صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى ابن حجر الهيثمى

بالمنذور قولاً واحداً كما لو علق بشفائه. قال البلقيني : وكأنه نظر إلى أن هنا جزاء شكر النعمة فأنزله منزلة المجازاة المعلقة قبل الحصول وهذا كلام حسن معتمد اهـ، وقال الزركشي : إنه قياس سجود الشكر اهـ، ويؤيده أيضاً قولهم في نذر المجازاة هو أن يعلق التزام المال على حصول نعمة يرجوها من مال أو جاه أو ولد أو اندفاع نقمة يحذرها كنجاة من هلكة، وضبطه الصيمري
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/239)


بأن يعلق القربة على حصول ما يجوز أن يدعو الله تبارك وتعالى به وأن يسأله إياه فإذا حصل لزمه الوفاء بنذره اهـ. ولا شك أن المقترض بعد أن اقترض ولزم الدين ذمته إذا نذر لمقرضه كل سنة بكذا انحل هذا النذر إلى أن المراد به نذرت لك عليّ بكذا كل سنة إن صبرت عليّ، فجعل هذا النذر مجازاة لصبره عليه وصبره عليه فيه نعمة لرفقه بذلك المال واندفاع نقمة عنه من نحو مطالبته وحبسه وإضراره فدخل حينئذ هذا النذر بهذا القصد في كلامهم فاتضح صحته ولزوم الوفاء به وإن أطلق الناذر نذره ولم ينو به شيئاً فهو محل التردد لأنه يحتمل المعنى المبطل وهو الحالة الأولى السابقة والمعنى المصحح وهو الأحوال الثلاثة التي بعدها والذي يفهمه قولهم السابق في مسألة النكاح ثم عقدا بذلك القصد الصحة هنا في حال الإطلاق وهو متجه، إذ الصيغة بوضعها صحيحة وإنما أبطلها قصد الوفاء بالمواطاة المكروهة ونحوه، فإذا خلت عن ذلك القصد المبطل لزم الحكم بصحتها إذ لم يقترن بها حينئذ مبطل ظاهراً ولا باطناً، ومما يدل لتأثير القصد في صحة النذر المحتملة بحث الأذرعي في امرأة نذرت الجهاد أنها إن أرادت به القتال ومكافحة الأبطال لم ينعقد نذرها وإن قصدت به مداواة الجرحى ونحو ذلك من القيام بمصالح المجاهدين انعقد نذرها فقد كن في الصدر الأول يخرجن لتلك اهـ. بل قد صرح الشيخان كجماعة بنحو ذلك فقالوا قد تتردد الصيغة فتحتمل نذر التبرر، وتحتمل نذر اللجاج فيرجع فيه إلى قصد الشخص وإرادته وفرقوا بينهما بأنه في نذر التبرر يرغب في السبب وهو شفاء المريض مثلاً بالتزام المسبب وهو القربة المسماة وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب لكراهته الملتزم اهـ، وإذا تأملت فرقهم المتضمن لحد نذر التبرر المتعين الوفاء به بما ذكر علمت أن النذر في مسألتنا من أقسام نذر التبرر إلا في الحالة الأولى وهي ما إذا قصد الوفاء بالمواطاة وفي غير هذه الحالة لا فرق بين أن يكون المقرض فقيراً أو غنياً

(6/240)


فقد صرح القاضي حسين بصحة النذر للغني لأن التصدق عليه قربة فجاز التزامه بالنذر. وفي فتاوى الولي أبي زرعة ما يؤيد ما قدمته فإنه سئل عمن نزل لآخر عن أرض يستحق منفعتها بالإقطاع فالتزم المنزول له بالنذر الشرعي أنه إذا خرج له منشور إقطاعها بمقتضى ذلك النزول دفع له كذا فوجدت الصفة فهل يصح هذا النذر، فأجاب بصحته وأنه نذر مجازاة ولا ينافيه ما نقله الشيخان عن فتاوى الغزالي
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267
وأقراه من أن البائع لو قال للمشتري إن خرج المبيع مستحقاً فللّه عليّ أن أهب منك مائة دينار لم يصح لأنه مباح، وذلك لأن هذا نذر لجاج إذ ليس للبائع غرض في أن يخرج المبيع مستحقاً وإنما يفعل ذلك تحقيقاً لزعمه ودفعاً لقول قائل ليس هذا ملكه بخلاف المنزول له فإن له غرضاً في أن يصير الإقطاع له وهي نعمة فيشكر الله عليها بما يدفعه للناذر، فإن قيل لم يستند الغزالي في البطلان إلى كونه ندر لجاج، وإنما استند إلى أنه مباح فنذر اللجاج في صورته وصف طردي، قلنا صورة الغزالي صرح فيها بأن المدفوع هبة، وأما هذه فلم يصرح فيها به فيجوز أن يكون صدقة قصد بها ثواب الآخرة، وبتقدير أن لا يقصد به الصدقة فهو مندوب لكونه مكافأة ليد سبقت من النازل بسبب نزوله والمكافأة على الإحسان مطلوبة شرعاً وهذا منتف في صورة الغزالي اهـ. فتأمل قوله وبتقدير أن لا يقصد به الصدقة فهو مندوب الخ، تجده صريحاً فيما ذكرته من الصحة في مسألتنا في الأحوال الثلاثة وبما قررته يعلم الرد على من أطلق البطلان فيها وعلى من قيد الصحة فيها بتلك الشروط، ويعلم أيضاً أن الوجه ما قلناه من التفصيل المصرح به في كلامهم فتأمل ذلك فإنه مهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(6/241)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عمن نذر لعمرو بمال ومراده إن لم يبع بكر داره من عمرو ومراده أن بكراً لا يترك البيع بل يخالف في ذلك ما حكم النذر وعمن قال لآخر تعلم كذا وكذا إن معك حولاً ضيعة نفيسة فقال كالمازح هي نذر عليك ما الحكم وإذا قال أردت غيرها ما الحكم؟. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: النذر لعمرو في صورته المذكورة يحتمل اللجاج والتبرر، وقد مر الفرق بينهما بأنه في نذر التبرر يرغب في السبب وهو شفاء المريض مثلاً بالتزام المسبب وهو القربة المسماة، وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب لكراهته الملتزم فعدم بيع بكر داره من عمرو إن أحبه الناذر ورغب فيه لغرض صحيح له فيه كان النذر تبرراً فيلزمه ما التزمه لعمرو وإن كرهه الناذر أو لم يرغب فيه كان نذر لجاج فيتخير بين أن يعطي عمراً ما التزمه له وبين كفارة يمين وينعقد النذر بقوله هي نذر عليك وإن كان مازحاً على أن الصيغة تحتمل الإقرار وهو صحيح مع المزح أيضاً ولا يقبل قوله أردت غيرها لأن كلامه صريح فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/242)


وسئل عمن عليه دين لرجل فنذر على آخر بجميع أملاكه وأوقفها عليه ما الحكم وإن كان الناذر أو الواقف هو الضامن هل حكمه حكم الأصيل؟. فأجاب نفعنا الله تبارك وتعالى بعلومه بقوله: من عليه دين يستغرق ماله وليس له جهة ظاهرة يرجو الوفاء منها فنذر التصدق بجميع ماله لم ينعقد ذلك النذر كما بحثه الأذرعي وتبعه الزركشي وغيره، وذلك لأن الأولين قيدا لزوم التصدق بكل المال في قول الأصحاب لو نذر ماله لسبيل الله لزمه التصدق بكله على الغزاة فقالا ومحل لزوم التصدق بكل ماله فيما تقرر ما إذا لم يكن عليه دين لا يرجو له وفاء أو ليس له من يلزمه مؤنته وهو محتاج إلى صرفه له فإن كان كذلك لم ينعقد نذره لذلك لعدم تناوله له لأنه يحرم عليه التصدق بما يحتاج إليه لذلك اهـ. وبه علم عدم انعقاد النذر الذي يحتاج إليه لما ذكر لأنه حيث لم يرج الوفاء من جهة ظاهرة لدينه كان ما يحتاج إليه للوفاء به متعيناً للوفاء فلم يتناوله النذر وبهذا يفرق بين عدم انعقاد النذر هنا وانعقاده لبعض الأولاد وإيضاحه أن المنذور به هنا متعين الصرف إلى الدين أو العيال أو النفس إذا لم يصبر على الإضافة وحيث تعين صرفه لذلك لم يتناوله النذر لأنه إنما يتناول القربة الذاتية وإن اقترن بها حرمة أو كراهة لأمر خارج والتصدق بالمحتاج إليه ذكر ليس قربة مطلقاً لا لذاته ولا لأمر عارض، وأما إعطاء بعض الأولاد فهو من جزئيات الصدقة المندوبة والكراهة فيه إنما هي لأمر خارج فلم يمنع انعقاد النذر، ويدل على أنها لأمر خارج قولهم لا يكره تخصيص بعض الأولاد لنحو فقرأ وعلم، وأما المحتاج إليه لما مر فالحرمة بالتصدق به أمر ذاتي لا يمكن انفكاكه عنه فاتضح فرقان ما بين المسألتين، فإن قلت يمكن زوال الحرمة برضا الدائن أن يتصدق به، قلت إذا وجد رضاه خرجت المسألة عن فرضها الذي الكلام فيه وهو أن يحتاج إلى صرف المنذور به في الدين ومع الرضا لا احتياج فلم توجد صورة المسألة فلا يرد ذلك

(6/243)


على ما نحن فيه وبعد أن تقرر لك ذلك في النذر واتضح فلا يخفى عليك إلحاق الوقف بالنذر، إذ هما من واد واحد من حيث إن كلا قربة وأنه لا ينعقد في مكروه ولا محرم فلو كان لمدين أرض متعينة الصرف إلى قضاء دينه الذي لا يرجو له الوفاء من جهة ظاهرة غيرها فوقفها لم ينعقد وقفه ثم رأيت الأصبحي أطلق في فتاويه صحة وقف المديون في صحته قبل الحجر عليه ويتعين حمله على ما ذكرته بأن يكون له جهة ظاهرة يرجو الوفاء منها فحينئذ يصح وقفه وإن كان مديناً والذي يدل عليه كلامهم في باب الضمان أن الدين المضمون ثابت في ذمة الضامن كما أنه ثابت في ذمة المضمون عنه إذ حقيقة الضمان ضم ذمة إلى ذمة، وإذا ثبت لزوم الدين لذمته فيكون في نذره ووقفه بما يحتاج إليه ما ذكر في غير الضامن فلا يصح منه نذر، ولا وقف له لما ذكرنا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/244)


وسئل رحمه الله تعالى عن شخص نذر على آخر بقطعة من داره ثم منع الناذر المنذور عليه من المرور في الدار إلى القطعة هل له ذلك أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تبارك وتعالى به بقوله: الجواب عن هذه المسألة يحتاج إلى مقدمة وهي أنهم صرحوا بأن بيع الإنسان لقطعة من أرض محفوفة بملكه من سائر الجوانب صحيح وللمشتري الممر من كل جانب وإن لم يقل بعتكها بحقوقها لتوقف النفع عليها فهو كبيعها بحقوقها، فإن شرط الممر من جانب ولم يعينه أو نفاه لم يصح البيع لتعذر الانتفاع بالمبيع حالاً، وإن أمكن تحصيل ممر له بعدو شرط البغوي عدم إمكان تحصيله وحيث اشترى ما يلي ملكه أو الشارع مر في أحدهما لا في ملك البائع إلا أن قال بحقوقها ومن باع داراً واستثنى لنفسه بيتاً منها مر منها إليه ما لم يتصل البيت بملكه أو شارع كما ذكره القاضي حسين فإن نفى الممر ولم يمكن تحصيله لم يصح البيع كبيع ذراع من ثوب ينقص بالقطع، وصرحوا أيضاً بأن ما جاز بيعه جازت هبته ومالاً فلا غالباً فيهما ومن غير الغالب نحو حبتي الحنطة فتجوز هبتهما وإن امتنع بيعهما ذكره في المنهاج واعتمده الأذرعي وغيره إذ لا محذور في التصدق بتمرة أو بشقها فكذا في الهبة، لكن قال ابن النقيب : أن ما في المنهاج سبق قلم أو وهم لما في الرافعي من أن ما لا يتمول كحبة حنطة أو زبيبة لا يباع ولا يوهب اهـ، والذي يتجه أنه لا خلاف بل الأوّل محمول على ما إذا أراد بهبته نقل اليد عنه كما مال إليه الإمام والثاني محمول على ما إذا أراد تمليكه لتعذر تمليكه إذا تقرر ذلك فنذر قطعة الأرض المذكورة يحتمل تخريجه على بيعها فيأتي في نذرها ما ذكرناه في بيعها فيصح النذر بها وإن احتفت بملك الناذر من سائر الجوانب وللمنذور له الممر من كل جانب وإن لم يقل الناذر بحقوقها ويبطل إن شرط له الممر من جانب مبهم أو نفاه وإذا نذرله بما يلي ملكه أو الشارع مر في أحدهما لا في ملك الناذر إلا إن قال بحقوقها، ومن نذر بدار

(6/245)


واستثنى لنفسه بيتاً منها مر منها إليه ما لم يتصل البيت بملكه أو بشارع، فإن نفى الممر ولم يكن تحصيله لم يصح النذر هذا كله ما يقتضيه قياس النذر على البيع بجامع أن كلاً يقتضي الملك وإن افترقا من وجوه كثيرة، ويحتمل تخريجه على هبتها فيأتي في نذرها ما ذكرناه في هبة ما لا يتمول فعلى ما في المنهاج يصح نذرها مطلقاً وللمنذور له الممر إليها ما لم يتصل بملكه أو بالشارع لأنه حينئذ لا حاجة به إلى المرور في ملك الغير، وأما على ما قلناه من الحمل فلا يأتي ذلك إلا إن أراد بالنذر بها في الصورة التي لا ينتفع بها فيها بأن شرط الناذر عدم الممر إليها من ملكه ولا يمكن تحصيل ممر آخر لها نقل اليد عنها لا تمليكها، وأما على ما في الرافعي وكذا على ما بحثناه إن أراد بالنذر بها في الصورة المذكورة تمليكها فلا يصح النذر بها والذي يتجه من الاحتمالين هو الثاني أعني قياس النذر على الهبة لا على البيع، لأن بين البيع والنذر تجانساً أعم وهو مطلق إفادة الملك وبين النذر والهبة تجانساً أخص وهو إفادة ذلك مع كون كل منهما قربة بذاته ولا شك أن التشابه الأخص أولى رعاية من التشابه الأعم فكان إلحاق النذر بالهبة أولى وأحق وحينئذ فيصح نذر القطعة المذكورة مطلقاً حتى في الصورة التي لا يصح بيعها فيها بناء على ما مر عن المنهاج وكذا على ما مر عن غيره إن أراد نقل اليد لا التمليك وللمنذور له الممر من ملك الناذر إليها ما لم يتصل بملكه أو بشارع هذا ما ظهر لي في هذه المسألة ولم أر فيها نقلاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/246)


وسئل رحمه الله تعالى هل نذرت عليك بكذا صيغة صحيحة أو لا وكيف كيفية الصيغة التي لا خلاف فيها لمن أراد النذر بمال على آخر؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله المعتمد: إن نذرت من صرائح النذر لكن قال بعضهم محله حيث كان الملتزم قربة أو أضيف لما يتقرب به كنذرت للفقراء بخلاف نذرت لفلان بكذا، قال فهذه محتملة للنذر وغيره فيظهر أنها كناية اهـ، وكلام الأنوار قد يدل لما قاله ومع ذلك فالأوجه أنها صريح مطلقاً لشهرتها وورود أصلها، ولا فرق بين نذرت لك ونذرت عليك بكذا والأولى لمن أراد أن ينذر لغيره بمال أن يقول لله عليّ أن أعطيك أو أتصدق عليك به أو بكذا أو نحو ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى عما إذا أراد الشخص أن ينذر بمال على مسجد أو مشهد صالح كيف الصيغة وإذا أراد أن يقف قطعة من الأرض ليحصل من غلتها زاد ويصرف على المحتاجين في مسجد معين أو مشهد صالح معين، أو أراد أن يقفها ليشتري من غلتها شمع أو نحوه ليسرج فيهما أو في أحدهما كيف كيفية الصيغة؟. فأجاب بقوله: كيفية صيغة ما ذكر في السؤال أن يقول لله عليّ كذا لهذا المسجد أو لمصالحه أو لمصالح هذا المشهد أو المقيمين به أو نحوهم أو أن يقول وقفت هذا على المحتاجين بمحل كذا ليشتري من غلته زاد ويصرف إليهم أو وقفت هذا على أن يشتري من غلته شمع أو نحوه ليسرج في محل كذا، ومر أن صحة الوقف على إسراج نحو الشمع مقيدة بما إذا كان هناك من ينتفع بالوقود ولم يقصد التقرب إلى من في القبر ولا التنوير عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل عن حكم النذر للكافر؟. فأجاب بقوله: يجوز النذر للكافر لأن الصدقة عليه قربة كما يجوز للغني لذلك.

(6/247)


وسئل عن الشخص إذا نذر لولده شيئاً فهل له الرجوع فيه أم لا؟ أفتى الفقيه جمال الدين الوصي المشهور بالبصال وغيره بأنه ليس له الرجوع، وأفتى بعضهم بأن له الرجوع. قال الأزرق في شرح التنبيه: والأول أقوم. ففي الروضة الصدقة المذكورة كالزكاة والدين على المشهور وكما لا يرجع فيما دفعه إليه من لحم الأضحية فما الأرجح من ذلك؟. فأجاب نفعنا الله تبارك وتعالى بعلومه بقوله: إن مأخذ من أفتى بالرجوع إلحاق النذر في الحكم بالصدقة مسلوكاً به مسلك جائز الشرع، وقد قال في الهبة من أصل الروضة: أنه لو تصدق على ولده فله الرجوع على الأصح المنصوص، لأن الصدقة نوع من الهبة، وقد أطلق في الحديث الرجوع في الهبة لكن صحح الرافعي في الشرح الصغير منع الرجوع، قال: لأن قصد المتصدق الثواب في الآخرة وهو موجود به فعلى ما في الشرح الصغير لا وجه للإفتاء بالرجوع في مسألة النذر، وأما على ما في الكبير والروضة وهو الأرجح فله وجه لكن أوجه منه مفارقة النذر للصدقة من حيث الوجوب بالنذر فالراجح منع الرجوع فيه حيث وجدت صيغة نذر صحيحة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/248)


وسئل رحمه الله تعالى عن شخص نذر لآخر بربع ماله مثلاً معلقاً بشيء كقبل مرض موته بيوم إن مات بمرض وساعة إن مات فجأة ثم توفي فهل يتناول النذر المعلق المذكور ما حدث من مال الناذر ولو بعد النذر وقبل وجود الصفة أو لا يتناول إلا ما كان موجوداً حال تلفظه بالنذر وهل هو كالوصية في ذلك أو لا؟ وهل لصاحب النذر المعلق بصفة التصرف في شيء عينه للنذر بالبيع وغيره قبل وجود الصفة أم لا؟ وما المعتمد المفتى به في ذلك فقد اضطرب في ذلك فتاوى المتأخرين. فأجاب بقوله: كلامهم أن ما حدث بعد النذر وقبل وجود الصفة لا يتناوله النذر. ففي الجواهر وغيرها أن من نذر بنخلة إن شفى الله تعالى مريضه مثلاً لم تدخل ثمرتها الحادثة قبل وجود الشرط وهو الشفاء في صورتنا بخلاف الحادثة بعد الشرط فإنها تتبع الأصل. قال بعضهم: وقضية كلام الجواهر أن ثمرة النخل الموجودة قبل وجود الشرط لا تتبع الأصل تأبر أو لا وفيه نظر اهـ، ومادة نظره النظر إلى ما في البيع من التفصيل بين المؤبر وغيره ويجاب بأن البيع أقوى من النذر فاقتضى استتباع غير المؤبر بخلاف النذر فإنه قبل وجود شرطه ضعيف لاحتمال أن لا يوجد شرطه فيكون لغواً من أصله فلم يقتض الاستتباع قبل وجود الشرط مطلقاً وهذا فرق ظاهر لا غبار عليه وسيأتي قريباً ما يعلم منه فرق آخر وإذا علمت ذلك علمت منه ما ذكرته لأن الثمرة المتولدة من غير المال المنذور بعد النذر وقبل الشرط إذا لم تدخل فيه فأولى أن لا يدخل فيه ما حدث له من مال لم يكن حال النذر هو ولا أصله فإن قلت يمكن الفرق بأن ما حدث من المال يشمله قوله بربع مالي فليدخل فيه بخلاف الثمرة المذكورة فإنها لا تدخل في مسمى النخلة المنذورة، قلت نفي عدم دخولها مطلقاً ممنوع بل تدخل في مسماها في بعض الصور، ولذا قال بعتك هذه الشجرة دخلت ثمرتها غير المؤبرة، وقد علمت أنها لا تدخل هنا مطلقاً فعلمنا أنه ليس الملحظ في عدم دخولها شمول الاسم لها أو عدمه،

(6/249)


وإنما الملحظ في ذلك إلحاقهم النذر بالطلاق والإعتاق في تقييده بالمملوك وإلغائه في غيره للخبر الصحيح: لا نذر إلا فيما تملك، فلهذه القاعدة لم يدخل في ماله المنذور بربعه ما حدث بعد النذر لأنه لو دخل لم يكن سبب دخوله إلا النذر والنذر غير صالح لأن يتناول غير المملوك عند صيغته فتعذر دخول ما حدث فيه سواء أكان تابعاً أو مستقلاً وكذا الثمرة الحادثة بعده وقبل الشرط غير مملوكة عنده فلم يشملها ولم تتبع أصلها في ذلك لما تقرر فاستوت الصورتان أعني نذره بربع ماله ونذره بهذه الشجرة في هذا المعنى الظاهر الذي قررته، وبه ظهرت أيضاً أولوية عدم دخول المال الحادث لأن الثمرة التبعية فيها للشجرة أقوى منها في المال الحادث بالنسبة إلى الموجود حال النذر بل عند التحقيق لا تبعية هنا لأن كلا من الحادث والموجود مستقل بنفسه غير متوقف وجوده على وجود غيره، ثم رأيت
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/250)


ابن الصلاح ذكر ما يؤيد الفرق الذي ذكرته فإنه سئل عن نذر التصدق بثلثي ما يحصل له من غلة أرض وقفها في سبيل الله هل يلزم الوفاء به، فأجاب بأنه لا يلزمه لأنه لم يكن حال النذر مالكاً لما يتحصل له من المغل قياساً على عدم صحة الطلاق والعتق فيما لا يملكه للخبر الصحيح، ثم ذكر أن في التتمة ما يتوهم منه خلاف هذا وأن الأظهر عنده التفصيل بين أن يعلق زوال ملكه عن المغل بحصوله أي يصير صدقة بذلك فهذا ونحوه لا يصح كما ذكر وبين أن يلتزم أن يتصدق به حينئذ فيصح اهـ. والفرق بين صورتيه هاتين أن الأولى فيها نذر التصدق بمعين قبل ملكه وهو باطل بخلاف الثانية، فإنه ليس فيها إلا التزام التصدق في الذمة وهو صحيح، ثم رأيته في الروضة ذكر ما يصرح بهذا الفرق حيث قال يشترط في نذر القرب المالية كالصدقة أن يلتزمها في الذمة أو يضيف إلى معين يملكه، فإن قلت فما الفرق بين النذر والوصية فإنها تتناول ما حدث وأيضاً فقد ألحق بها في صحته بالمجهول. ففي نفائس الأزرق النذر بالمجهول كالوصية به ذكره بعض الفقهاء وهو قويم، فقد أفتى الفقيه أحمد بن حسن الحلي بأنه يصح النذر بحمل البهيمة. وفي فتاوى ابن الصلاح : أنه لو نذر بثلثي غلة ستحصل له صح نذره أي بتفصيله السابق اهـ. وأفتى القاضي بما هو صريح في ذلك أيضاً حيث قال لو قال إن شفى الله تعالى مريضي فللّه عليّ أن أتصدق بخمس ما يحصل لي من المعشرات فشفى لزمه التصدق بذلك، ومما هو صريح فيه أيضاً قول الأصحاب لو نذر الهدية أو الصدقة لزمه ما يقع عليه الاسم وقول الأنوار لو نذر أن يتصدق بأحد الشيئين أو يعتق أحد العبدين فتلف أحدهما لزمه التصدق بالباقي أو إعتاقه، وفي الكفاية ما يخالف ذلك والأول أوجه كما ذكرته في شرح العباب وبينت فيه أن البغوي أفتى بذلك ويوافق ذلك أيضاً إفتاء البلقيني بصحة النذر بثمرة بستانه، قلت: الفرق بين النذر والوصية في تناولها ما حدث بخلافه ظاهر فإن الإلزام والالتزام فيه

(6/251)


في الحال بخلافها فإن ذلك لا يكون إلا بعد الموت، ولهذا كانت عقداً جائزاً يجوز الرجوع فيها بخلاف النذر. وقال كثيرون بصحتها من السفيه وببطلانه منه فناسب كون الإلزام والالتزام فيه حالاً اعتبار وجود ما علق النذر به حال النذر وعدم تعديه إلى ما حدث بعده لانقضاء الالتزام فيه بانقضاء صيغة النذر، وأما الوصية فلما أنيط الالتزام فيها بالموت لم يعتبر المال الموجود عندها بل عندما نيطت به وهو الموت، ومن الفرق الواضح بينهما أيضاً أن الوصية تصح بالموجود والمعدوم والطاهر والنجس ولا كذلك النذر، فعلم أنهم توسعوا فيها ما لم يتوسعوا فيه، فإن قلت فما باله ألحق بها في صحته بالمجهول، قلت الجامع بينهما أن كلاً لا معاوضة فيه، وإنما هو محض تبرع فساواها من هذه الحيثية وصح بالمجهول لأن الجهل إنما يؤثر فيما فيه معاوضة ونحوها حذراً من الغرر المنهي عنه ولا يلزم من تساويهما في هذا الحكم لظهور الجامع بينهما فيه تساويهما في حكم آخر غيره سيما مع ظهور الفارق بينهما فيه فتأمل ذلك فإنه مهم وإن لم أر من صرح به، وأما المسألة الثانية فالكلام فيها ينبني على رفع الخلاف فيها بين الأصحاب وهي ما لو علق شفاء مريضه بعتق عبد معين له ثم علقه أيضاً بقدوم غائبه فالقاضي يقول كما فهمه عنه
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/252)


الأذرعي في توسطه بعدم انعقاد النذر الثاني ويعتق عن الأول الذي هو الشفاء وإن سبقه القدوم لأنه بان بالشفاء أن العتق لا يكون إلا عنه لسبقه والعبادي يقول بانعقاد النذر الثاني كالأوّل ويعتق بالسابق منهما فإن وجدا معاً أقرع بينهما وثمرة الإقراع وإن اتحد الزمن في عتقه حينئذ بيان وقوعه عمن خرجت القرعة له من أحد النذرين وإن كنا لا نوجب للآخر شيئاً كما في السبق هذا ما نقله في الروضة عن فتاوى القاضي عن العبادي، وأقره وجزم به ابن المقري في روضه واعترض بأن الذي في فتاوى القاضي عن العبادي غير ذلك وهو أن النذر الثاني موقوف فبالشفاء قبل القدوم أو معه يتبين أن الثاني لم ينعقد والعبد مستحق العتق عن الأوّل وإن مات انعقد الثاني وعتق العبد عنه وهذا هو الذي ارتضاه البغوي وجرى عليه في فتاويه لكن خصه بما إذا قال إن شفي مريضي فللّه عليّ أن أعتق هذا، ثم قال إن قدم غائبي فللّه عليّ أن أعتقه وشبهه بما إذا أعتق عبداً، وقال: هذا عن كفارة قتل إن كان على كفارة قتل وإلا عن كفارة اليمين فعتقه عن اليمين موقوف فإن بان أنه كفر عن القتل وقع عن اليمين وإلا فعن القتل وقال فيما إذا أبدل فعليّ أن أعتق بقوله فعبدي هذا حر أو فعليّ عتقه أنهما حصلا ولا عتق للعبد عنه وإن وقعا معاً عتق ولظهور عدم الفرق فيما نحن فيه بين فعليّ أن أعتق وعليّ عتق وعبدي هذا حر وإن افترقا من حيث أن الصيغة الأولى أن يقول من إنشاء عتق بخلاف نحو فعبدي حر. قال القمولي ومن تبعه: الظاهر أن الصورة الأولى أن يقول إن شفى الله تعالى مريضي فعليّ أن أعتقه وإلا فإن قدم غائبي فعليّ أن أعتقه، ويدل له التشبيه الذي ذكره وحينئذ اتضح الوقف في الأولى لأن قوله وإلا الخ، ظاهر في ترتب ما بعد إلا على عدم الشفاء فإن لم يوجد الشفاء نفذ الثاني وإن لم يوجد لم ينفذ وهذا عين الوقف الذي سبق بخلافه مع إسقاط إلا فإنهما يكونان تعليقين مستقلين فكل واحد منهما وجد أولاً عمل عمله

(6/253)


فاتضح كلام البغوي وتفرقته المذكورة وعليه فكأنه لما رأى شيخه القاضي أطلق إلغاء النذر الثاني و العبادي على ما في الروضة أطلق انعقاده وعلى ما في غيرها أطلق وقفه أراد أن يجمع بين الإطلاقين بحمل كل على حاله مما ذكر عنه باعتبار تأويل كلامه بما مر هذا ما في هذه المسألة للأصحاب ويتخرج عليها مسألتنا فعلى ما مر عن القاضي تكون التصرفات في النذر المعلق قبل وجود المعلق به باطلة، لأن القاضي إذا قال هنا ببطلان التعليق الثاني حتى لو وجد القدوم أوّلاً لم يقع العتق المعلق به، فأولى أن يقول ببطلان التصرف في المنذور ببيع أو نحوه، ووجه الأولوية أن الشارع متشوف إلى العتق ومع ذلك لم يقل به فيما إذا وجد القدوم أوّلاً لما تقرر من أن تعليقه باطل لوجوده بعد استحقاق المنذور العتق بالنذر الأول المعلق بالشفاء، ولو قلنا بصحة الثاني لزم في صورة تقدم القدوم إلغاء الأول كما أنا لو قلنا بصحة نحو البيع لزم إلغاء العتق مثلاً فإذا لم يسمح بما يوجب بطلان الأول وإن كان مثله في ترتب العتق عليه أيضاً بل قد يكون الترتب عليه ناجزاً وقطعياً في صورة تقدم القدوم فأولى أن لا يسمح بما يوجب بطلان المنذور لا إلى خلف بالكلية وهو البيع ونحوه وهذا كله بناء على كلام القاضي، وأما على كلام
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/254)


العبادي الذي في الروضة فيصح التصرف في المنذور المعلق وإن أدى إلى بطلان النذر ما لم يلاحظ الفرق الآتي، وعلى كلام البغوي الذي وافق عليه العبادي على ما مر يكون التصرف موقوفاً، فإن وجد الشرط المعلق عليه بان بطلان ذلك التصرف وإلا فلا. فإن قلت فما الراجح من هذه الأوجه الثلاثة في مسألة الأصحاب حتى نعرف الراجح في صورة السؤال، قلت الراجح ما مر عن الروضة وإن اعترض بما سبق، فقد صرح في المجموع وغيره بما يؤيده من أنه لو قال إن قدم زيد فللّه عليّ أن أصوم تالي قدومه وإن قدم عمرو فعليّ صوم أول خميس بعد قدومه فقدما معاً يوم الأربعاء صار الخميس عن أول نذريه لسبق وجوبه وقضى يوماً للنذر الثاني لتعذر صومه وإذا علم أن الراجح هو ما في الروضة علم أن الراجح في صورة السؤال عند من لم يلحظ ما سنقرره من الفرق الواضح بينهما صحة التصرف وكان هذا هو مستند إفتاء الشيخ الفتى بصحة التصرف في صورة السؤال وتبعه تلميذه الكمال الرداد فقال حين سئل عما لو علق النذر على صفة ثم باع العين المنذور بها قبل وجود الصفة هل يصح البيع أن في شرحه على الإرشاد في الإيلاء الجزم بالصحة وأنه أفتى به مراراً وكذا شيخه التقي الفتى وأنه وجد في فتاوى القاضي و البغوي خلافه، ثم أطال الكلام لكن بما فيه أنظار شتى لا تخفى على المتأمل ولولا الإطالة لبينتها، وأفتى بذلك أيضاً جماعة آخرون وقاسوه على المعلق عتقه بصفة فإنه لا يجوز التصرف فيه بالبيع ونحوه، فإن قلت هل يمكن فرق بين صورة الأصحاب والمعلق عتقه بصفة وبين صورة السؤال حتى يتوجه كلام القائلين في صورة السؤال ببطلان التصرف ولا يتخرج على مسألة الأصحاب، قلت نعم وهو أن صورة الأصحاب إنما جرى فيها هذا الخلاف لأن التعليق الثاني لا يضاد الأول من كل وجه بل يوافقه من وجه وهو أنه عتق مثله فلم يفت على المعلق عتقه شيء بالتعليق الثاني فلذا صح ويخالفه من وجه وهو أن العتق قد يترتب على الأول دون الثاني كما

(6/255)


أنه قد يترتب على الثاني دون الأول فلذا جرى فيها الخلاف السابق بسطه، وأما صورة السؤال فالبيع ونحوه يضاد النذر ويبطل ما استحقه المنذور من كل وجه فكان ينبغي بطلانه وإن قلنا بما مر عن الروضة في مسألة الأصحاب من صحة التعليق الثاني ويفرق بين ما نحن فيه وجواز التصرف في المعلق عتقه بصفة بأن صورة السؤال، أعني النذر المعلق بنحو الشفاء من شأنه أن فيه مقابلة وشوب معاوضة، لأن الناذر جعل العتق مثلاً في مقابلة الشفاء مثلاً فاقتضت تلك المقابلة العائد نفعها على الناذر المعلق غالباً تأكد ثبوت حق المنذور، فلذا امتنع التصرف فيه لأنه يشبه المكاتب لأن عتقه وإن كان في الحقيقة معلقاً على صفة إلا أن فيه معاوضة ومقابلة فكما امتنع التصرف في المكاتب نظراً لما فيه من المعاوضة والمقابلة فكذا يمتنع في المنذور المذكور نظراً لتلك الشائبة التي فيه بخلاف المعلق عتقه بصفة من غير نذر ولا كتابة، فإنه لم يثبت له ذلك التأكد لأن التعليق هنا محض تبرع أي من شأنه ذلك فناسب أن لا يضيق على المتبرع بسببه حتى يمنع من التصرف فيه وهذا فرق واضح كما أن الفرق السابق بين صورتنا وصورة الأصحاب واضح وبه اتضح أن للقائلين بامتناع التصرف في صورة السؤال وجهاً وجيهاً من حيث المعنى والقياس على المكاتب المذكورين وأن تخريج صورة السؤال على مسألة الأصحاب السابقة أو على مسألة المعلق عتقه بصفة لم يتم لما علمت من وضوح الفرقين المذكورين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/256)


وسئل رحمه الله تعالى عما في الإسعاد في باب الزكاة عند قوله، أي الإرشاد وما جعل نذراً أو أضحية مما يدل على أنه لو قال إن شفى الله مريضي فهذا المال صدقة لله زال ملكه بهذا القول وامتنع تصرفه فيما عينه للصدقة إذا حصل هذا الشفاء فهل يؤخذ من ذلك عدم جواز تصرف المشتري الناذر بعد إيقاع الإقالة إذا رد البائع مثل ثمنه أم لا؟ بينوا ذلك. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: ما أفاده كلام الإسعاد من زوال ملك المنذور المعين بالشفاء فيمتنع تصرف الناذر فيه بعد الشفاء صحيح، فقد صرحوا بأنه لو قال عليَّ أن أتصدق بهذا المال أو بهذه الدراهم تعين ذلك للصدقة ولو لم يقل لله وزال ملكه عنها بمجرد قوله ذلك بخلاف ما لو نذر عتق عبد بعينه فإنه وإن تعين عتقه لكن لا يزول ملكه عنه إلا بعتقه، لأن الملك فيه لا ينتقل بل ينفك عن الملك بالكلية وفيما مر ينتقل إلى المساكين ولهذا لو أتلف وجب تحصيل بدله بخلاف العبد لأنه المستحق للعتق وقد تلف ومستحقو ما ذكر باقون ولو التزم بنذر أو غيره التصدق بدراهم في ذمته ثم عين عنها دراهم لم تتعين وألحق بها كل ما لا يصلح للأضحية والعتق وذلك لأن تعيين كل من نحو الدراهم عما في الذمة ضعيف فلم يؤثر في زوال الملك بخلاف ما لو التزم أضحية أو عتقاً ثم عين عن ذلك شاة أو عبداً فإنه يتعين كما لو عين ذلك ابتداء هذا ما يتعلق بما في الإسعاد، وأما ما أراد السائل نفع الله تعالى به أن يأخذ منه بقوله فهل يؤخذ من ذلك الخ، فلم يظهر من عبارته ما الذي أراده بذلك فليبين مراده حتى يعرف فيبين حكمه فإذا أراد أن المشتري نذر التصدق بعين المبيع إن شفى مريضه فشفي ثم أراد التقايل فيه هو والبائع فهل يجوز ذلك، قلنا نعم تجوز الإقالة حينئذ وإن كان المبيع قد زال ملكه عنه بالشفاء كما لو أتلف المبيع أو تلف فإنها تجوز بعد تلفه ويلزم البائع رد عين الثمن إن بقي وإلا فرد بدله ويلزم المشتري رد بدل المبيع ولا تقاس

(6/257)


الإقالة على امتناع التصرف فيه بعد الشفاء لأنها ليست تصرفاً فيه بل في بدله كما علمت من أنها إذا وقعت بعد الشفاء تصح وفائدتها رجوع البائع عليه ببدله من مثل أو قيمة، وإن أراد أن المشتري الناذر ما مر أراد أن يتصرف فيه قبل الشفاء فهل يجوز له ذلك قلنا هذا السؤال لا يتقيد بالمشتري وإنما يجري في أصل المسألة فيقال من نذر التصدق بعين مال إن شفى الله تعالى مريضه هل له أن يتصرف فيه قبل الشفاء لأنه إلى الآن لم يزل ملكه أو ليس له التصرف فيه لتعلق حق النذر بعينه والذي صرحوا به هو الثاني حيث قالوا إن تعلق النذر بعينه يمنعه من التصرف فيه وإن أراد غير ذلك فليبينه وعبارته على غلاقتها التامة لا يمكن أن يتخيل منها غير ما ذكرته.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/258)


وسئل رحمه الله تعالى عمن نذر متى استحق مبيعك أو ادعى عليك أو ما أشبه ذلك فلك عليّ كذا فهل يصح النذر أم لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله المنقول المعتمد: أنه لا يصح ذلك كما ذكرته بما فيه في شرح الإرشاد وعبارته أفتى الغزالي بأن قول البائع للمشتري إن خرج المبيع مستحقاً فعلي أن أهبك ألفاً لغو ما لم يحكم بصحته حاكم يراه بمذهب معتبر، وأقره الشيخان لأن الهبة وإن كانت قربة إلا أنها على هذا الوجه كالمباحة ونظر فيه بما لو قال إن فعلت كذا فللّه علي أن أصلي ركعتين وقد يجاب بأن الالتزام في هذه يصدق بوجه صحيح وهو إن وفقني الله سبحانه وتعالى لفعله كما يعلم مما يأتي في نذر اللجاج. وفي مسألتنا لا يحتمل كذلك لأنه علق بخروج المبيع مستحقاً وهو لا يتصور فيه ذلك ونحوه مما يأتي ثم فتفصيل بعضهم بين أن يكون الموهوب له ممن يقصد التقرب بالهبة له كالعالم والصالح فيلزم وبين غيره فلا يرد بما تقرر انتهت عبارة الشرح المذكور، ثم قلت فيه بعد ذلك واعلم أن الأذرعي قال إن كلامهم ناطق بأن النذر المعلق بالقدوم نذر شكر على نعمة القدوم فلو كان قدوم فلان لغرض فاسد للناذر كأجنبية أو أمرد فالظاهر أنه لا ينعقد كنذر المعصية ورده شيخنا، أي زكريا رحمه الله تعالى بأنه سهو منشؤه اشتباه الملتزم بالمعلق به والذي يشترط كونه قربة الملتزم لا المعلق به والملتزم هنا الصوم وهو قربة فيصح نذره سواء أكان المعلق به قربة أم لا اهـ وفيه نظر، بل هو السهو كيف وكلامهم مصرح بما ذكره الأذرعي فقد نقلوا عن الروياني وأقروه أنه لو قال إن هلك مال فلان أعتقت عبدي لم ينعقد لأنه حرام وكما أن طلب هلاك مال الغير حرام كذلك طلب قدوم من مر، فالمسألتان على حد سواء وقد ضبط الصيمري ما يكون النذر في مقابلته بأنه ما يجوز الدعاء به. وفي كلام ابن الرفعة ما يصرح بأن كون المعلق عليه في النذر أمراً مباحاً متفق عليه، وإنما الخلاف في أنه هل يكفي مطلق المباح

(6/259)


أو يختص بمباح يقصد ويندر حصوله فالحاصل أنه يشترط في المعلق عليه أن لا يكون قربة فهما يفترقان من هذه الحيثية ويتحدان من حيثية انتفاء المعصية عن كل منهما والذي ذكره الأذرعي إنما هو اشتراط انتفاء المعصية من المعلق عليه لا اشتراط كونه قربة فالقضاء عليه حينئذ بالسهو هو السهو لما تقرر فاستفده انتهت عبارة الشرح المذكور واعتمدت أيضاً في شرح العباب كلام الغزالي فإني لما نقلته عنه فيه، وقلت وجه جعل الغزالي هذا من المباح مع أن الهبة قربة كما صرح به كثيرون أنها وإن كانت قربة إلا أنها على هذا الوجه الخاص أعني تعليقها وجعلها في مقابلة ما ذكره ليست قربة ولا محرمة فكانت مباحة والملتزم بالنذر لا يكون إلا قربة كما مر، وأما توجيهه أيضاً بأن مراده ما إذا كان الموهوب له ممن لا يقصد بالهبة له التقرب إلى الله تعالى كهبة الفقير للغني أو بأن هذا فيه تعليق للنذر بغير مقصود وشرط النذر المعلق أن يكون مقصوداً على ما في الحاوي الصغير ففيه نظر، أما الأول فلما قررته قبله وأما الثاني فلأن إطلاق اشتراط كونه مقصوداً غير صحيح كما يعلم مما مر ويأتي انتهت عبارة شرح العباب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/260)


وسئلت عمن نذر على آخر بثواب طاعاته ما حكمه؟. فأجبت بقولي الذي دل عليه كلامهم بطلان النذر بثواب طاعاته، لأن شرط المنذور كونه قربة غير واجبة وهذا ليس كذلك بل لا يسمى نذراً بالكلية فإن النذر لغة الوعد بخير أو شر أو التزام ما ليس بلازم أو نحو ذلك، وأما شرعاً فهو التزام قربة غير واجبة ونذر الثواب لا التزام فيه ولا وعد، فإن الإنسان إنما يعد أو يلتزم بماله أو يقدر عليه وأما ما ليس له ولا يقدر عليه فلا يتصور الوعد به ولا التزامه على أن الثواب غير محقق الحصول لأنه مشروط بشروط. منها: الموت على الإسلام وأنى لإنسان أن يتحقق ذلك من غير أن يخبره به معصوم بل سبيله الخشية ومزيد الخوف من سوء الخاتمة والعياذ بالله سبحانه وتعالى وهذا هو الذي آل بكثير من السلف إلى ما أثر عنهم من استيلاء سلطان الخوف عليهم حتى أذاب قواهم وطهر سرهم ونجواهم. ومنها: موافقة ظاهر الأمر لباطنه فقد يظن الإنسان صحة عباداته لظنه استيفاء شروطها مع أن بعضها قد يكون مفقوداً في نفس الصلاة كخبث أو تحوّل عن عين الكعبة لا يعلمه ومن صلى صلاة فاسدة في نفس الأمر صحيحة في ظنه لا يثاب عليها من حيث كونها صلاة وإن أثيب على ما فيها من نحو ذكر وقرآن وعلى كل تقدير فالثواب ليس قابلاً للنذر به بوجه فكان الوجه عدم صحة نذره، والله تعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/261)


وسئل رحمه الله تعالى عن امرأة نذرت لزوجها بجميع ما تملكه وهي مريضة ثم توفيت ولم يعلم هل توفيت بذلك المرض أو به مع غيره أو بمرض آخر ما حكم نذرها؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله النذر للزوج بذلك وصية لوارث فيتوقف على إجازة بقية الورثة بناء على أن النذر في مرض الموت للأجنبي يحسب من الثلث وهو ما نقله ابن الرفعة عن الفوراني واعتمده البلقيني في فتاويه فقال: العمل على أنه يحسب من الثلث لأنا لو قلنا يحسب من رأس المال لكان للمريض مرض الموت أن ينذر الصدقة بماله كله فيضيع على الوارث حقه بطريق لا يقدر الوارث على نقضه فالمعتمد الحساب من الثلث وفي كلام غير الفوراني ما يقتضيه. وفي البحر للروياني إشارة إلى ما ذكره الفوراني فقال بعد أن حكى القولين في الحجة المنذورة أهي من رأس المال أم من الثلث أن بعض الأصحاب بخراسان قال إن محل القولين فيما إذا صدر النذر في الصحة، أما إذا صدر النذر في مرض الموت فإنه يكون من الثلث قولاً واحداً، وما ذكره الروياني عن بعض الأصحاب بخراسان يشير به للفوراني، وقد صرح الإمام في النهاية بما قررناه فقال: والنذر الذي يصدر من المريض في مرضه المخوف من الثلث لا خلاف فيه وكذا الكفارات التي تجري أسبابها في المرض وما ذكره الإمام في الكفارة فيه وقفة، وقد يرجح أنه من رأس المال بأن مثل ذلك لا يقصد به حرمان الوارث بخلاف النذر، ومما يدل على أن النذر في مرض الموت يحسب من الثلث في حق الأجنبي أنه لو نذر أن يتصدق على بعض ورثته بشيء وكان النذر في مرض الموت أنه لا اعتراض لبقية الورثة عليه، وهذا لا سبيل إليه بل لبقية الورثة رده وإن خرج من الثلث لئلا يلزم أن يزيد بعض الورثة على بعض وهو ممنوع منه اهـ. وأفتى أيضاً فيما لو نذر من به مرض مخوف أو نحوه بصدقة بأن ذلك يحسب من الثلث وأطال في بيانه وذكر ما مر عن الإمام وتعقب قوله السابق في الكفارات بأنه بعيد، قال: والقياس أنها من رأس المال اهـ،

(6/262)


وبما تقرر يعلم أن المنقول المعتمد بل المتفق عليه كما مر عن الإمام أن النذر في المرض يحسب من الثلث إن كان للأجنبي ويتوقف على إجازة بقية الورثة إن كان لوارث وحيث اتصل الموت بالمرض الواقع فيه النذر أضيف الموت إلى ذلك المرض وكان النذر أو التبرع الواقع فيه محسوباً من الثلث ولا عبرة باحتمال حدوث مرض آخر مخوف لأن الأصل عدم ذلك فلا يراعى ولا ينظر إليه والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/263)


وسئل رحمه الله تعالى عمن نوى أو نذر أن يعمر مسجداً معيناً أو يبني مسجداً في موضع معين فلم يتيسر له ذلك فهل له أن يعمر بذلك مسجداً آخر في موضع آخر أو لا؟ وهل يفرق في ذلك بين الموضع الذي يجتمع الناس فيه غالباً أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: النية في ذلك لا يجب بها شيء فله البناء في الموضع المعين وغيره مطلقاً، وأما نذر بناء مسجد في محل معين يحل البناء فيه فصحيح سواء اجتمع الناس ثم غالباً أم نادراً، وخرج بيحل بناؤه في مقبرة مسبلة فإنه حرام فلا ينعقد نذره وهل يلحق به بناؤه في المحل المكروه كبنائه على قبر لم يندرس في أرض مملوكة واتخاذه في المحال التي تكره الصلاة فيها ومنها الأراضي الملعونة أو التي نزل بها عذاب هذا إن بقي المعنى الذي كرهت الصلاة لأجله كالمقبرة المملوكة بخلاف اتخاذ حمام مسجداً فإن الوجه زوال الكراهة لزوال علتها كما بينته في شرح العباب رداً على ابن العماد أو لا يلحق بذلك، بل لا يصح نذر بنائه ولو في المحل المكروه للنظر في ذلك مجال وكلامهم في باب النذر صريح في صحة نذر المكروه لكن لا لذاته بل لغيره كصوم يوم الجمعة وما هنا الظاهر أنه لذاته، لأن الكراهة إنما جاءت من حيث كونه مسجداً، وحينئذ فالظاهر أنه لا يصح نذر بناء المسجد في المحل المكروه المذكور ثم إذا صح نذر بنائه في محل معين، فالقياس أنه لا يجوز له إبداله بغيره مطلقاً لاختلاف الأغراض باختلاف المحال فقد يكون المحل المعين للبناء أحل أو أبعد عن المؤذيات بمن به أو نحو ذلك، وبهذا يفرق بين ما ذكرته من التعيين هنا وعدمه في مسائل كالاعتكاف والصلاة في غير المساجد الثلاثة، ومما يؤيد ما ذكرته أيضاً قولهم لو نذر التصدق بدرهم فضة لم يجز له التصدق بدله بدينار أي لاختلاف الأغراض باختلاف الأعيان.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/264)


وسئل رحمه الله تعالى عن شخص نذر على نفسه نذراً وكتبه بخطه فقال أشهد على نفسه مسطر هذه الأحرف فلان أني نذرت على نفسي نذر قربة وتبرر أن أنفق على عيال ابن عمي فلان مدة حياته الموجودين والمتجددين في كل يوم ثلاث قطع فضة سليمانية وهذا خطي شاهد عليّ وكفى بالله شهيداً، وأشهد على نفسه بمضمون ذلك جماعة عدولا فهل يلزم هذا النذر أو لا؟ وإذا قلتم يلزم ولم ينفق هل يصير ديناً عليه أو لا؟ وإذا قلتم يصير فمن الذي يطالبه به أهو ذو العيال أم العيال أنفسهم وإذا ادعى الإنفاق وأنكر ذو العيال فمن المصدق؟ أفتونا مأجورين. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: قد كثر اختلاف المتأخرين في نذرت هل هو صريح أو كناية أو إقرار فقال بكل جمع وانتصروا له والمعتمد كما بينته في شرح العباب وغيره أنه صريح مطلقاً واشتراط ذكر الله في الصراحة بعيد وحينئذ فالنذر المذكور صحيح لازم وإذا مضت عليه أيام ولم ينفق فيها صارت حصة الماضي ديناً عليه وإن أعسر أخذاً مما لو نذر التصدق على فلان كل يوم بدرهم وأعسر فإنه يستقر في ذمته حصة ما أعسر عنه على المنقول خلافاً لما وقع في جامع المختصرات في الصوم والمطالب هو المنذور له إن كان كاملاً وإلا فوليه والمصدق في عدم الإنفاق هو المنذور له أو وليه، فعلى الناذر البينة لأنه أدى المنذور به إلى المنذور له إن كان كاملاً وإلا فإلى وليه، وقوله والمتجددين اختلف فيه المتأخرون فقال بعضهم إنه مبطل للنذر تنزيلاً له منزلة الهبة، وفرق بينه وبين الوقف بأن العين الموقوفة موجودة وإنما للموقوف عليهم المنفعة فيمكن أن يصل من سيوجد إلى المنفعة بخلاف النذر فإنه إذا صح على الموجودين نفذ تصرفهم في العين المنذور بها بما يزيل الملك فإذا تصرفوا فيها بذلك لم يدرك من سيوجد شيئاً من ذلك. وقال بعضهم يصح النذر على الموجودين بالقسط خاصة لا على غيرهم فعلى هذا إن حدث لابن عمه عيال صح على الموجودين بالقسط وإن لم

(6/265)


يحدث له عيال وأيس من حدوثهم صح النذر على الموجودين بالنصف وبطل في النصف إذ هو بمنزلة إذا أوصى لأولاده الموجودين والمعدومين الذين يمكن وجودهم فإن مقتضى القواعد الفقهية الصحة في النصف وكأن الموجود شيء والمعدوم شيء ولا ينافيه قول أهل السنة المعدوم الممكن وجوده خارجاً ليس بشيء ولا ثابت ولا موجود لأن ذاك اصطلاح لهم فروا به من ضلالة وقع فيها غيرهم وإلا فمقتضى اللغة إطلاق الشيء على المعدوم على أن ما نحن فيه، قد صرح فيه بالمعدوم الممكن وجوده فليس هو من مبحث الأصوليين المختلفين فيما ذكر، وفي هذه إمكان حدوث عيال بوقف المنذور وقف تبين ثم يترتب الحكم على ما ذكرناه ولا يشكل على ما مر قولهم لو أوصى لحملها فأتت بحي وميت فالكل للحي والميت كالمعدوم لأنه هنا لم ينص على المعدوم وفيما نحن فيه نص عليه صريحاً، وأطلق بعضهم صحة النذر للموجودين في النصف كالوصية بجامع أنها تمليك ولا يصح تمليك المعدوم وأفتى بعضهم بصحة النذر وإعطاء الموجودين الكل ويشاركهم من حدث كما لو قسمت التركة بين الورثة ثم حدث وارث هذا حاصل ما للناس في هذه المسألة وقد يرجح الأخير لا لما نظر به قائله لوضوح الفرق بين ما هنا والإرث، فإن الوارث لا بد أن يكون موجوداً عند الموت وهو لا يقول بنظير ذلك في مسألتنا وإنما الذي يوجه به ذلك القياس على الوقف والفرق السابق لا يجدي عند تأمله وقولهم تمليك المعدوم لا يصح يحمل على تمليكه استقلالاً أما تبعاً فإنه يصح، وقد يرجح والذي قبله قياساً على الوصية كما ذكره قائل ذلك وعليه فيفرق بين ما هنا والوقف بأن القصد من الوقف الدوام على البطون والطبقات المتجددة بعد أن لم تكن فلم يضر ذكر المعدوم فيه تبعاً لأنه تصريح يقتضيه بخلاف الوصية والنذر فإنه ليس القصد منهما إلا تمليك عين الموصى به والمنذور لموجود فإذا أضاف إليه معدوماً صار كأنه جمع بين ما يصح أحد ذينك عليه وما لا يصح وحينئذ فيصح في النصف على الرأي

(6/266)


الثالث أو بالقسط تارة وفي النصف أخرى على الرأي الثاني والقول ببطلان النذر من أصله بعيد جداً فالحاصل أن الأقرب القياس على الوصية لا الوقف، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267
وسئل رحمه الله تعالى عمن نذر لولده فهل له أن يرجع كالهبة؟. فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: أفتى بعضهم بأنه ليس له الرجوع بخلاف الهبة ولم يفرق بينهما بشيء وفي إطلاقه نظر، ولو قيل إنه في نذر التبرر يرجع لأنه كالهبة بخلاف نذر المجازاة لا يرجع لأنه كالمعاوضة لم يبعد.
وسئل رحمه الله تبارك وتعالى هل يصح النذر مع التأقيت وبما لا يقدر على تسليمه وبالنجس؟. فأجاب بقوله: إن وقع التأقيت في النذر للمنفعة فظهر أنه يصح كالوصية بها بتفصيلها أو للعين فإن كان بمدة حياة المنذور له كنذرت لك بهذا عمرك، فظاهر أنه يصح أيضاً قياساً على الهبة على صورة العمرى فيملكها المنذور له وورثته من بعده ولا تعود للناذر مطلقاً أو لا بمدة حياة المنذور له فالأوجه كما أفتى به بعضهم أنه لا يصح لأنه ليس لنا عين تملك بصيغة مدة ثم ترجع إلى المملك بعد انقضاء تلك المدة من غير رجوعه لا بالوصية وغيرها وإذا امتنعت الوصية بها كذلك مع أنها أوسع من النذر فالنذر أولى وأيضاً فالتوقيت بغير عمر المتبرع عليه لم يعهد في الأعيان بل في المنافع ويصح بمغصوب ونجس يقتنى كالوصية.

(6/267)


وسئل رحمه الله تعالى بما لفظه اتفقا عى بيع شيء ثم قال المشتري إن لم أوفك الثمن فعليّ مائة دينار نذراً ثم أبى الشراء فهل تلزمه؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: لا تلزمه المائة إذ يحتمل أن يقال إن النذر لم ينعقد لأنه نذر إن لم يوف الثمن وبامتناعه عن الشراء لم يوجد الثمن بل صار غير ممكن الوجود وبه فارق قوله في نذر اللجاج أن كلمته فعليّ كذا لأنه ممكن الوجود ويحتمل أن يقال إنه منعقد لأن الشراء ممكن ولو بعد الامتناع وعليه فهو نذر لجاج فيتخير بين ما التزمه والكفارة.
وسئل رحمه الله تعالى عمن نذر لمقرضه بكذا إن اعتاض عما في ذمته فهل ينعقد أم لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: نعم ينعقد لكنه يحتمل اللجاج والتبرر كما صرحوا به في نظيره فإن كان الاعتياض مرغوباً له لما فيه من الرفق فنذر تبرر وإلا فلجاج.
وسئل رحمه الله تعالى بما لفظه نذر لاثنين من غلة أرضه كل سنة بكذا فمات أحدهما فهل ينتقل نصيب الميت لوارثه أم لصاحبه؟. فأجاب بقوله: ينتقل لوارثه لما يأتي في الجواب عن مسألة ما إذا قال لآخر في حال صحته نذرت لك الخ، ويفرق بين هذا والوقف على اثنين ثم على ثالث بأن الوقف لا يقتضي الانتقال للوارث بخلاف النذر وأيضاً فثم شرط في الانتقال لمن بعدهما موتهما فانتقلت حصة الميت لصاحبه الموجود عملاً بشرط الواقف، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/268)


وسئل هل يملك المنذور بمجرد اللفظ قهراً فلا يرتد بالرد وهل للمنذور له التصرف فيه قبل القبض وهل يصح بالمعدوم كما ستحمله هذه الدابة وبالمرهون وإذا نذر بدين لغير من هو عليه من يطالب الناذر أو المنذور له وهل يبرأ الناذر بمجرد قبض المنذور له؟. فأجاب بقوله: إن كان نذر تبرر ملكه بمجرد اللفظ أو نذر مجازاة لم يملكه إلا بعد وجود الشرط ولا يملك قهراً كما يصرح به قول الروضة لو نذر لغيره ولم يقبل بطل، ومراده بلم يقبل أنه رد لا أنه سكت، لأن الشرط عدم الرد لا خصوص القبول للمسامحة في النذر كالوصية، ومن ثم صح بالمجهول وبغير ما يملكه إن علقه بملكه كأن ملكت هذا فعليّ عتق بخلاف عليّ عتق هذا وهو ملك غيره فإنه لغو ومثله الوصية في ذلك كما ذكره الرافعي في الكتابة وعليه يحمل قول الروضة في الوصايا تصح الوصية بملك غيره أي بأن يقول إن ملكت هذا فقد أوصيت به لفلان وله التصرف قبل القبض فيما قبله أي لم يرده كما مر سواء في ذلك الأعيان والديون إذ هبة الدين وبيعه لغير من هو عليه جائزان على المعتمد في الروضة بشروطه المقررة في محله فكذا نذره بل أولى لأن النذر يتسامح به في البيع وغيره ويصح النذر بالمعدوم كالوصية كما قاله كثير من معاصري مشايخنا وغيرهم وهو أوجه من قول آخرين لا يصح، فقد قال بعض الأولين أنه وجد الصحة مصرحاً به في كلام بعض المتقدمين ويصح أيضاً بالمرهون لكن إن علقه بالفكاك كما هو ظاهر لتعلق حق الغير به، نعم إن كان المنذور العتق تأتي فيه تفصيل عتق المرهون ومتى حكمنا بملك المنذور له كان هو المطالب به سواء الدين والعين، وقول بعضهم لا يتولى قبض الدين إلا الناذر مطلقاً بعيد.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/269)


وسئل رحمه الله تعالى بما لفظه ما حاصل أحكام النذر لقبور الأولياء وللمساجد وللنبي بعد وفاته، وما حاصل ما يجب في قسمة ذلك النذر هل هو على سكان مشهد المنذور له مع التسوية بينهم ومن سبق منهم وأخذ النذر يفوز به أو يشاركه فيه الباقون؟. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: النذر للولي إنما يقصد به غالباً التصدق عنه لخدام قبره وأقاربه وفقرائه فإن قصد الناذر شيئاً من ذلك أو أطلق صح وإن قصد التقرب لذات الميت كما يفعله أكثر الجهلة لم يصح وعلى هذا الأخير يحمل إطلاق أبي الحسن الأزرق عدم صحة النذر للميت. وفي العزيز في النذر لقبر جرجان ما هو صريح فيما ذكر وحذفه في الروضة لإيهامه صحة النذر للقبر مطلقاً لكن مراد الرافعي كما في الخادم أن العرف اقتضى أن يتصدق به على فقراء جيران مشهده أو خدمته والنذر للمسجد صحيح لأنه حر يملك وحينئذ يصرف لمصالحه كالوقف عليه فلا يعطي خدمته منه شيئاً إلا أن صرح الناذر بأنه قصدهم وحيث صح النذر للقبر عمل في قسمة المنذور على الفقراء والخدام والأقارب وغيرهم بالعادة المطردة في ذلك وقت النذر إن علمها الناذر أخذاً من كلامهم في باب الوقف من أنه يعمل فيه بالعادة بهذه الشروط ومن ثم قالوا في العادة الموجود فيها هذه الشروط أنها بمنزلة شرط الواقف فكذا نقول هنا العادة المذكورة بمنزلة شرط الناذر فيعمل بجميع ما حكمت به فلو اعتيد أن من خرج وسبق إلى الناذر وأخذ منه فاز به عمل بذلك على ما أفتى به بعضهم. قال السيد السمهودي رحمه الله تبارك وتعالى بعد ذكره نحو ما قدمته وكذا القول فيمن نذر به للنبي فإن قصد الناذر خدامه أو جيرانه عمل به وإن لم يعلم قصده واطرد العرف بشيء من ذلك حمل النذر عليه اهـ، ولم يقيد هو ولا غيره ذلك بما قدمته أن شرط العمل بالعادة أن يعرفها الناذر حين النذر ولا بد من ذلك لما علمته من كلامهم في الوقف فإن علم من حال الناذر أنه لا يعرف تلك العادة المطردة في

(6/270)


وقت أو شك في ذلك فالذي يظهر في حالة الشك حمله على العادة، لأن الظاهر أن الناذر أحاط بها، وأما في حالة العلم بعدم معرفته بها فيتردد النظر فيه ولا يبعد أن يقال ينظر لعرف أهل بلد الناذر في نذرهم للقبور فإن لم يعرف بلده أو لم يكن لهم عرف في ذلك اعتبرت العادة التي يقصدها أغلب الناس.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267
وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عمن قال لآخر في حال صحته نذرت لك بصاع مثلاً من أرضي كل سنة مدة حياتك ثم مات المنذور له فهل يبطل النذر أو يسلمه لورثته؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: لا يبطل النذر بموته بل يسلمه لورثته كل سنة لأنه لما نذر له بذلك من أرضه وصح النذر صار ذلك حقاً للمنذور له متعلقاً بعين تلك الأرض فينتقل لورثته كما أفتى به البلقيني وبحث بعض متأخري اليمن أنه بعد الموت يعتبر المنذور به من الثلث فينفذ فيه إن خرج منه وإلا فبالحصة مردود بأنه خلاف ما أطلقه الأصحاب من أن الوصية إنما تعتبر من الثلث إذا علقها بالموت أو وقعت في المرض، وأما التصرف في الصحة فهو نافذ من رأس المال اهـ، وفي هذا الرد نظر بل الوصية معتبرة من الثلث وإن وقعت في الصحة لأن الاستحقاق فيها إنما يوجد بالموت فلا يقاس ما نحن فيه بها وإنما غاية ما لمحه ذلك الباحث أن الناذر علق بتلك الأرض استحقاقاً في صحته واستحقاقاً في مرضه وبعد موته فما في صحته أمره واضح وما في مرضه وبعد موته غايته أنه كالوصية في صحته، وقد صرحوا فيها بأنها تعتبر من الثلث فكذا فيما نحن فيه، ويحتمل الفرق بأن الوصية وقعت معلقة بالموت ابتداء وقصداً وفيما نحن فيه إنما وقع التعليق بما بعد الموت تبعاً وفي الأثناء يغتفر في التابع والواقع في الأثناء ما لا يغتفر في المقصود والواقع في الابتداء.

(6/271)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى هل يجوز النذر بدين السلم أو لا كالحوالة؟. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: مشى جمع متأخرون على الجواز لمن هو عليه وغير من هو عليه لأنه عقد تبرع وقربة ولا معاوضة بخلاف نحو بيعه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى هل يصح النذر لأحد الرجلين أو لأحد هؤلاء الجماعة أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: لا يصح النذر لأحد الرجلين كالوصية بل أولى لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر فيه.
وسئل رحمه الله تعالى بما لفظه ما تقولون فيما قالوه من أنه لو نذر التصدق في زمن معين أنه لا يتعين لكن يخالفه ما نصوا عليه في الوقف من أنه لو خصص الصرف بزمن كالجمعة ورمضان مثلاً أنه يتبع تخصيصه فما الفرق بينه وبين النذر؟. فأجاب نفع الله سبحانه وتعالى بعلومه المسلمين بقوله: الفرق بين النذر والوقف واضح وهو أن الغالب في النذر أنه يسلك به مسلك الواجب من جنسه وهو هنا الزكاة وهي يجوز تقديمها على وقتها لا تأخيرها عنه على ما فصلوه فيها، فألحق النذر بها في ذلك فهذا هو المراد من قولهم المحكي في السؤال، وأما الوقف فأحكامه مستقلة بنفسها فاتبع فيه تعيين الواقف، إذ لا موجب للخروج عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267
وسئل هل يصح النذر مؤقتاً؟. فأجاب بقوله: نعم يصح مؤقتاً في المنفعة كالوصية لا في العين لأنه لا يمكن توقيت الملك ثم عوده نعم إن قيده بمدة عمره صح لأنه لا توقيت فيه في الحقيقة.

(6/272)


وسئل هل يجوز النذر للحجرة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة والسلام وللأولياء والصلحاء مطلقاً أو على تفصيل وما مصرفه وما محصل كلام الرافعي في الوصية لقبر جرجان وهل الوقف على الحرمين يصرف لساكنهما أو لمصالحهما وتصح الوصية لعمارة دار بخلاف الوقف فما الفرق؟. فأجاب بقوله: عبارة الرافعي وفي التهذيب وغيره: لو نذر أن يتصدق بكذا على أهل بلد عينه وجب أن يتصدق به عليهم ومن هذا القبيل ما لو نذر بعثه إلى القبر المعروف بجرجان فإن ما يجتمع به على ما يحكي يقسم على جماعة معلومين اهـ. قال الإسنوى وغيره أسقط من الروضة الأولى والثانية مع الاحتياج للثانية وغرابتها اهـ، ومراده غرابتها من حيث النقل لا من حيث الحكم وإلا فقد اتفقت الأئمة كما قاله الإمام وغيره على أن العادة منزلة منزلة شرط الواقف ومثله الناذر في وقفه صريحاً والعادة هنا جارية بأن المجتمع يقسم على جماعة معلومين فصار النذر للقبر نذراً لأولئك الجماعة عملاً بالعادة، ومن ثم نقل القمولي كلام الرافعي وأقره ولا ينافي ذلك ما ذكره الأذرعي في نذر الشموع حيث قال: وأما النذر للمشاهد الذي بنيت على قبر ولي أو نحوه فإن قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا وإن قصد به وهو الغالب من العامة تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو نسبت إليه فهذا نذر باطل غير منعقد، فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لا تفهم، ويرون أن النذر لها مما يدفع البلاء قال: وحكم الوقف كالنذر فيما ذكرناه اهـ، ووجه عدم المنافاة أن من الواضح الفرق بين نذر ما يوقد ونذر غيره فما يوقد إن قصد به الإيقاد على القبر وحده أو مع التنوير أو تعظيم البقعة أو التقرب لمن فيها بطل لفساد هذا القصد بخلاف ما إذا قصد به مجرد التنوير وكان هناك من ينتفع بذلك النور فإن هذا قصد صحيح فيلزم، وأما نذر الدراهم فلا يتأتى فيه هذا التفصيل جميعه فإن أمكن أن يتأتى فيه أنه قصد بهذا النذر

(6/273)


التقرب لمن في القبر بطل لأن القرب إنما يتقرب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه على أن محل هذا كله حيث لا عرف مطرد في زمن الناذر أو الواقف، أما حيث اطرد العرف بأن الشموع والأموال التي تأتي لهذا القبر تصرف في مصالحه أو مصالح المسجد أو لأهل البلد الذي هو فيه أو طائفة منهم ولم يقصد بالنذر التقرب لمن في القبر، فإن ذلك صحيح ولا يسع الأذرعي ولا غيره المخالفة في ذلك ويصرف لمن اعتيد صرفه له والأذرعي إنما قال فيما ذكره
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/274)


الرافعي في قبر جرجان هذا كلام مضلة لأنه فهم أن الرافعي يقول بالصحة وإن قصد التقرب للقبر وليس ذلك بل كلام الرافعي مصرح بأن الناذر لم يقصد ذلك، بل إما أن يكون أطلق فتكون العادة الجارية مخصصة لهذا الإطلاق ومفيدة له عملاً بقول الأئمة السابق، وإما أن يكون نوى الصرف إلى من اعتيد الصرف إليهم وعلى كل تقدير فالذي ينبغي في المسألة اعتماد التفصيل الذي ذكرته أخذاً من كلامهم من أن الناذر أو الواقف حيث علم بعادة اطردت في ذلك القبر الذي نذر له أو وقف عليه صح وعمل في المنذور والموقوف بما اطردت به العادة وحيث لا عادة فإن كان له مصالح يقصد الصرف فيها كعمارة مسجد هو فيه ونحو ذلك وجب الصرف لها وإن لم يكن له مصالح ولا عادة أو قصد التقرب بذلك إلى صاحب القبر، وإن كان نبياً لم يصح مطلقاً هذا إن كان المنذور أو الموقوف غير شمع أو زيت وإلا اشترط مع ذلك أن يكون أحد ينتفع بإيقاده هناك وإلا لم يصح أيضاً هذا ما ظهر لي والعلم عند الله سبحانه وتعالى وبما تقرر علم الجواب عن النذر للحجرة الشريفة وأنه يصرف لمصالحها ما لم يقصد صرفه إلى أناس معينين ويكون الناذر أو الواقف من أهل ذلك يقصد صرفه إلى أناس معينين ويكون الناذر أو الواقف من أهل ذلك العرف، وأما الجواب عن الثاني فقد صرحوا بأنه لو نذر الذبح بمصر مثلاً ولم يتعرض لتفرقة اللحم على أهلها بلفظ ولا نية لم ينعقد نذره خلافاً للمزني و أبي إسحاق فإن ذكر لفظ التصدق أو نواه أو لفظ الأضحية تعين الذبح بها وتفرقته على فقرائها وبأنه لو نذر أن يهدي مالاً معيناً للحرم كدراهم وغيرها لزمه ما سمى ويجب صرفه إلى مساكينها أو لغير الحرم، فإن صرح بصرفه في عمارة مسجد هناك أو قربة أخرى أو نوى صرفه فيه صرف لمساكينه المقيمين أو الواردين، وقد أفتى الولي العراقي فيمن وقف على الحرمين الشريفين، وأطلق هل يصرف لمصالحهما من الحصر والقناديل أو للفقراء المجاورين بها وملخص جوابه اختلف أصحابنا

(6/275)


فيما لو وقف على مسجد من غير تعيين كبقية الصرف فيه، فقبل لا يصح فعليه الوقف المسؤول عنه باطل والمعتمد الصحة وعليه قال البغوي هو كما لو وقف على عمارة المسجد وحينئذ فلا حق في هذا الوقف للفقراء والمساكين المجاورين بالحرمين الشريفين، وإنما يصرف ذلك في عمارة الجدران والتجصيص الذي فيه أحكام ونحو ذلك إلى آخر ما ذكره ثم قال آخر كلامه وظهر مما ذكرناه أنه يصرف في الصورة المسؤول عنها إلى عمارة الحرمين الشريفين وإلى المكانس ونحوها وإلى الفراشين والأئمة والمؤذنين ولا يجوز لفقرائهما اهـ، وهذا كله مبني على أن المراد بالحرمين الشريفين المسجدان بأن علم من الواقف ذلك، أما لو أطلق وأراد بالحرمين الأعم من المسجدين فالذي يتجه من كلامهم أنه يتعين الصرف إلى مساكينهما المقيمين والواردين ثم رأيت عن نص
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/276)


الشافعي رضي الله عنه التصريح بذلك وهو ما صرح به في الخادم في باب النذر في نذر التصدق، وعبارته وقال صاحب الذخائر: إن عين قوماً تعينوا وإن لم يعين فلم أر للأصحاب فيه شيئاً، ويحتمل أن يقال يصرف إلى من تصرف إليه الزكاة سوى العاملين بناء على أن مطلق النذر يحمل على الواجب الشرعي أو على أقل ممكن هذا في غير الحرم، فإما أن نذر للحرم فنص الشافعي رضي الله عنه على تعيين مساكينه اهـ. فظهر أن ما بحثته منصوص عليه من صاحب المذهب فللّه أتم الحمد وأكمله على ذلك وغيره من نعمه المتواترة، وأما الجواب عن الثالث فالفرق بين الوصية والوقف أنها أوسع منه بدليل صحتها للحمل بشرطه بخلاف الوقف، ووجهه أن الوقف يستلزم الخروج عن الملك حالاً بخلاف الوصية، وبدليل صحتها للعبد سواء أطلق أو قصد تمليكه بخلاف الوقف فإنه إذا قصد تمليكه بطل ووجهه أن الاستحقاق هنا منتظر فقد يعلق قبل موت الموصي فيستحق أولاً فلمالكه بخلافه ثم فإنه ناجز وليس العبد أهلاً للملك وحينئذ فقد يفرق بين صحة الوصية على عمارة دار ريد دون الوقف فإنه لا يصح إذا كانت غير موقوفة بأن الوقف عليها إذا صح يكون وقفاً على مالكها فيكون الموقوف عليه غير مقصود وإنما المقصود غيره والوقف لا يقبل النقل بخلاف الوصية فإنها تقبل، ومما يؤيد ذلك أن الوصية لها هل يتعين صرفها فيها قياساً على علف الدابة أو يفرق بأن علف الدابة يقصد التقرب به لأنه ذاته قربة بخلاف عمارة الدار كل محتمل، فإن قلت فما الفرق بين العمارة وعلف الدابة إذا قصده، قلت الفرق ما مرت الإشارة إليه من أن العلف قربة ذاتية فصح قصده وإن كان هو الموقوف عليه بخلاف العمارة فإنها غير مقصودة وإنما المقصود غيره وذلك ممتنع.

(6/277)


وسئل عن النذر للأولياء هل يصح ويجب تسليم المنذور إليهم إن كانوا أحياء أو لأي فقير أو مسكين كان وإذا كان الولي ميتاً فهل يصرف لمن في ذريته أو أقاربه أو لمن ينهج منهجه أو يجلس في حلقته أو لفقيره أو كيف الحال وما حكم النذر بتجصيص قبر أو حائطه فهل يصح أو لا؟. فأجاب بقوله: النذر للولي الحي صحيح ويجب صرفه إليه ولا يجوز صرف شيء منه لغيره، وأما النذر لولي ميت فإن قصد الناذر الميت بطل نذره وإن قصد قربة أخرى كأولاده وخلفائه أو إطعام الفقراء الذين عند قبره أو غير ذلك من القرب المتعلقة بذلك الولي صح النذر ووجب صرفه فيما قصد الناذر وإن لم يقصد شيئاً لم يصح إلا أن اطردت عادة الناس في زمن الناذر بأنهم ينذرون للميت ويريدون جهة مخصوصة مما ذكرناه وعلم الناذر بتلك العادة المطردة المستقرة فالظاهر تنزيل نذره عليه أخذاً مما ذكروه في الوقف من أن العادة المستقرة المرادة في زمن الواقف تنزل منزلة شرطه والنذر للتجصيص المذكور باطل، نعم يؤخذ من كلام الأذرعي و الزركشي وغيرهما أنه يصح ذلك في قبور الأنبياء والأولياء والعلماء وكذا لو كان القبر بمحل لا يؤمن على الميت الذي فيه من السبع أو سرقة الكفن أو إخراج نحو مبتدعة أو كفار له إلا بالتجصيص فحينئذ يجوز بل يندب ويصح نذره لما فيه من المصلحة كما تصح الوصية به.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/278)


وسئل عما إذا نذر مدين لدائنه كل يوم بكذا ما دام دينه في ذمته أو رهنه بدينه أرضا ونذر له بمنفعتها ما دام الدين باقياً بذمته هل يصح النذر ويلزم؟. فأجاب بقوله: أفتى جماعة من متأخري المصريين واليمنيين بالصحة وخالفهم آخرون، لأن النذر حينئذ شبيه بالمعاوضة أو فيه شائبة معاوضة، والنذر يصان عن المعاوضة إذ هو التزام قربة، وأجاب بعض الأوّلين بأنه لا دلالة على تلك المشابهة من لفظ الناذر بل من قصده النذر بذلك في مقابلة صبره عليه، وذلك شبيه بالقرائن والمواطأة في العقود ومذهب الشافعي رضي الله عنه عدم اعتبار تلك القرائن والمواطأة كما هو معلوم من كلامهم في البيوع والنكاح وغيرهما وإذا دار الأمر بين دلالة الألفاظ ودلالة القرائن غلبت الأولى، فإن قلت صرحوا بأن القصد يصير العقد مكروهاً في نحو حيل الربا ونكاح المحلل فقياسه إن قصد ذلك بالنذر يصير مكروهاً ونذر المكروه لا ينعقد، قلت إطلاق إن النذر المكروه لا ينعقد غير صحيح فقد صرحوا بنذر صوم الجمعة مع كراهته وأخذت منه في شرح العباب وغيره أن المكروه على قسمين مكروه لذاته ومكروه لعارض مع كونه قربه والأوّل هو الذي لا ينعقد نذره بخلاف الثاني ثم على الصحة. قال بعض الأوّلين في صورة الأرض أن النذر لا يبطل بموت الناذر بل يبقى لورثته ويحسب من الثلث وقد مر بسط نظير ذلك في جواب قبل هذا واعترض بعضهم عدم بطلانه بموته فإن تأخير قضاء الدين بعد موت المدين حرام مع الطلب ومكروه مع عدمه وكل من الحرام والمكروه لا يصح نذره، قال: فالذي يحرم به البطلان بموت الناذر وكان نذره اشتمل على قربة وغيرها فصح في القربة وبطل في غيرها قال وقد رأيت لبعض علماء اليمن ما هو صريح في ذلك اهـ وفيه نظر، لأن النذر وقع خالياً عن ذكر ذلك الحرام والمكروه وإنما كل منهما شيء طرأ بعد انعقاد النذر ولزومه فلا يبطل النذر فيه لأنه أمر تابع لا مقصود.

(6/279)


وسئل عمن لا يصبر على الإضافة يحرم عليه التصدق بما يحتاجه لنفسه وكذا يحرم عليه التصدق بما يحتاج إليه وحينئذ فكيف يعرف من يصبر ومن لا يصبر ولو نذر أو تصدق بجميع ماله على شخص ثم ادعى أنه لا يصبر يقبل بيمينه أو بشاهدين أو لا يقبل مطلقاً؟. فأجاب بقوله: نذر التصدق بجميع المال وعليه دين أو له عيال حرام فلا ينعقد نذره وكذا المكروه لذاته لا لعارض كصوم يوم الجمعة فيصح نذره كما صرحوا به في باب النذر خلافاً لمن وهم فيه، أما لو نذر بما فضل عن قضاء دينه وكفاية عياله وعن حاجة نفسه أو كان يصبر على الإضافة فيصح نذره، والمراد بالكفاية ما يكفي لنفقة يوم وليلة وكسوة فصل ولا يقبل دعوى ناذر أو متصدق عدم صبره بل يصدق المنذور له بيمينه أخذاً بقاعدة تصديق مدعي الصحة غالباً والظاهر أنه لا تقبل بينته على أنه لا يصبر لأن ذلك لا يعرف إلا منه فلا اطلاع للبينة عليه بخلاف الإعسار لأنه يتعلق بالظاهر فيمكن علمه بخلاف الصبر وعدمه فإنه متعلق بالقلب وهو لا يمكن الاطلاع عليه وبفرض أن لنا اطلاعاً عليه بقرائن أحواله كالإعسار فهو كما لو باع شيئاً ثم ادعى أنه غير ملكه أو وقف لا تقبل دعواه على تفصيل فيه، وبهذا اندفع قول بعضهم لو أقام شاهدين أو شاهداً وحلف معه أنه لا يصبر على الإضافة عمل بذلك وانتزع المال من المنذور له خصوصاً إذا ادعى الجهل بعدم الصحة، لأن المقصود المال فيقبل منه ويعتمد الشاهد في الإضافة قرائن الأحوال فإنه إذا كان له صديق ملازم لا يخفى عليه صبره وعدم صبره على المشقة فيشهد حينئذ على ما ظهر له من عدم صبره على الإضافة حيث عرف منه ذلك اهـ وكله مردود بما قدمته فتأمله فإنه مهم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/280)


وسئل إذا نذر شخص نذراً للنبي هل يملكه ويرصد لمصالح حجرته أو لمصالح مسجده أو لأهله فإذا صرف فهل يصرف لبني الحسنين أو لبني هاشم وبني المطلب أو لخدام حجرته أو لخدام مسجده أو لسكان بلده أم لا؟ وإذا أخذ نذره أحد هؤلاء المذكورين جاز له ذلك والتصرف فيه أم لا؟. فأجاب الذي يؤخذ من مجموع كلام الرافعي و ابن عبد السلام و الأذرعي و الزركشي وغيرهم أن من نذر شيئاً للنبي فإن قصد صرفه في قربة تتعلق بمسجده أو بجيرانه أو بغيرهما صح نذره وعمل فيه بقصده وإن لم يقصد شيئاً فإن اطرد العرف بصرف ما ينذر له لجهة مخصوصة وعلم الناذر بذلك العرف وقت النذر صح النذر أيضاً ووجب صرفه لتلك الجهة المذكورة وإن لم يطرد بشيء أو جهله الناذر ولا قصد له كما تقرر فالذي يتجه أنه لا يصح النذر لأنه لم يقصد به قربة ولم يوجد عرف ينزل عليه وإذا خرج النذر عن هذين ولم يكن لفظه موضوعاً للقربة كان باطلاً.

(6/281)


وسئل عن النذر لولي من الأولياء والوقف عليه هل يصح أو لا؟. فأجاب بقوله: إن النذر أو الوقف لمشاهد الأولياء والعلماء صحيح إن نوى الناذر أو الواقف أهل ذلك المحل أو صرفه في عمارته أو مصالحه أو غير ذلك من وجوه القرب، وكذا إن لم يقصد شيئاً ويصرف في هذه الحالة لما ذكر من مصالح ذلك المحل بخلاف ما لو قصد بذلك التقرب إلى من دفن هناك أو ينسب إليه ذلك المحل، فإن النذر حينئذ لا ينعقد، وقد ذكر الأذرعي وغيره في نذر نحو الشمع ووقفه على ذلك ما يفيد ما ذكرته، وحاصله أن من نذر أو وقف ما يشتري من غلته الإسراج للمسجد أو غيره صح إن كان قد يدخله ولو على نذور من ينتفع به من مصل أو نائم وإلا لم يصح، وكذا إذا قصد بالنذر أو الموقوف من ذلك على المشاهد التنوير على من يسكن البقعة أو يرد إليها، لأن هذا نوع قربة أما إذا قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا يصح، وكذا إذا قصد به وهو الغالب من العامة تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى صاحبه فلا ينعقد لأنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 267

(6/282)


باب القضاء

وسئل بلد بادية وصاحبها فيه الخير ويحب إقامة الشرع وليس له معاند فهل إذا نصب عليهم أحداً يقيم لهم أحكام الشريعة ينفذ حكمه ويتولى العقود وحلها أو لا فيزوّج من وليها تارك الصلاة ويتولى ما يجوز للقاضي المنصوب من جهة الإمام؟. فأجاب إذا كانت البلد المذكورة ليست تحت ولاية السلطان ولا أحد من نوابه وكان هذا الرجل المذكور نافذ الأمر فيها وليس عليه يد ولا حكم لأحد كانت جميع أمورها متعلقة به فيجب عليه أن يقيم الشريعة المطهرة بها بأن يولي عليهم رجلاً عدلاً ذا معرفة ومروءة وعفة وصيانة وفقه نفس فإذا وجدت هذه الشروط أو معظمها في رجل وولاه عليهم القضاء والحكم بينهم نفذت ولايته وجميع أحكامه التي تنفذ من القاضي من جهة السلطان فيسمع الدعوى ويحكم ويزوّج من لا ولي لها أو لها ولي فاسق بترك الصلاة أو بغيره، ويتولى مال الأيتام والسفهاء ويقيم عليهم من يحفظه ويتصرف فيه بالغبطة والمصلحة ويفعل جميع ما تفعله القضاة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(6/283)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عن قول المنهاج: والأظهر أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله سبحانه وتعالى. قال الزين بن الحسين في تكملته يعني وأظهر القولين أن القاضي يقضي بعلمه كما إذا علم صدق المدعي لأنه يقضي بشاهدين وهو يفيد الظن فالقضاء بالعلم أولى ومنهم من قطع به. وعن الربيع كان الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ لا يبوح به لقضاة السوء وعلى هذا يقضي بعلمه بالتواتر من باب أولى إلى آخر كلام ابن الحسين الذي يحيط علمكم به فهل يا شيخ الإسلام بل إمام أئمة الأنام المحكم كالحاكم وإن قلتم لا فما الفرق؟ وإن قلتم نعم فما هو العلم الذي يحكم به الحاكم أو المحكم بينوا لنا ذلك فإنا رأينا كلاماً للأئمة لم نفهم الراجح منه؟. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بأن الذي أفهمه كلام الأذرعي في توسطه أن المحكم لا يقضي بعلمه، وعبارته هل للمحكم أن يحكم بعلمه بناء على المرجح أم لا لانحطاط رتبته لم أر فيه شيئاً فيحتمل أن يجري فيه خلاف مرتب أولى بالمنع، ويحتمل أن يقطع بالمنع انتهت وظاهرها بل صريحها ما تقرر من أنه لا يقضي بعلمه ومن ثم جزم بذلك بعض المتأخرين ولم يعزه للأذرعي كشيخنا في شرح الروض وغيره كصاحب العباب وعليه فالفرق بين المحكم والحاكم ما أشار إليه
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/284)


الأذرعي بقوله لانحطاط رتبته ووجهه أن الحكم المستند إلى القضاء أقوى من الحكم المستند إلى التحكيم فالقاضي أعلى رتبة من المحكم فلا يلزم من إلحاقه به في جواز الحكم المستند إلى السبب المتفق عليه من البينة أو الإقرار إلحاقه به في جواز الحكم المستند إلى السبب المختلف فيه وهو علمه وإن كانت العلة المجوّزة للقاضي الحكم بعلمه من أنه إذا جاز استناد حكمه إلى البينة التي لا تفيد إلا الظن فلأن يجوز استناد حكمه إلى العلم الذي يفيد اليقين من باب أولى جارية بعينها في المحكم على أن هذه العلة فيها نظر، إذ اليقين في القاضي ليس بشرط وإنما الشرط غلبة الظن كما صرح به الشيخان حيث قالا المراد بالعلم الظن المؤكد بقرينة تمثيلهم للقضاء به بما إذا ادعى عليه ما لا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك أو سمع المدعي عليه أقر بذلك، إذ رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد العلم بثبوت المحكوم به وقت القضاء، فقول الإمام إنما يقضي بالعلم فيما يستيقنه اختيار له مخالف للمذهب وبما تقرر علم أن للقاضي الحكم بعلمه المستفاد من الخبر المتواتر بالأولى لأنه يفيد العلم القطعي وبذلك صرح الإمام واعتمده ابن الرفعة وكذا ابن أبي الدم قال بعد نقله عن النهاية وهو في غاية الحسن ووجه علو مرتبة القاضي على المحكم أن القاضي له الحبس والترسيم واستيفاء ما يحكم به من العقوبات وحد القذف والمحكم ليس له شيء من ذلك لأن ذلك يخرم أبهة الولاة ومن ثم لم يجز له أن يهيىء حبساً لأنه حينئذ يكون مضاهياً للقاضي وهو ممنوع من مضاهاته، وأيضاً فلا يجوز أن يحكم في حدود الله سبحانه وتعالى وتعازيره، وألحق بها الماوردي الولايات على الأيتام ولا يجوز تحكيمه إلا أن تأهل للقضاء بالنسبة لجميع الوقائع لا لتلك الواقعة فقط، فإن لم يتأهل لذلك لم يجز تحكيمه مع وجود القاضي، فإن قلت لنا صورة ينفذ فيها قضاء المحكم دون القاضي فيكون أقوى منه على العكس مما مر وهي أنه يجوز له الحكم لنحو

(6/285)


ولده وعلى عدوّه على ما رجحه الزركشي لرضاء المحكوم عليه بذلك، قلت ما رجحه فيه نظر، ومن ثم جزم غيره بامتناع حكمه في الصورتين. قال شيخنا في شرح الروض: وهو القياس لأنه لا يزيد على القاضي وعلى تسليم ما ذكره الزركشي فهو لا يقتضي علو مرتبة المحكم على القاضي لأن ذلك إنما جاز له لأن المحكوم عليه بسبيل من عزل المحكم قبل تمام الحكم فرضاه بحكمه إلى فراغه يقتضي أنه وثق منه بأنه لا تهمة منه تقتضي رد حكمه بخلاف في الحاكم فإنه يلزم الخصم حكمه وإن لم يرض به فاشترط أن لا يكون هناك تهمة إذ لو وجدت لم يكن للمحكوم عليه سبيل إلى دفعها فاشترط انتفاؤها في القاضي دون المحكم فتفارقهما في ذلك لا يرجع لقوّة مرتبتهما وإنما يرجع إلى حال المحكوم عليه كما تقرر، فإن قلت يجوز التحاكم إلى اثنين فلا ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا ولا يجوز تولية قاضيين بشرط اجتماعهما على الحكم وهذا يقتضي تميز المحكم، قلت لا يقتضيه لأن ذلك إنما امتنع في القاضيين دون المحكمين لنحو ما تقرر من أن اجتماعهما على الحكم لا يلحق المحكوم عليه منه ضرر لأنه بسبيل من عزلهما قبل تمام الحكم بخلاف القاضيين لو جوّزنا اجتماعهما فإنهما ملزمان، وقد يختلف رأي كل أو رأي مقلده ومع ذلك لا يمكن إبراز الحكمين أو أحدهما دون الآخر فيؤدي ذلك إلى تعطيل الأحكام والإضرار بالمدعين وكأن هذا الفرق هو الذي أشار إليه
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/286)


ابن الرفعة بقوله: يجوز أن يتحاكما إلى اثنين فيجتمعان لا تولية قاضيين يجتمعان لظهور الفرق، واعلم أن شرط نفوذ قضاء القاضي بعلمه أن يكون أهلاً للقضاء لانتفاء التهمة حينئذ، ومن ثم قال الأذرعي: إذا نفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة كما مر فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه بعلمه بلا خلاف، إذ لا ضرورة إلى تنفيذ هذه الجزئية النادرة مع فسقه الظاهر وعدم قبول شهادته بذلك قطعاً اهـ، ويؤيده أن الشيخ عز الدين في القواعد شرط كون الحاكم ظاهر التقوى والورع. قال الزركشي : ولا بد منه ويؤخذ منه أنا لو نفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة لا ينفذ قضاؤه بعلمه، ولا ينبغي أن يجيء فيه خلاف الغزالي السابق في تنفيذ أحكامه لأنه علله بالضرورة ولا ضرورة في تنفيذ هذه الجزئية مع ظهور فسقه اهـ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(6/287)


وسئل رحمه الله تعالى قال الأصحاب: لو ثبت دين على غائب فعلى القاضي عند طلب المدعي قضاؤه من ماله الحاضر أي بمحل ولايته دون الغائب وإن كان بمحل ولايته وبعضهم اعتبر كون الغائب أي الشخص بمحل الولاية وإن غاب ماله فما المعتمد من ذلك وما الدليل على ذلك؟. فأجاب بأن الذي صرح به أصحابنا أن من وليها القاضي لو أراد أن يزوّجها وهي في محل ولايته صح أو في غير محل ولايته لم يصح وإن كان الزوج حاضراً كما يأتي مبسوطاً، وبه يعلم أن المعتمد فيما في السؤال أن من يثبت عنده دين على غائب جاز له أن يقضيه من ماله الحاضر بالبلد والغائب عنها لكن يشرط أن يكون في محل ولايته دون ما إذا كان خارجاً عنها فإنه ليس له أن يحكم بقضاء حقه منه وإلا لما كان لكتاب القاضي إلى القاضي كبير فائدة وعبارة الروضة لا تفهم خلاف ذلك لأن مراده بالحاضر فيها وفي أصلها من هو بمحل ولايته، وفي الخادم التقييد بالحاضر يقتضي أن ماله إذا كان غائباً لا يجب الإذن في التوفية منه وذلك لا يتجه إذا كان الغائب غير خارج عن محل عمله، أما الخارج فموضع نظر فيحتمل أن لا يأذن في ذلك وينهي الحال إلى حاكم بلد الناحية ويشهد له قول الرافعي قد يكون للغائب مال حاضر يمكن توفية الحق منه وقد لا يكون فيسأل المدعي القاضي إنهاء الحكم إلى قاضي بلد الغائب اهـ كلام الخادم. قال بعضهم: وفي الاستشهاد بما ذكره نظر اهـ، ويرد بأنه استدلال صحيح لأن الرافعي لما قال حاضر يمكن توفية الحق منه فهم منه أن المراد بالحاضر أن يكون في محل ولايته لأن كل ما فيها يمكن توفية الحق منه ولما قال وقد لا يكون فيسأل الخ فهم منه أنه لا يحكم فيه حينئذ وإنما ينهي إلى قاضي بلد الغائب وما ذكر عن بعضهم غير صحيح، بل لا بد أن يكون ما يوفي القاضي منه في محل ولايته سواء أكان المدين المحكوم عليه في محل ولايته أم لا؟ هذا إن كان المراد من الحكم التوفية من مال الغائب، أما إذا أراد الحكم بإلزام شيء لذمته

(6/288)


فيحكم عليه وإن كان بغير محل ولايته كما صرحوا به في قولهم لا يزوّج القاضي إلا من هي بمحل حكمه حال التزويج وإن كان الزوج خارجه. قال
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289
القاضي : لأن حكمه بمحل ولايته نافذ في أقطار الأرض أما إذا كان الزوج بمحل ولايته دونها فلا يزوّجها له وإن أذنت له قبل أن تنتقل من محل ولايته لأن الولاية عليها لا تتعلق بالخاطب فلم يكتف بحضوره بخلاف الحكم لحاضر على غائب لتعلق الحكم به اهـ، ثم رأيتني ذكرت المسألة في شرح الإرشاد وعبارته: وإذا حكم له قضى أي وفى الحاكم وكيله أي وكيل الغائب الحق الذي ثبت له ولو من مال غائب حكم عليه إن كان لذلك الغائب المدعي عليه هناك مال لأنه نائبه وما أفهمه كلام الشيخين وغيرهما من أنه لا يعطيه إن لم يكن له هناك مال بل يكتب إلى قاضي بلد الخصم بسؤال المحكوم له معناه إن لم يكن في محل ولايته، إذ المتجه كما قاله التاج السبكي أنه حيث كان له مال في محل ولايته أعطاه منه ولأجل ذلك حذف المصنف تقييد أصله المال الذي يقضي منه بقوله إن حضر لكن في إطلاقه نظر لشموله ما ليس في محل ولايته وبما تقرر يعلم رد تمسك الإسعاد بظاهر عبارة الشيخين، وظاهر ما نقله عن التوشيح من أن العبرة بكون المحكوم عليه الغائب في محل عمله لا بماله، والوجه ما مر من أن العبرة بماله لا به إذ المتصرف فيه هو المال فكان المدار عليه لا على مالكه وما بينه من أن بيع بعض القضاة بمحل ولايته توهماً من مسألة في فتاوى القاضي وأن الأمر ليس كما توهم فإن مسألة الفتاوى في حاضر محكوم عليه ممتنع من الأداء ظاهر لا غبار عليه، فإن الحاضر بنفسه أو بوكيله لا ينظر في الحكم عليه إلى محل ماله بخلاف الغائب انتهت عبارة الشرح المذكورة وممن صرح بما ذكرته فيها من أن العبرة بماله لا به ابن قاضي شهبة فإنه سئل هل يبيع الحاكم مال الغائب لقضاء دينه إذا كان المال في محل ولاية غيره، فأجاب

(6/289)


يمتنع البيع وطريقه أن يثبت على الغائب بطريقة ويكتب به إلى قاضي بلد الغائب ليخلصه منه، وعبارة التوشيح التي أخذ منها الإسعاد ما ذكرته عنه ورددته وذلك أي الوفاء من ماله الغائب لا يتجه إذا كان الغائب غير خارج عن حد عمله، أما الخارج فموضع نظر ولم أجد فيه صريح نقل والأرجح في نظري أنه لا يأذن ولكن ينهي الحال إلى حاكم بلد الناحية، وكلام الرافعي في أوائل الركن الثالث في كيفية إنهاء الحاكم إلى القاضي الآخر يدل عليه وسياق عبارته وتبعه على ذلك الشرف الغزي وجعلاه فيما إذا كان غائباً في محل ولايته كما لو كان حاضراً وامتنع وكما لو كانت المرأة في محل ولايته وأذنت له أن يزوّجها برجل في غير محل ولايته فإنه يجوز وعلله القاضي بأن حكم الحاكم في ولايته نافذ على من بأقطار الأرض وفيما إذا كان في غير محل ولايته قياساً على تزويج المرأة المذكور ووضوح الفرق بينهما فإن تزويج القاضي جرى فيه خلاف هل هو بالولاية أو بالنيابة والأوجه أنه بنيابة اقتضتها الولاية ولا تقتضيها الولاية إلا حيث كانت المرأة في محل عمله بخلاف ما إذا كانت في غير محل عمله فإنه لا علقة بينه وبينها حتى يجوز له تزويجها بخلاف مسألتنا فإن كون العين المبيعة في محل عمله اقتضى ولايته عليها وحيث اقتضى ذلك جاز له بيعها وإن كان مالكها في غير محل عمله فمالكها نظير الزوج وهو لا يشترط كونه في محل عمله ووجه كونها نظيرتها أن العين محكوم عليها بالتصرف فيها بما تصير به ملكاً للغير وكذلك الزوجة محكوم عليها بتزويجها بما تصير به مستحقة للزوج فاتضح الفرق بين الزوج ومالك العين وبان أن الزوجة والعين على حد سواء وبهذا يندفع إطالة بعضهم في الاستدلال على أنه لا يشترط في العين أن تكون بمحل عمله كما لا يشترط في المحكوم عليه أن يكون بمحل عمله واستدلاله بتصريح الإمام و
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/290)


الغزالي بأنه لا فرق في العقار المقضي به بين أن يكون في محل ولاية القاضي الكاتب أو في غيرها. قال الإمام فإن قيل يقضي ببقعة ليست في محل ولايته، قلنا هذه غفلة عن القضاء فكما أنه يقضي على رجل ليس في محل ولايته فيقضي ببقعة ليست في محل ولايته وعن هذا قال العلماء بحقائق القضاء قاض في قرية ينفذ قضاؤه في دائرة الآفاق ويقضي على أهل الدنيا ثم إذا ساغ القضاء على غائب، فالقضاء بالدار الغائبة قضاء على غائب والدار مقضي بها اهـ لا ينهض له، لأن الكلام في قاض يكتب وينهي كما صرحا به في قولهما الكاتب والذي يكتب وينهي لا يشترط أن تكون العين المكتوب بها في محل ولايته لأن ما يفعله ليس حكماً بتاً وإنما هو موقوف على ما ينضم إليه مما يفعله القاضي المكتوب إليه بخلاف ما نحن فيه فإنه في بيع عين ليست في محل ولايته وهذا تصرف منه مستقل ليس سببه إلا الولاية وهذه العين ليست في محل ولايته فلا يتجه مع ذلك نفوذ تصرفه حينئذ لأنه لا مسوّغ له، وبعبارة الإمام المذكورة يعلم الرد على التاج السبكي ومن تبعه في اشتراط أن يكون الغائب المحكوم عليه في محل ولايته ومما يرد عليهما أيضاً أن البيع عليه إذا كان في غير محل ولايته قضاء على غائب وهو جائز بل واجب بطلب الغريم وأيضاً فالقاضي نائب الغائبين كما صرح به الأصحاب والنائب كالمنوب عنه وهو لو كان حاضراً وجب عليه البيع فكذا نائبه وأيضاً فكل ما وجب على الشخص مما يقبل النيابة إذا امتنع أو غاب قام القاضي مقامه فيه وأيضاً فلو لم يجب على القاضي البيع لما وجب عليه إذا حضر وامتنع، وقد اتفقا على أنه إذا حضر يجب عليه البيع فكذا في غيبته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/291)


وسئل رضي الله تبارك وتعالى عنه إذا اختلف الحاكم والشاهدان في شاهدي الحكم فقال الحاكم شهدتم عندي بكذا وحكمت به، وقال الشاهدان ما شهدنا عندك إلا بكذا، يعني بخلاف ما حكمت به، فما الحكم في ذلك صحة الحكم أو لا وما لو ورد كتاب على حاكم فيه حكمت على فلان بكذا بشهادة فلان وفلان فأحضر شاهدي الحكم فقالا لم نشهد بهذا الحكم وما نشهد إلا بكذا بخلاف الحكم أو أنكرا أصل الشهادة أو أنكرا الحضور عند الحاكم الأوّل أو قالا نشهد بصورة الأمر لا بحكم الحاكم هل يكون ذلك رجوعاً منهم ويغرمون ما أخذ بالحكم أو لا فيكون رجوعاً ويبطل الحكم ولا يغرم الحاكم أم يصح الحكم وإذا صح الحكم فعلى من الغرم وما يكون إذا لم تصح شهادة الشهود وكان الحاكم مصراً بالحكم وقد عمت البلوى من الحكام أنهم ربما يحكمون بغيبة الخصم والشهود عافانا الله تعالى من ذلك وربما ينكر الشهود أصل الشهادة وهم كاذبون لأجل فساد الزمان وما لو أن المحكوم له صادق الشهود الذين شهدوا بخلاف الحكم وأقروا بأن ما شهد به الشاهدان بخلاف ما حكم به الحاكم؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به عن المسألة الأولى والثانية بقوله إن الحاكم متى حصر مستند حكمه في شاهدين معينين فأنكرا الشهادة عنده بذلك ولم تقم عليهما بينة بالشهادة عنده به كان الحكم به غير معتد به لبطلان سببه بإنكارهما هذا ما ظهر لي من كلامهم، وأما ما اقتضاه قول السبكي في الحلبيات في مسألة ما لو ادعى على القاضي جور أو نحوه، وقضية كلام الغزالي رحمه الله تعالى أن لا تسمع عليه وهو صحيح لأنه نائب الشرع فقوله أصدق من البينة من مخالفة ما قررته فغير منظور إليه لأنه رأى له ضعيف مخالف لكلام الشيخين وغيرهما كما في التوسط وغيره والكلام في قاض أمين ظاهر العدالة والديانة محمود السيرة كان ذلك في محل ولايته فإن اختل شرط من ذلك فلا تردد عندي في إلغاء حكمه وفساد دعواه ويأتي ما ذكر فيما لو قال في كتابه الحكمي أشهدت على حكمي

(6/292)


فلاناً وفلاناً فأنكرا فلا يعتد بحكمه وإذا تقرر ذلك علم أن ما ذكره الشاهدان غير رجوع فلا غرم عليهما لفساد الحكم سواء أوافقهما المحكوم له أم لا؟.
وسئل رضي الله تبارك وتعالى عنه إذا حكم حاكم بشهادة شاهدين ونفذ عند حاكم آخر وتبين بطلان إشهاد الحاكم به الأوّل أو أبطل الحاكم الأوّل حكمه بقوله ما حكمت بهذا هل يبطل التنفيذ أو لا؟. فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: إن التنفيذ مبني على صحة الحكم الأوّل فمتى بان فساد الأوّل بان فساد التنفيذ، نعم قول الحاكم ما حكمت بهذا لا يعتد به إذا شهدت عليه بينة بأنه حكم به، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289
وسئل نفع الله تعالى بعلومه إذا حكم حاكم في كتاب وجيء بالكتاب إلى حاكم آخر على خلاف معتقده هل ينفذ أم لا بينوا لنا ذلك؟. فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: إنه ينفذه وإن خالف معتقده كما حكى الشيخان تصحيحه عن السرخسي قالا وعليه العمل لكنهما حكيا قبل ذلك عن ابن كج عن النص أنه يعرض عنه فلا ينفذه ولا ينقضه لأن ذلك إعانة على ما يعتقده خطأ والمعتمد الأوّل كما أشارا إليه بقولهما وعليه العمل إذ هي صيغة ترجيح كما حققه بعض المتأخرين هذا كله إن كان ذلك الحكم مما لا ينقض فيه قضاء القاضي وإلا أعرض عنه جزماً ونقضه بطريقه.

(6/293)


وسئل رحمه الله تعالى إذا حكم حاكم في واقعة فهل يترتب كل ما يتولد من تلك الواقعة على حكم الحاكم الأوّل أم كل حاكم على ما يقتضيه مذهبه كما إذا وكل وكيل في صلح أو بيع ثم باع أو صالح بمائة وما أظهر منها إلا أربعين ثم إنه استبرأ من الموكلين من وكيلهم فقال قد أبرأتموني من كل قليل وكثير وقد اتهمتموني بالمائة وأبرأتموني منها وقالوا لم نعلم أنها مائة إلا كنا متهمين وأبرأنا من شيء لا نعلمه والآن علمنا ولا نرضى تلك البراءة في هذا الزائد فقال الحاكم قد حكمت بالبراءة مما كان وما لم يكن حتى أنه لو ظهر زيادة كانت للوكيل فهل يكون كذلك لأنه يقول هذا يترتب على حكمي أم لا يكون إلا على معتقد الحاكم الآخر الذي قامت عنده البينة بالمائة وتكون للموكلين؟ أبسطوا الجواب. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: إن الحكم بالصحة أو الموجب يستتبع جميع الآثار المترتبة على ذلك الحكم وقته وحينئذ يتعين الرجوع في صورة السؤال إلى مذهب الحاكم المالكي، ولا يجوز للحاكم أن يحكم فيها بما يخالف مذهب مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/294)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ عما لو دفع المستفتي والمتزوّج إلى مجيبه أو ملفظه درهماً أو ديناراً أو أقل أو أكثر ما حكمه وما حكم الوقف على القاضي؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله: يجوز للمفتي أن يأخذ ما دفعه إليه المستفتي تبرعاً وله أن يقول لا تلزمني الكتابة لك فإن أردتها فاستأجرني عليها فإذا استأجره لشيء ودفعه جاز له أخذه لكن الأولى التنزه عن ذلك اتباعاً لأكابر السلف والخلف في ذلك ويجوز لمن علم آخر كيف يتلفظ بعقد نكاح أو نحوه أن يأخذ من المتعلم ما يعطيه له تبرعاً أو بأجرة كما مر في المفتي وبما ذكرته في المفتي صرح السبكي فقال: فإن قلت العالم الذي تعين عليه تعليم العلم أو وجب فرض كفاية ولم يتعين هل يجوز له قبول الأجرة أو الهدية عليه، قلت هذا مما اختلف العلماء فيه والأولى التنزه عنه ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي، فإن القاضي فيه وصفان: أحدهما الوجوب، والثاني كونه نائباً عن الله تعالى والعالم ليس فيه إلا الأوّل فقط قال: ولا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئاً مما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ وإن لم تكن هذه الأشياء أحكاماً بمعنى أنها ليست تنفيذاً لما قامت به الحجة بل إنشاء تصرفات مبتدأة ولكن الأخذ عليها ممتنع كالحكم لأنه نائب فيها عن الله تعالى كما هو نائب عنه في الحكم اهـ. قال غيره: وللمفتي قبول هدية لا رشوة من السائل ليفتيه بمراده ويجوز الوقف على القاضي كما صرح به السبكي في الحلبيات بل اقتضى كلامه الاتفاق عليه، وذلك أن الأذرعي قال في سؤاله عن الصدقة على القاضي من أهل عمله ممن لا حكومة له ولا غرض إلا التقرب إلى الله تعالى بذلك أن ذلك وقع فيه نزاع والقلب إلى التحريم أميل لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الرشا ويفوت المعنى الذي حرمت لأجله الهدية وهو ميل النفس هذا كلام الأذرعي في السؤال وتبعه شيخنا زكريا رحمه الله تعالى في شرح الروض على التحريم كالهدية، وأجاب السبكي فقال: ما حاصله

(6/295)


الذي يظهر لي جواز ذلك أي الصدقة وليس عندي فيه نقل فالأولى التنزه عنه بقدر الإمكان، ثم فرق بين الصدقة والهدية بأن الصدقة يقصد بها وجه الله تعالى فالمتصدق في الحقيقة دافع لله تعالى صدقته، أي تقع في يد قبوله وثوابه قبل أن تقع في يد الفقير فهو آخذ منه لا من المتصدق والهدية يقصد بها التودد والميل، ووجه المهدي إليه والميل هو المحذور في القاضي فافترقا وكل من هذا والهبة مندوب يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى فلا مميز للصدقة عنهما إلا ما مر، وحينئذ فاللام في تصدق لله للملك وفي أهدى أو وهب لله تعالى للتعليل فالمتصدق ملك لله سبحانه وتعالى كما أن الوقف ينتقل إلى الله سبحانه وتعالى والمهدي مملك للمهدي إليه وقد يكون لأجل الله وحينئذ فلا منة على المتصدق عليه للمتصدق إذ لا تمليك منه له ولا يد له عليه وميله له بسبب ذلك لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها بخلاف الهدية فإنها تستدعي الثواب عليها عادة إما بمال أو بغيره، وأطال في ذلك ثم قال: ولو حرمنا على القاضي الصدقة حرمنا عليه الوقف لأنه صدقة اهـ، فافهم أن الوقف لا نزاع فيه ولا تردد في حله وإنما النزاع في الصدقة أي والأوجه فيها ما مر عن
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/296)


الأذرعي وشيخنا من الحرمة كالهدية لأن المعنى الذي حرمت الهدية لأجله موجود في الصدقة بتمامه، وفرق السبكي المذكور بينهما لا يجدي شيئاً مما نحن فيه لأنه على فرض تسليمه باعتبار ما في نفس الأمر والنظر إلى الحقائق والتقديرات البعيدة عن أفهام الناس ومثل ذلك لا يلتفت إليه في ربط الأحكام به لأنها إنما تربط بالأمور الظاهرة المتبادرة للأفهام مع قطع النظر عن تلك الحقائق والتقديرات البعيدة، ولا شك أن المتبادر من الهدية والصدقة شيء واحد هو الميل فكما حرمت الهدية لذلك فلتحرم الصدقة له أيضاً، ثم رأيت الزركشي و الحوحري و ابن أبي شريف وغيرهم رجحوا أن الصدقة كالهدية، وبحث أبو زرعة في التحرير وشرح البهجة جواز أخذه الزكاة قطعاً وأنه لو وفى عنه إنسان دينه بغير إذنه جاز قطعاً وبإذنه بشرط عدم الرجوع لا يجوز قطعاً اهـ، ورد قطعه بحل أخذ الزكاة بتصريحهم بمنع أخذه من سهم العامل وعللوه بما يقتضي المنع حيث قالوا لا يدخل في العامل الإمام والوالي والقاضي، إذ لا حق لهم في الزكاة بل رزقهم في خمس الخمس المرصد للمصالح العامة. قال بعضهم: نعم يظهر أخذه من سهم الغارم إذا أذن للإصلاح ومن سهم الغازي المتطوّع وقد عمت البلوى في قضاة العصر بأخذهم الزكاة مطلقاً وهو خطأ مطلقاً اهـ فإن قلت فأي فرق بين الصدقة والوقف مع أنه صدقة، قلت الوقف لا صنع فيه من القاضي إن قلنا بما قاله جمع متقدمون، واختاره النووي رحمه الله تعالى في الروضة في السرقة، ونقله في شرح الوسيط عن نص الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ أنه لا يشترط القبول من الموقوف عليه، وعلله ابن الصلاح بأن الملك فيه يزول إلى الله تعالى كالعتق، يعني ينفك عن اختصاص الآدميين فعلى هذا الفرق بين الوقف والصدقة ظاهر، وأما على مقابله من أن الموقوف عليه لا بد من قبوله وهو ما رجحه في المنهاج كأصله، ونقله الشيخان عن جمع متقدمين فيفرق بينهما بأن الميل في الصدقة أعظم منه في الوقف لأنها تقتضي

(6/297)


الملك التام المقتضي للتصرف في العين بما أراد المتصدق عليه بخلاف الوقف فإنه إنما يقتضي استباحة منفعة مقيدة بما شرطه الواقف فهو محجور عليه فيما عدا ذلك، وفرق ظاهر بين عقد يقتضي استقلاله وعدم الحجر عليه بوجه وهو الصدقة والهدية وعقد لا يقتضي ذلك بل عكسه وهو الوقف فلم يظهر إلحاقه بهما وإن كان محتملاً نظراً إلى أنه يفضي إلى ميل مثلهما، وإن اختلف الميل لكن لو كان النظر لمطلق الميل حرمت الهدية إليه ولو ممن اعتادها قبل التولية، فلما جوّزوا ذلك له علمنا أنه لا تعويل إلا على ما يستدعي ميلاً قوياً مع عدم ظهور قرينة بضعف ما أشعر به من الميل ثم رأيت
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/298)


الزركشي قال في خادمه: أهمل الرافعي الوقف كما لو أراد واحد من أهل ولايته الوقف عليه ويظهر أنه كالهدية إن شرطنا القبول في الوقف على المعين وإلا فينبغي الصحة كما لو كان له على القاضي دين فأبرأه منه، وأما إذا كان من غير أهل ولايته فلا يتخيل فيه منع، وأما لو شرط الواقف في المدرسة أن تكون تدريساً للقاضي وكان للتدريس معلوم. قال بعض المتأخرين، أي السبكي : ينبغي أن تتخرج صحة هذا الشرط على أنه لو رزق أهل الولاية أو واحد منهم أو الإمام من خاص نفسه القاضي بذلك يجوز وإلا صح المنع، فيحتمل بطلان هذا الشرط ويحتمل أن يقال إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم أجيب إليه ويصح الشرط لأنه قد يجتمع الفقهاء عنده أكثر وهذا غرض صحيح ويحتمل أن يقال أنه يجاب ويأخذ المعلوم لأنه ليس متعيناً فلا يكون في معنى الهدية وهذا في حياة الوقف أما بعد موته فلا يتخيل فيه منع اهـ، وحاصل كلامه في الموقوف عليه المعين أنه موافق على ما قدمته من صحة الوقف على القاضي بعينه إذ لم يشترط قبول الموقوف عليه المعين ومخالف للاحتمال الذي رجحته فيما إذا شرطنا قبوله ولكل من الاحتمالين وجه كما قدمته وما قاله الزركشي أحوط على أنه ليس من عنده، فقد نقله أبو زرعة عن تفسير السبكي ، وحينئذ ففي كلام السبكي شبه تناف لأن ما قدمته عنه في الحلبيات يقتضي صحة الوقف مطلقاً وكلامه في التفسير فيه التفصيل المذكور إلا أن من قواعدهم حمل الإطلاق على التفصيل، ويؤيد ما قاله من المنع إذا شرطنا القبول بحث الأذرعي ومن تبعه من أن استعارة القاضي لغير كتب العلم كالهدية، إذ المنافع كالأعيان فهذا على تسليمه يدفع ما فرقت به بين الهدية والصدقة وبين الوقف من أنه يقتضي ملك منفعة فقط بخلاف ذينك فإذا ثبت أن المنافع كالأعيان لم يكن فرق بين الوقف والهدية فليلحق بها إذا قلنا باشتراط القبول لكنه ضعيف عند كثيرين من المتأخرين، إذ المعتمد عندهم أنه لا يشترط مطلقاً، وقد مر صحة

(6/299)


الوقف على القاضي مطلقاً على هذا باتفاق ثم هذا كله يقتضي ترجيح الاحتمال الأخير من الاحتمالات الثلاث التي حكاها الزركشي وغيره عن السبكي في شرط التدريس للقاضي ووجه الصحة وإعطائه المعلوم أنه لا يجب عليه القبول في هذه الصورة فهي أولى بالصحة فيما إذا وقف عليه بخصوصه ولم يشترط القبول، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئلت هل خط القاضي يكفي لمن أراد أن ينيبه من غير إشهاد على تلفظ القاضي بالإذن وهل يجب عليه القبول لفظاً، وإذا قال النائب في التزويج لتضجر لا أزوّج أحداً أو لا أعقد النكاح لأحد هل ينعزل بذلك؟. فأجبت بقولي: لا يكفي مجرد خط القاضي بالاستنابة، وأما اشتراط القبول فنقل الشيخان عن الماوردي أنه إن خاطبه بالتولية اشترط القبول لفظاً وإن كاتبه أو راسله لم يشترط قبوله إلا عند بلوغ الخبر ثم تعقباه فقالا سبق في الوكالة خلاف اشتراط القبول وأنه إذا اشترط فالأصح أنه لا يعتبر فيه الفور فليكن هكذا هنا اهـ، وهذا منهما صريح في أنه لا يشترط القبول هنا لفظاً كما في الوكالة، ويؤيد ذلك قول الأنوار. قال الماوردي : يشترط القبول لفظاً. وقال الرافعي : لا كالوكالة اهـ. ففهم من كلام الرافعي أنه مصرح بخلاف ما قاله الماوردي وهو كذلك كما قررناه ومجرد امتناع النائب في التزويج منه لا يكون عزلاً له إذ لا دلالة فيه على رد الإذن له فيه بخلاف قوله عزلت نفسي أو نحوه.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/300)


وسئلت هل لمن قرأ كتاباً أو أكثر ولم يبلغ درجة الفتوى أن يفتي العامي في واقعته أو يتركه في حيرته وإذا لم يجد المسألة مسطرة ووجد لها نظيراً هل له أن يفتيه بحكم واقعته حملاً على النظير وهل للمتبحر في الفقه حد معلوم وهل للمفتي إذا وجد فتيا أخرى في مسألة فرضية في المناسخات أن يصحح عليه من غير اختياره ولو حضر لفرضي من يريد استفتاء في مسائل عويصة في المناسخات تستغرق عليه زمناً طويلاً فهل له أن يقول للسائل لا أصرف هذه المدة في تصحيح سؤالك إلا بأجرة معلومة، وإذا لم يصح منه الاستئجار لجهله بالعمل المستأجر له فما حيلته مع أن المفتي ليس له ما يكفيه؟. فأجبت بقولي: ليس لمن قرأ كتاباً أو كتباً ولم يتأهل للإفتاء أن يفتي العامي إلا فيما علم من مذهبه علماً جازماً لا تردد فيه كوجوب النية في الوضوء ونقضه بلمس الذكر أو بلمس الأجنبية ونحو ذلك مما لا مرية فيه بخلاف مسائل الخلاف فإنه لا يفتي فيها، نعم إن نقل له الحكم عن مفت آخر غيره أو عن كتاب موثوق به وكان الناقل عدلاً جاز للعامي اعتماد قوله لأنه حينئذ ناقل لا مفت وليس لغير أهل الإفتاء الإفتاء فيما لم يجده مسطوراً وإن وجد له نظيراً أو نظائر والمتبحر في الفقه هو الذي أحاط بأصول إمامه في كل باب من أبواب الفقه بحيث يمكنه أن يقيس ما لم ينص إمامه عليه على ما نص عليه وهذه مرتبة جليلة لا توجد الآن لأنها مرتبة أصحاب الوجوه وقد انقطعت منذ أربعمائة سنة ومن طلب منه إفتاء من مناسخة مكتوبة لم يجز له الإقدام عليه إلا بعد الامتحان والاختبار، وللفرضي أن يمتنع من التأصيل والتصحيح إلا أن يجعل له أجرة في مقابلة ذلك وإلا فطريقه أن يجعل له على ذلك جعل معلوم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/301)


وسئل رحمه الله تعالى عن مسألة سئل عنها أبو الحسن الأصبحي وعن جوابه فيها وجواب غيره وهي إذا عدم في قطر ذو شوكة وحاكم ولم يوجد للمرأة ولي ولا للأطفال وصي ونحوه فهل لجماعة من أهل البلاد نصب فقيه يتعاطى الأحكام في الأبضاع والأموال، فأجاب الأصبحي رحمه الله تعالى بقوله: نعم إذا لم يكن رئيس يرجع أمرهم إليه اجتمع ثلاثة من أهل الحل والعقد ونصبوا قاضياً صفته صفة القضاة، ويشترط في الثلاثة صفة الكمال كما في نصب الإمام اهـ. قال الإمام السيد السمهودي رحمه الله تعالى في فتاويه: ووجهه أن الميسور لا يسقط بالمعسور فحيث تعذر الإمام وأمكن نصب القاضي وجب لأن الضرورة داعية إليه فيأثم أهل تلك البلاد بتركه وقوله صفته صفة القضاة أي التي يمكن وجودها في زمانهم فكما يجوز للإمام تولية المقلد للضرورة يتعين على هؤلاء توليته، فإذا اجتمع جماعة من أهل الحل والعقد الموصوفين بصفة الكمال على نصب مقلد قاضياً تم ذلك ونفذ حكمه فيحكم بينهم بما يعلمه من مذهب إمامه وبالجملة فالتمادي على ترك إقامة قاض في قطر من الأقطار معصية تعم أهله، وقد علمت أن إقامته ليست متوقفة على وجود الإمام الذي يعسر عليهم ولا على المجتهد بل الضرورة مقتضية لما ذكرناه اهـ كلام السمهودي رحمه الله تعالى. وقوله وبالجملة فالتمادي على ترك إقامة قاض في قطر من الأقطار معصية تعم أهله يؤيده قول المقدسي رحمه الله تعالى في القضاء من الإشارات إذا اجتمع أهل بلد على أن لا يلي أحد فيهم القضاء أثموا لما روي أن النبي قال: «إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه» اهـ. قال الشيخ الإمام ابن ناصر في بعض أجوبته: أن البلد الذي لا حاكم فيه تجب الهجرة منه لقولهم في باب الإمامة لا بد للناس من حاكم يأخذ على يد الظالم للمظلوم وينصف الناس بعضهم من بعض والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد سئل القاضي جمال الدين بن ظهيرة رحمه الله تعالى عما إذا كانت قرية من القرى وأهلها

(6/302)


يملك كبارهم الحل والعقد فيها دون غيرها فهل يصح نصبهم لرجل يمضي بينهم بعض ما يمضي الحاكم، وقد أظهروا له الطاعة فيما يقربهم من الله سبحانه وتعالى وبايعوه على ذلك وهو معتقد منهم عدم الوفاء، ثم لم يفوا بالأكثر أو بالجميع هل ينفذ منه ما ينفذ من الحاكم من تزويج المجنونة وبيع مال المديون لحق الغرماء وحفظ أموال اليتامى والبيع لهم والشراء بالمصلحة وأشباه ذلك، وما يشترط فيه في نفسه وما لا يشترط فأجاب رحمه الله تعالى بأنه يجوز للكبار المذكورين أن يولوا قاضياً في القرية المذكورة يحكم بين الناس وإذا فعلوا ذلك صح ونفذت أحكامه وصح تزويجه للمجنونة وغيرها وبيع مال المديون عند امتناعه ويحفظ مال اليتيم ويتصرف فيه ويحفظ أموال الغائبين ويتولى جميع ما يتولاه الحكام وكذا لو كان للقرية شيخ يرجعون إليه في أمورهم ويقدمونه عليهم على عادة العرب فله أن ينصب حاكماً يحكم بين أهل القرية كما ينصبه الإمام ونائبه، ولا يشترط في الشيخ المذكور أن يكون عدلاً بل لو لم يكن لأهل القرية شيخ ولا كبير يرجعون إليه فلهم أن ينصبوا قاضياً يقضي بينهم ويصح ذلك منهم وتنفذ أحكامه عليهم، وقد أفتى بذلك كله الشيخ الإمام العالم العلامة الولي الكبير السيد الشهير
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/303)


أبو العباس أحمد ابن موسى بن عجيل اليمني رحمه الله تعالى فيما وقفت عليه له، وهو ظاهر، ويشترط في المنصوب المذكور ما يشترط في القاضي والشروط المعتبرة مفقودة في هذا الزمان بل من قبله بدهر طويل، وقد ذكر الغزالي في وسيطه وحكاه عنه الرافعي في الشرح وجزم به في المحرر أن من ولاه ذو الشوكة نفذ حكمه وإن كان جاهلاً أو فاسقاً للضرورة وهذا هو اللائق بهذا الزمان ولهذا قال في الحاوي الصغير وإن تعذر فمن ولاه ذو الشوكة والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ، ما قاله القاضي جمال الدين وأفتى ولده الشيخ شهاب الدين أحمد بأنه إذا قلد أهل الاختيار قاضياً جاز إذا أمكنهم نصرته وتنفيذ أحكامه والذب عنه وإلا فلا وكذا قال نحوه الماوردي ، والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ. وعبارة الماوردي رحمه الله تعالى في الحاوي إذا خلا بلد عن قاض وخلا العصر عن إمام فقلد أهل الاختيار أو بعضهم برضا الباقين واحداً وأمكنهم نصرته وتقوية يده جاز تقليده ولو انتفى شيء من ذلك لم يجز تقليده اهـ كذا قاله ابن الرفعة في الكفاية وتبعه ابن النقيب وسئل بعض المتأخرين عن رجل في بلاد ليس فيها سلطان هل يجوز حكمه إذا حكمه الخصمان أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: إذا حكمه الخصمان ورضيا بحكمه وكان أهلاً للحكم جاز ونفذ حكمه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وسئل بعضهم أيضاً عما إذا لم يكن في البلد إمام مولى ورضيت العامة بأحكام رجل عدل عندهم يلزم حكمه أم لا بد من التولية لأن الشرع مبني على الحاكم فإذا لم يكن حاكم هناك من جهة السلطان ولا أمينه هل يلزم أحكام من رضوا به؟ فأجاب رحمه الله تعالى فقال: إذا لم يكن في البلد قاض وكان فيها رجل عالم أو عدل ثقة مرضي به عند عدم الحاكم وتراضى به أهل البلد ونصبوه بإجماع عشرة عدول وكان عالماً بالشرع أو غير عالم إلا أنه يستفتي من يثق بفتواه ويحكم بها فأحكامه وتصرفاته في ذلك نافذة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ويؤيد هذا الجواب

(6/304)


مسائل. منها: قول الإمام الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ لا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهاً كذا قال الماوردي في الحاوي، وأقره الإمام الإسنوى و الإمام الأذرعي في باب محرمات الإحرام من شرحي المنهاج. قال الإمام الأزرق في القضاء من شرح التنبيه: قال بعضهم: ليس من شرط المحكم أن يكون فقيهاً في جميع الأحكام بل فيما حكم فيه كالقاسم قال: وهو القياس كما في عامل الزكاة اهـ. قال الإمام
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/305)


الأذرعي في محرمات الإحرام من شرح المنهاج من حكمناه في باب اعتبر أن يكون فقيهاً فيه لا غير. قال في القضاء منه وهو الأقرب. قال الولي العراقي: وشاهدت ذلك بخط الجلال البلقيني وفي غير هذا ما يدل لكلامه رحمه الله تعالى مصرحاً بذلك فليكتف به اهـ كلامه. ومنها: قول الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في الأقضية من شرح مسلم قالوا: من ليس أهلاً للحكم لا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء أوافق الحق أم لا؟ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك، وقد جاء في الحديث في السنن القضاة ثلاثة قاض في الجنة واثنان في النار قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار وقاض قضى على جهل فهو في النار اهـ ما قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى. ومنها: قول الإمام ابن الأنصاري و الكمال الدميري و الإمام المراغي المدني في شروحهم على المنهاج إذا تحاكم رجلان إلى رجل لا يصلح للقضاء لم ينفذ حكمه بالاتفاق والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: ما ذكر في الكافي أن المتغلب على إقليم لو نصب فاسقاً أو جاهلاً وتعذر رفعه ففي نفوذ أحكامه من التزويج والتصرف في أموال الأيتام احتمال وجهين فعلى المنع أن طريق الناس التحاكم إلى من هو أهل فإن تعذر نفذت أحكامه للضرورة، وقال بعض المتأخرين يتعين على السلطان في هذه الأزمنة أن يولي من اتصف بصفة العلم بمذهب إمام، والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ ما قاله في الكافي كذا قال في مفتاح ابن كبن فهل ما ذكر صحيح أم لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: ما ذكر في هذه الأجوبة صحيح جار على القواعد لما علمت أنه مذكور في حاوي الماوردي ، وأقره ابن الرفعة وغيره ويوافقه كلام صاحب الكافي وكفى باعتماد هؤلاء المفتين له وهو اللائق بقاعدة أن المشقة تجلب التيسير وأن

(6/306)


الضرورات تبيح المحظورات وغيرهما فإذا خلت بلد أو قطر عن نفوذ أوامر السلطان فيها لبعدها وانقطاع أخبارها عنه وعدم انقياد أهلها لأوامره لو بلغتهم فلم يرسل له قاضياً وجب على كبراء أهلها أن يولوا من يقوم بأحكامهم ولا يجوز لهم أن يتركوا الناس فوضى لأن ذلك يؤدي إلى ضرر عظيم فإذا ولوا عدلاً نفذت جميع أحكامه وصار في حقهم كالقاضي ولا يشترط فيه اجتهاد لأن غايته أنه كالمحكم والمحكم لا يشترط فيه الاجتهاد إلا مع وجود القاضي، وأما مع فقده فيجوز تحكيم العدل لكن لا بد من معرفته للأحكام التي يحتاج إليها ولو باستفادتها من غيره وما ذكره السائل عن جمع مما يخالف ذلك محمول على هذا التفصيل، وأما ما ذكره
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/307)


الأصبحي رحمه الله تعالى من قوله صفته صفة القضاة فهو مؤوّل بما قاله السيد السمهودي رحمهما الله تعالى وما ذكر من تأثيم جميع أهل الحل والعقد بترك نصب حاكم يحكم بين الناس في بلادهم متجه، وما ذكر من وجوب الهجرة من بلد لا حاكم فيه يؤيده قول الغزالي لا تجوز الإقامة ببلد لا مفتي فيه ويفهم من كلام الماوردي في الحاوي أنه لا بد أن يتفق على نصبه أهل الحل والعقد حيث قال فقلد أهل الاختيار أو بعضهم واحداً برضا الباقين، وبه ينظر في قول الأصبحي ثلاثة من أهل الحل والعقد، وقول السمهودي جماعة من أهل الحل والعقد لكن ما قاله هو القياس في نصب الإمام فإنه لا يشترط فيه اتفاق جميع أهل الحل والعقد، بل صرحوا بأنه لو انحصر الحل والعقد في واحد مطاع كفى وكذا يقال به هنا وللماوردي أن يفرق بأن تلك ولاية عامة فلو اشترطنا حضور جميع أهل الحل والعقد لتعسر أو تعذر وفات المقصود وعظم الخطب ولم يتيسر نصب إمام لبعد اجتماعهم على واحد فاقتضت الضرورة المسامحة ثم بالاكتفاء بمن تيسر منهم، وأما هنا فهذه ولاية خاصة على قوم مخصوصين فاشترط رضا جميع أهل الحل والعقد بها إذ لا عسر في ذلك ولا مشقة وهذا هو الذي يتجه ترجيحه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(6/308)


وسئلت عن شخص اشترى من آخر حصة مشاعة من صهريج وحفرة ثم استأجر البائع الحصة الشائعة المذكورة من المشتري ولم يكتب الموثق في حجة التبايع والتؤاجر ثبوتاً ولا حكماً ثم اتصل مضمون الحجة المذكورة بحاكم شافعي وكتب بخطه في طرتها ثبت ذلك عندي ولم يتعرض للحكم فهل يكون هذا اللفظ متضمناً للحكم بصحة التبايع والتؤاجر أو أحدهما أم لا يكون متضمناً للحكم وهل إذا رفعت هذه القضية إلى حاكم مخالف يكون هذا اللفظ مانعاً له عن العمل في ذلك بقاعدة مذهبه أم لا؟. أجبت بقولي: الثبوت المجرد ليس بحكم بالثابت على الأصح عندنا وعند المالكية و الحنابلة ، وقال آخرون إنه حكم، واختار السبكي التفصيل بين أن يثبت الحق أو سببه فإن ثبت سببه كقوله ثبت عندي أن زيداً وقف هذا فليس بحكم لأنه يتوقف بعد ذلك على نظر آخر وهو أن الوقف صحيح أو لا، وإن ثبت الحق كقوله ثبت عندي أن هذا وقف على زيد فهو في معنى الحكم لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه ولا يحتاج إلى نظر آخر وإن لم توجد صورة الحكم فيه فعلى الأول الأصح ليس قول القاضي ثبت ذلك عندي متضمناً للحكم بصحة بيع ولا إجارة فللمخالف الحكم فيه بقضية مذهبه وعلى الثاني هو متضمن لذلك وعلى اختيار السبكي إن قال ثبت عندي أن زيداً باع هذا لم يكن حكماً وللمخالف نقضه وإن قال ثبت عندي أن هذا مبيع من زيد كان حكماً يمتنع نقضه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289
وسئل رحمه الله تعالى عن ولي الأمر إذا ولى شخصاً على بلدة وفوّض أمرها إليه بأن يعزل وينصب ويحكم بل فوض أمورها إليه وحكم بحرية إنسان هل ينقض ذلك الحكم أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله لا ينقض حكمه المذكور إلا بسبب مقتض له كأن قامت بينة برق ذلك المحكوم بحريته فإن بينة الرق مقدمة على بينة الحرية، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(6/309)


وسئل رحمه الله تعالى سؤالاً صورته ما معنى قولهم في تكبير العيد وفي الشهادات الأشهر كذا والعمل على خلافه وكيف يعمل بخلاف الراجح؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: إن الترجيح تعارض لأن العمل من جملة ما يرجح به وإن لم يستقل حجة فلما تعارض في المسألة الترجيح من حيث دليل المذهب والترجيح من حيث العمل لم يستمر الترجيح المذهبي على رجحانيته لوجود المعارض فساغ العمل بما عليه العمل.
وسئل رحمه الله تعالى عن ملك ليتيم احتيج لبيعه فقامت بينة بأن قيمته مائة ثم باعه القيم وحكم بصحة البيع استناداً للبينة المذكورة ثم قامت بينة أخرى بأن قيمته حينئذ مائتان فهل ينقض الحكم ويحكم بفساد البيع أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: أفتى ابن الصلاح بعد التمهل أياماً بأنه ينقض ووجهه أنه إنما حكم بناء على البينة السالمة عن المعارضة ببينة مثلها أو أرجح وقد بان خلاف ذلك وتبين استناد ما يمنع الحكم إلى حالة الحكم فهو كما قطع به صاحب المهذب من أنه لو حكم الحاكم للخارج على صاحب اليد ببينة فانتزعت العين منه ثم أتى ببينة فإن الحكم ينقض للعلة المذكورة بخلاف ما إذا رجع الشاهد بعد الحكم فإنه لم يتبين استناد مانع إلى حالة الحكم لأن قوله متعارض ولا مرجح.

(6/310)


وسئل عما يفتي به المفتون هل يقال إنه مذهب الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ سواء أعلم كونه منصوصاً له أم لا يقال ذلك إلا فيما علم نصه عليه وغيره يقال فيه أنه مقتضى مذهبه؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: لا يجوز أن يقال في حكم هذا مذهب الشافعي إلا إن علم كونه نص على ذلك بخصوصه أو كونه مخرجاً من نصوصه على الخلاف في نسبة المخرج إليه فقد قال التقي السبكي رحمه الله تعالى في جواب المسألة التاسعة والثلاثين من المسائل الحلبية، وأما من سئل عن مذهب الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ ويجيب مصرحاً بإضافته إلى مذهب الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ ولم يعلم ذلك منصوصاً للشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ ولا مخرجاً من منصوصاته فلا يجوز ذلك لأحد بل اختلفوا فيما هو مخرج هل يجوز نسبته إليه، واختار الشيخ أبو إسحاق أنه لا يجوز هذا في القول المخرج، وأما الوجه فلا يجوز نسبته إليه بلا خلاف. نعم هو مقتضى مذهبه أو من مذهبه بمعنى أنه من قول أهل مذهبه والمفتي يفتي به إذا ترجح عنده لأنه من قواعد الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ ولا ينبغي أن يقال. قال الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ إلا في منصوص له قال به أصحابه أو أكثرهم بخلاف ما خرجوا عنه بتأويل أو غيره لأن تجنبهم له يدل على ريبة في نسبته إليه، وما اتفقوا عليه وقالوا ليس بمنصوص يسوغ تقليدهم فيه ولكن لا يطلق أنه مذهب الشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ بل مذهب الشافعية فإن لم يعلم هل هو منصوص أو لا، سهلت نسبته إليه لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به اهـ ملخصاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289
وسئل رحمه الله تعالى عن القاضي بناحية هل ينفذ حكمه في البحار والبراري التي يترددون فيها من محل ولايته إليها؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: قال ابن كبن : القياس نفوذه في سواحل محل حكمه وجزائره لا في سفره وبحره.

(6/311)


وسئل رحمه الله تعالى سؤالاً صورته ادعى عليه عيناً فقال هي لرجل لا أعرفه أو لابني الطفل أو لمسجد كذا أو وقف على الفقراء فأراد المدعي تحليفه فنكل فهل يحلف ويستحق العين أم لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: نعم يحلف اليمين المردودة ويستحق العين في الأولى دون الثانية حتى يقيم بينة بأن العين له وبحث إلحاق ما بعد الثانية بها.
وسئل رحمه الله تعالى عن قول الإمام لآخر وليتك القضاء ونويا محلاً معيناً فهل يكفي؟. فأجاب نفع الله تعالى به بقوله ظاهر قولهم التعيين شرط لصحة الولاية أنه لا يكفي ولا أثر لكون ولاية القضاء تحصل بالكناية لأنه ثم أتى بلفظ محتمل تؤثر فيه النية بخلافه هنا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ولاية ذلك المولى مقصورة على بلد واحد أو لا.

(6/312)


وسئل عمن استأجر داراً سنة ثم مات المؤجر في أثنائها فجاء المستأجر لشافعي وادعى على ورثة المؤجر أن مؤجرهم أجره كما ذكر وهم يمنعونه استيفاء ما بقي من سننه فأنكروا فأقام بينته بذلك وطلب من القاضي الحكم له بلزوم الإجارة فهل يحكم له بذلك أم لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: بحث بعضهم أنه لا يجوز الحكم بذلك، لأن باقي المدة انتقل استحقاق منفعتها لولا الإجارة إلى الوارث وهو منكر استحقاق المستأجر لذلك والبينة وردت عليه غير متعرضة لسوى ذلك بل إنما يحكم بصحة الإجارة وصحتها لا تمنع الحنفي من الحكم بانفساخها بالموت، قال: نعم إن ادعى الوارث على المستأجر أنه استأجر من مورثه كذلك ومات وقد بطلت الإجارة بموته وسأل تسليم الدار فللقاضي الحكم حينئذ بلزوم الإجارة وإن مات المؤجر لكن بعد طلب المدعي عليه اهـ، ويوجه ما ذكره أوّلاً من عدم الحكم باللزوم بأن الاختلاف بين المستأجر والوارث إنما وقع في وجود العقد فوجب صب الحكم عليه بأن يحكم بوجوده وصحته، وأما اللزوم فأمر أخص من الوجود ولم يقع تعرض له في الدعوى فكيف يحكم به بخلافه في المسألة الأخيرة فإن الدعوى منصبة على عدم اللزوم بعد اعتراف المتداعيين بوجود العقد فساغ حينئذ الحكم باللزوم.
وسئل رحمه الله تعالى عن قاضي الضرورة هل تنفذ جميع أحكامه أو يستثنى منها شيء؟. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: ظاهر كلامهم نفوذها كلها، لكن قال الأذرعي وغيره لا يجوز له أن يحكم بعلمه. قال الحضرمي : ولا يجوز له حفظ مال الطفل بل يتركه عند عدل ولا يجوز أن يكتب إلى قاض آخر فإنه كالشاهد. قال البلقيني : ولا يستحق جامكية في بيت المال.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/313)


وسئل رحمه الله تعالى عما إذا سافر القاضي سفراً طويلاً بغير إذن الإمام ولم يستنب أحداً مع أنه مأذون له في ذلك فهل ينعزل بترك ذلك؟. فأجاب بقوله: بحث الأذرعي انعزاله بذلك وليس ببعيد حيث ترك ذلك إعراضاً لا لضرورة أو خشية محذور.
وسئل رحمه الله تعالى سؤالاً صورته وهب لطفل شخص شيئاً لزمه قبوله هل يشمل ذلك القاضي؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: قضية كلامهم شموله له فإذا وهب لطفله شيء لزمه قبوله لكن بحث بعض المتأخرين استثناءه قال وإلا فهو فتح باب للرشوة اهـ وفيه نظر، فإنه إذا قبله لموليه صار ملكاً للمولي وامتنع على الولي التصرف فيه إلا بالحظ له ولا يتصوّر رجوعه إليه إلا بنحو بيعه للمصلحة فكيف يتصوّر فيه الرشوة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ هل يلزم الدائن تسليم كتاب دينه بعد الاستيفاء أو الإشهاد عليه بذلك وكذلك البائع هل يلزمه كتاب شرائه بعد الإشهاد عليه بالشراء أو القبض؟. فأجاب بقوله: لا يلزمه دفع ذلك لأنه ملكه والإشهاد عليه كاف في دفع ما بيده لو ادعى به.

(6/314)


وسئل رحمه الله تعالى هل للقاضي قبض أموال الغائبين أعياناً كانت أو ديوناً؟. فأجاب بقوله: هذه المسألة ذكرها الشيخان في مواضع متفرقة بينها في المهمات في التفليس فقالا في السرقة ولا يطالب بماله، وفي التفليس لا يستوفي أموال الغائبين في الذمم وإنما يحفظ أعيان أموالهم وفي استيفاء القصاص قال ابن الصباغ ليس له أخذ مال الغائب المغصوب. وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه ويشعر بأنه يأخذه له ويحفظه وفي اللقطة لو أخذ القاضي المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك هل يبرأ الغاصب من الضمان فيه وجهان ظاهر النص منهما البراءة. وعبارة الروضة أقيسهما البراءة لأن يد القاضي نائبة عن يد المالك فإن قلنا لا يبرأ فللقاضي أخذه وإن قلنا يبرأ فإن كان المال متعرضاً للضياع والغاصب بحيث لا يبعد أن يفلس أو يغيب فكذلك وإلا فوجهان وليس لآحاد الناس أخذ المغصوب إذا لم يكن في معرض الضياع وكذا إن كان لأن القاضي نائب عن الغائبين اهـ، قيل: وينبغي حمل ما أطلقاه في بقية المواضع على هذا التفصيل الذي اعتمده النشائي وحاصله راجع إلى رعاية الحظ والمصلحة في ذلك للغائب، ونقل في المهمات عن الفارقي أن محل الخلاف حيث كان المديون ثقة ملياً وإلا وجب على الحاكم قبضه بلا خلاف وحيث ثبت له قبض حقه كان له نصب من يدعي به عند جحوده لأنه وسيلة إليه كما ذكره الغزي، وفي القوت عن القفال في القضاء على الغائب ما يؤيد ذلك وزيادة فانظره فإنه مهم ومحل جوز قبض الحاكم حيث قيل به ما إذا لم يخش استيلاء نحو ظالم عليه أو ضياعه من وجه آخر، إذ لا حظ للغائب حينئذ.
رقم الجزء: 4 رقم الصفحة: 289

(6/315)