صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

المرأة والانتخاب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى إعطاء المرأة حق الانتخاب والترشيح للمجالس التشريعية؟

الجواب
من ضمن ما حصلت عليه المرأة المسلمة حديثا حق إعطاء صوتها لمن يرشح لبعض المجالس ، فى ظل الحكم الديمقراطى، وليس فى إعطائها هذا الحق أو ممارسته ما يمنعه شرعا ، وبخاصة إذا طلب منها ذلك ، فهو لا يعدو أن يكون شهادة بصلاحية شخص أو عدم صلاحيته ، وقضية التواصى بالحق والتناصح تؤكد هذا الحق .
لكن العلماء اشترطوا فيمن يختارون الخليفة : العدالة الجامعة لشروطها ، والعلم الذى يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها ، والرأى والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح للامامة وبتدبير المصالح أقوم وأعرف .
وإذا كانت هذه الشروط لم تتحقق حتى فى الرجال ، حيث إن الانتخاب فى الدساتير المعمول بها فى كثير من البلاد الإسلامية لا يحتم وجودها ، فهل يمكن أن تتحقق فى النساء؟ وإذا أمكن أن تتحقق فهل يوجد ذلك فى عالم الواقع ، ذلك يحتاج إلى نظر. "الأحكام السلطانية للماوردى ص 6 " .
أقول هذا لأن الدساتير الحالية تعطى حق الترشيح لمن أعطى حق التصويت ، فلو أن الأمر اقتصر على إعطاء صوتها إذا وجدت فيها المواصفات التى ذكرها الماوردى ما كان هناك اعتراض ، لكن الذين ينادون بإعطائها هذا الحق يربطون بينه وبين حق الترشيح لتمثيل الشعب فى المجالس التشريعية ، وبالتالى إذا اشتركت فى انتخاب الإمام أو الحاكم جاز لها الترشيح لهذا المنصب ، فالتصويت سلم للترشيح ، والقوانين الوضعية لا تلتزم حدود الدين فى الوقوف عند منح امتياز معين .
ومن هنا لا يجوز القول بجواز تصويتها لأنه وسيلة إلى ممنوع ، كما قررته لجنة الفتوى بالأزهر ونشر فى المجلة فى يونية 1952 م ، ونصها مذكور فى ص 448 من الجزء الثانى من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ، وجاء فيها: أن وسيلة الشىء تأخذ حكمه ، وأن حركة عائشة ضد على رضى الله عنه لا تعد تشريعا وقد خالفها فيها كثيرون ، وأن مبايعة النساء للنبى لا تثبت زعامة ولا رياسة ولا حكما للرسول ، بل هى مبايعة على الالتزام بأوامر الدين ثم ذكرت اللجنة عدم جواز ترشيح المرأة للمجالس التشريعية ، لأن فيه معنى الولاية العامة وهى ممنوعة بحديث البخارى وغيره : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا ما فهمه أصحاب الرسول وجميع أئمة السلف ، ووضحت المبررات لذلك ، ثم ذكرت أن منع المرأة من التصويت والترشيح لم ينظر فيه إلى شىء آخر وراء طبيعة هذين الأمرين ، أما ما يلازم عملية الانتخاب المعروفة والترشيح لعضوية البرلمان من مبدأ التفكير إلى نهايته فإننا نجد سلسلة من الاجتماعات والاختلاطات والأسفار للدعاية والمقابلات وما إلى ذلك ، مما نشفق على المرأة أن تزج بنفسها فيها ، ويجب تقدير الأمور وتقدير الأحكام على أساس الواقع الذى لا ينبغى إغفاله أو التغافل عنه .
هذا ما قررته لجنة الفتوى بالأزهر سنة 1952 ، فهل يقبل فى هذه الأيام أو يرفض ؟ وهل للمادة الثانية فى الدستور المصرى اعتبار فى التشريع ؟

(10/22)


الوعد بالزواج وقراءة الفاتحة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
خطبنى شاب فوافق أبى عليه وقرأ الفاتحة معه ،ثم تبين أنه ليس على ما كنا نظن فيه ، فهل يجوز نقض الفاتحة وفسخ الخطبة أم أن ذلك حرام ؟

الجواب
الوعد بالزواج لا يلزم الوفاء به ، وبخاصة إذا ظهر ما يبرره ، وفترة الخطبة فترة اختبار وامتحان واستطلاع ، لا تترتب عليها حقوق ، ويجوز لكل من الطرفين أن يعدل عن الوعد على الرغم من قراءة الفاتحة، فالفاتحة ليست عقدا ، ولكن قراءتها من باب التبرك بها .
ومهما يكن من شىء فإن الوفاء بالوعد -كما قال ابن حجرالهيتمى فى كتابه "الزواجر" الجزء الأول ص 109- مندوب عند الشافعية وليس بواجب ، ومخالفة المندوب جائزة ليست حرمة ولا عقوبة عليها، والنصوص الواردة بالأمر بالوفاء هى فى العهود والعقود ، والفرق بينهما وبين الوعود يرجع فيه إلى الكتاب المذكور

(10/23)


زواج المسلم بالكتابية فى الكنيسة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعض البلاد غير الإسلامية يصرون على أن المسلم لو تزوج بكتابية فلا بد من عقد الزواج بالكنيسة، فهل يعتبر ذلك حراما، مع أنه لم ينطق بكلمة مما يقوله القسيس ؟

الجواب
إذا تم زواج المسلم بالمسيحية على الطريقة المدنية - بإيجاب وقبول وحضور شاهدين مسلمين كان الزواج صحيحا شرعا ، أما إجراوه فى الكنيسة على الطريقة المعهودة عندهم فلا يصح ، وإذا تحتم العقد فى الكنيسة فليكن بعد إجراء العقد على الطريقة الشرعية فى أى مكان آخر، وإلا فليكن العقد بعد الانتهاء من إجراءات الكنيسة، أما إذا لم يتحتم العقد فى الكنيسة فلا حاجة إلى الذهاب إليها والعقد بها .
"الفتاوى الإسلامية - المجلد الخامس ص 1927 "

(10/24)


عقد الزواج فى شهر المحرم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس إن عقد الزواج فى شهر المحرم حرام أو شؤم ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
روى البخارى من طريق عروة أن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت : تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شوال ، وبنى بى فى شوال ، فأى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده منى؟ قال عروة : وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءَها فى شوال .
لقد حرص كثير من الناس على تحرى عقد الزواج فى يوم معين من الأسبوع ، أو شهر معين من السنة ، تحريا يترتب عليه أحيانا نزاع أو تشاؤم ورجم بالغيب عن فشل الزواج إن خولف فيه المعتاد من هذه الأوقات .
وهذه عادة جاهلية ترد على بطلانها السيدة عائشة بهذا الحديث ، فقد كانوا يتطيرون أى يتشاءمون من شهر شوال ، لما فى اسمه من معنى الإشالة والرفع ، فيقال عندهم : شال لبن الناقة أى ارتفع وقَلَّ ، ويقال : شالت الناقة بذنبها إذا امتنعت عن الفحل أن يطرقها . فهم يخافون أن تمتنع الزوجة عن زوجها إذا أرادها ، ويقال : شالت نعامتهم إذا ماتوا وتفرقوا ، والنعامة يراد بها الجماعة ، فالمهم أنهم كانوا يتطيرون بهذا الشهر ويمتنعون عن الزواج فيه .
وقد ذكرت كتب السيرة أن النبى صلى الله عليه وسلم عقد لفاطمة بنته عَلَى عِلىٍّ بن أبى طالب بعد بنائه بعائشة بأربعة أشهر ونصف الشهر، وحيث قد علمنا أن زواجه وبناءه بعائشة كان فى شوال فيكون زواج فاطمة فى شهر صفر، وذكر بعضهم أنه كان فى أوائل المحرم .
ومهما يكن من شىء فلا ينبغى التشاؤم بالعقد فى أى يوم ولا فى أى شهر، لا فى شوال ولا فى المحرم ولا فى صفر ولا فى غير ذلك ، حيث لم يرد نص يمنع الزواج فى أى وقت من الأوقات ما عدا الإحرام بالحج أو العمرة

(10/25)


سكن المطلق مع مطلقته

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
رجل طلق زوجته طلاقا بائنا ولم يجد مسكنا لأولاده حيث ستكون هى حاضنة لهم ، إلا السكن الذى هو فيه ، فهل يجوز أن يسكن هو فى هذا البيت أم لا بد من الفصل بينه وبينها بمسكن آخر؟

الجواب
إذا حدث الطلاق صارت المرأة أجنبية عن زوجها فى بعض الأحكام . وإذا كان الطلاق بائنا بينونة صغرى أو كبرى فلا يحل له أن يتمتع بها بأى نوع من أنواع التمتع بل يحرم عليه أن يختلى بها أو ينظر إلى غير وجهها وكفيها ، أما إذا كان الطلاق رجعيا فله كل ذلك ما دامت فى العدة ، لأنها فى حكم الزوجة .
ومن المقرر شرعا أن المطلقة طلاقا بائنا لها الحق فى حضانة أولادها الصغار ما لم تتزوج ، ونفقتهم ونفقة حضانتها على أبيهم ، ومن النفقة إعداد المسكن اللائق لذلك ، وهو مسكن لها ولا صلة للمطلق به . فإن لم يجد لها مسكنا أو لم يجد هو لنفسه مسكنا يستقل فيه بعيدا عن مسكنها فلولى الأمر تمكينه من البقاء فى مسكن الزوجية السابقة،وذلك بصفة مؤقتة - نظرا لأزمة المساكن فى بعض البلاد- حتى يجعل الله له من بعد عسر يسرا، على شرط أن يكون وجوده فى هذا المسكن المشترك كالرجل الغريب تماما عنها ، وذلك من حيث حرمة النظر والخلوة والملامسة وغيرها . فلكل منهما غرفة أو جزء من المسكن مستقل ، كأنهما نازلان فى فندق ، وإن كان الالتزام بذلك صعبا جدا .
وهذا -كما قلت- إجراء مؤقت حتى يستقل كل منهما بمسكن ، وللضرورة أحكام ولا تظهر هذه الصعوبة إلا إذا كان هناك أولاد يحق لها حضانتهم ، التى قد تستمر سنوات طوالا، أما إذا لم يوجد أولاد للحضانة فالأمر سهل ، وهذا إجراء يجب أن يعطينا درسا فى التفكير أكثر من مرة عند الزواج وعند الطلاق . "انظر فتوى الشيخ أحمد هريدى سنة 1965 فى الفتاوى الإسلامية- المجلد السادس ص 2200"

(10/26)


الزوجة تكون فى الجنة لآخر أزواجها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تزوجت امرأة فى حياتها أكثر من زوج ، أحدهم بعد الآخر ، فإذا ماتت ستكون زوجة للأول أم للآخر ؟

الجواب
هناك رأيان للعلماء فى ذلك ، رأى يقول : إنها لآخر أزواجها ، ودليله أن هجيمة بنت حُيى الأوصابية أم الدرداء الصغرى خطبها معاوية بن أبى سفيان ، فأبت وقالت : سمعت أبا الدرداء يقول : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "المرأة لآخر أزواجها" ولست أريد بأبى الدرداء بديلا، وهو حديث صحيح رواه الطبرانى وأبو يعلى برجال ثقات ولفظه : "أيما امرأة توفى عنها زوجها فتزوجت بعده فهى لآخر أزواجها" "المطالب العالية لابن حجر ج 2 ص 67 ، والجامع الصغير" . وكما فعلت أم الدرداء فعلت زوجة حذيفة "تفسير القرطبى سورة الأحزاب ص 229" .
ورأى يقول : إنها ستكون لأحسنهم خلقا، وإن خيرت بينهم اختارته ، واستأنس هذا الرأى بحديث رواه الطبرانى فى معجمه الكبير، عن أنس قال :
قالت أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت المرأة يكون لها زوجان فى الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة، لأيهما تكون ؟ قال "لأحسنهما خلقا كان عندها فى الدنيا، يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيرى الدنيا والآخرة" إحياء علوم الدين ج 3 ص 45 ، فلنترك الأمر إلى الله ، فهو من المغيبات التى لا نلتزم فى اعتقادها إلا بخبر قاطع فى ثبوته ودلالته ، ولعل القول بأنها تكون لأحسنهم خلقا أنسب لما تكون عليه الجنة من نعيم عظيم لا غل فيه ولا هم ولا حزن

(10/27)


نفقة علاج الزوجة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل تجب على الزوج نفقة علاج زوجته ، أم أن النفقة عليها هى ؟

الجواب
قال اللّه تعالى {وعاشروهن بالمعروف } النساء : 19 وقال صلى الله علية وسلم "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . " رواه مسلم ، وحذر من التقصير فى ذلك فقال "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يَقُوت " رواه أبو داود وروى مثله مسلم .
وقد فصل العلماء هذه المعاشرة المطلوبة وأنواع النفقة اللازمة، من غذاء وكساء ومسكن ومتعة وخدمة، وما يعتاد فى المواسم والمناسبات "يراجع الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ص 203" .
ومن جهة علاجها قال الذين أوجبوا لها ما تطلبه الحامل أثناء الوحم ، بوجوب علاجها من المرض ، فإن المرض له دخل كبير فى التأثير على تمتعه بها ، وعلاجها فهو من المعاشرة بالمعرف ، وللفقهاء اجتهاد فى ذلك . وفقهاء الشافعية "الإقناع للخطيب ج 2 ص 191 " لا يوجبون على الزوج ثمن الدواء ولا أجر الطبيب ، متعللين بأن ذلك لحفظ الأصل ولا صلة له به ، وكيف يقال ذلك والمرض مانع أو منغص على الزوج متعته وما يلزمها وما تقوم به الزوجة من واجبات الأسرة ؟ مثل الشافعية قال الحنابلة "معجم المغنى ص 970 " .
وفى القانون المصرى للأحوال الشخصية رقم 44 لسنة 1979 م نصت المادة 2/ 4 على أن النفقة تشمل الغذاء والكساء والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقض به العرف "الفتاوى الإسلامية - المجلد الرابع ص 1387 " .
وتجهيزها من الموت إلى الدفن بدون إسراف ولا تبذير يكون على الزوج كما ذهب إليه أبو يوسف من الأحناف ، وصدر به قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 " مادة 4 " الفتاوى الإسلامية - المجلد الخامس ص 1938

(10/28)


طلاق زوجة الغائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى شاب عقد قرانه علي ابنة عمه وسافر إلي الخارج منذ خمس سنوات ولم يدخل بها ، وفى كل عام يرسل خطابا يقول إنه سوف يحضر ثم لا يحضر فهل لها حق الطلاق ؟

الجواب
إذا غاب الزوج ولم تصبر الزوجة ولم تتحمل وخيف عليها من السوء كان لها أن تطلب التفريق ، ويجيبها القاضى إلى مطلبها بطلاق بائن ، بعد عمل الإجراءات اللازمة .
واختلف أصحاب الإمام مالك القائلون بذلك فى الحد الأدنى للغيبة التى تعتبر إضرارا بالزوجة وتسوغ لها طلب التفريق ، فقدَرها بعضهم بثلاث سنين ، وقدرها آخرون بسنة، وبهذا الرأى جاء القانون رقم 25 لسنة 1929م كما يلى :
مادة (12) -إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضى طلاقها بائنا إذا تضررت من بُعده عنها ولو كان له مال يستطيع الإنفاق منه .
مادة (13) - إذا أمكن وصول الرسائل إلى الغائب وضرب له أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه - فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولا يُبد عذرا مقبولا فرق القاضى بينهما بتطليقة بائنة ، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضى عليه بلا إعذار وضرب أجل

(10/29)


عقد الزواج بالإشارة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى حاله زواج مسلم من كتابية لا تتحدث باللغة العربية وليس لها ولى ، هل يكتفى بأخذ موافقتها فقط بالإشارة كالإيماء برأسها، أم أخذ شهادة اثنين من أهل الكتاب حيث لا يوجد شهود مسلمون ؟

الجواب
جمهور الفقهاء على أنه لا يشترط فى عقد الزواج أن يكون باللغة العربية، بل يصح باللغة التى يفهم بها كل طرف ما يقوله الطرف الآخر .
أما الولى فهو ضرورى عند الجمهور، وعند الحنفية يجوز للمرأة الرشيدة أن تزوج نفسها بدون ولى .
والقادر على الكلام لا يصح عقد زواجه بالكتابة فقط ولا بالإشارة وحدها، أما العاجز عن الكلام فإن كان لا يحسن الكتابة ينعقد الزواج بالإشارة المعروفة ، لأنه لا سبيل إلى التعبير عن إرادته إلا بها .
أما إن كان يحسن الكتابة فعند أبى حنيفة روايتان : الأولى- يصح العقد، لأن المقصود معرفة الغرض بأية وسيلة، ويستوى فى ذلك الإشارة والكتابة، والرواية الثانية : لا يصح العقد بالإشارة ولا بد من الكتابة ، والعمل فى مصر على الرواية الثانية .
وإذا لم يتيسر وجود شاهدين مسلمين صح العقد بشاهدين كتابيين عند أبى حنيفة وأبى يوسف ، ولا يصح عند الأئمة الثلاثة ومحمد بن الحسن ونفر من الحنفية ، والعمل فى مصر على رأى أبى حنيفة وأبى يوسف "أحكام الأسرة فى الإسلام ص 102 ، 104 ، 105 ، 128"

(10/30)


الاختلاط فى العمل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى العمل بالشركات مع الرجال والنساء الأجانب غير الملتزمات بالملابس التى تراعى الآداب والأخلاقيات ، وإذا لم أجد عملا إلا فى هذا الجو فماذا أفعل ؟

الجواب
العمل بأية مؤسسة فيها رجال ونساء مثل المشى فى الطرقات وارتياد الأسواق والاجتماعات العامة، وعلى كل جنس أن يلتزم بالآداب الموضوعة فى الشريعة، التى من أهمها ما جاء فى قوله تعالى : {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } النور: 30 ، وقوله :{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن . . .} النور: 31 ، وما جاء فى السنة النبوية من عدم الخلوة المريبة والملامسة المثيرة والكلام الخاضع والعطر النفاذ والتزاحم إلى غير ذلك من الآداب .
ومع حفاظ كل جنس على الآداب المطلوبة عليه أن يوجه من يخالفها ، من منطلق قوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} التوبة : 71 ، وذلك بأسلوب حكيم يرجى منه الأمثال ، أو على الأقل تبرأ به ذمته من وجوب الوعظ على كل حال كما قال تعالى : {واذ قالت أمة منهم لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } الأعراف : 164 .
ولا يجوز السكوت على مخالفة الآداب اعتمادا على قوله تعالى {عليكم أنفسكم . لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } المائدة : 105 ، فالاهتداء لا يكون إلا بعد القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما جاء فى نصوص أخرى، وإن لم ينتج النصح ثمرة وجب الإنكار بالقلب ، وهو يظهر فى معاملة المخالفين معاملة تشعرهم بعدم الرضا عنهم ، فقد يفكرون فى تعديل سلوكهم .
ومن العسير أن يترك الإنسان العمل فى مثل هذا المجال المختلط ، فالمجالات كلها أو أكثرها فيها هذا الاختلاط ، سواء على المستوى المحلى أو العالمى ، فعلى من يلجا إلى هذا العمل أن يلتزم بالآداب مع القيام بواجب النصح بالحكمة والموعظة الحسنة

(10/31)


المرأة رئيسة فى العمل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز أن تكون المرأة رئيسة على الرجل فى العمل مع أن الله يقول {الرجال قوامون على النساء}؟

الجواب
رئاسة المرأة للرجل فى أى عمل لا تكون ممنوعة إلا فى الرئاسة أو الولاية العامة التى جاء فيها الحديث الصحيح "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخارى وغيره . وذلك أمر اتفق عليه العلماء ، لخطورة هذه الولاية وحاجتها إلى مواصفات عالية فيمن يتولاها ، وبدون نقاش "الرجال اقدر من النساء فى هذا المجال " وليس هذا تحيزا أو تعصبا ، فالحياة أساسها التعاون ولا يتم الخير إلا بوضع الشخص المناسب فى المكان المناسب ، كما سبق أن ذكرناه فى حق المرأة فى العمل .
وآية {الرجال قوامون على النساء} النساء : 34 تفيد معنى المسئولية الواجبة على الرجال نحو النساء إن كن بنات أو زوجات بالذات ، وذلك لوجوب الإنفاق والرعاية ، ومؤهلات هذه المنزلة مذكورة فى الآية نفسها،{بما فضل اللّه بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } والواجب هو الاعتراف بالواقع الفعلى الذى خلق عليه الرجل والمرأة وبالنصوص المؤكدة لذلك .
ومهما أعطى من معنى "القوامة" بأنها رئاسة أو غيرها فإن المرأة لا تمنع منها إلا كما قلت فى الولاية العامة، وبشرط أن تكون محافظة على جميع الآداب الشرعية عند خروجها لأى عمل من الأعمال ، حفاظا عليها وعلى غيرها مما لا يمكن تجامله .
والرئاسة فى الأعمال الأخرى مدارها على الكفاية والخبرة والأمانة التى لخصها سيدنا يوسف فى قوله {قال اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم } يوسف :55 ، وأشارت بها بنت شعيب عليه لاستئجار موسى {إن خير من استأجرت القوى الأمين } القصص : 26 .
والنصوص فى شرط الكفاءة فى مزاولة أى عمل كثيرة، يستوى فى ذلك الرجل والمرأة وفى الحديث "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قيل : وكيف إضاعتها؟ قال "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" رواه البخارى

(10/32)


المرأة وكحل العين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تخرج وهى مكحلة العينين يراها الأجانب ؟

الجواب
كان الكحل معروفا عند العرب قبل الإسلام ، يستعمله الرجل والنساء للدواء والزينة، والإسلام فى احتياطه لصيانة الأعراض ومنع الفتنة أمر بالامتناع عن كل ما يغرى بالسوء ، وأمر المرأة بالذات بستر مفاتنها فقال تعالى{ولا يبدين زينته ق إلا ما ظهر منها} النور: 31 ، والظاهر المعفو عنه فيه خلاف للمفسرين ، يقول القرطبى :
الزينة قسمان ، خلقية ومكتسبة ، فالخلقية وجهها، والمكتسبة كالثياب والحلى والخضاب والكحل ، ومنه قوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} الأعراف : 31 ، وعلى هذا فالكحل فى العينين من الزينة الظاهرة المعفو عنها ، وذلك للحاجة إلى كشف العينين بالذات تبعا لكشف الوجه الذى جاء الترخيص به وبكشف الكفين .
غير أنى أنبه إلى أن الكحل إذا كان زينة معفوا عن إبدائها فالمراد به ما لا يكون مبالغا فيه يلفت النظر، وما لا يقصد به الفتنة، لأن الكحل العادى قد تكون العين فى غير حاجة إليه إذا كانت جميلة بالطبيعة بما يعرف باسم "الكَحَل " أما ما يزيد على ذلك مما يتفنن فيه نساء العصر فإن المقصود منه غالبا ليس تحسين العين لذات التحسين ، بل الفتنة والإعجاب بما استحدث من أصباغ ذات ظلال وألوان خاصة للجفون وما يتبعها من أهداب صناعية وغيرها ، وكل هذا لا يقر الإسلام أن يطلع عليه الرجال الأجانب ، إلى جانب النية التى جاء فيها الحديث "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" رواه البخارى ومسلم ، والقياس على التعطر الذى يقصد به أن يجد الرجال ريحها وهو دليل الفساد .
فليتق الله النساء فإنهن بغير زينة فتنة ما بعدها فتنة، وليحس كل رجل مسئوليته نحو أهله ، فإن الله سائل كل راع عما استرعاه {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} التحريم : 6

(10/33)


فاطمة ورأيها فى الاختلاط

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقال إن السيدة فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم ترى وجوب الفصل بين الرجل والمرأة ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن عليا رضى الله عنه سيتزوج على ابنته فاطمة لم يوافق على ذلك وقال "فاطمة بضعة منى يريبنى ما راباها ويؤذينى ما آذاها " وروى البزار والدارقطنى من حديث على رضى الله عنه أنه قال : كنت ذات يوم عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال "أى شىء خير للمرأة"؟ فسكتنا جميعا ولما رجعت سألت فاطمة فقالت : ألا ترى رجلا، ولا يراها رجل . ثم أخبرت بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال "من علَّمك هذا" ؟ فقلت : فاطمة قال "إنها بضعة منى" وفى بعض الروايات أن النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى سألها ذلك ، ولما أجابت ضمها إليه وقال "ذرية بعضها من بعض " يقول العراقى فى تخريج أحاديث "إحياء علوم الدين " للإمام الغزالى ج 2 ص 43 إن سنده ضعيف .
فالحديث وإن كان معناه صحيحا إلى حد كبير، إلا أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة السند، وليس كل معنى مقبول يلزم أن يكون صادرا عمن نسب إليه ، فأما كون فاطمة بضعة من أبيها عليه السلام فذلك صحيح لا شك فيه ، وأما كون الرأى وهو عدم اختلاط الرجال بالنساء إلا فى أضيق الحدود، مقبولا فإن الواقع يشهد له ، والأدلة فى القرآن والسنة بعمومها تؤيده ، وإن كانت نسبته إلى السيدة فاطمة رضى الله عنها غير مجزوم بها .
هذا ، وما جاء فى الكتب المطبوعة حديثا من أن هذا الحديث صححه الترمذى وابن حبان وأخرجه الأربعة لا يطابق الواقع بعد البحث والتحرى ، ويرجى تدارك ذلك فى المستقبل إن شاء الله "موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام - ج 2 ص 93 " ، "الصبان على هامش مشارق الأنوار" ص 162

(10/34)


خضراء الدمن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هن الحديث ما يقال "إياكم وخضراء الدمن "قالوا :
وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال "المرأة الحسناء فى المنبت السوء"؟

الجواب
هذا الحديث رواه الدارقطنى ، وذكره الإمام الغزالى فى كتابه "الإحياء " ورواه العسكرى فى كتابه "الأمثال " من طريق أبى سعيد الخدرى ، وقد تفرد به الواقدى . وقال العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء : إنه حديث ضعيف .
والدمن جمع دِمْنَة وهى-كما قال ابن الأثير فى النهاية - ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها ، أى تلبده فى مرابطها ، وربما نبت فيها النبات الحسن النضير .
والمراد من الحديث النهى عن تزوج المرأة لمجرد الإعجاب بحسنها وجمالها دون النظر إلى دينها وخلقها، فهى تشبه النبتة الرائعة فى مظهرها ولكنها تعيش فى وسط قذر، أو تستمد جياتها من منبع غير كريم ، ومثل هذه المرأة لا تؤمن الحياة الزوجية معها .
وقد جاء فى حديث البخارى ومسلم "تنكح المرأة لأربع ، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " وهو دعاء عليه بالفقر والتصاق يده بالتراب إن لم يفعل ذلك

(10/35)


شهادة الكتابى على زواج المسلم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل تجوز شهادة غير المسلم على عقد زواج المسلم ؟

الجواب
يشترط فى الولى والشاهدين على عقد الزواج الإسلام ، والأئمة متفقون على شرط الإسلام فى الولى إلا إذا كانت الزوجة كتابية ، فيجوز أن يكون وليها غير مسلم .
وأما فى الشهادة فالأكثرون على اشتراط الإسلام حتى لو كانت الزوجة كتابية ، وأبو حنيفة وأبو يوسف أجازا أن يكون الشاهدان غير مسلمين فى هذه الحالة، ويقال : إن نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان ابن عفان رضى الله هذه كان وليها أخاها "ضبا" وكان مسلما كما ذكره ابن قتيبة فى كتابة "عيون الأخبار"ج 4 ص 46 .
والدليل على رأى الفقهاء فى اشتراط الإسلام فى الشاهدان أن الشهادة فيها معنى الولاية ، وقد قال تعال {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} النساء: 141 ، وهو دليل على رأى الجمهور فى اشتراطه حتى لو كانت الزوجة غير مسلمة ، وذلك لمنع ولاية غير المسلم على عقد فيه مسلم . واعتمد أبو حنيفة وأبو يوسف على أن الشهادة هى على الزوجة، فلا توجد ولاية لغير مسلم على مسلم . ورده الجمهور باشتراك الزوج فى هذه الشهادة ، وبأن الإشهار والإعلان لا يتحقق بين المسلمين بغير المسلمين .
هذا، وعمل المحاكم المصرية على رأى أبى حنيفة وأبى يوسف

(10/36)


بالرفاء والبنين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سعنا أنه لا يجوز أن يقال فى التهنئة بالزواج بالرفاء والبنين ، فهل هذا صحيح ، وما معنا هذه الكلمة؟

الجواب
من السنة أن يتقدم الناس بتهنئة العروسين والدعاء لهما بالبركة ، بناء على التوجيهات العامة بالمشاركة الوجدانية بين المسلمين ، أى الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم ، ففى سنن الترمذى وأبى داود وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تزوج الإنسان قال له "بارك الله لك وبارك عليك ، وجمع بينكما فى خير " وهذا الحديث كما يقول الترمذى :
حسن صحيح .
ويكره عند التهنئة أن يقال : بالرفاء والبنين ، كما ذكره النووى فى كتابه "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" ص 281 ، فقد تزوج عقيل ابن أبى طالب امرأة من بنى جشم ولما ذهبوا إليه ليهنئوه قالوا : بالرفاء والبنين ، فقال لهم : لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم بارك لهم وبارك عليهم " رواه النسائى وابن ماجه وروى أحمد مثله ، وفى رواية له "لا تقولوا ذلك ، قولا بارك الله لها فيك ، وبارك فيها" .
يقول ابن الأثير فى "النهاية" . الرفأ هو الالتئام والاتفاق والبركة والنماء ، ومنه قولهم : رفأت الثوب رفءا ، ورفوته رفوا ، وإنما نهى عنه كراهية لأنه كان من عادتهم ، ذكر ذلك الشوكانى فى "نيل الأوطار" وابن مفلح فى "الآداب الشرعية" .
والخلاصة أن الكلمة معناها جميل ، لأنها دعاء بالوفاق والبركة بين الزوجين ، و دعاء بذرية البنين ، وهو خير ، والدعاء بالخير غير ممنوع ، لكن قال العلماء بكراهة هذه العبارة، لأنها كانت من عادات الجاهلية، وبخاصة الدعاء للبنين الذى يدل على ما كان عندهم من كراهية البنات ، والأولى أن يقال ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم

(10/37)


سر الزوجين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للزوج أو الزوجة أن يفشى السر الخاص بينهما لطلب مشورة أو حل مشكله ؟

الجواب
إفشاء السر له خطورته ، وبخاصة إذا كان فى الأمور الهامة، على المستوى العام كأسرار الدول والحكومات ، وعلى المستوى الخاص كأسرار الأسر والشركات والجماعات ، وإفشاء السر منهى عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحقوق الغير، فى الحديث الذى رواه أبو داود والترمذى وحسَّنه "إذا حدَّث الرجل الحديث ثم التفت فهى أمانة" وفى تاريخ الإسلام أحداث كان إفشاء السر فيها خطيرا ، من ذلك نقل حاطب بن أبى بلتعة سر مسيرة النبى وصحبه لغزو مكة، ولم يعصمه من القتل إلا أنه قد شهد بدرا ، وكان قصده حسنا ، ونقل بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم حديثه إلى بعضهن كما قال تعالى {وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض } التحريم : 3 .
ومن الأسرار التى لها حرمتها ما يحصل بين الزوج وزوجته فى الخلوة الخاصة، وقد أخرج أحمد بن حنبل عن أسماء بنت يزيد بن السكن أنها كانت عند الرسول والرجال والنساء قعود عنده فقال "لعل رجلا يقول ما فعل بأهله ، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها" فأرمَّ القوم ، أى سكتوا ، فقالت يا رسول الله ، إى والله إنهم ليفعلون ، وإنهن ليفعلن ، فقال ما معناه : "فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقى شيطانة فكان منهما ما كان والناس ينظرون " وروى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفض إلى المرأة وتفضى إليه ، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه " .
هذا فى السر الخاص ، أما الأسرار الأخرى للبيوت فلا ينبغى إفشاؤها لغير من تهمهم مصلحة الأسرة من الأقارب ، بل إن البيوت الكريمة تحاول أن تخفى أسرارها حتى عن أقرب الناس إليها ، لأن السر إذا خرج أوغر الصدر، إلى جانب ما يترتب عليه من آثار ضارة ، أقلها الشماتة عند معرفة العيوب التى يشكو منها أحد الزوجين ، وكثير من الناس يتصيدون أخبار البيوت للإفساد، وللنساء فى مجالسهن الخاصة أحاديث متشعبة وخبر أم زرع بشأن النسوة اللاتى تحدثن عن أزواجهن معروف .
على أنه لا بأس بإفشاء بعض الأسرار عند الحاجة بقصد الإصلاح ، كما شكت هند إلى النبى تقتير زوجها أبى سفيان ، وذلك عند التقاضى ، أما الحديث لمن لا يرجى عنده إصلاح فممنوع ، ففى حديث مسلم "ومن ستر مسلما ستر الله فى الدنيا والآخرة" ومن كتم سره كان الخيار بيده

(10/38)


غياب الزوج عن زوجته

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يسافر بعض الأزواج إلى بلد آخر لطلب العلم أو كسب العيش ويترك زوجته وأولاده ، فما موقف الدين من ذلك ؟

الجواب
معلوم أن الزواج شركة يتعاون فيها الزوجان على توفير الأمن والراحة والسكن لكل منهما ولمن يأتى من ذريتهما ، وحتى يكون هذا التعاون نابعا من الأعماق قوى الرسوخ فى النفس ربط الله بينهما برباط وثيق هو الشهوة والعاطفة ، وبخاصة حين يحسان أن ثمرة اللقاء ستكون مولودا يشبعان به عاطفة الأبوة والأمومة، ويقدمان له أعز ما عندهما ويستعذبان فى سبيل توفير الراحة والسعادة له كل صعب وشاق .
وحين يبتعد أحد الزوجين عن الآخر يحس بالفراغ وينتابه القلق للاطمئنان على نصفه الآخر، ويغذى هذا الشعور أمران أحدهما يحتاجه الجسد والآخر يحتاجه القلب ، وإذا طال أمد البعد قوى ألم الفراق ، وربما أحدث مرضا أو أمراضا ، وعند طلب العلاج قد يكون الزلل إن لم يكن هناك عاصم من دين ، وحصانة من أخلاق .
جاء فى المأثور أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمع -وهو يتفقد أحوال الرعية ليلا-زوجة تنشد شعرا تشكو فيه بعد زوجها عنها لغيابه مع المجاهدين ، ولولا تمسكها بدينها ووفاؤها لزوجها لانحرفت ، فرقَ عمر لحالها ، وقرر لكل غائب أمدا يعود بعده إلى أهله .
وبالرغم من ترك الغائب لأهله النفقة اللازمة ، فإن عليه حقوقا لزوجته وأولاده غير ذلك ، والناس مختلفون فى الشعور بأداء هذا الحق ، ولئن كان عمر جعل أمد البعد أربعة أشهر فى بعض الروايات فلعل ذلك كان مناسبا للبيئة والظروف التى ينفذ فيها هذا القرار، والبيئات والظروف مختلفة ، والشعور بالبعد يختلف بين الشباب والكبار، ويختلف من زوجة فيها دين وخلق قوى إلى من ليس عندها ذلك ، والزوج هو الذى يعرف ذلك ويقدره .
وإذا كنت أنصح بتحمل بعض الآلام لمصلحة الأسرة ماديا فإني أنصح الزوج أيضا بألا يتمادى فى البعد ، فالسعادة النفسية باللقاء على فترات متقاربة لها أثرها فى سعادة الأسرة .
ويراجع فى الجز الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام توضيح حق إعفاف الزوج لزوجته

(10/39)


عودة الزوج الغائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى زواج امرأة بعد سفر زوجها، وانقطعت صلته بها عشر سنوات ولكنه عاد بعد زواجها بسنتين ؟

الجواب
إذا غاب الزوج لا يجوز للزوجة أن تتزوج إلا بعد رفع أمرها إلى القضاء ليتخذ الإجراءات اللازمة لاستدعائه أو للحكم بفقده ، أما أن تتزوج هى بغير ذلك فإن زواجها باطل ، وتبقى على ذمة زوجها الأول ، تعود إليه عند عودته حتى لو تزوجت بغيره ، لأن الزواج باطل .
وإذا حكم القاضى بفقد الزوج بعد الإجراءات المعروفة ثم تزوجت وعاد زوجها فالقضاء يعيدها إلى زوجها الأول إن لم يكن الزوج الثانى قد دخل بها ، فإن عاد بعد الدخول بها يخير بين أخذها وأخذ صداقها وتبقى للزوج الثانى، على تفصيل يرجع إليه فى قانون الأحوال الشخصية . والمهم أن زواجها قبل رفع الأمر للقاضى باطل ، ولو عاد زوجها كان له الحق فيها دون الثانى

(10/40)


الاستئذان بين الآباء والأبناء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما الأوقات التى لا يجوز فيها دخول الأبناء على الآباء دون استئذان والأوقات التى لا يجوز فيها دخول الآباء على الأبناء ؟

الجواب
قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة للفجر وحتى تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاه العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم } النور: 58 ، 59 .
يؤخذ من هاتين الآيتين أن الاستئذان مطلوب من الخدم والأطفال الذين يعيشون مع الأسرة، وذلك فى الأوقات التى يغلب فيها النوم والإخلاد للراحة ، بما يتبع ذلك من تخفيف الملابس وتعرض العورات للانكشاف وهى :
1 - قبل صلاة الفجر، لأنه وقت النوم المستغرق غالبا .
2 -وقت الظهيرة وتغلب فيه القيلولة والتخفيف من الملابس وطلب الراحة بالنوم .
3-بعد صلاة العشاء ، لأنه وقت الاستعداد للنوم .
وقد ورد عن ابن عباس أن الناس فرطوا فى هذا الأدب ، وعلله بأنهم أولا كانوا لا يضعون ستورا على أبوابهم وحجالهم - مخادعهم - فربما يفاجىء الخادم أو الطفل الرجل مع أهله ، لكن لما أثروا واتخذوا الستور والمخادع الخاصة تهاونوا فى الإذن ، ظنا أنه لا حاجة إليه .
قال المحققون : هذه الآية محكمة لم تنسخ بآية{وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } النور: 59 .
لأن البالغ يستأذن قى كل وقت ، أما الأطفال ففى هذه الأوقات الثلاثة .
والآباء يدخلون على الأبناء الصغار لرعاية مصالحهم ولا حاجة إلى استئذانهم ، فإذا بلغوا روعى معهم الاستئذان كما روعى استئذانهم على آبائهم

(10/41)


الإيلاء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا حلف الرجل ألا يقترب من متعة من متع الحياة مثل معاشرة زوجته ولم يستطع فهل عليه كفارة؟

الجواب
نعم من حلف على فعل شيء أو تركه ولم يستطيع تنفيذ ما حلف عليه وجبت عليه كفارة يمين وهى المذكورة فى قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم } المائدة : 89 ولا يشترط أن تكون الأيام متتابعة .
وإذا كان حلفه على الامتناع عن زوجته فذلك يعتبر إيلاء إن زاد الحلف على أربعة أشهر، فهنا يطالب بواحد من اثنين ، هما : قربان زوجته مع الكفارة المذكورة أو طلاقها ، قال تعالى {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم . وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } البقرة : 226، 227 أما إن كان الامتناع لأقل من أربعة أشهر فلا يجرى عليه حكم الإيلاء ، إن رجع عن حلفه أى فاء فى هذه المدة المحلوف عليها وجبت عليه الكفارة، وإن لم يفىء فلا شىء عليه .
قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، يقصدون به إيذاء المرأة عند المساءة، فوقِّت لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمى، وذكر القرطبى "ج 3 ص 103 " فى تفسيره أن النبى صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه ، لأنهن سألنه من النفقة ما ليس عنده كما فى صحيح مسلم . هذا فى الحلف على عدم قربانها ، فإن امتنع بدون يمين حلفها ، وذلك للإضرار بها أُمر بقربانها ، فإن أبى وأصر على امتناعه مضرا بها فرق القاضى بينه وبينها من غير ضرب أجل ، وقيل يضرب أجل الإيلاء .
وقيل لا يدخل على الرجل الإيلاء فى هجره لزوجته وإن أقام سنين لا يغشاها، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى اللّه فى ألا يمسكها ضرارا .
هذا ، والجمهور على أن مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر إذا انقضت ولم يرجع المولى، لا تطلق زوجته إلا إذا طلقها، وعند أبي حنيفة تطلق ولا سبيل له عليها إلا بإذنها كالمعتدة بالشهور والأقراء ، إذا انتهت فلا سبيل له عليها "تفسير القرطبى ج 3 ص 11 "

(10/42)


المخطوبة التائبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف تكفر الفتاة عن ذنوب تتعلق بجوانب أخلاقية ارتكبتها قبل زواجها ، وهل لها أن تصارح من تقدم لخطبتها بتلك الذنوب أم ماذا تفعل ؟

الجواب
التوبة من المعصية واجبة لقوله تعالى : {وتوبوا إلى اللّه جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } النور: 31 وهى تكفر الذنوب إذا كانت نصوحا كما قال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفِّر عنكم سيئاتكم. . . } التحريم : 8 .
والتوبة النصوح تقوم على الإقلاع عن المعصية والندم على العصيان والعزم الأكيد على عدم العود إليه ، مع رد الحقوق إلى أصحابها أو تنازلهم عنها. والذنب مهما كبر فالتوبة إن شاء الله تغفره ما عدا الشرك كما قال سبحانه {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء : 48 وينبغى ألا يدخل اليأس قلب العاصى ويظن أن الله لا يغفر له ، فهو القائل {قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } الزمر: 53 .
وإذا لم تشتهر الفتاة العاصية بانحرافها ولم يعلم به إلا هى أو خاصة أهلها فلا حاجة إلى إخبار من يتقدم لخطبتها بماضيها ، وقد نهى عمر رضى اللّه عنه رجلا أن يفضح بنته بما حدث منها عندما أراد أن يزوجها ، وذلك فى الانحراف الذى لا غش فيه ، فإن كان انحرافا ضاعت به بكارتها وقامت بعملية ترقيع أو إبدال فهو غش سينكشف أمره ، وهنا يكون للخاطب الخيار بعد العقد فى إتمام الزواج أو فسخ العقد .
ولو سألها الخاطب عن ماضيها أو عيوبها ، فلا بد أن تخبره بها ، ولعله إن عرف صدقها فى التوبة أنس إلى صراحتها وتزوجها .
وأحذِّر ثم أحذر من يساعدون على تغطية الانحراف فى الشرف بالعمليات المعروفة وبخاصة إذا لم يكن هناك عذر لمن حدث لها ذلك ، أحذرهم من القيام بهذه العمليات مهما كان الإغراء المادى ، ففى ذلك تشجيع على الانحراف بضياع أعز ما يحرص عليه كل إنسان كريم

(10/43)


عورة المسلمة مع غير المسلمة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر من جسمها شعرها وصدرها وذراعيها أمام غير المسلمة؟

الجواب
إذا كان الإسلام قد أباح التعامل مع غير المسلمين بمثل قوله تعالى{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللّه يحب المقسطين } الممتحنة : 8 فإن لهذا التعامل حدودا لا يجوز الخروج عليها ، ومن ذلك تحديد العورة التى لا يجوز كشفها من المرأة المسلمة أمام امرأة غير مسلمة مهما كانت العلاقة بينهما فهى معها كالرجل الأجنبى .
يقول القرطبى فى تفسيره "ج 12 ص 233" : لا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها أمام امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها ، فذلك قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانهن } النور: 31 وكان ابن جريج وعبادة بن نُسى وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ، ويتأولون {أو نسائهن } يعنى المسلمات ، وقال عبادة بن نُسَىٍّ : وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبى عبيدة بن الجراح : أنه بلغنى أن نساء أهل الذمة دخلن الحمامات مع نساء المسلمين ، فامنع من ذلك وحل دونه ، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة -ما يعرى منها وينكشف- قال : فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه : وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها ، وفى هذه المسألة خلاف ، فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة جاز أن تنظر إلى سيدتها ، وأما غيرها فلا، لانقطاع الولاية بين أهل الكتاب وأهل الكفر لما ذكرنا

(10/44)


استثناءات الحرمة بين الرضاعة والنسب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ورد حديث يقول "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ولكن فيه بعض مسائل مستثناة من هذه القاعدة، فما هى؟

الجواب
هذا الحديث رواه البخارى ومسلم ، ولكن جاء فى شرح الدردير لأقرب المسالك أن هناك ست مسائل مستثناة من هذه القاعدة وهى :
1- أم الأخ أو أم الأخت ، لأنها من النسب إما أمك وإما امرأة أبيك ، وكلاهما محرمتان ، لكن أم الأخ من الرضاع لا تحرم وكذلك أم الأخت .
2- أم ولد ولدك من الرضاع ، لأنها من النسب إما بنتك أو زوجة ولدك .
3- جدة الولد من الرضاع ، لأنها إما أمك أو أم زوجتك .
4- أخت الولد من الرضاع ، لأنها إما ابنتك وإما بنت زوجتك .
5- أم عمك وعمتك من الرضاع ، لأنها إما جدتك أو زوجة جدك .
6- أم خالك أو خالتك من الرضاع ، لأنها إما جدتك أم أمك أو زوجة جدك أبى أمك ، "مجلة الإسلام - المجلد الرابع ، العدد السابع عشر"

(10/45)


الرضاع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كم عدد الرضعات التى تحرم الزواج وهل يشترط أن يكون فى الصغر؟

الجواب
هناك محرمات من النساء لا يجوز التزوج منهن ، ومن أسباب التحريم الرضاع ، كما قال تعالى فيمن حُرمن {وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} النساء : 23 وإذا كانت الآية قد نصت على تحريم الأم والأخت من الرضاعة ، فإن الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " يدخل محرمات أكثر بسبب الرضاع كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وغيرهن .
وقد ثبت فى الحديث الذى رواه مسلم أنه "لا تحرم المصة ولا المصتان ،وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها : كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن . ومهما يكن من خلاف الفقهاء فى عدد الرضعات فإن الفتوى فى مصر على مذهب الإمام الشافعى ، وهو خمس رضعات ، والشرط أن يكن معلومات متيقنات ، والشك لا يبنى عليه تحريم ، وليس للرضعة مقدار معين كما رآه الشافعى، واشترط الفقهاء أن يكون الرضاع فى مدة الحولين ، وذلك لقول النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه الترمذى وصححه "لا تحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء وكان فى الثدى قبل الفطام " وقوله كما رواه الدارقطنى بإسناد صحيح "لا رضاع إلا فيما كان فى الحولين " .
وجمهور الفقهاء على أن الرضاع بعد الحولين أو ما قاربهما لا يثبت التحريم ، غير أن هناك جماعة من السلف والخلف قالوا : الرضاع يحرم ولو كان الذى رضع شيخا كبيرا ، وحجتهم فى ذلك حديث رواه مسلم عن سهلة بنت سهيل التى قالت للنبى صلى الله عليه وسلم إنى أرى فى وجه أبى حذيفة وهو زوجها، من دخول سالم وهو حليفه ، يعنى يغار من دخوله البيت ورؤيتها ، فقال لها "أرضعيه تحرمى عليه " فقالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم وقال "قد علمت أنه كبير" وظاهر هذا أن رضاع الكبير يثبت به التحريم ، وعليها أن تتصرف فى كيفية الرضاع ، إما أن تحلب له اللبن ليشربه حتى لا يرى ولا يلمس شيئا من جسمها، وإما أن يكون الرضاع المباشر من ثديها ضرورة والضرورات تبيح المحظورات .
وأكدت عائشة هذا الرأى لأم سلمة كما رواه مسلم ، وفى رواية أبى داود أن عائشة كانت تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت هى أن يراها ويدخل عليها حتى لو كان كبيرا ، لتكون عائشة عمة الرضيع أو خالته ، لكن سائر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لم يوافقنها على هذا الرأى، ويرين كما يرى الجمهور أن الرضاع المحرم لا يكون إلا فى الصغر، وقلن لعائشة :
لعل مسألة سهيلة وسالم كانت رخصة خاصة ليست لسائر الناس . والخلاصة :
أن لكل من الرأيين دليله ووجهة نظر، وقد ارتضى الفقهاء أن إرضاع الكبير لا يحرم الزواج ، فلتكن عليه الفتوى

(10/46)


التعقيم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم ربط المبايض والتعقيم كوسيلة من وسائل تنظيم النسل ؟

الجواب
خلق الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما خصائص من أجل التناسل والتعاون على عمارة الأرض ، وتعقيم واحد منهما معناه جعل الرجل أو المرأة عقيما لا يلد ولا يولد له ، ويتم ذلك بوسائل متعددة ، كان منها فى الزمن القديم سل الخصيتين من الرجل ، وفى الزمن الحديث ربط الحبل المنوى ، أو جراحة أو إعطاء دواء يمنع إفراز الحيوانات المنوية أو يبطل مفعولها ، وتعقيم المرأة يكون بتعطيل المبيضين بجراحة أو دواء يمنع إفراز البويضات ، أو بسد قناة فالوب ، أو استئصال الرحم أو غير ذلك من الوسائل .
وإذا جاز من الناحية الصحية أو غيرها تأجيل الحمل مدة معينة ، مع بقاء الاستعداد للقدرة على الإنجاب عندما تتاح الفرصة، فإنه لا يجوز مطلقا تعطيل الجهازين تعطيلا كاملا عن أداء وظيفتهما، إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة قصوى . ففى ذلك مضادة لحكمة خلق الله للنوعين ، مع ما ينتج عنه من فقد كل من الرجل أو المرأة بعض الخصائص المميزة لهما فى الصوت والشعور والإحساس وتأثير ذلك على السلوك ولو إلى حد ما .
ومن هنا نهى الإسلام عن خصاء الرجل لما فى حديث البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه حيث سأل النبى صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فى الخصاء لعدم وجود ما يتزوج به وهو شاب يخاف على نفسه الوقوع فى الإثم .
وكما فى حديث أحمد فى النهى عنه للغزاة الذين ليس معهم زوجاتهم ، وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم لرجل استأذنه فى الخصاء، "خصاء أمتى الصيام والقيام " رواه أحمد والطبرانى .
وتعقيم المرأة كالخصاء للرجل فى الحكم وهو الحرمة، وقد قرر المختصون أن عملية الحمل ضرورية لتوازن الحيوية فى المرأة ، والوقوف ضدها عناد للطبيعة ، وبهذا يكون ربط المبايض حراما كما قاله جمهور الفقهاء ، ومن كانت عندها أولاد تريد الاكتفاء بهم فتعقم نفسها ، هل تضمن تصاريف القدر بالنسبة لهؤلاء الأولاد ، مع أن هناك وسائل لتأجيل الحمل لا لمنعه ، فيها مندوحة عن التورط فى أمر يكون من ورائه الندم حيث لا ينفع ، وإذا كان الإمام أحمد أجاز شرب المرأة الدواء لقطع دم الحيض فلعله لغرض آخر غير التعقيم ، ومع ذلك لا يصح أن يلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى كتحقق الوراثة لمرض خبيث أعيا الطب علاجه ، والضرورة تقدر بقدرها

(10/47)


الجنين الحى فى بطن أم ميتة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز إخراج الجنين من بطن أمه ، إذا توفيت وأثبت الأطباء أن الجنين مازال حيّا؟ وهل شق البطن فى هذه الحالة يعتبر تعديا على حرمة جسد الميت ؟

الجواب
قال ابن قدامة فى المغنى : والمذهب -أى الحنبلى- أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركة، وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجل عليه وتترك أمه حتى يتيقن موته ثم تدفن ، ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا ، ويحتمل أن يشق بطن الأم إن غلب على الظن أن الجنين يحيا ، وهو مذهب الشافعى ، لأنه -أى الشق - إتلاف جزء من الميت لإبقاء حى فجاز، كما لو خرج بعضه حيا ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق ، ولأنه يشق لإخراج المال منه ، فلإبقاء الحى أولى .
ويرد ابن قدامة رأى الشافعى فيقول : ولنا أن هذا الولد لا يعيش عادة ولا يتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم ،وقال النبى صلى الله عليه وسلم "كسر عظم الميت ككسره حيا" وفيه مثلة وقد نهى النبى عن المثلة اهـ .
وأظن أن هذا النقل كاف للإجابة عن هذا السؤال ، وقد يقبل كلام الحنابلة فى منع شق البطن إذا كانت حياة الجنين متوهمة غير راجحة أو متيقنة ، أما لو أثبت الأطباء أن الجنين ما زال حيًّا فإن رأى الشافعى يكون قويا جدًا

(10/48)


حدود الاختلاط بين الجيران

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى مقاطعة الجيران بدعوى أن الاقتصار فى الاختلاط بالآخرين عبادة؟

الجواب
لا تجوز مقاطعة الجيران إلا إذا تحقق الضرر من جهتهم ولم يمكن دفعه ، فإذا أمكن إصلاح الفاسد منهم وجب ذلك قيامًا بواجب الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر .
كما ينبغى تقديم حسن الظن وعدم التصرف بناء على وهم أو ظن غير راجح وليعلم الجميع أن الجار قد يكون أقرب وأنفع من الأقارب إذا كانوا بعيدين عن المسكن واستغاث الإنسان فلا يغيثه إلا جاره .
فلتكن صلتنا بجيراننا طيبة، لادخارهم لمثل هذه الظروف ، ولا يلزم من حسن الجوار كثرة الزيارات والاختلاط ، فكل شىء له حد معقول لو زاد عنه قد يضر .
وأقل ما يجب نحو الجار كف الأذى عنه ، وما زاد على ذلك من تقديم الخير له فهو مندوب مستحب ، إلا إذا كان فى حاجة أو ضرورة فالواجب تقديم ما يحتاجه ويدفع ضرورته

(10/49)


الملابس الضيقة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى ارتداء المرأة للملابس الطويلة والحجاب ، ولكنها ضيقة توضح أعضاء الجسم ، وهل يعتبر هذا الزى ساترا لجسد المرأة؟

الجواب
الشرط فى ملابس المرأة التى تسترها وتمنع الفتنة بها ألا تصف وألا تشف ، يعنى ألا تكون ضيقة تصف أجزاء الجسم وتبرز المفاتن .
وألا تكون رقيقة شفافة لا تمنع رؤية لون البشرة، ومن النصوص التى تنهى عن لبس ما يصف جسم المرأة ما رواه أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم أهدى أسامة بن زيد قبطية كثيفة، فأعطاها لامرأته فقال له "مرها أن تجعل تحتها غلالة، فإنى أخاف أن تصف حجم عظامها" والقبطية لباس من صنع مصر يلتصق بالجسم ،والغلالة شعار يلبس تحت الثوب .
وأخرج أبو داود نحوه عن دحية الكلبى . وفى رواية للبيهقى أن عمر رضى الله عنه لما أعطى الناس الثياب القباطى نهى عن لبس النساء لها ، لأنها إن لم تشف فإنها تصف .
واخرج ابن سعد بسند صحيح أن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما ردت ثوبا أهدى إليها من ثياب "مرو" وقيل لها : إنه لا يشف فقالت : لكنه يصف .
وبهذا يعلم أن ثياب المرأة حتى لو لم تكن رقيقة شفافة، وحتى لو كانت سابغة تغطى كل جسمها حتى قدميها، لو كانت محددة لأجزاء جسمها ضيقة تبرز مفاتنها فهى محرمة ، لأنها لا تحقق الحكمة من مشروعية الحجاب وهى عدم الفتنة .
وأحذر من الاغترار بالإعلانات عن الأزياء الخاصة بالمحجبات فإن فيها لمسة فتنة لا تخفى على أى إنسان ، والعبرة فى التنفيذ ليس بالشكل ولكن بتحقيق الهدف منه

(10/50)


تعليم المرأة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى تعليم المرأة ؟

الجواب
التكاليف الشرعية موجهة للرجال والنساء جميعا ، وإن كان أكثر النصوص فى القرآن والسنة تتحدث عن الرجل ، لأنه الأصل وكل من بعده تبع له {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} النساء : 1 وفى بعض الأحيان تنزل نصوص تتحدث عن الجنسين لوجود سبب يدعو إلى ذلك ، كما جاء فى رواية أحمد والنسائى أن أم سلمة قالت للرسول : ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ فتلا قوله تعالى وهو على المنبر يا أيها الناس الله يقول {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } إلى آخر الآية الأحزاب : 35 ، وفى رواية الترمذى أنها سألته : لِمَ لم تذكر النساء فى الهجرة ؟ فنزل قوله تعالى{فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ... } إلى آخر الآية آل عمران :195 ، .
وذلك كله مع مراعاة التناسب فى التكليف بين طبيعة كل من الجنسين ، وطلب العلم واجب لمعرفة ما أمرنا الله باتباعه مما أنزله على رسله المبشرين والمنذرين ، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى دليل ، وأكثر النصوص الواردة تبين فضل المتعلم على غيره بأساليب كثيرة والرجل والمرأة فى ذلك سواء، وإذا كان قد جاء فى حديث ضعيف "طلب العلم فريضة على كل مسلم " دون لفظ "ومسلمة" فهي مضافة حكما لا رواية والواقع يشهد لذلك ، فقد صح فى البخارى ومسلم طلب النساء من النبى تخصيص يوم لهن للتعلم ، وأن كثيرات منهن سألنه فى أمور دقيقة قالت فى شأنها السيدة عائشة : نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين ، بل جاء فى رواية البخارى ومسلم "أيما رجل كانت عنده وليدة- أى أمة رقيقة-فعلَّمها فأحسن تعليمها، وأدَّبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " وإذا كان هذا فى تعليم الأمة فكيف بالحرة؟ والنصوص عامة للجميع ، لقد قال الفقهاء - كما جاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى وغيره -يجب على الزوج أن يعلم زوجته القدر الضرورى الذى تصحح به عبادتها وتؤدى به واجبها المنوط بها ، وذلك إما بنفسه هو أو بمن يستعين به ، فإن لم يفعل كان لها أن تخرج لطلب العلم الواجب ولا يجوز أن يمنعها منه .
وقد صح فى الحديث نهى الرجال عن منع النساء من الذهاب إلى المسجد ، وذلك من أجل التعلم ، لأن صلاتهن فى بيتهن أفضل .
فإذا كان للمرأة أن تخرج لطلب العلم فعليها أن تلتزم بكل الآداب الواجبة لكل خروج من بيتها ، من الحشمة والعفة والأدب وعدم المغريات من عطر نفاذ أو قول خاضع ، أو خلوة مريبة ، أو تزاحم متعمد، مع التأكد من الأمن عليها من الفتنة والفساد .
وعلى المجتمع كله أن يوفر الجو الآمن لتحقيق الغرض من التعليم ومنع الفساد بأى وجه يكون . وبالفهم الجيد لنصوص الدين وروح الشريعة يمكن الحكم على أى عمل حكما صحيحا ،بعيدا عن التخبط والانحراف

(10/51)


فى الهندسة الوراثية

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يمكن الآن تنشيط رحم المرأة بالهرمونات بعد سن اليأس ليصبح رحمها معدَّا لحضانة بويضة ملقحة، وبذلك تحمل بويضة لغيرها لأن جسمها توقف عن التبويض ، فما الحكم ، هل يكون الولد لها أم لصاحبة البويضة؟

الجواب
هذه الصورة يطلق عليها اسم "الرحم المؤجَّر" أو "الأم الحاضنة" حيث إن البويضة الملقحة التى وضعت فى رحمها ليست بويضتها ، والحكم هو التحريم ، لأن فيها صورة الزنا ، والزنا محرم بالكتاب والسنة والإجماع وذلك لأمور، من أهمها أمران :
ا- المحافظة على الأنساب إذا كان الرجل والمرأة قابلين للإنجاب ، بصلاحية مائه وصلاحية بويضتها، فلا يدرى لمن ينسب المولود ويكون مصيره الضياع ، وقد صح فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر" .
ب - صيانة الأعراض عن الانتهاك وحماية الحقوق لكل من الرجل والمرأة ، وفى الزنا وقعت المتعة الجنسية بغير الطريق الشرعى الذى يدل عليه قول الله تعالى فى صفات المؤمنين المفلحين {والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} المؤمنون: 5-7 .
وتظهر الحكمة الثانية فى تحريم الزنا إذا كان أحد الطرفين غير صالح للإنجاب كما فى الصورة المذكورة فى السؤال ، حيث توقف جسم المرأة عن التبويض فإذا كان مجرد دخول ماء الرجل الغريب عن المرأة فى رحمها حراما فكيف بدخول ماء وبويضة "بويضة ملقحة بمائه" أى دخول جنين أو أصل جنين غريب عنها؟! إن الحرمة تكون من باب أولى .
السؤال الثانى- أصبح من الممكن الآن تلقيح بويضة بحيوان منوى وتجميد هذا الجنين لعدة سنوات حتى تحتاج إليه المرأة فيوضع فى رحمها وتحمل وتلد، ويطرح هذا التطور عدة أسئلة عن حالات واقعية :
أولا: يقوم زوجان بتلقيح بويضة من الزوجة بحيوانات منوية من الزوج قبل إقدام أحدهما على تناول العلاج الكيماوى أو الإشعاعى أو غيرهما من العلاجات التى لا تسمح للزوجين بالإنجاب ، وبعد الانتهاء من العلاج تحمل الزوجة بهذه البويضة الملقحة .
ثانيا : قد يتوفى الزوج أثناء العلاج أو لأى سبب ، فتلقح الزوجة بعد الوفاة بهذه البويضة وتحمل من زوجها الذى توفى .
ثالثا : تتوفى الزوجة فتلقح امرأة أخرى "أم حاضنة" بهذه البويضة فتحمل وتسلم الوليد للزوج .
والجواب :
أولاً: ما دامت الزوجية قائمة فلا مانع من وضع البويضة الملقحة من ماء زوجها فى رحمها وهى صاحبة البويضة، ويكون الجنين الذى حملته ووضعته منسوبا شرعا إلى الزوج والزوجة وهذه الصورة هى من صور التلقيح الصناعي الذي يتم فيه التلقيح بين الماء والبويضة خارج الرحم ، ثم تعاد البويضة إلى الزوجة صاحبتها ، وذلك مشروع لا مانع منه مع اتخاذ الاحتياطيات اللازمة .
ثانيا: إذا توفى الزوج انقطعت العلاقة الزوجية من الناحية الجنسية بالذات بينه وبين زوجته ، ووضع هذه البويضة الملقحة فى رحمها أصبح وضعا لشىء غريب منفصل عنها، فالمرأة صارت غريبة عنه ، ولذلك يحل لها أن تتزوج من غيره بعد الانتهاء من العدة المضروبة لوفاة الزوج ، وهى قبل انتهاء العدة أشبه بالمطلقة طلاقا بائنا، حيث لا يجوز أن تكون بينهما معاشرة زوجية تعتبر رجعة بالفعل فى بعض المذاهب الفقهية، بل لا بد أن يكون ذلك بعقد جديد، وهو فى هذه الصورة غير ممكن لوفاة الزوج ، فلو وضعت المرأة - بعد وفاة الرجل - بويضتها الملقحة منه قبل وفاته فى رحمها وحملت وولدت كان الولد غير منسوب إليه كولد الزنا ، وإنما ينسب إليها هى ، مع حرمة هذه العملية .
ثالثا: إذا توفيت الزوجة فوضعت بويضتها الملقحة من ماء زوجها فى رحم امرأة أخرى التى يطلق عليها اسم "الأم الحاضنة" صاحبة الرحم المؤجَّر كان ذلك حراما ، لما سبق ذكره فى السؤال الأول من أنه زنا، حتى لو سلمت الولد للزوج .
السؤال الثالث : من المعتقد أن الطب الحديث سيتمكن قريبا من تجميد الحيوانات المنوية ، ويطرح البعض فكرة جديدة لتنظيم الحمل ، وبعد الاحتفاظ بهذه الحيوانات المنوية المجمدة للرجل ، ثم تعقيمه بربط الحبل المنوى عنده ، بحيث لا تحتاج زوجته إلى استعمال وسائل منع الحمل مثل الحبوب وغيرها ، فإذا أرادا الإنجاب استعملا بعض الحيوانات المنوية المجمدة ، أى أنه على الرغم من انقطاع قدرة الرجل على الإنجاب من ناحية ، فإنه يحتفظ خارج جسمه برصيد من الحيوانات المنوية المجمدة ، يمكنه من الإنجاب ، حتى لو طلق زوجته وتزوج بأخرى، فما حكم هذه العملية؟ الجواب: يجوز للزوجة فى هذه الحالة عند رغبتها فى الحمل أن تستعمل بعض هذه الحيوانات المجمدة لتحمل بها ، لأنها من ماء زوجها والزوجية قائمة ، ويكون الجنين منسوبا إلى الزوج على الرغم من تعقيمه .
ولو طلق زوجته أو لم يطلقها وتزوج بأخرى ولقَّحها من منيه المجمد كان ذلك جائزا ، وينسب المولود إليه لأنه من مائه ، وكذلك ينسب إلى الزوجة الأخرى شرعا، لأنه من بويضتها الملقحة بماء زوجها . السؤال الرابع : الموقف السابق يطرح نفسه بالنسبة للزوجة وتجميد بويضاتها ، فما حكمه ؟ الجواب: ما دامت البويضة المجمدة هى لزوجته يجوز أن يلقحها بمائه هو ما دامت الزوجية قائمة ، ولو طلقت منه وتزوجت بآخر جاز للزوج الآخر أن يلقح بويضة هذه الزوجة بمائه ، حيث لا يوجد شىء غريب بين الطرفين .
السؤال الخامس - فكرة الأم الحاضنة ، أو الرحم المؤجر، بأن تلقح بويضة من الزوجة بحيوان منوى من الزوج ، ثم تدخل هذه البويضة الملقحة فى رحم امرأة أخرى، ثم تمر بمراحل الحمل حتى تلد فتسلم المولود الى الزوجين الأصليين ، هذه الطريقة يكون فيها المولود حاملا لكل الخصائص الوراثية من الزوجين ، ولا علاقة للأم الحاضنة بالطفل إلا علاقة إنماء الجنين عن طريق دمائها وجسمها، والسؤال هنا: هل يمكن اعتبار الأم الحاضنة أمًا فى الرضاعة ، حيث هناك تشابه كبير بين الحالتين ، فالأم فى الرضاعة ينمى لبنها جسم الطفل كثيرا ، ويحدث رباط عاطفى بينهما؟ وإذا كان ذلك لا يجوز فلماذا مادامت ليست هناك شبهة زنا أو اختلاط فى الأنساب ؟ والجواب: فكرة الأم الحاضنة أو الرحم المؤجر محرمة كما سبق ذكره فى إجابة السؤال الأول ، لأن فيها صورة الزنا ، حيث أدخلت الأم الحاضنة فى رحمها جنينا مكونا من ماء وبويضة ليس لها فيهما شىء .
وقد قرر العلماء أن الحمل من الزنا ينسب لأمه الحامل به لتحقق ولادتها منه ، كما صح فى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بالأم فى قضية رجل وامرأة تلاعنا فى زمنه ، عندما اتهم الزوج زوجته بأن حملها ليس منه ، ولا ينسب لمن زنى بها عند جمهور الفقهاء .
ومحل ذلك إذا كان للمرأه الزانية اشتراك فى تكوين الجنين عن طريق بويضتها ، وفى صورة الأم الحاضنة ليس لها هذا الاشتراك إذا كانت عقيما لا تفرز بويضات فلا ينسب لها الولد، لكن ينسب لصاحبى البويضة الملقحة ، وإن كان لحملها تأثير أيضا على تكوينه من جهة البيئة التى تربى فيها كما يقول المختصون ، فالولد يتأثر بمؤثرين ، أحدهما الوراثة والثانى البيئة ، كالمرضعة التى ترضع ولد غيرها بلبنها، لأن لها تأثيرا إلى حد ما على الرضيع ، والحامل لجنين غيرها فى بطنها وقد غذته بدمها كما تغذى كل جزء من أجزاء جسمها لا تعدو أن تكون كالمرضعة، وعمل المرضعة مشروع ، غير أن هناك فرقا بينهما ، فالحامل أدخلت رحمها شيئا غريبا عنه كما قدمنا ، فعملها محرم ، والمرضعة عملها حلال ، والولد فى كلتا الحالتين منسوب لأبويه بالأصالة فى تكوينه وبولادة أمه له فى صورة الإرضاع بالاتفاق ، وفى صورة الرحم المؤجر على ما رجحته من الأقوال .
السؤال السادس - إذا كان الرجل متزوجا من زوجتين ، الأولى لا ينتج جسمها بويضات لسبب أو لآخر، أو لا يمكن أن تحمل باستعمال بويضاتها هى، فهل يمكن أن تؤخذ بويضة من الزوجة الثانية تلقح بحيوان منوى من زوج المرأتين ، ثم يوضع الجنين فى رحم الزوجة الأولى لتحمل وتلد ، هل يجوز ذلك ؟ وإذا كان لا يجوز فلماذا ما دام الأب واحدا والعملية كلها تتم داخل إطار علاقة زوجية مشتركة ؟ والجواب: إذا أخذت بويضة الزوجة الثانية الملقحة بمنى زوجها ووضعت بدون إذنها وموافقتها فى رحم ضرتها الأولى كان ذلك حراما ، لأنه اعتداء على حق الغير بدون إذنه ، والكل يعلم ما بين الضرائر من حساسية شديدة ، وأثر ذلك على الأسرة .
وإن كان بإذنها وموافقتها يثار هذا السؤال : لماذا يلجأ الزوج إلى هذه العملية؟ إن كان لمصلحة تعود عليه هو مثل كثرة الإنجاب الحاصل من زوجتين لا من زوجة واحدة فقد يكون ذلك مقبولا إن دعت إليه حاجة أو ضرورة ، مع التأكد من القيام بواجب الرعاية الصحيحة ، ومع ذلك لا أوافق عليه لما سيأتى بعد من العلاقة بين الإخوة الأشقاء والإخوة غير الأشقاء .
وإن كان لمصلحة تعود على الزوجين ، فإن المصلحة العائدة على الزوجة الثانية الصالحة للإنجاب ليست ذات قيمة، بل قد يكون فى ذلك ضرر على أولادها عند تقصير الأب عن الوفاء بحق هذه الكثرة من الأولاد ، أو بضآلة نصيب أولادها من ميراث أبيهم حيث يوزع على عدد كبير من أولاده .
وإذا كانت المصلحة عائدة على الزوجة الأولى التى لا تنجب فإنها تتمثل فى أمرين هامين ، أولهما إرضاء عاطفة الأمومة وعدم الشعور بنقصها بالنسبة لضرتها ،لكنها لا تتحقق إلا إذا كان أولادها ينسبون إليها ، وقد تقرر-كما سبق ذكره- أنها مجرد أم حاضنة وما ينتج منها فهو لزوجها ولضرتها صاحبة البويضة، فإذا عرفت أن من يولد منها فهو لضرتها فلماذا تتعب نفسها بالحمل والوضع دون فائدة لها؟ إذًا ليست هناك مصلحة لها قيمتها من هذه العملية لكلتا الزوجتين ولا يجوز للزوج أبدا أن يجعل ما تلده الزوجة الأولى الحاضنة أولاداً لها، لمعارضته ما سبق ذكره ولأنهم سيكونون بذلك بالنسبة لأولاد الزوجة الثانية صاحبة البويضة إخوة غير أشقاء ، أى إخوة من أب فقط ، وهذا له أثره فى الميراث إذا توفى أحد الإخوة ، فالأخ الشقيق يحجب الأخ لأب ، والحاضنة إذا ماتت لا يحق لها شرعا أن ترث ممن ولدتهم ولا أن يرثوا منها ، فالأمومة النسبية مقطوعة ، وذلك إلى جانب ما يكون بين الأولاد من كل من الزوجتين من حساسيات معروفة لها اثار غير طيبة .
وهنا يمكن أن نقول إن المفاسد المترتبة على هذه العملية أكبر من المصلحة العائدة على الزوج والزوجتين والقاعدة الشرعية تقول :
درء المفاسد مقدَّم على جلب ،المصالح . ولهذا أرجح عدم جواز هذه العملية ، وإذا كان للزوج رغبة فى كثره الإنجاب فأمامه الوسائل المشروعة الأخرى، مع مراعاة واجب العدل فى معاملة الزوجات والأولاد .
السؤال السابع - فى الحالة نفسها وهى حالة زوج الاثنتين ، هل يجوز أن تكون إحدى الزوجتين أمًا حاضنة لبويضة ملقحة هى لزوجة الأخرى؟ الجواب: قلنا: إن الأم الحاضنة لا يجوز لها أن تدخل رحمها ماء غير ماء زوجها، وفى الصورة المذكورة وإن كان الماء ماء زوجها فإن للبويضة ليست لها، وعلى فرض التجاوز فى ذلك إذا كانت حضانتها للبويضة بإذن صاحبتها فإن الآثار المترتبة عليها والتى سبق بيانها فى إجابة السؤال السابق تجعلنى أرجح عدم الجواز .
السؤال الثامن - يقوم الأطباء الآن باختيار جنس الجنين عن طريقة دراسة مواصفات الحيوانات المنوية الذكرية والحيوانات المنوية الأنثوية ، وعزل الحيوان المطلوب لتلقيح بويضة الزوجة به ، والسبب فى محاولات تحديد جنس الجنين مسبقا يكون غالبا لأن بعض الأمراض الوراثية لدى الزوجين يتوارثها الذكور فقط ، فيحاول الزوجان تفادى إنجاب الذكور، تفاديا لولادة أطفال معوقين أو مشوهين بدرجة كبيرة ، وفى بعض الأحوال يكون الزوجان قد أنجبا عدة ذكور ويريدان إنجاب أنثى أو العكس ، فيلجآن إلى الطب لإنجاب ما يريدان ، فما هو الحكم فى ذلك ؟ وهل يعتبر تدخلا فى الإرادة الإلهية واعتداء على التوازن البشرى ، أم هو مجرد استغلال لما هو متاح من خلق الله ؟ والجواب: قضية التحكم فى جنس الجنين شغلت العالم قديما وحديثا ، ولهم فى ذلك طرق متعددة وأغراض متنوعة ، والمدار فى الحكم على ذلك هو اتباع النص إن وجد ، فإن لم يوجد كان المدار على معرفة الغاية والوسائل المتبعة لبلوغها ، فيحرِّم الحرام ويحل الحلال من ذلك ، ومعلوم ان الله سبحانه خلق آدم وخلق له حواء ، وذلك من أجل التناسل وعمارة الكون ، والتنوع لابد منه لحركة الحياة ، قال تعالى{ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} الذاريات : 49 والتناسب بين نوعى الذكورة والأنوثة مطلوب ، وطغيان أحدهما على الآخر ليس من المصلحة .
والناس من قديم الزمان وقبل مجىء الإسلام يؤثرون الذكر على الأنثى لعوامل تتناسب مع أغراضهم وظروف حياتهم ، ونظرا لما كان عليه العرب قبل الإسلام من تفضيل الذكر على الأنثى وما أدى إليه من وأد البنات وحرمانهن من كثير من الحقوق جاء قول الله تعالى {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} الشورى : 49 ، 50 .
وعلى الرغم من تقرير الإسلام لذلك ما تزال المحاولات جادة فى هذا السبيل ، ويتلخص موقف الدين منها فيما يأتى :
1 - إذا كانت المحاولات يسيطر عليها الغرور بالعلم لحل المشكلات وعدم الإيمان بأن إرادة الله غالبة ، كما هو شأن الماديين ، كانت محرمة باتفاق ، لأنها إن لم تكن كفرا فهى تؤدى إليه .
2 - وإذا كانت المحاولات تحت مظلة الإيمان بالله ، واستغلال الفرص المتاحة للخير، لمجرد أنها أسباب ومقدمات ، والآثار والنتائج مرهونة بإرادة الله ، كالتداوى من الأمراض مع الإيمان بأن الشفاء هو من الله - فينظر إلى أمرين ، الأول الهدف والغرض والنية الباعثة على ذلك ، والثانى الأسباب والوسائل التى يتوصل بها إلى تحقيق الأهداف ، ذلك لأن الأعمال بالنيات ، والوسائل تعطى حكم المقاصد ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، واقتصارا على موضوع السؤال نقول :
ا - إذا كان الغرض من هذه العملية تجنُب وراثة بعض الأمراض فى الذكور أو الإناث ، وكان ذلك بطريقة علمية مؤكدة ليس فيها ارتكاب محرَّم فلا أرى مانعا من ذلك ، لأن الوقاية خير من العلاج . والقرآن ينهانا عن الإلقاء بأيدينا إلى التهلكة والحديث يحذرنا من العدوى والتعرض لها ، فلا ندخل بلدا سمعنا أن فيه طاعونا ، ولا نخرج منه إذا وقع ونحن فيه ، وينهانا عن الأكل مع المجذوم ، وعن التعامل مع أى شىء فيه ضرر ، فلا ضرر ولا ضرار فى الإسلام ، إلى غير ذلك من النصوص .
ب - إذا كان الغرض من هذه العملية هو الإكثار من أحد النوعين إلى الحد الذى يختل فيه التوازن ويؤدى إلى ارتكاب الفواحش والمنكرات كالمتعة بين الجنس الواحد ، أو يؤدى إلى إرهاب الغير بكثرة الذكور مثلا، أو إلى استغلال النوع الآخر لأغراض خبيثة كان ذلك حراما لا شك فيه ، ويكفى فى ذلك قول الله تعالى فى حق بعض الكفار المناوئين لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم {أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطيرالأولين} القلم : 14 ، 15 وما جاء فى قوم لوط ومن يكرهون فتياتهم على البغاء لابتغاء عرض الحياة الدنيا .
ج - وإذا كان من وسائل التحكم فى نوع ،الجنين التعقيم النهائى الذى لا يكون بعده إنجاب كان ذلك محرما ، لأن فيه تعطيلا لقوة لازمة لعمارة الكون ، وتظهر فيه المعارضة لحكم اللّه وتقديره ، ومن أجل ذلك . منع الحديث الذى رواه البخارى وغيره خصاء الرجال من الناس ، وكذلك إذا كان التحكم فى جنس الجنين عن طريق إجهاض الحامل يكون محرما حتى فى أيام الحمل الأولى كما قال به كثير من الفقهاء فالخلاصة أن هذه المحاولات إن كان الغرض منها مشروعا ، وكانت الوسائل مشروعة فلا مانع منها ، وبغير ذلك تكون ممنوعة . السؤال التاسع - هناك طريقة حديثة أخرى تعتبر امتدادًا للطريقة السابقة وتأكيدًا لاحتمالاتها ، ويجرى ذلك بتلقيح عدة بويضات من الزوجة بحيوانات منوية من الزوج ، وتترك هذه فترة لتوالد الخلايا ، ثم تؤخذ عينة منها وتحلل مكوناتها للتعرف على الكروموسومات ، وبذلك يتعرف الطبيب على مواصفات الجنين فى هذه المرحلة المبكرة ، وما إذا كانت ذكرا أو أنثى ، ثم يوضع الجنين المطلوب فى رحم الزوجة لتحمل وتلد، وتترك الأجنَّة الأخرى فتموت ، فهل يعتبر هذا إجهاضا لتلك الأجنة الأخيرة ، رغم أن عمرها يكون عدة ساعات فقط ؟ والجواب: عرَّف العلماء الإجهاض بأنه إنزال الجنين من بطن أمه قبل تمام نموه الطبيعى ، وما دامت هذه البويضات الملقحة لم تكن فى بطن المرأة فلا يصدق على التخلص منها معنى الإجهاض ، وقد جاء ذلك مصرحا به فى بعض أقوالهم ومع ذلك تدخل هذه العملية فى حكم العملية المذكورة فى السؤال السابق ، وهو النظر إلى الغاية والوسيلة

(10/52)


التسمية بأسماء عزيز وكريم وسيد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس : إن تسمية الولد باسم عزيز أو كريم أو سيد حرام ، لأن هذه الأسماء من أسماء الله تعالى، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
جاء فى تفسير القرطبى"ج 4 ص 77" عند شرح قوله تعالى عن يحيى {وسيدا} أن فى ذلك دلالة على جواز تسمية الإنسان "سيدا" كما يجوز أن يسمى : عزيزا أو كريما ، وذكر ما قلناه فى صفحة 163 من المجلد الأول من بيان عدم حرمة قولنا "سيدنا محمد" لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لبنى قريظة فى استقبال سعد بن معاذ "قوموا إلى سيدكم " وقال عن الحسن - كما رواه البخارى ومسلم "إن ابنى هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " .
وكره العلماء التسمية بهذه الأسماء إذا كانت معرفة بأل مثل :
العزيز - الكريم - السيد

(10/53)


الطلاق فى بلد لا تعترف به

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تزوجت امرأة زواجا شرعيا لكنه لم يسجل حسب القوانين المعمول بها فى بلد، لعدم اعترافه به ، وقد ظهر للمرأة أن استمرار هذا الزواج فى غير صالحها، ولهذا تترك زوجها وتسافر للإقامة فى بلد آخر فما هى الطريقة لتخليص نفسها من الزوج الذى لا يرضى أن يطلقها ولو عن طريق الخلع ، ويقصد بذلك إضرارها حتى لا تتزوج من غيره ؟

الجواب
إذا كان الزوج موفيا لها بحقوقها من النفقة والإعفاف فحرام عليها أن تتركه وتسافر بدون إذن ، وعليها أن توسِّط أهل الخير ليطلقها إن أرادت ذلك .
أما إذا قصَّر فى الإنفاق عليها فلها أن ترفع الأمر إلى القضاء لتطلب التطليق ، وحيث إن دعواها لا تسمع لعدم توثيق الزواج فلها أن ترفع أمرها إلى جهة دينية معترف بها لتتولى بحث الموضوع ، وبعد التأكد من صحة الدعوى وامتناع الزوج عن الإنفاق بعد محاولة التوفيق تطلقها هذه الجهة طلقة واحدة رجعية على مذهب الإمام أحمد .
وإذا كان التقصير فى إعفافها ومضى على ذلك أربعة أشهر اعتبر الامتناع بمثابة الإيلاء عند مالك وأحمد، فيطالب من الجهة الدينية بالعودة إلى إعفافها أو تطليقها طلقة بائنة ، وإذا امتنع عنهما انفسخ النكاح بدون أية إجراءات على مذهب الإمام أبى حنيفة ولا مخلص إلا ذلك منعا للضرر .
ونحذر من تريد الزواج من رجل زواجا عرفيا غير موثق أن تقع فى مثل هذا المأزق ولهذا ننصحها ، -إن تحتم الزواج العرفى -أن تشترط أن تكون عصمتها بيدها على ما رآه الإمام أبو حنيفة ، حتى إذا لم توفق فى هذا الزواج أمكنها أن تطلق نفسها منه بدون اللجوء الى القضاء ، لأنه لا يسمع دعواها، وبدون لجوء إلى لجنة وغيرها .
تنبيه : الإجابة على السؤال تمت بعد بحث الموضوع مع فضيلة الشيخ عبد اللّه المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فى تاريخ نشرها بمجلة منبر الإسلام عدد ذى الحجة 1403 هـ

(10/54)


عدة الزوجة التى أسلمت

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
زوجة اعتنقت الإسلام وحصلت على حكم بالطلاق فكيف تحتسب عدتها؟

الجواب
الزوجة التى أشهرت إسلامها ولم يسلم زوجها وحكم القاضى بطلاقها تحسب عدتها من وقت الحكم لا من وقت إسلامها، ذلك لأن امتناع الزوج عن الإسلام يعتبر نوعا من أنواع الفراق التى تتوقف على القضاء كما هو فى مذهب أبى حنيفة، الذى أخذ منه قانون الأحوال الشخصية فى مصر"الأحوال الشخصية للشيخ عبد الرحمن تاج ص 241" ولو أسلم الزوج قبل أن تنتهى عدتها من وقت إسلامها تبقى هى على ذمته ، وهناك جماعة تقول : لا تعتبر العدة أجلا مضروبا لإسلامه أو عدم إسلامه ، فلا يحكم بالطلاق إلا إذا حكم القاضى بذلك مهما طال الفصل بين إسلامها وحكم القاضى .
والموضوع مبسوط فى "زاد المعاد لابن القيم ج 4 ص 13 "

(10/55)


الذهب للنساء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل من الحديث ما يقال "من أحب أن يحلِّق حبيبته بحلقة من نار فليحلقها حلقة من ذهب ، ومن أحب أن يطوق حبيبته طوقا من نار فليطوقها طوقا من ذهب ، ومن أحب أن يسور حبيبته سوارا من نار فليسورها سوارا من ذهب ، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها، العبوا بها" لأننى سمعت بعض العلماء يحرم الذهب على النساء؟

الجواب
هذا الحديث ذكره الحافظ المنذرى "الترغيب والترهيب " بلفظ "حبيبة" وليس "حبيبته " ورواه أبو داود بإسناد صحيح ، قال المنذرى :
الأحاديث التى ورد فيها الوعيد على تحلى النساء بالذهب تحتمل وجوها من التأويل :
أحدها: أنه منسوخ فإنه قد ثبت إباحة تحلى النساء بالذهب ، والثانى: أن هذا فى حق من لا يؤدى زكاته دون من أداها ، كما نص عليه الحديث ، والثالث: أنه فى حق من تزينت به وأظهرته . انتهى .
وإذا كان الذهب محرما على الرجال فهل يجوز لهم أن يلبسوه الأولاد الصغار غير المكلفين ؟ قيل : يحرم ، لأن الحديث فى حق من يلبس الأولاد، فقد ورد بلفظ "من أحب أن يسور ولده بسوار من نار فليسوره سوارا من ذهب ، ولكن الفضة العبوا بها كيف شئتم " رواه أحمد وأبو داود . وقيل : لا يحرم لأنهم غير مكلفين ، "نيل الأوطار للشوكانى ج 2 ص 86" .
هذا ، وأرجو ألا يتعجل بعض الناس فى إصدار الحكم على شىء لمجرد أنهم قرءوا حديثا واحدا ، ولم يستوعبوا ما ورد فى الموضوع وما تحدث به العلماء المختصون الذين اطلعوا على روايات متعددة وخلصوا منها إلى الحكم الصحيح

(10/56)


العلاج بين الجنسين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز أن يتولى علاج المرأة وتوليدها رجل أجنبى؟

الجواب
من القواعد الفقهية أن الضرورات تبيح المحظورات ، ومعلوم أن المرأة لا يجوز لها أن تكشف عن شىء من جسمها لرجل أجنبى-فيما عدا الوجه والكفين على تفصيل فى ذلك - وبالتالى لا يجوز اللمس بدون حائل ، أما عند الضرورة المصورة بعدم وجود زوج أو محرم أو امرأة مسلمة تقوم بذلك فلا مانع من النظر واللمس ، مع مراعاة القاعدة الفقهية الأخرى وهى : أن الضرورة تقدر بقدرها .
ولهذا الاستثناء احتياطات وآداب نورد فيها بعض ما قاله العلماء .
جاء فى كتاب "الإقناع فى شرح متن أبى شجاع" للشيخ الخطيب فى فقه الشافعية "ج 2 ص 120" أن النظر للمداواة يجوز إلى المواضع التى يحتاج إليها فقط ، لأن فى التحريم حينئذ حرجا ، فللرجل مداواه المرأة وعكسه ، وليكن ذلك بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة إن جوزنا خلوة أجنبى بامرأتين وهو الراجح ، ويشترط عدم امرأة يمكنها تعاطى ذلك من امرأة ، وعكسه كما صححه كما فى زيادة "الروضة" وألا يكون ذميًا مع وجود مسلم ، وقياسه -كما قال الأذرعى- ألا تكون كافرة أجنبية مع وجود مسلمة على الأصح ، ولو لم نجد لعلاج المرأة إلا كافرة ومسلما فالظاهر أن الكافرة تقدم ، لأن نظرها ومسها أخف من الرجل ، بل الأشبه عند الشيخين أنها تنظر منها ما يبدو عند المهنة، بخلاف الرجل. وقيد -فى الكافى- الطبيب بالأمين ، فلا يعدل إلى غيره مع وجوده ، ثم قال :
وشرط الماوردى أن يأمن الافتتان ولا يكشف إلا قدر الحاجة ، وفى معنى ما ذكر نظر الخاتن إلى فرج من يختنه ، ونظر القابلة إلى فرج التى تولدها . ويعتبر فى النظر إلى الوجه والكفين مطلق الحاجة، وفى غيرهما -ما عدا السوأتين- تأكدها ، بأن يكون مما يبيح التيمم كشدة الضنا ، وفى السوأتين مزيد تأكدها ، بألا يعد التكشف بسببها هتكا للمروءة .
وفى حاشية عوض على شرح الخطيب المذكور ما يدل على أن المباح فى العلاج ما كان بالنظر، أما اللمس فيجوز عند الحاجة ، وإلا فلا، وجاء فيها : رتب البلقينى المعالج فى المرأة بأن يقدم أولا المرأة المسلمة فى مسلمة، ثم صبى مسلم غير مراهق ،ثم كافر غير مراهق ، ثم مراهق مسلم ، ثم مراهق كافر ثم المحرم المسلم ، ثم المحرم الكافر، ثم الممسوح المسلم ، ثم المرأة الكافرة ، ثم الممسوح الكافر، ثم المسلم الأجنبى، ثم الكافر الأجنبى، والزوج مقدم على الكل . انتهى

(10/57)


صورة من الخلوة بين الجنسين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز ركوب امرأة أو مجموعة من النساء مع سائق أجنبى عنهم ليوصلهن إلى مكان قريب داخل المدينة أو فى سفر طويل ؟

الجواب
الخلوة المنهى عنها والتى هى مظنة الغلط تكون باجتماع رجل مع امرأة أجنبية فى مكان واحد لا يراهما فيه أحد ، أما الاجتماع فى الطريق والأماكن العامة كالأسواق ودور العلم ووسائل المواصلات فلا تتحقق به الخلوة المحرمة ، وإن تحقق به محظور آخر، كالسفور والنظر إلى المفاتن والكلام اللين والملامسة ونحوها .
ومحصل ما قاله العلماء فى اجتماع الجنسين هو :
1- إذا كان الاجتماع ثنائيا ، أى بين رجل وامرأة فقط ، فإن كان الرجل ، زوجا أو محرما جاز وإن كان أجنبيا حرم .
2 - وإذا كان الاجتماع ثلاثيا ، فإما أن يكون بين امرأة ورجلين ، وإما أن يكون بين امرأتين ورجل ، فإن كان الأول جاز إن كان أحدهما زوجا أو محرما ، وإلا حرم "النووى على مسلم ج 9 ص 159 " وإن كان الثانى فإن كانت إحداهما محرما جاز وإلا ففيه قولان ، وقد ذكر النووى فى شرح المهذب والخطيب على متن أبى شجاع "ج 2 ص 120 " جواز الخلوة بامرأتين .
3-وإن كان الاجتماع رباعيا فأكثر فإن كان رجل مع نساء جاز، وكذلك إذا تساوى العدد فى الطرفين ، وإن كانت امرأة مع رجال جاز إن أمن تواطؤهم على الفاحشة ، كمن دخلوا على زوجة أبى بكر الصديق أسماء بنت عميس وكان غائبا ، وإلا حرم .
ويشترط فى المحرم الذى تجوز الخلوة بالأجنبى مع حضوره ألا يكون صغيرا لا يستحيا منه ، كابن سنة أو سنتين ، وقال بعض العلماء :
تجوز الخلوة بالأجنبية إذا كانت عجوزا لا تراد، ولكن مع الكراهة ، أما الشابة مع كبير السن من غير أولى الإربة فقيل لا تجوز الخلوة به ، وقيل :
تجوز مع الكراهة .
هذا ملخص ما قاله العلماء فى الخلوة ومنه يعرف أن السائق الذى يوصل امرأة واحدة إن كان فى طريق مكشوف والناس ينظرون فلا حرمة فى ذلك ، وإن كان معه مجموعة من النساء فلا حرمة أيضا، أما الطريق الخالى من الناس كطرق الصحراء وغيرها فيحرم سفر امرأة واحدة مع سائق أجنبى ، أما مع مجموعة فينظر التفصيل السابق . ومثل السائق المدرس الخصوصى للبنت والبنات ، حتى لو كان يعلمهن القرآن الكريم

(10/58)


طلاق المكره

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تزوجت وأحسست بالراحة والتوفيق فى زواجى ، ولكن والدى يرغمنى على طلاق زوجتى، مهددًا لى بعدم الرضا عنى وحرمانى من الميراث فماذا أفعل ؟

الجواب
فى حديث حسَّنه النووى من رواية ابن ماجه وابن حبان يقول النبى صلى الله عليه وسلم "رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وفى رواية لأبى داود وابن ماجه "لا طلاق فى إغلاق" أى إكراه كما فسره علماء الغريب وروى سعيد بن منصور وأبو عبيد القاسم ابن سلام أن رجلا على عهد عمر تدلى بحبل ليجنى عسلا من خلية نحلٍ ، فهددته زوجته بقطع الحبل ليسقط ميتا إن لم يطلقها ، فطلقها لإنقاذ حياته ، فلم يجعله عمر طلاقا لأنه مكروه .
بذلك قال جمهور الفقهاء خلافا لأبى حنيفة وأصحابه ، فالله قد عفا عن النطق بكلمة الكفر ما دام القلب مطمئنا بالإيمان ، والطلاق أخف من الكفر فالعفو عند الإكراه عليه أولى .
غير أن للإكراه شروطا منها أن يكون ظلما وبعقوبة عاجلة لا مستقبلة، وأن يكون المكره غالبا قادرا على تنفيذ التهديد، بولاية أو تغلب أو هجوم مثلا، وأن يكون المكره عاجزا عن دفع الإكراه بنحو هرب أو مقاومة أو استغاثة ، وأن يغلب على ظنه وقوع ما هدَّد به إن لم يُطلِّق ، وألا يظهر منه ما يدل على اختياره كأن أكره على التطليق منجزا فطلق معلقا .
ثم قال الفقهاء : إن المعفو عنه فى الإكراه هو التلفظ فقط بالطلاق فلو نواه بقلبه مع التلفظ وقع ، لأن ذلك يدل على اختياره ، وقالوا : إن أسلوب الإكراه يختلف بالأشخاص وما هُدِّد به ، فهو يتحقق بالتهديد بكل ما يؤثر العاقل أن يُطلِّق ولا يقع ما هدَّد به ، كالقتل والضرب الشديد والحبس الطويل وإتلاف المال الكثير ومثله الضرب اليسير والحبس القصير عند أهل المروءات ، وإتلاف المال اليسير عند الفقير، وكذلك تهديد الوجيه بشتمه والتشهير به أمام الملأ كما قال الشافعية .
هذا ، وليس من الإكراه المعفو عنه تهديد الوالد لولده بعدم الرضا عنه إن لم يطلق امرأته أو بحرمانه من الميراث مثلا، وليس من بر الوالدين طاعتهما فى ذلك إذا كان لأغراض شخصية لا تمس الخلق والدين ، وعليه فأقول لصاحب السؤال : لا تطلق زوجتك لإكراه والدك لك بمثل ما جاء فى سؤالك ، ولو طلقت وقع الطلاق . وأنصح الوالدين بالتخلى عن مثل هذه الأساليب التى تخرب البيوت فأبغض الحلال إلى الله الطلاق ، وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمر بطاعة أبيه فى تطليق زوجته كما رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه ، وقال الترمذى :
حسن صحيح . لكن رفعت مثل هذه القضية إلى الإمام أحمد بن حنبل فلم يأمر الولد بطلاق زوجته إرضاء لوالده قائلا، ليس كل الناس كعمر، لأن عمر كان ينظر إلى المصلحة الدينية ، أما الدوافع الشخصية والدنيوية فلا تلزم الاستجابة لها ما دامت الناحية الدينية موفورة

(10/59)


قص شعر المولود فى اليوم السابع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجب قص شعر المولود فى اليوم السابع من ولادته والتصدق بالفضة أو الذهب بما يساوى وزن الشعر الذى تم تقصيره ؟

الجواب
يُسَنُّ -ولا يجب- حلق رأس المولود والتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة ، يستوى فى ذلك الذكر والأنثى ، وذلك لحديث رواه البيهقى أن فاطمة رضى الله عنها وزنت شعر الحسن والحسين ، وزينب وأم كلثوم رضى الله عنهم ، فتصدقت بوزنه فضة "نيل الأوطار ج 5 ص 145" .
وأما تلطيخ رأس المولود بدم الذبيحة التى يطلق عليها اسم العقيقة فباطل ، لأن الدم أذى ، والنبى صلى الله عليه وسلم قال "أميطوا الأذى" وكان المتبع عند العرب أن تستقبل أوداج الذبيحة بصوفة منها ثم توضع على يافوخ المولود حتى يسيل منها خيط الدم على رأسه ، ثم يغسل بعد ذلك ويحلق .
وجاء فى بعض روايات الحديث "ويدمى" وقد طعن المحققون فى هذا الحديث من جهة الإسناد، أو من جهة تصحيف كلمة "يسمى" إلى "يدمى" ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب زاد المعاد ج 2 ص 3 وما بعدها"

(10/60)


عدة المسافرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا سافرت المطلقة إلى دولة يختلف توقيتها عن البلدة التى تم طلاقها فيها فكيف تحسب مدة العدة؟ وإذا ردها زوجها قبل إتمام العدة طبقا لتوقيت الدولة التى طلقت فيها وبفارق زمنى ساعة واحدة هل يعتبر عقد زواجها من شخص آخر باطلا ؟

الجواب
مدة العدة لمن يأتيها الحيض هى ثلاثة قروء ، وهذه لا دخل لاختلاف المواقت فيها أبدا ، فقد تطول مدتها وقد تقصر .
أما إذا كانت العدة بالأشهر كاليائسة فهى ثلاثة أشهر قمرية ، أى نحو تسعين يوما إذا كانت الأشهر كاملة العدد ، أى ثلاثين يوما لكل شهر، لكنها قد تكون تسعة وعشرين يوما فى بعض الأشهر .
وهذه الأشهر أيضا قد تختلف باختلاف الأماكن حسب ظهور الهلال ، ومعلوم أن كل يوم من الشهر مدته أربع وعشرون ساعة ، سواء كان الليل أطول من النهار أو العكس .
وعلى هذا لا يظهر معنى لما جاء فى السؤال ، اللهم إلا إذا كان يحسب الزمن مثلا بأن بدء الحيضة أو بدء الطهر منها -على الخلاف فى تفسير القرء- كان فى الساعة العاشرة صباحا فى بلدة ، أى قبل وقت الظهر بنحو ساعتين ، وعندما يسافر إلى بلد شرقى يحين وقت الظهر فيها قبل وقت الظهر فى بلده الأصلى -بحكم الفرق فى التوقيت - هذه المسألة تشبه مسألة الصيام ، هل يفطر الإنسان على توقيت بلده الأصلى أو على توقيت البلد الذى سافر إليه ؟ والصحيح أنه يأخذ بتوقيت المكان الذى غربت فيه الشمس فيفطر عند غروبها فيه حتى لو كان قبل غروبها فى بلده أو بعد غروبها فيه إن سافر إلى الغرب وقد يعمل بهذا فى المسألة التى معنا ، لكن الأولى الاحتياط للأبضاع ، وبخاصة أن الفرق ساعة أو ساعات قليلة لا يصعب انتظاره

(10/61)


صيغة علىَّ الطلاق

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يكثر على ألسنة الناس قولهم علىَّ الطلاق ، فهل يقع الطلاق بهذه الصيغة؟

الجواب
قال العلماء : إن هذه الصيغة وهى : علىَّ الطلاق أو يلزمنى الطلاق ، تعتبر يمين طلاق يقصد به إثبات شىء أو نفيه ، أو الحث على فعل شىء أو تركه ، كقول القائل : علىَّ الطلاق أو يلزمنى الطلاق إن كان إبراهيم قد حضر أمس ، أو: علىَّ الطلاق لأفعلن كذا أو أتركن كذا . وقد أفتى بعض الحنفية كأبى السعود بعدم وقوع الطلاق بمثل هذه الصيغة ، اعتمادا منه على أن شرط صحة الطلاق أن يكون مضافا إلى المرأة أو إلى جزء شائع منها ، وهذا اللفظ لا إضافة فيه إليها ، فهو ليس من صريح الطلاق ولا من كنايته ، فلا يقع به الطلاق .
ويرى المحققون من الحنفية أن مثل هذا الطلاق واقع ، لاشتهاره فى معنى التطليق وجريان العرف بذلك ، والأيمان مبنية على العرف ، وهو وإن كان بصورة ظاهرة فى اليمين إلا أن المتبادر منه أنه تعليق فى المعنى على فعل المحلوف عليه وإن لم يكن فيه أداة تعليق صريحة . ويرى الإمام على وشريح وعطاء والحكم بن عيينة وداود الظاهرى والقفال من الشافعية وابن حزم - أن تعليقات الطلاق لاغية ، وصح عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه قال فيها : إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شىء، وروى عن طاووس أنه قال : ليس الحلف بالطلاق شيئا والشافعية يقيدون هذا من صيغ الطلاق ويوقعونه بها .
والعمل الآن فى المحاكم المصرية حسب القانون رقم 25 لسنة 1929م - كما تنص عليه المادة الثانية منه- على أن الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شىء أو تركه لا غير لا يقع . وقد سبق فى ص 279 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى توضيح ذلك فيرجع إليه

(10/62)


زواج الصغيرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعض البلاد يزوجون البنات وهن صغيرات غير بالغات ، سواء أكان القانون يمنع أو يجيز فما حكم موافقة البنت على تزويج وليها لها؟

الجواب
من المعلوم أن عقد الزواج يشترط فى صحته تمييز المتعاقدين ، فإن كان أحدهما مجنونا أو صغيرا لا يميز فإن الزواج لا ينعقد ، وهنا يكون للولى الحق فى عقد الزواج ، فالصغيرة إن كانت مميزة لابد من استئذانها وموافقتها ، أما إن كانت غير مميزة فإنه يجوز للأب والجد تزويجها بغير إذنها ، لأن الغالب أنهما يرعيانها ويريدان لها الخير، وقد زوج أبو بكر الصديق رضى الله عنه ابنته عائشة من الرسول صلى الله عليه وسلم وهى صغيرة دون إذنها، حيث لم تكن فى سن يعتبر فيها إذنها ، وليس لها الخيار إذا بلغت ، فكان سنُّها ست سنوات .
ومن أجل هذا استحب الشافعية ألا يزوجها الأب أو الجد حتى تبلغ ويستأذنها ، ولا يجوز لغير الأب والجد أن يزوج الصغيرة كما رآه الجمهور، فإن زوجها لم يصح الزواج ، لكن أبا حنيفة وجماعة من السلف أجازوا لجميع الأولياء وقالوا بصحة الزواج ، ولها الخيار إذا بلغت ، وذلك لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم زوَّج أمامة بنت حمزة - وهى صغيرة- وجعل لها الخيار إذا بلغت ، وهو لم يزوجها بوصفه نبيا ، بل لأنها قريبته وهو وليها لأنها بنت عمه ، ولو زوجها بوصفه نبيا لم يكن لها الخيار، كما قال تعالى : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب : 36 وقال بهذا الرأى عمر وعلى وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة .
أما الكبيرة فلا يجوز إكراهها على الزواج كما تقدم توضيحه فى صفحة 593 من المجلد الأول من هذه الفتاوى

(10/63)


التعامل مع المطلقة رجعيا

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
طلقت زوجتى طلقة أولى رجعية وفى أثناء قضائها للعدة فى المنزل كانت تعاملنى كزوج في عدم تحجبها منى، وخدمتها لى، فهل هذا حرام ؟

الجواب
الإجابة على هذا السؤال مبنية على الخلاف فى أن الطلاق الرجعى يرفع عقد الزواج أو لا يرفعه ، يقول الجمهور: إن الطلاق الرجعى لا يمنع الاستمتاع بالمطلقة، ولا تترتب عليه آثاره ما دامت المطلقة فى العدة ، فهو لا يمنع استمتاعه بها ، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر، والنفقة عليها واجبة ، ويلحقها الطلاق والظهار والإِيلاء ، وله الحق أن يراجعها دون رضاها ، كما لا يشترط الإشهاد على الرجعة وإن كان مستحبا، وهى تحصل بالقول مثل : راجعتك ، وبالفعل مثل الجماع والقبلة واللمس .
والإمام الشافعى يرى أن الطلاق الرجعى يزيل للنكاح ، ولا بد لرجوعها أثناء العدة من القول الصريح ،ولا يصح بالوطء ودواعيه . ويشترط ابن حزم مع ذلك الإشهاد لقوله تعالى {وأشهدوا ذوى عدل منكم} الطلاق : 2 .
ومن هنا يجوز على رأى الجمهور أن تتزين المطلقة الرجعية لزوجها وتتطيب له وتلبس الحلى وتضع الكحل ، لكن لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة كالتنحنح مثلا .
والشافعى قال : هى محرمة عليه تحريما قاطعا كالأجنبية تماما ، وقال مالك : لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معها غيرها، وقيل : إنه رجع عن القول بإباحة الأكل معه .
وقد قلنا فى أكثر من موضع : إن الأمر إذا كان فيه خلاف ، فللإنسان أن يأخذ بما شاء من الآراء حسب الظروف التى تحقق المصلحة

(10/64)


خروج المعتدة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
طلقنى زوجا طلاقا بائنا ولزمت البيت فى العدة وأنا أعمل لكسب عيشى فهل أنقطع عنه ، ومن أين آكل إذا لم أخرج ؟

الجواب
سبق فى صفحة 337- من المجلد الثالث من هذه الفتاوى الكلام عن المكان الذى تعتد فيه المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وحكم خروجها من مكان العدة ، ولزيادة الإِيضاح أقول بالنسبة إلى خروجها من المنزل :
يقول الله تعالى : { يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا } الطلاق : 1 اختلف الفقهاء فى خروج المعتدة من المكان الذى تعتد فيه ، فذهب الأحناف إلى أنه لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا البائن أن تخرج من بيتها ليلا ولا نهارا، أما المتوفى عنها زوجها فتخرج نهارا وبعض الليل ، ولكن لا تبيت إلا فى بيتها . والفرق بينهما أن المطلقة نفقتها فى مال زوجها فلا يجوز لها الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها زوجها فإنها لا نفقه لها، فلا بد أن تخرج بالنهار لكسب عيشها وقضاء مصالحها. وكانت عائشة رضى اللّه عنها تفُتى المتوفى عنها زوجها بالخروج فى عدتها ، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد اللّه لعمل عمرة .
وذهب الشافعية إلى عدم خروج المطلقة رجعيا لا ليلا ولا نهارا . أما المبتوتة فتخرج نهارا فقط ، وذهب المالكية إلى جواز خروج المطلقة بالنهار سواء أكان الطلاق رجعيا أم بائنا ، فقد روى مسلم عن جابر أن خالته لما طلقت وأرادت أن تخرج لتقطع ثمر نخلها زجرها رجل ، فسألت النبى صلى الله عليه وسلم فقال " بلى ، فجذى نخلك فإنك عسى أن تصدقى أو تفعلى معروفا " وكان طلاقها ثلاثا .
والحنابلة أجازوا خروجها نهارا ، سواء أكان الطلاق رجعيا أم بائنا . أما المتوفى عنها زوجها فلها الخروج نهارا فقط . فعندما استشهد رجال يوم أحد جاء نساؤهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقلن : يا رسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال " تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها " وليس لها المبيت فى غير بيتها ولا الخروج ليلا إلا للضرورة، لأن الليل مظنة الفساد .
وأقول لصاحبة السؤال: ما دام الطلاق بائنا فلك الخروج بالنهار أثناء العدة على أن يكون المبيت بالمنزل ، وذلك على رأى الجمهور

(10/65)


دية المرأة والكتابى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا قتلت امرأة هل تكون ديتها كدية الرجل أو على النصف من ديته كالميراث وما هى دية الكتابى؟

الجواب
ذهب أكثر العلماء إلى أن دية المرأة إذا قتلت تكون على النصف من دية الرجل ، فقد روى ذلك عن عمر وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت رضى اللّه عنهم أجمعين ، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد فيكون إجماعا ، وذلك قياسا على نصيبها فى الميراث ، وعلى شهادتها فهى على النصف من نصيب الرجل وشهادته ، وليس فى ذلك نص فى القرآن أو السنة الصحيحة .
أما دية الكتابى وهو اليهودى والنصرانى فهى عند أبى حنيفة كدية المسلم لقول اللّه تعالى : {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلَّمة إلى أهله وتحرير رقبة} النساء : 92 قال الزهرى : كانت كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة، حتى كان معاوية فجعلها على النصف يعطى له ، ويوضع النصف الثانى فى بيت المال ، ولما جاء عمر بن عبد العزيز ألغى النصف الذى يوضع فى بيت المال .
وديته عند مالك على النصف عن دية المسلم ، أما الشافعى فقال : إنها على الثلث ونساء أهل الكتاب ديتهن على النصف من دية الرجل منهم ، وقال أحمد بن حنبل فى رواية عنه : دية الذمى مثل دية المسلم إن قتل عمدا ، وإلا فنصف دية ، والأدلة والمناقشة يرجع إليها فى " نيل الأوطار للشوكانى ج 7 ص 68 - 72"

(10/66)


سن الزواج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك سن محددة لصحة عقد الزواج ، ولماذا قررت بعض الدول سنَّا معينة لذلك ؟

الجواب
ذكرت فى ص 357 من الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإِسلام أن التشريعات القديمة لم تهتم بتحديد سن للزواج ، حتى جاء فى أوروبا "جوستنيان" فحدده باثنتى عشرة سنة للبنت وبأربع عشرة للولد ، وإن كان ذلك لم يحترم بعد دخول النصرانية أوروبا ، كما حدث فى زواج مارى ستيوارت بهنرى الثامن وسنها ست سنوات .
والزواج المبكر كان منتشرا فى بعض البلاد الشرقية وما تزال صورته فى العصر الحديث كالهند التى تزوج الأجنة فى البطون ، بناء على فلسفة دينية فيها أن مجرد اسم الابن يخلص أباه من جهنم ثم انتهى الأمر عندهم إلى تحديده .
ومجاراة لسنة التطور لجأت الدول إلى وضع سن محددة للزواج ، وإن كان الناس يتحايلون على عدم احترام ذلك بطرق شتى .
والإِسلام لم يضع سنًّا محددة للزواج ، وإنما وضع حدًّا للتكليف بوجه عام . وهو البلوغ إما بالعلامة الطبيعية أو بمرور خمس عشرة سنة قمرية ، وللظروف أثرها فى العلامة الطبيعية ، غير أن هذه السن لم يجعلها الإِسلام أساسا لصحة العقد ، فقد أجازه قبل ذلك عن طريق أولياء الأمور .
وعلى الرغم من عدم تحديد سن الزواج فيستحسن أن يبكر به بأن يكون فى أوائل سنوات البلوغ حيث يكون نضج الفتى والفتاة ، وذلك لعصمتهما من الانحراف ، ومع ذلك فى التبكير الشديد إرهاق بالتكاليف التى تحتاج إلى عقل ورشد، ومن هنا أرى أن قيام بعض الحكومات بتحديد سن الزواج فيه خير، على أن يراعى فى التحديد كل الظروف ، وتجب طاعة أولى الأمر فى تنفيذ القوانين والقرارات ما دامت فيها مصلحة ، فالله يقول : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} النساء : 59

(10/67)


صلاة المرأة على الجنازة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلى على الجنازة؟

الجواب
نعم يجوز، حيث لا يوجد دليل بمنعها بل أقرها الصحابة حيث صلت النساء على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى الرجال عليه ، والروايات ضعيفة، ولكن لم يثبت أن النساء مُنعن من الصلاة عليه وقد أمرت عائشة -رضى اللّه عنها- أن يؤتى بسعد بن أبى وقاص لتصلى عليه ، وذكر ابن الأثير فى أسد الغابة فى ترجمته أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم صلين عليه .
وقال النووى : ينبغى أن تسن لهن الجماعة كما تسن فى غيرها، وبه قال الحسن بن صالح وسفيان الثورى وأحمد والأحناف ، وقال مالك : يصلين فرادى .
فالمهم أنه لا مانع من صلاة المرأة على الجنازة وذلك باتفاق الأئمة

(10/68)


العداوة فى الأسرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نريد تفسير قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وكيف يتناسب ذلك مع ما ورد فى الزواج من سكن ومودة ورحمة؟

الجواب
الأسرة تقوم على الزوج والزوجة والأولاد ، وهى إذا أحسن توجيهها حققت السكن والمودة والرحمة، لكن ليست كل الأسر تستطيع الالتزام بتوجيهات الدين ، ومن هنا يأتى القلق والبغض والقسوة ، وتكون المساءلة الشديدة أمام الله سبحانه ، ولذلك أوصى الإِسلام ببناء الأسرة على أسس القيم الرفيعة الموجودة فى الرجل والمرأة ، فتُختار المرأة ذات الدين والخُلق ، ويُختار الرجل ذو الدين والأمانة كما جاء فى السنة النبوية .
وإذا وجب على الأسرة أن تتعاون لتحقيق أهدافها فكيف تكون العداوة أو من أين تأتى؟ إن الآية الكريمة تبين أن بعض الأزواج -الزوجات- وبعض الأولاد قد يكونون أعداء للزوج والوالد ، وليس الكل أعداء ، وإلا ما كانت هناك حاجة إلى الزواج ، ولذلك عبرت الآية بلفظ " مِنْ " التى تفيد التبعيض .
والعداوة تأتى من مخالفة الوصية بحسن المعاشرة ، وعدم التزام أفراد الأسرة بالواجبات المفروضة عليها ، والاهتمام بالحقوق أكثر من الواجبات ، قال تعالى {وعاشروهن بالمعروف} النساء : 19 وقال : { ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} البقرة : 228 وقال { الرجال قوَّامون على النساء بما فضًل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} النساء: 34 وقال: {وبالوالدين إحسانا} الإِسراء : 23 إلى غير ذلك من النصوص التى تبين الحقوق والواجبات .
جاء فى سبب نزول الآية التى فى السؤال أن بعض الرجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فى المدينة ، فأبى أزواجهم وأولادهم ، فلما أتوا النبى صلى الله عليه وسلم ورأوا الناس قد تفقهوا فى الدين همُّوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، رواه الترمذى بسند حسن صحيح فنزلت الآية ولذلك جاء فى آخر الأية { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} والعفو هو ترك المؤاخذة بالذنب ، والصفح هو إزالة أثره من النفس ، يقال : صفح عنه أعرض عن ذنبه ، وضرب عنه صفحا أى أعرض عنه وتركه ، والغفر هو الستر .
وقيل: نزلت فى عوف بن مالك الأشجعى ، كان إذا أراد الغزو بكت الزوجة والأولاد ورققوه قائلين : إلى من تتركنا؟ فيرق لهم . وفى حديث ضعيف "يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأولاده ، يعيّرونه بالفقر فيركب الصعب من أجلهم" .
ومن جهاد الزوج لهم ما فى البخارى أن الشيطان قعد لابن آدم -وسْوس أو أغرى زوجته وأولاده ليقولوا له- فى طريق الإيمان فقال: أتؤمن بالله وتذر دينك ودين آبائك ؟ فخالفه فآمن ، فقعد له فى طريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر مالك وأهلك ؟ فخالفه فهاجر، فقعد له فى طريق الجهاد فقال : أتجاهد فتقتل نفسك وتنكح زوجاتك ويقسم مالك ؟ فخالفه وجاهد ، فحق على الله أن يدخله الجنة وفي الحديث "الأولاد مَجبنة مبخلة" أو " مُجَبِّنَةٌ مُبَخِّلةٌ" رواه البغوى . وأخرج الترمذى عن خولة بنت حكيم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو مُختَضِنٌ أحد ابني بنته وهو يقول "إنكم لتبخِّلون وتجبِّنون وتجهلون ، وإنكم لمن ريحان الله " . أى تحملون على البخل على غيركم إيثارا لكم ، وتحملون على الجبن والقعود عن الجهاد، وتحملون على الاعتداء على غيركم دفاعا عنكم .
والموضوع مبسوط فى كتابنا "تربية الأولاد فى الإِسلام" وفى هذا القدر كفاية

(10/69)


شهادة المرأة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس : إن الإسلام لم ينصف المرأة بمساواتها للرجل فى الشهادة حيث جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل ، فكيف نرد عليهم ؟

الجواب
يقول الله سبحانه {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} البقرة : 282 .
وأبادر فأقول : إن مساواة المرأة بالرجل ليست على إطلاقها فى أى دين من الأديان ، بل ولا فى الشرائع المنصفة العاقلة ، فذلك أمر مستحيل لاختلاف النوعين فى التكوين والاستعداد ، وهو صنع اللّه سبحانه لإمكان تحقيق الإنسان للخلافة فى الأرض ، وهو يعلم المصلحة، ولا نعلم نحن ما يعلمه اللّه سبحانه .
وفى موضوع الشهادة قررت الآية السبب فى كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل وهو تعرضها للنسيان كثيرا عند تحمل الشهادة وعند أدائها ، ولا بد من التسليم بما قاله القرآن فى ذلك ، وقد أثبت العلم أو أكد صحة هذا السبب ، وشرحه الدكتور السيد الجميلى "مجلة الأزهر عدد ربيع الأول 1415 هـ " حيث تحدث عن مرض "الهستريا" الذى يكثر عند النساء ، ومن مظاهره سرعة الانفعال والتحول من حال إلى حال قد يكون على النقيض ، وقد يفضى إلى الانفصام ، وكان القدماء يرون أن سمات هذه الهستريا لصيقة بالنساء لا تزايلهن ، لكن الواقع يؤكد إصابة الرجل بها أيضا لكن فى أضيق الحدود .
ولما كان للشهادة قيمتها فى إثبات الحقوق احتاط لها الشارع منعا للظلم وإقرارًا للعدل ، وقرر الفقهاء فى هذا الخصوص أن لشهادة المرأة مجالات .
1 -ففى مجال الأمور الخاصة بالنساء والتى لا يطَّلع عليها الرجال فى الغالب كالولادة والبكارة تقبل شهادة المرأة ولا حاجة إلى شهادة الرجل معها، وروى فى ذلك حديث "شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه " وهذا لا يمنع قبول شهادة الرجال ، كالأطباء الممارسين لأعمال التوليد والجراحة ، سواء أكانوا منفردين أم كان معهم نساء ومع قبول المرأة فى هذا المجال اختلف الفقهاء فى العدد اللازم لاعتمادها ، فقيل : تكفى شهادة امرأة واحدة ، وقيل : لا يكفى أقل من اثنتين إلا فى حالتين خاصتين وهما : استهلال المولود للحياة، وحالة الرضاع .
وقيل : لا بد من شهادة أربع من النساء إلا فى حالة الرضاع فتكفى شهادة امرأة واحدة .
2 - فى مجال الأمور المتصلة بالأسرة كالزواج ، رأى جمهور الفقهاء عدم قبول شهادة المرأة، بل لابد من رجلين على الأقل ، كما قال تعالى{يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } المائدة : 106 وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل " رواه ابن حبان فى صحيحه ، وأجاز الحنفية شهادة رجل وامرأتين قياسا لشئون الأسرة على الشئون المالية .
3-وفى مجال المعاملات المالية نصت آية الدَّين على قبول شهادة المرأة مع الرجل ، وهى مذكورة فى أول الإجابة ، والتعليل كما سبق ذكره ليس فيه إهانة للمرأة ، بل هو تقرير للحقيقة من أجل الحفاظ على الحقوق ، وذلك هو الغالب فى النساء بالفطرة .
4 - وفى مجال الحدود والقصاص ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم قبول شهادتها فيها، وذلك لخطورتها ، حيث تدرأ الحدود بالشبهات ، وتقر القوانين أن الشك يفسر لصالح المتهم ، وقد تحملها رقتها فى هذا المجال على التغيير لصالح المتهم ، وأجاز ابن حزم شهادة النساء منفردات فى هذا المجال عدا حد الزنا "ملخص من مقال الدكتور عبد السميع أبو الخير فى المجلة المذكورة " .
ومن أراد الاستزادة فليرجع إليها لتوضيح الرأى الطبى والفقهى

(10/70)


الرضاع من ميتة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما الحكم لو رضع طفل من امرأة ميتة، هل يثبت به التحريم أو لا يثبت

الجواب
معلوم أن الرضاع فى الحولين يثبت حرمة بين الطفل وبين من رضع منها، وتمتد الحرمة إلى من يتصل بها على قاعدة " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " مع الخلاف فى عدد الرضعات التى تسبب التحريم ، والوسيلة التى وصل بها اللبن إلى جوف الطفل .
والرضاع من المرأة الميتة، إما أن يكون بعد موتها ، بأن يؤخذ منها اللبن أو يرضع منها الطفل وهى ميتة ، وإما أن يكون اللبن قد أخذ منها قبل موتها ثم رضعه الطفل بعد أن ماتت ، ففى الحالة الأولى يقول جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة - وأهل الظاهر: يقع التحريم برضاع اللبن المأخوذ من المرأة الميتة ، لأن المقصود من اللبن التغذى وقد حصل ، يستوى فى ذلك أن تكون المرضع حية أو ميتة ، وأما الشافعية فيرون أن هذا الرضاع لا يثبت التحريم ، لأن اللبن من جثة منفكة عن الحل والحرمة كالبهيمة " الخطيب ج 2 ص 183 والمغنى ج 9 ص 198 " .
وفى الحالة الثانية التى حلب فيها اللبن وهى حية ثم شربه الطفل بعد موتها ، فالجميع متفقون على أنه يثبت التحريم

(10/71)


مدة الرضاع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم من يرضع وسنه أكبر من سنتين ، هل يثبت التحريم برضاعه ؟

الجواب
اتفق الفقهاء على أن الرضاع المثبت للتحريم يكون فى مدة الرضاع ولو رضع بعد ذلك لا يثبت برضاعه تحريم ، ولم يخالف أحد من العلماء فى ذلك ، لكن جاء أن السيدة عائشة رضى الله عنها تثبت به التحريم وتبعها داود الظاهرى وابن حزم فى ذلك .
وما هى مدة الرضاع التى يثبت التحريم فى أثنائها؟ الاتفاق بين الأئمة على أن الرضاع فى الحولين يثبت التحريم ، إذا كان الطفل لم يفطم أما إذا فطم فى أثناء الحولين ، ورضع قبل انتهائهما ، أو رضع بعد الحولين ، أو رضع وهو كبير ففيه خلاف .
أما رضاع الكبير الذى جاوز ثلاثين شهرا فالكل متفق على أنه لا يثبت به تحريم وخالف فى ذلك أهل الظاهر كما سبق ذكره، فإن لم يجاوز الثلاثين شهرا ورضع ثبت برضاعه التحريم حتى لو فطم قبل الرضاع على رأى أبي حنيفة، لأن المدة عنده ثلاثون شهرا بناء على قوله تعالى { وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا }الأحقاف :15 حيث فسر الحمل بالحمل باليد وفى الحجر، وليس حمل الجنين فى البطن ، وأما قوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين }البقرة : 233 فمحله عند تنازع الوالدين على أجرة الرضاع عند الطلاق ، وقال بعض الأحناف : إن المدة ثلاثة أعوام وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبى حنيفة قالا: المدة حولان تكمل ثلاثين شهرا مع مدة الحمل وهى ستة أشهر، ويقال : إن أبا حنيفة رجع عن قوله ليطابق قول الصاحبين وقول سائر الأئمة فى أن من جاوز الحولين لا يثبت برضاعه تحريم .
وأجابوا عن رأى عائشة الذى تابعها فيه داود وابن حزم بأنه منسوخ بحديث " لا رضاع إلا ما كان فى الحولين " رواه الدارقطنى .
والمالكية زادوا على الحولين شهرا أو شهرين ما دام الطفل يعتمد على الرضاعة، أو يتناول معه شيئا يضره الاقتصار عليه ، ولو فطم يوما أو يومين ثم عاد إلى الرضاعة يثبت التحريم . والشافعية جعلوا المدة حولين قمريين وكذلك قال الحنابلة وذكر الشوكانى " نيل الأوطارج 6 ص 333" تسعة أقوال فى تقدير المدة يرجع إليها من شاء .
وأما رأى الظاهرية وابن حزم فمعتمد على حديث رواه مسلم وأحمد أن أم المؤمنين أم سلمة قالت لعائشة رضى الله عنهما : إنه يدخل .
عليك الغلام الأيفع - المقارب للبلوغ - الذى ما أحب أن يدخل علىَّ، فقالت عائشة : أما لك فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ وقالت :إن امرأة أبى حذيفة قالت : يا رسول الله إن سالما يدخل علىَّ وهو رجل ، وفى نفس أبى حذيفة منه شىء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرضعيه حتى يدخل عليك " وفى رواية عن أم سلمة أنها قالت : أبَى سائر أزواج النبى صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة ، وقلن لعائشة : ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا . ولم يأخذوا بخصوصية ذلك لسالم مولى أبى حذيفة، فهو رأى وليس حديثا لكن الجمهور قال : إن هذه خَصوصية ، والحكم العام هو عدم تحريم رضاع الكبير، والشوكانى فى نيل الأوطار: "ج 6 ص 332" تحمس لرأى ابن حزم وقال : إنه مذهب على بن أبى طالب

(10/72)