فضيلته: إذا كان السجود بعد السلام هل يلزم له سلام أيضاً؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إذا كان السجود بعد السلام، فإنه يجب له السلام فيسجد سجدتين ثم يسلم.
... وهل يجب له التشهد؟
... الجواب: في هذا خلاف بين العلماء، والراجح أنه لا يجب له تشهد.

(14/42)


729 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا شك المصلي في ترك ركن من أركان الصلاة فماذا يعمل؟
... فأجاب بقوله: إذا شك في تركه، فهو لا يخلو من ثلاث حالات:
1- إما أن يكون هذا الشك وهماً لا حقيقة له، فهذا لا يؤثر عليه، يستمر في صلاته ولا يلتفت إلى هذا الشك.
2- أن يكون هذا الشك كثيراً، معه، كما يوجد في كثير من الموسوسين – نسأل الله لنا ولهم العافية – فلا يلتفت إليه أيضاً، بل يستمر في صلاته حتى لو خرج من صلاته وهو يرى أنه مقصر فيها فليفعل ولا يلتفت إلى هذا الشك.
3- أن يكون شكه بعد الفراغ من الصلاة، فلا يلتفت إليه ولا يهتم به أيضاً، ما لم يتيقن أنه ترك.
أما إذا كان الشك في أثناء الصلاة، وكان شكاً حقيقياً، ليس وهماً ولا وسواساً فلو أنه سجد، وفي أثناء سجوده شك هل ركع أو لم يركع، فنقول له: قم فاركع؛ لأن الأصل عدم الركوع، إلا إذا غلب على ظنه أنه ركع، فإن الصحيح إذا غلب على ظنه أنه راكع، أنه يعتد بهذا الظن الغالب، ولكن يسجد للسهو بعد السلام.
وسجود السهو باب مهم، ينبغي للإنسان أن يعرفه، ولا سيما الأئمة، لأن الجهل به أمر لا ينبغي من مثلهم، بل الواجب على المؤمن أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله.

730 ... وسئل فضيلة الشيخ: متى يكون سجود السهو بعد السلام؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان سببه الزيادة، أو الشك مع الرجحان؛ يعني شككت هل صليت ثلاثاً أم أربعاً وترجح عندك أنها ثلاث فإنك تأتي بالرابعة وتسجد للسهو بعد السلام.

731 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمأموم إذا سهى ثم سلم الإمام أن يسجد سجود السهو؟ أم يسلم مع الإمام؟

(14/43)


... فأجاب فضيلته بقوله: ظاهر السؤال أن هذا المأموم قد أدرك الصلاة مع الإمام من أولها. وإذا كان كذلك فليس عليه سجود سهو، فإن الإمام يتحمله عنه، لكن لو فرض أن المأموم سهى سهواً تبطل معه إحدى الركعات، فهنا لابد أن يقوم إذا سلم الإمام ويأتي بالركعة التي بطلت من أجل السهو. ثم يتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام.

732 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه -: إذا ترك المصلي التشهد الأول فرفع، ولكن تراجع قبل أن يتم القيام، فهل يشرع له سجود السهو أم لا؟
... فأجاب بقوله: إذا نسي التشهد الأول ونهض لكن لم يستتم قائماً، فإنه يجب عليه أن يرجع إذا ذكر؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه.
... ولكن هل يجب عليه سجود السهو أم لا؟
... الجواب: من العلماء من قال: إنه لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه، ولحديث ورد في ذلك وفيه شيء من الضعف(1).
... ومنهم من قال: ينظر إن كان إلى القيام أقرب وجب عليه سجود السهو، وإن كان إلى الجلوس أقرب لم يجب عليه سجود السهو، فإن سجد فإننا لا ننكر عليه، وإن لم يسجد فإننا لا نأمره بذلك.

733 ... وسئل فضيلة الشيخ: صليت في أحد المساجد وحدث أن نسي الإمام التشهد الأول واستقام واقفاً، وأخذ من خلفه يسبحون فعاد الإمام فجلس للتشهد، ثم قام فأكمل الصلاة بشكل صحيح، وبعد أن انتهينا من الصلاة قال رجل: أيها الناس إن صلاتكم باطلة؛ فنأمل من فضيلتكم التكرم ببيان الحكم في هذه المسألة؟
__________
(1) الحديث رواه أبو داود والترمذي تقدم في ص56.

(14/44)


... فأجاب فضيلته بقوله: يقولون: إن الجهل المركب شر من الجهل البسيط، والجهل المركب هو: أن الإنسان لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وهذه هي المصيبة؛ يفتيك شخص بأمر ليس له عنده به علم، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في قوله عالم معتبر أخذ عنه متأكداً منه، فيفتي بغير علم فيضل هو ويضل غيره، فهذا الذي أفتاهم ببطلان الصلاة، ووجوب الإعادة ليس عنده في ذلك دليل.
... ومثل هذه الصورة: إذا قام الإمام عن التشهد الأول حتى استتم قائماً، فإنه يحرم عليه أن يرجع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام عن التشهد الأول ذات يوم فسبحوا به فمضى ولم يرجع، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتين ثم سلم(1). فهذا هو الواجب إذا قام الإمام عن التشهد الأول حتى استتم قائماً. فإن رجوعه محرم ولا يجوز أن يرجع، كما في هذا الإمام الذي سبحوا به فرجع، فإن كان عالماً بأن رجوعه محرم فإن صلاته باطلة، فإن كان لا يدري أن رجوعه محرم، وظن أن الواجب أن يرجع ويجلس للتشهد الأول، وأن الإنسان إذا نبه للتشهد الأول بعد أن قام وجب عليه أن يرجع فرجع هو وظن أن هذا هو الواجب – فإن صلاته لا تبطل وصلاته صحيحة، وعليه أن يسجد للسهو بعد السلام من أجل الزيادة التي زادها وهي القيام، هذا هو حكم هذه المسألة.

734 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا سهى المصلي في التشهد الأخير فهل يعيد التشهد من أوله؟ أو من حيث أخطأ؟ وكذلك في بقية الصلاة؟
__________
(1) تقدم تخريجه في ص16.

(14/45)


... فأجاب فضيلته بقوله: يعيد من حيث الخطأ، ثم يأتي بما أخطأ فيه وبما بعده؛ لأن الترتيب لابد منه، وعلى هذا فلو أن الإنسان وقف يصلي ونسي أن يقرأ الفاتحة، ثم ركع وذكر أنه نسي أن يقرأ الفاتحة، فليقم ويقرأ الفاتحة وسورة معها إن كانت السورة مشروعة معها في تلك الوقفة ثم يركع، فمن ترك ركناً فعليه أن يأتي به وبما بعده إلا إذا وصل إليه في الركعة التالية فإن الركعة التالية تقوم مقام الأولى، ويأتي بعد ذلك بركعة بعدها؛ أي بدل الأولى ويسجد للسهو بعد السلام.

735 ... وسئل فضيلته: رجل صلى خلف الإمام فترك الرفع من السجود؛ لأنه لم يسمع صوت الإمام، ولم يأت بهذا الركن، وبعدما انتهت الصلاة جاء ليسأل الإمام، فهل يأتي بركعة أو يجلس ويسلم مع الإمام؟
... فأجاب الشيخ بقوله: نقول يأتي بركعة؛ لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة، ومن ترك ركناً من أركان الصلاة حتى سلم، فإنه يجب عليه أن يأتي بركعة تامة، ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.

736 ... سئل فضيلة الشيخ: إذا سها المأموم ولزمه السجود فسلم الإمام فهل يسلم معه؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا سها المأموم لزمه سجود السهو، فإن كان لم يفته شيء من الصلاة، سلم مع الإمام وسقط عنه سجود السهو؛ لأن الواجب يسقط عن المأموم مراعاة للمتابعة، كما سقط عنه التشهد الأول إذا نسيه الإمام مراعاة للمتابعة.
... وإن كان قد فاته شيء من الصلاة لم يسقط عنه سجود السهو؛ لأنه إذا سجد لم يحصل منه مخالفة لإمامه حيث إن الإمام قد انتهى من صلاته.

737 ... وسئل فضيلته: إذا سها المصلي عن ركن فما العمل؟
... فأجاب فضيلة الشيخ: إذا سها المصلي عن ركن أتى به وبما بعده، إلا أن يصل إلى محله من الركعة التي تليها فتلغو الأولى وتقوم التي تليها مقامها، وفي كلتا الحالين يجب عليه سجود السهو.

738 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان في المصلي نعاس ولا يدري هل سلم أو لا فما العمل؟

(14/46)


... فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان فيه نعاس ولا يدري هل سلم أو لا فليسلم ويسجد للسهو.

739 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا سها المصلي عن قراءة الفاتحة فما الحكم؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا سها عن قراءة الفاتحة فكسهوه عن بقية الأركان؛ إن كان قد ركع رجع فقرأها إلا أن يصل إلى القيام في الركعة التي تليها فإنها تلغو الأولى وتقوم التي تليها مقامها وعليه سجود السهو، وإن ذكر أنه تركها قبل أن يركع قرأها واستمر في صلاته ولا سجود عليه.

740 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا شك المصلي هل سجد السجدة الثانية فما العمل؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا شك هل سجد السجدة الثانية فليرجع ويأت بها ويسجد للسهو.

741 ... وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى وأعلى درجته -: إذا سجد الإمام للسهو بعد السلام فيما محله قبل السلام فكيف يصنع المسبوق في هذه الحال؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنهم يتابعون الإمام في السجود بعد السلام لكن لا يسلمون؛ لأن صلاتهم لم تتم ثم إذا انتهى وسلم من سجود السهو قاموا لقضاء ما فاتهم.
... ومن أهل العلم من يقول: إنهم لا يتابعون الإمام في السجود بعد السلام؛ لأن المتابعة متعذرة، إذ أن متابعة الإمام لابد أن تكون بالسلام معه التسليم الأول الذي قبل السجود، وهذا متعذر بالنسبة لمن فاته شيء من الصلاة، وعلى هذا فيقومون بدون أن يتابعوه، ثم إذا قاموا وأكملوا صلاتهم فإن كان سهو الإمام في الجزء الذي أدركوه معه سجدوا للسهو بعد السلام، وإن كان في الجزء السابق فإنهم لم يدركوا الإمام فيه فلا يلزمهم السجود حينئذ، وهذا القول هو الراجح عندي، لأن متابعة الإمام والسجود بعد السلام أمر متعذر في هذه الحال.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه.... حفظه الله تعالى.
... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

(14/47)


... سجود السهو تارة يكون قبل السلام، وتارة يكون بعد السلام.
... فإن كان قبل السلام سجد سجدتين إذا أكمل التشهد وسلم، وإن كان بعد السلام سجد سجدتين بعد أن يسلم ثم سلم مرة ثانية بعد السجدتين.
* يكون السجود قبل السلام في موضعين:
... أحدهما: إذا كان عن نقص، مثل: أن ينسى التشهد الأول، أو ينسى أن يقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، أو ينسى أن يقول: "سبحان ربي الأعلى في السجود، أو ينسى أن يكبر غير تكبيرة الإحرام، أو ينسى أن يقول: "سمع الله لمن حمده" عند الرفع من الركوع.
... فإن نسي مثل هذه الواجبات؛ وجب عليه سجود السهو قبل السلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "قام عن التشهد الأول في صلاته فسبحوا به فمضى في صلاته فلما قضى صلاته وانتظر الناس تلسيمه، كبر قبل التسليم فسجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم ثم سلم". رواه البخاري ومسلم وغيرهما(1).
... الثاني: إذا شك في عدد الركعات فلم يدر كم صلى ولم يترجح عنده شيء، فإنه يبني على الأقل ويسجد للسهو قبل السلام، فإذا شك هل صلى ثلاثاً أم اربعاً ولم يترجح أنها ثلاث أو أربع فليجعلها ثلاثاً ويصلي الرابعة، ثم يسجد للسهو قبل أن يسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". رواه مسلم(2).
* ويكون السجود بعد السلام في موضعين:
__________
(1) هذا حديث ابن بحينة المتفق عليه وتقدم تخريجه في ص16.
(2) هذا حديث أبي سعيد الخدري رواه مسلم تقدم تخريجه في ص31.

(14/48)


... أحدهما: إذا كان عن زيادة، مثل أن ينسى فيركع مرتين، أو يسجد ثلاث مرات، أو ينسى فيزيد ركعة، أو ينسى فيسلم قبل تمام صلاته ثم يذكر فيتمها، فإذا فعل مثل هذه الأمور، وجب عليه سجود السهود بعد السلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "صلى بأصحابه الظهر خمساً فأخبروه فانتفل، فثنى رجليه واستقبل القبلة، ثم سجد سجدتين ثم سلم". رواه البخاري ومسلم(1)، وصلى بهم مرة أخرى: "فسلم من ركعتين فأخبروه فصلى الركعتين الباقيتين ثم سلم ثم سجد سجدتين بعد السلام". رواه البخاري ومسلم(2).
... الثاني: إذا شك في عدد الركعات، فلم يدر كم صلى وترجح عنده أحد الطرفين فإنه يبني على ما ترجح عنده فيتم صلاته عليه ويسلم ثم يسجد سجدتين ويسلم.
... فإذا شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً وترجح عنده أنها ثلاث، فليصل الرابعة ويسلم ثم يسجد سجدتين، ويسلم، وإذا شك هل صلى ثلاثاً أم اثنتين وترجح عنده أنها ثلاث، جعلها ثلاثاً وصلى الرابعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم(3)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الذي يرى أنه الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين". رواه البخاري ومسلم(4). والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، كتبه محمد الصالح العثيمين في 4/12/1402هـ.

742 ... وسألت فضيلة الشيخ: امرأة فقالت: أنا امرأة أفعل ما فرضه الله عليَّ من العبادات، إلا أنني في الصلاة كثيرة السهو، بحيث أصلي وأنا أفكر في بعض ما حدث من الأحداث في ذلك اليوم، ولا أفكر فيه إلا عند البدء في الصلاة، ولا أستطيع التخلص منه عند الجهر بالقراءة، فبتم تنصحني؟
__________
(1) هذا من حديث ابن مسعود المتفق عليه، تقدم تخريجه في ص15.
(2) هذا من حديث أبي هريرة المتفق عليه، تقدم تخريجه في ص15.
(3) هذا من حديث أبي سعيد الخدري رواه مسلم وتقدم في ص41.
(4) هذا من حديث ابن مسعود المتفق عليه وتقدم تخريجه في ص31.

(14/49)


... فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأمر الذي تشتكين منه، يشتكي منه كثير من المصلين، وهو أن الشيطان يفتح عليه باب الوساوس أثناء الصلاة، فربما يخرج الإنسان وهو لا يدري عما يقول في صلاته، ولكن دواء ذلك أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن ينفث الإنسان عن يساره ثلاث مراة وليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم(1)، فإذا فعل ذلك زال عنه ما يجده بإذن الله.
... وعلى المرء إذا دخل في الصلاة أن يعتقد أنه بين يدي الله عز وجل، وأنه يناجي الله تبارك وتعالى، ويتقرب إليه بتكبيره وتعظيمه، وتلاوة كلامه سبحانه وتعالى، وبالدعاء في مواطن الدعاء في الصلاة، فإذا شعر الإنسان بهذا الشعور، فإنه يدخل في الصلاة بخشوع وتعظيم الله سبحانه وتعالى ومحبة لما عنده من الخير، وخوف من عقابه إذا فرط فيما أوجب الله عليه.

743 ... وسئل فضيلته: إذا غلب على المصلين الوسواس أكثر الصلاة فهل تصح صلاتهم؟
... فأجاب الشيخ بقوله: اختلف العلماء – رحمهم الله – فيما إذا لم يحضر القلب في أكثر الصلاة.
... فمن العلماء من قال: إذا غلب الوسواس يعني: الهواجس أكثر الصلاة بطلت الصلاة، لكن قول الجمهور: لا تبطل ولو غلب الوسواس على أكثرها.
... واستدل الجمهور بحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم" إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل فإذا ثوب بها أدبر قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثاً صلى أم أربعاً، فإذا لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً سجد سجدتي السهو". وفي رواية: "حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا – لما لم يكن يذكر – حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى"(2).
__________
(1) تقدم تخريجه في ج13/110.
(2) تقدم تخريجه في ج13/110.

(14/50)


... وهذا يدل على أن الوسواس لا تبطل الصلاة به، وهذا القول أرفق بالناس، وأقرب إلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية في اليسر والتسهيل؛ لأننا لو قلنا ببطلان الصلاة في حال غفلة الإنسان، وعدم حضور قلبه لبطلت صلاة كثير من الناس.
... وإن كان القول بالبطلان لا يستلزم هذا؛ لأنه ربما قلنا: إنه إذا غلبت الوساوس على الصلاة بطلت، ربما يكون هذا سبباً لشد الناس إلى حضور قلوبهم في الصلاة، لكن على كل حال يظهر أن رأي الجمهور هو الصحيح، أن الإنسان إذا لم يحضر قلبه في الصلاة فصلاته صحيحة، لكنها ناقصة بحسب ما غفل عن صلاته، وعلى الإنسان أن يجاهد نفسه، وأن يحاول بقدر ما يستطيع حضور قلبه في الصلاة.

744 ... سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: إذا غلبت الهواجس على المصلي فما حكم صلاته؟ وما طريق الخلاص منه؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في هذه الحالة أن الإنسان إذا غلب على صلاته الهواجس في أمور الدنيا، أو في أمور الدين، كمن كان طالب علم وصار ينشغل إذا دخل في الصلاة بالتدبر في مسائل العلم، إذا غلب هذا على أكثر الصلاة فإن أكثر أهل العلم يرون أن الصلاة صحيحة، وأنها لا تبطل بهذه الوساوس، لكنها ناقصة جداً فقد ينصرف الإنسان من صلاته، ولم يكتب له إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها أو أقل(1).
... أما ذمته فتبرأ بذلك ولو كثر، لكن ينبغي للإنسان أن يكون حاضر القلب في صلاته؛ لأن ذلك هو الخشوع، والخشوع هو لب الصلاة وروحها.
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب: ما جاء في نقصان الصلاة (796)، ولفظه: "إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها".

(14/51)


... ودواء ذلك أن يفعل الإنسان ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم(1)، فإذا فعل ذلك أذهبه الله وإذا كان مأموماً في الصف، فإن التفل لا يمكنه لأن الناس عن يساره، ولكن يقتصر على الأستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإذا فعل ذلك وكرره أذهب الله ذلك عنه. والله الموفق.

745 ... وسئل فضيلته: عن حضور القلب في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: المشروع في حق المصلي، إماماً كان أو مأموماً، أو منفرداً أن يحضر قلبه في صلاته، فيقبل عليها، ويعقل ما يقوله ويفعله ليكون مصلياً بقلبه وجوارحه، فأما صلاته بجوارحه مع غفلة قلبه فهي صلاة ناقصة، حتى قال بعض العلماء: إن الهواجس إذا غلبت على أكثر الصلاة بطلت الصلاة، وإذا أدت هذه الهواجس إلى ترك ما يلزم في الصلاة كان ذلك كتركه عمداً إن كان من الأركان، وكتركه سهواً إن كان من الواجبات، وعلى هذا فلا يتحمله الإمام عنه إن كان ركناً، أما إن كان واجباً فعليه سجود السهو لتركه، ويتحمل الإمام عنه سجود السهو إذا لم يفته شيء من الصلاة.

746 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن شخص كثير الشكوك في الصلاة فما توجيهكم؟ أفتونا مأجورين.
... فأجاب فضيلته بقوله: الشكوك الكثيرة يجب طرحها وعدم الالتفات لها؛ لأنها تلحق الإنسان بالموسوس، ولا يقتصر الشيطان على تشكيكه في ذلك، بل يشككه في أمور أخرى حتى إنه قد تبلغ به الحال إلى أن تشككه الوساوس فيما يتعلق بالتوحيد، وصفات الله عز وجل، ويشككه في طلاق زوجته وبقائها معه، وهذا خطير على عقل الإنسان وعلى دينه.
... ولهذا قال العلماء: إن الشكوك لا يلتفت إليها في ثلاث حالات:
... الأولى: أن تكون مجرد وهم لا حقيقة له، فهذه مطرحة ولا يلتفت إليها إطلاقاً.
__________
(1) ورد ذلك في حديث عثمان بن أبي العاص رواه مسلم وتقدم في ج13/110.

(14/52)


... الثانية: أن تكثر الشكوك، ويكون الإنسان كلما توضأ شك، وكلما صلى شك، وكلما فعل فعلاً شك، فهذا أيضاً يجب طرحه وعدم اعتباره.
... الثالثة: إذا كان الشك بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يلتفت إليه ما لم يتيقن الأمر.
... مثال ذلك: لو شك بعد أن سلم من صلاته هل صلى ثلاثاً أم أربعاً في رباعية، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك، لأن العبادة قد فرغت، إلا إذا تيقن أنه لم يصل إلا ثلاثاً فليأت بالرابعة ما دام الوقت قصيراً وليسجد للسهو بعد السلام، فإن طال الفصل أعاد الصلاة كلها من جديد.

747 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: عن الأسباب التي تعين على الخشوع في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الخشوع في الصلاة هو: حضور القلب، ومما يعين عليه ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث شكي إليه أن الرجل يأتيه الشيطان ويوسوس له في صلاته، ويحول بينه وبين صلاته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتفل الرجل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم(1) وهذا من أنفع الأدوية، بل أنفعها.
... ومنها أيضاً: أن يستحضر الإنسان عظمة من هو واقف بين يديه، وهو الله عز وجل ويقبل على صلاته يتدبر ما يقول من كلام الله، وما يقول من ذكر، وما يفعل من أفعال وحركات حتى يتبين له عظمة الصلاة. وحينئذ تزول عنه هذه الوساوس.

748 ... وسئل فضيلة الشيخ: كيف يمكننا الخشوع في الصلاة، وعند قراءة القرآن في الصلاة وخارجها؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الخشوع هو لب الصلاة ومخها، ومعناه: حضور القلب وأن لا يتجول قلب المصلي يميناً وشمالاً.
... وإذا أحس الإنسان بشيء يصرفه عن الخشوع فليتفل عن يساره ثلاث مرات، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم(2).
__________
(1) هذا حديث عثمان بن أبي العاص، رواه مسلم وتقدم تخريجه في ج13/110.
(2) تقدم في ج13/110.

(14/53)


... ولا شك أن الشيطان حريص على إفساد جميع العبادات؛ لاسيما الصلاة التي هي أفضل العبادات بعد الشهادتين، فيأتي المصلي ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا. ويجعله يسترسل في الهواجس التي ليس منها فائدة والتي تزول عن رأسه بمجرد انتهائه من الصلاة.
... فعلى الإنسان أن يحرص غاية الحرص على الإقبال على الله – عز وجل – وإذا أحس بشيء من هذه الهواجس، والوساوس فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، سواء كان راكعاً أو في التشهد أو القعود أو في غير ذلك من صلاته.
... ومن أفضل الأسباب التي تعينه على الخشوع في صلاته: أن يستحضر أنه واقف بين يدي الله وأنه يناجي ربه.

749 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيما يفعله كثير من المصلين حينما يسمعون الآيات تتلى لا يبكون وعندما يسمعون الدعاء يبكون؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يمكن الإجابة عليه من قبلي أنا، وإنما يمكن أن يوجه السؤال إلى نفس الذي يتصف بهذا الوصف، فإن كثيراً من الناس لا تلين قلوبهم للقرآن؛ لأن القرآن كثير التردد عليهم، وتلين قلوبهم للدعاء؛ لأنه يندر سماعهم إياه، ونحن نعرف أن الشيء إذا كان يكثر تردده لا يكون كالشيء الغريب.
... ولكني مع هذا أقول: إننا لو قرأنا القرآن بتدبر حقيقي، لكان هو السبب الوحيد لتليين القلوب، وإقبالها إلى الله عز وجل.
... وإنني بهذه المناسبة: أحث نفسي وإخواني على قراءة القرآن بتدبر وتأمل حتى ينتفعوا به، قال الله عز وجل في سورة (ق) بعد أن ذكر حال الإنسان عند موته وحال الإنسان عند الجزاء قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (قّ: 37).

رسالة في سجود السهو

... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بلغ البلاغ المبين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

(14/54)


... أما بعد: فإن كثيراً من الناس يجهلون كثيراً من أحكام سجود السهو في الصلاة.
... فمنهم من يترك سجود السهو في محل وجوبه.
... ومنهم من يسجد في غير محله.
... ومنهم من يجعل سجود السهو قبل السلام وإن كان موضعه بعده.
... ومنهم من يسجد بعد السلام وإن كان موضعه قبله.
... ولذا كانت معرفة أحكامه مهمة جداً، لاسيما للأئمة الذين يقتدي الناس بهم وتقلدوا المسؤولية في اتباع المشروع في صلاتهم التي يؤمون المسلمين بها، فأحببت أن أقدم لإخواني بعضاً من أحكام هذا الباب راجياً من الله تعالى أن ينفع به عباده المؤمنين فأقول مستعيناً بالله تعالى مستلهماً منه التوفيق للصواب:
... سجود السهو: عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته من أجل السهو، وأسبابه ثلاثه: الزيادة، والنقص، والشك.
أولاً: الزيادة:
... إذا زاد المصلي في صلاته قياماً، أو قعوداً، أو ركوعاً، أو سجوداً متعمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً ولم يذكر الزيادة حتى فرغ منها فليس عليه إلا سجود السهو، وصلاته صحيحة، وإن ذكر الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها وسجود السهو، وصلاته صحيحة.
... مثال ذلك: شخص صلى الظهر (مثلاً) خمس ركعات ولم يذكر الزيادة إلا وهو في التشهد، فيكمل التشهد، ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
... فإن لم يذكر الزيادة إلا بعد السلام سجد للسهو وسلم، وإن ذكر الزيادة وهو في أثناء الركعة الخامسة جلس في الحال فيتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم.

(14/55)


... دليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه(1) – أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟" قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم. وفي رواية: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم. رواه الجماعة(2).
السلام قبل تمام الصلاة:
... السلام قبل تمام الصلاة من الزيادة في الصلاة، ووجه كونه من الزيادة أنه زاد تسليماً في أثناء الصلاة، فإذا سلم المصلي قبل تمام صلاته متعمداً بطلت صلاته.
... وإن كان ناسياً ولم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد ا لصلاة من جديد.
... وإن ذكر بعد زمن قليل كدقيقتين وثلاث فإنه يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم، دليل ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر أو العصر فسلم من ركعتين فخرج السرعان من أبواب المسجد يقولون: قصرت الصلاة، وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى خشبة المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، فقام رجل فقال يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لم أنس ولم تقصر" فقال الرجل: بلى قد نسيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: "أحق ما يقول؟" قالوا: نعم، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ما بقي من صلاته ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم. متفق عليه(3).
__________
(1) تقدم ص15.
(2) بقية الجماعة: رواه أبو داود في الصلاة باب: إذا صلى خمساً ح(2019) و ح(1020)، والترمذي في باب: ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام ح(392)، والنسائي في السهو باب التحري 3/33 ح(1242) و (1243) وابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما جاء فيمن شك في صلاته (1211).
(3) تقدم تخريجه في ص15.

(14/56)


... وإذا سلم الإمام قبل تمام صلاته وفي المأمومين من فاتهم بعض الصلاة فقاموا لقضاء ما فاتهم ثم ذكر الإمام أن عليه نقصاً في صلاته فقام ليتمها، فإن المأمومين الذين قاموا لقضاء ما فاتهم يخيرون بين أن يستمروا في قضاء ما فاتهم ويسجدوا للسهو، وبين أن يرجعوا مع الإمام فيتابعوه، فإذا سلم قضوا ما فاتهم، وسجدوا للسهو بعد السلام. وهذا أولى وأحوط.
ثانياً: النقص:
أ- نقص الأركان:
... إذا نقص المصلي ركناً من صلاته فإن كان تكبيرة الإحرام فلا صلاة له سواء تركها عمداً أم سهواً؛ لأن صلاته لم تنعقد.
... وإن كان غير تكبيرة الإحرام فإن تركه متعمداً بطلت صلاته.
وإن تركه سهواً فإن وصل إلى موضعه من الركعة الثانية لغت الركعة التي تركه منها، وقامت التي تليها مقامها، وإن لم يصل إلى موضعه من الركعة الثانية وجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده، وفي كلتا الحالين يجب عليه أن يسجد للسهو بعد السلام.
مثال ذلك: شخص نسي السجدة الثانية من الركعة الأولى فذكر ذلك وهو جالس بين السجدتين في الركعة الثانية فتلغو الركعة الأولى وتقوم الثانية مقامها، فيعتبرها الركعة الأولى ويكمل عليها صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
ومثال آخر: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى فذكر ذلك بعد أن قام من الركوع في الركعة الثانية فإنه يعود ويجلس ويسجد، ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
ب- نقص الواجبات:
... إذا ترك المصلي واجباً من واجبات الصلاة متعمداً بطلت صلاته.
... وإن كان ناسياً وذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة أتى به ولا شيء عليه.
... وإن ذكره بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
... وإن ذكره بعد وصوله إلى الركن الذي يليه سقط فلا يرجع إليه فيستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم.

(14/57)


... مثال ذلك: شخص رفع من السجود الثاني في الركعة الثانية ليقوم إلى الثالثة ناسياً التشهد الأول فذكر قبل أن ينهض فإنه يستقر جالساً فيتشهد، ثم يكمل صلاته ولا شيء عليه.
... وإن ذكر بعد أن نهض قبل أن يستتم قائماً رجع فجلس وتشهد، ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
... وإن ذكر بعد أن استتم قائماً سقط عنه التشهد فلا يرجع إليه فيكمل صلاته، ويسجد للسهو قبل أن يسلم.
... دليل ذلك: ما رواه البخاري وغيره(1) عن عبد الله بن بحينة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس (يعني التشهد الأول) فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم.
ثالثاً: الشك:
... الشك: هو التردد بين أمرين أيهما الذي وقع.
... والشك لا يلتفت إليه في العبادات في ثلاث حالات:
الأولى: إذا كان مجرد وهم لا حقيقة له كالوساوس.
الثانية: إذا كثر مع الشخص بحيث لا يفعل عبادة إلا حصل له فيه شك.
الثالثة: إذا كان بعد الفراغ من العبادة فلا يلتفت إليه ما لم يتيقن الأمر فيعمل بمقتضى يقينه.
... مثال ذلك: شخص صلى الظهر فلما فرغ من صلاته شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فلا يلتفت لهذا الشك إلا أن يتيقن أنه لم يصل إلا ثلاثاً فإنه يكمل صلاته إن قرب الزمن ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم، فإن لم يذكر إلا بعد زمن طويل أعاد الصلاة من جديد.
... وأما الشك في غير هذه المواضع الثلاثة فإنه معتبر.
ولا يخلو الشك في الصلاة من حالين:
... الحال الأولى: أن يترجح عنده أحد الأمرين فيعمل بما ترجح عنده فيتم عليه صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
... مثال ذلك: شخص يصلي الظهر فشك في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة لكن ترجح عنده أنها الثالثة فإنه يجعلها الثالثة فيأتي بعدها بركعة ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص16.

(14/58)


... دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين" هذا لفظ البخاري(1).
... الحال الثانية: أن لا يترجح عنده أحد الأمرين فيعمل باليقين وهو الأقل فيتم عليه صلاته، ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم.
... مثال ذلك: شخص يصلي العصر فشك في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة ولم يترجح عنده أنها الثانية أو الثالثة فإنه يجعلها الثانية فيتشهد التشهد الأول، ويأتي بعده بركعتين، ويسجد للسهو ويسلم.
... دليل ذلك: ما رواه مسلم(2) عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً – أي أربع – كانتا ترغيماً للشيطان".
... ومن أمثلة الشك: إذا جاء الشخص والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم معتدل، ثم يركع وحينئذ لا يخلو من ثلاث حالات:
... الأولى: أن يتيقن أنه أدرك الإمام في ركوعه قبل أن يرفع منه فيكون مدركاً للركعة وتسقط عنه قراءة الفاتحة.
... الثانية: أن يتيقن أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يدركه فيه فقد فاتته الركعة.
... الثالثة: أن يشك هل أدرك الإمام في ركوعه فيكون مدركاً للركعة، أو أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يدركه ففاتته الركعة، فإن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بما ترجح فأتم عليه صلاته وسلم، ثم سجد للسهو وسلم إلا أن لا يفوته شيء من الصلاة فإنه لا سجود عليه حينئذ.
... وإن لم يترجح عنده أحد الأمرين عمل باليقين (وهو أن الركعة فاتته) فيتم عليه صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم.
فائدة:
__________
(1) تقدم تخريجه في ص31.
(2) تقدم تخريجه في ص42.

(14/59)


... إذا شك في صلاته فعمل باليقين أو بما ترجح عنده حسب التفصيل المذكور ثم تبين له أن ما فعله مطابق للواقع وأنه لا زيادة في صلاته ولا نقص سقط عنه سجود السهو على المشهور من المذهب لزوال موجب السجود وهو الشك.
... وقيل: لا يسقط عنه ليراغم به الشيطان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن كان صلى إتماماً كانتا ترغيماً للشيطان"(1). ولأنه أدى جزءاً من صلاته شاكاً فيه حين أدائه وهذا هو الراجح.
... مثال ذلك: شخص يصلي فشك في الركعة أهي الثانية أم الثالثة؟ ولم يترجح عنده أحد الأمرين فجعلها الثانية وأتم عليها صلاته، ثم تبين له أنها هي الثانية في الواقع، فلا سجود عليه على المشهور من المذهب، وعليه السجود قبل السلام على القول الثاني الذي رجحناه.
سجود السهو على المأموم:
... إذا سها الإمام وجب على المأموم متابعته في سجود السهو لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" إلى أن قال: "وإذا سجد فاسجدوا" متفق عليه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه(2) -.
... وسواء سجد الإمام للسهو قبل السلام أو بعده فيجب على المأموم متابعته إلا أن يكون مسبوقاً أي قد فاته بعض الصلاة فإنه لا يتابعه في السجود بعده لتعذر ذلك إذ المسبوق لا يمكن أن يسلم مع إمامه، وعلى هذا فيقضي ما فاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
... مثال ذلك: رجل دخل مع الإمام في الركعة الأخيرة، وكان على الإمام سجود سهو بعد السلام، فإذا سلم الإمام فليقم هذا المسبوق لقضاء ما فاته ولا يسجد مع الإمام فإذا أتم ما فاته وسلم سجد بعد السلام.
__________
(1) من حديث أبي سعيد الخدري، تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه في ج13/122.

(14/60)


... وإذا سها المأموم دون الإمام ولم يفته شيء من الصلاة فلا سجود عليه؛ لأن سجوده يؤدي إلى الاختلاف على الإمام واختلال متابعته؛ ولأن الصحابة – رضي الله عنهم – تركوا التشهد الأول حين نسيه النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا معه ولم يجلسوا للتشهد مراعاة للمتابعة وعدم الاختلاف عليه.
... فإن فاته شيء من الصلاة فسها مع إمامه أو فيما قضاه بعده لم يسقط عنه السجود فيسجد للسهو إذا قضى ما فاته قبل السلام، أو بعده حسب التفصيل السابق.
... مثال ذلك: مأموم نسي أن يقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، ولم يفته شيء في الصلاة، فلا سجود عليه. فإن فاتته ركعة أو أكثر قضاها ثم سجد للسهو قبل السلام.
... مثال آخر: مأموم يصلي الظهر مع إمامه فلما قام الإمام إلى الرابعة جلس المأموم ظناً منه أن هذه الركعة الأخيرة، فلما علم أن الإمام قائم قام فإن كان لم يفته شيء من الصلاة فلا سجود عليه، وإن كان قد فاتته ركعة فأكثر قضاها وسلم، ثم سجد للسهو وسلم. وهذا السجود من أجل الجلوس الذي زاده أثناء قيام الإمام إلى الرابعة.
تنبيه:
... تبين مما سبق أن سجود السهو تارة يكون قبل السلام، وتارة يكون بعده.
فيكون قبل السلام في موضعين:
... الأول: إذا كان عن نقص، لحديث عبد الله بن بحينة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام حين ترك التشهد الأول. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
... الثاني: إذا كان عن شك لم يترجح فيه أحد الأمرين، لحديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلى؟ ثلاثاً أم أربعاً؟ حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم، وسبق ذكر الحديث بلفظه.
... ويكون سجود السهو بعد السلام في موضعين:

(14/61)


... الأول: إذا كان عن زيادة لحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً فذكروه بعد السلام فسجد سجدتين ثم سلم، ولم يبين أن سجوده بعد السلام من أجل أنه لم يعلم بالزيادة إلا بعده، فدل على عموم الحكم وأن السجود عن الزيادة يكون بعد السلام سواء علم بالزيادة قبل السلام أم بعده.
... ومن ذلك: إذا سلم قبل إتمام صلاته ناسياً ثم ذكر فأتمها فإنه زاد سلاماً في أثناء صلاته فيسجد بعد السلام لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر أو العصر من ركعتين فذكروه فأتم صلاته وسلم ثم سجد للسهو وسلم وسبق ذكر الحديث بلفظه.
... الثاني: إذا كان عن شك ترجح فيه أحد الأمرين لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من شك في صلاته أن يتحرى الصواب فيتم عليه، ثم يسلم ويسجد. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
... وإذا اجتمع عليه سهوان موضع أحدهما قبل السلام، وموضع الثاني بعده فقد قال العلماء: يغلب ما قبل السلام فيسجد قبله.
... مثال ذلك: شخص يصلي الظهر فقام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد الأول وجلس في الثالثة يظنها الثانية ثم ذكر أنها الثالثة فإنه يقوم ويأتي بركعة ويسجد للسهو ثم يسلم.
... فهذا الشخص ترك التشهد الأول وسجوده قبل السلام، وزاد جلوساً في الركعة الثالثة وسجوده بعد السلام فغلب ما قبل السلام. والله أعلم.
... والله أسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لفهم كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل بهما ظاهراً وباطناً في العقيدة، والعبادة، والمعاملة، وأن يحسن العاقبة لنا جميعاً، إنه جواد كريم. ...
... والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
... تم تحريره بقلم الفقير إلى الله تعالى محمد الصالح العثيمين في 4/3/1400هـ.

(14/62)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الرابع عشر
محمد بن صالح العثيمين

باب صلاة التطوع

750 ... سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: عن صلاة التطوع من حيث الفضل والأنواع؟
... فأجاب فضيلته بقوله: من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه، فالصلاة لها تطوع يشبهها من الصلوات، والزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام، وكذلك الحج. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، ليزدادوا ثواباً وقرباً إلى الله تعالى، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة.
... فمن التطوع في الصلاة: الرواتب التابعة للصلوات المفروضة، وهي أربع ركعات قبل الظهر بسلامين، وتكون بعد دخول وقت صلاة الظهر، ولا تكون قبل دخول وقت الصلاة، وركعتان بعدها، فهذه ست ركعات، كلها راتبة للظهر، أما العصر فليس لها راتبة، أما المغرب فلها راتبة ركعتان بعدها، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وتخص الركعتان قبل الفجر، بأن الأفضل أن يصليهما الإنسان خفيفتين، وأن يقرأ فيهما بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) في الركعة الأولى، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية، أو بقوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).

(14/63)


(البقرة: 136) الآية في سورة البقرة في الركعة الأولى. و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64) الآية في سورة آل عمران في الركعة الثانية. وبأنها – أي راتبة الفجر – تصلى في الحضر والسفر، وبأن فيها فضلاً عظيماً، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"(1).
... ومن النوافل في الصلوات: الوتر، وهو من أوكد النوافل، حتى قال بعض العلماء بوجوبه، وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله: "من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة".
... والوتر تختم به صلاة الليل، فمن خاف أن لا يقوم من آخر الليل أوتر قبل أن ينام، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخر الليل بعد إنهاء تطوعه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً"(2). وأقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال: ثلاث ركعات، فإن أوتر بثلاث فهو بالخيار، إن شاء سردها سرداً بتشهد واحد، وإن شاء سلم من ركعتين، ثم صلى واحدة، وإن أوتر بخمس سردها جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد، وإن أوتر بسبع فكذلك يسردها جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد، وإن أوتر بتسع فإنه يسردها، ويجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم. فيكون فيها تشهدان وسلام واحد. وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة، فإنه يسلم من كل ركعتين ويأتي بالحادية عشرة وحدها.
__________
(1) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب: استحباب ركعتي سنة الفجر ح96 (725).
(2) أخرجه البخاري في الوتر باب: ليجعل آخر صلاته وتراً ح(998). ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب: صلاة اليل مثنى مثنى ح151 (751).

(14/64)


... وإذا نسي الوتر، أو نام عنه، فإنه يقضيه من النهار، لكن مشفوعاً، لا وتراً، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث، صلى أربعاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس، صلى ستاً وهكذا. لأنه ثبت في الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة"(1).

751 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: أيهما أفضل قيام الليل أو طلب العلم؟
... فأجاب فضيلته بقوله: طلب العلم أفضل من قيام الليل؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد لا يعدله شيء لمن صحت نيته، بأن ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل لطلب العلم ابتغاء وجه الله سواءً كان يدرسه أو كان يدرسه ويعلمه الناس فإنه خير من قيام الليل، وإن أمكنه أن يجمع بين الأمرين فهو أولى، لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة أن يوتر قبل أن ينام(2)، قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة كان يتحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أول الليل وينام آخر الليل، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يوتر قبل أن ينام.

752 ... سئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته -: ما حكم الوتر وهل هو خاص برمضان؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الوتر سنة مؤكدة في رمضان وغيره، حتى إن الإمام أحمد وغيره يقول: "من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته" فهو سنة مؤكدة لا ينبغي للمسلم تركه لا في رمضان ولا في غيره، والوتر هو أن يختم صلاة الليل ركعة، وليس الوتر كما يفهمه بعض العوام أنه القنوت، فالقنوت شيء، والوتر شيء، فالوتر أن يختم صلاة الليل بركعة أو بثلاث سرداً.
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب: جامع صلاة الليل ح139 (746).
(2) رواه البخاري/ كتاب التهجد: باب صلاة الضحى في الحضر، ومسلم/ كتاب صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة الضحى.

(14/65)


... وعلى كل حال فالوتر سنة مؤكدة في رمضان وفي غيره ولا ينبغي للمسلم أن يدعه.

753 ... وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: أحرص على الوتر في وقته الفاضل قبل طلوع الفجر؛ ولكن أحياناً لا أستطيع فعله قبل طلوع الفجر، فهل يجوز لي الوتر بعد طلوع الفجر؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: إذا طلع الفجر وأنت لم توتر فلا توتر، ولكن صل في النهار أربع ركعات إن كنت توتر بثلاث، وست ركعات إن كنت توتر بخمس وهكذا.
... لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته صلاة الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة(1).

754 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن حكم من فاته الوتر ولم يتمكن من فعله قبل الفجر فهل يجوز له الوتر بعد طلوع الفجر؟ أفتونا وفقكم الله تعالى؟
... فأجاب فضيلته بقوله: لا يوتر بعد طلوع الفجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى"(2). فدل على أن الوتر ينتهي وقته بطلوع الفجر؛ ولأنه صلاة تختم به الليل فلا تكون بعد انتهائه.

755 ... سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر، فهل يتم صلاته؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إذا أذن وهو أثناء الوتر فإنه يتم صلاته ولا حرج عليه.

756 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل تجوز صلاة الوتر قبل النوم؟ وهل يحتسب من قيام الليل؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان من عادة المصلي أن لا يقوم إلا عند أذان الفجر فمن الأفضل أن يقدم الصلاة التي يريد أن يؤديها قبل أن ينام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة رضي الله عنه أن يوتر قبل أن ينام(3).
__________
(1) تقدم تخريجه ص113.
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر: رواه البخاري في أول الوتر ح(990) ومسلم في صلاة المسافرين باب: صلاة الليل مثنى مثنى ح145 (749).
(3) تقدم تخريجه ص113.

(14/66)


... فأنت صل ما كتب الله لك من الصلاة، وأوتر قبل النوم، ونم على وتر، وإذا قدر لك القيام قبل إذان الفجر وأردت أن تصلي نفلاً فلا حرج عليك على أن تصلي هذا النفل ركعتين، ولا تعيد الوتر.

757 ... وسئل فضيلته: هل يجوز للمصلي قضاء صلاة الوتر إذا قام صباحاً ولم يستيقظ قبل أذان الفجر، وكذلك صلاة الفجر، وراتبة الفجر؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يقضي الوتر إذا نام عنه في النهار لكن يكون شفعاً، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث قضاه أربعاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بواحدة قضاه ركعتين.
... وأما الفريضة والراتبة فيقضيها على صفتها.

758 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز الإيتار بثلاث بتشهد واحد لا يجلس إلا في آخر الثلاث؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يجوز لمن أوتر بثلاث أن يوتر على صفتين:
إحداهما: أن يصلي ركعتين ثم يوتر بواحدة منفردة.
والثانية: أن يوتر بثلاث جميعاً لا يفصل بينهن بجلوس ولا بتسليم لأن ذلك كله قد ورد عن السلف، وأظن فيه حديثاً مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاث(1).

759 ... سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: هل يجوز جمع الشفع والوتر في صلاة واحدة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا أوتر الإنسان بثلاث، فيجوز أن يصليها على وجهين:
... إما أن يجمعها جميعاً في تشهد واحد فيصلي الثلاث ركعات جميعاً في تشهد واحد، وتسليم واحد.
... وإما أن يصلي ركعتين ويتشهد ويسلم، ثم يصلي الثالثة.
... وأما إذا أوتر بخمس فإن الأفضل أن يسردها جميعاً ويتشهد في الخامسة ويسلم. وإذا أوتر بسبع فكذلك يسردها جميعاً ويتشهد في السابعة ويسلم. وإذا أوتر بتسع سردها جميعاً لكنه يتشهد بعد الثامنة ولا يسلم، ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم.
... وإذا أوتر بإحدى عشرة فإنه يسلم من كل ركعتين هكذا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب: كم الوتر ح(1422) وسيأتي ص119 بسياق الشيخ له.

(14/67)


760 ... سئل فضيلة الشيخ: عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى..." الحديث(1) يدل على جواز الصلاة إلى عدد غير محدد؛ لأن هذا الحديث مطلق، وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام إحدى عشرة ركعة فهل يعد ذلك تقييداً للحديث؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذا حديث مطلق، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم داخل في هذا المطلق، وفعل بعض الأفراد على وجه لا يخالف الإطلاق لا يعد تقييداً كما هو معروف عند الأصوليين، فأنت لو قلت: أكرم رجلاً. وقلت: أكرم محمداً: فلا يعني ذلك أن الحكم يتقيد بمحمد؛ لأنه داخل في أفراد المطلق، ولكن يصدق عليه أنك التزمت الأمر، وكذلك لو قلت: أكرم الرجال، فأكرمت واحداً بعينه، فلا يعتبر ذلك تخصيصاً، بل نقول: إذا ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يتنافى مع حكم العام فليس هذا من باب التخصيص فكذلك في التقييد.

761 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الإيتار بركعة، وخمس، وتسع؟ وهل يجوز الوتر مثل صلاة المغرب بحيث يصلي الرجل ركعتين ثم يجلس للتشهد ويقوم للثالثة قبل أن يسلم؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم ص115.

(14/68)


... فأجاب فضيلته بقوله: الوتر بركعة وبالثلاث وبالخمس والسبع والتسع كله جائز وردت به السنة، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى"(1). فهذا واضح بأن الوتر بركعة جائز. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل"(2)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها(3)، ويوتر بسبع لا يجلس إلا في آخرها، وأنه يوتر بتسع ويجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم للتاسعة بدون تسليم، ثم يختمها بالتشهد والتسليم(4).
... وأما الإيتار بثلاث كصلاة المغرب فإنه منهي عنه؛ لأن النافلة لا ينبغي أن تشبه بالفريضة، فإن لكل حكمه وشأنه، فالإيتار بالثلاث على وجهين:
... إما أن يسلم عند الركعتين ويوتر بالثالثة كما صح ذلك من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – من فعله(5).
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه ص115.
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب: كم الوتر ح(1422).
(3) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب: صلاة الليل ح123 (737).
(4) رواه أيضاً الترمذي في الصلاة باب: ما جاء في الوتر بخمس ح(459)، ورواه النسائي في قيام الليل، باب 41: كيف الوتر بخمس وباب 42 و 43 ح(1714 – 1726)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب: ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع ح(1190) و (1191).
(5) تقدم حديثه ص115، أما فعله فرواه مالك في موطأه باب: الأمر بالوتر 1/121 (306).

(14/69)


... وإما أن يوتر بثلاث بدون تشهد إلا في الأخيرة كما في حديث عائشة الثابت في الصحيحين أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: "كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشر ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسال عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً"(1)، وظاهر هذا أن هذه الثلاث بتسليم واحد.
... وأما الصفة الثالثة للإيتار بالثلاث وهي أن يجعلها كصلاة المغرب فإنها لم ترد، والذي يحضرني الآن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشبه الوتر بالمغرب.

762 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للإنسان أن يصلي الشفع والوتر بثلاث ركعات وتسليم واحد، أو يسلم للشفع ثم يأتي بالوتر؟
... فأجاب فضيلته بقوله: كلاهما صواب، فإذا أوتر الإنسان بثلاث فإنه يجوز أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم يأتي بالثالثة ويسلم، ويجوز أن يسرد الثلاث جميعاً بسلام واحد وبتشهد واحد لا بتشهدين كالمغرب، وعلى هذا فالذي يوتر بثلاث نقول لك الخيار؛ إن شئت فأوتر بثلاث مقرونة جميعاً لكن بتشهد واحد، وإن شئت أوتر بثلاث؛ ركعتين وحدهما، وركعة واحدة وحدها. والله الموفق.

763 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن قضاء صلاة الوتر في النهار هل يكون ثلاث ركعات أو ركعتين؟
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في التهجد باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل ح(1147) ومسلم في صلاة المسافرين باب: صلاة الليل... ح125 (738).

(14/70)


... فأجاب فضيلته بقوله: الوتر سنة مؤكدة لا ينبغي تركها، ولكن إذا غلبك النوم فاقض الوتر من النهار شفعاً، فإذا كان الإنسان يوتر بثلاث صلى أربعاً، وإذا كان يوتر بخمس صلى ستاً، وإذا كان يوتر بسبع صلى ثمان، وإذا كان يوتر بتسع صلى عشراً، وإذا كان يوتر بإحدى عشرة صلى اثنتي عشرة ركعة، وينبغي للإنسان إذا كان يخشى أن لا يقوم آخر الليل أن يوتر قبل أن ينام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة رضي الله عنه أن يوتر قبل أن ينام(1)، أما إذا كان يطمع أن يقوم آخر الليل، فإنه يؤخر الوتر إلى آخر الليل؛ لأن صلاة آخر الليل مشهودة.

764 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: أورد العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتابه زاد المعاد(2) في معرض كلامه عن صلاة القيام، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس(3)، هل هذه من السنة التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
... فأجاب فضيلته بقوله: كان النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً، فاختلف العلماء في تخريج هذا، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً"(4).
__________
(1) متفق عليه وتقدم ص113.
(2) انظر: زاد المعاد 1/321 وما بعدها.
(3) ورد ذكر هاتين الركعتين فيما رواه مسلم ح126 (738) كتاب صلاة المسافرين عن أبي سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس..." الحديث.
(4) متفق عليه وتقدم تخريجه ص112.

(14/71)